الملائكة والعرش

سأل الأخ عيسى بعض الأسئلة العقلانية حول العرش وكان تبعا لسؤالاته حول العرش سؤالات أخرى حول الملائكة تنصب حول دورها ولماذا خلقهم الله وهو يستطيع فعل كل شيء؟!
فنعتذر منه أولاً للتأخر في الرد ثم نبدأ متوكلين على الرب فنقول:

الله العظيم على كل شيء قدير ولا يحتاج للملائكة ولا لغيرهم, ولكنه سبحانه ارتأى أن يخلق الكون بشكل معين, وأن يجعل لكل شيء سببا وسُننا, وهو سبحانه بقدرته الذي يسير الكواكب والشمس والقمر وهو الذي ينزل الماء وهو وهو … الخ.

وهذا الكون الذي نراه لا يزال فيه الكثير والكثير من الأمور التي لم نكتشفها بعلومنا المعاصرة, مثل وجود إرادة وحياة فيما نسميه الجمادات! (الجدار الذي يريد أن ينقض والسماء والأرض اللتان تبكيان واللتان أبيا أن يحملا الأمانة واللتان خوطبا ببلع الماء وبالإقلاع في طوفان نوح.)

والله سبحانه وتعالى “يتواصل” مع هذه الكائنات بشكل من الإشكال, ولأن الله سبحانه ليس مخلوقا وليس له طبيعة المخلوقات, يتواصل مع خلقه عبر وسيط: “وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ [الشورى : 51]”

فالله يكلم البشر بالوحي أو من وراء حجاب أو برسول يرسله الله العظيم!
وذلك لأن الطبيعة الفيزيائية لكوننا لا تتحمل تواصلاً مع الرب العظيم: “وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [الأعراف : 143]”

وأنت تساءلت: لماذا لم يجعل الله عز وجل قانوناً يسير الكون بدل من تدخل الملائكة؟ مع العلم أن الكشوفات الحديثة أثبتت أن الخالق العظيم وضع قوانين تسير الكون

وأنا أصدق على ما قلت من أن الله جعل سننا للكون يسير عليها, حثنا على اكتشافها والتعرف عليها, فلم يسيره هكذا عبثا بلا سنة, ولكنه سبحانه لم يخلق خلقه ويتركهم هكذا يعيشون في آلة عمياء تتحرك بقانون ثابت لا رحمة فيه, ولا ظهور فيه لإرادة الله ولا لعدله, وإلا لأصبح هذا ظلما, لجعله إرادة عاقلة –البشر- تتحرك تحت قوانين عمياء صماء لا إرادة لها! لذا فإن الله الحكيم الخبير يجري ويظهر إرادته في الكون بما يحقق الرحمة والعدل.

لذا فالمنطق يقول أنه ينبغي أن يتدخل الخالق في الكون ولا يتركنا هكذا, وشاء الله أن يكون تصرفه بجند من جنوده (الملائكة) تنفذ إرادة الله, فتوجه الريح مثلاً إلى البلد الفلانية للهلاك أو ترسل الرياح بشرا بين يدي رحمته (والتي كانت وفقاً لحرارة الشمس وعوامل الطقس الأخرى لن تتجه إلى هذه البلدة). ثم تتركها بعد ذلك فتعود للسير تبعاً لسنتها التي أودعها الله فيها.

ولا يقتصر الأمر على المظاهر الطبيعية وإنما يتعداه إلى الإنسان, وأعتقد أنك سمعت عن “الملاك الحارس”, ذلك التصور الغربي والذي يقابله عندنا في التصور الإسلامي “الملاك الحافظ”: “ إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ [الطارق : 4] ”

فكذلك الإنسان يتعرض لكثير من الأمور والمصائب, ولكن يشاء الله في بعض الأحيان لحكمة أن ينجو الإنسان من كارثة معينة فلا يموت أو لا تُبتر أعضاءه, فيتدخل الملاك فيحفظ الإنسان.

كما أن الملائكة تسجل أعمال الإنسان التي يقوم بها, وهذه لن تقوم بها الطبيعة! كما أن الملائكة تلهم (ولا نريد أن نقول: توحي, حتى لا يساء فهمنا) كل البشر في كل العصور, إلهامات هي بمثابة “إنارات” يقدمها الله لعباده في كثير من المواقف كهدى ونجاة وإرشاد وتثبيت:

” إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ [الأنفال : 12] “
وهذه لن تقوم بها الطبيعة.
كما أن الملائكة هي التي ستقوم بإدارة اليوم الآخر, فنحن لن نرى الله في ذلك اليوم, وإنما سنرى الملائكة, التي ستوجه الناس إلى المكان الفلاني, وتحشر المجرمين وتسوق المتقين وهناك خزنة جهنم … الخ.

هذه بعض من أدوار الملائكة التي يقومون بها والتي هي أمانتهم التي حملوها, أما بخصوص المشقة فالإنسان مخلوق في كبد, والحياة قائمة على بذل الجهد لتحقيق أمر ما, لذا فما من إشكال في أن “يتعبوا” قليلا! ولا أعتقد أنك أو أنا أرحم بهم من خالقهم! الذي خلقهم على هيئة معينة معدة للقيام بهذه الأدوار.

فإذا تركنا الملائكة وانتقلنا إلى العرش أقول:
العرش من الأمور الغيبية التي لا أميل كثيرا للحديث عنها لأنها تحتاج إلى تقديم تصورات لها, وعقولنا قاصرة في هذا الجانب, ولكن نقول:

ما هو العرش؟ هل هو مخلوق أم “تجليات لأسماء الله”؟!
أقول: الأصل في كلمات القرآن أن تُفهم على الحقيقة, لذا فالراجح لدي أنه مخلوق ما, وليس تجليات! لأن الله العليم نعته في كثير من الآيات بنعوت توضح أنه كذلك, وأقواها ما جاء في قوله:
“فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [التوبة : 129]”
فالله رب العرش العظيم وهو لن يكون رباً لأسمائه! ومن ثم فهل المراد بالعرش: الملك؟!
لا أرى هذا أيضا, لأن الله غاير بينه وبينه السماوات والأرض, فهو غيرهما: ”
سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ”

كما أنه العرش كان موجودا قبل خلق السماوات والأرض: “وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ [هود : 7]”

ولا يعني هذا أننا نقول أنه قديم, فنحن نقول أن العرش مخلوق.

فإذا أبطلنا هذين المعنيين فهل نقول بأن العرش بمعنى: الكرسي الإلهي؟!
بالطبع لا, فنحن لا نقول بهذا فهو عقلا لا يتفق مع جلال الله وكماله, كما أنه سبحانه لم يقل أنه: مستو على العرش, في أي آية من آيات القرآن حتى يأتي هذا التصور في أذهاننا, وإنما تحدث عن فعل وهو أنه: استوى على العرش:

اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ [الرعد : 2]

ومن ثم فما هو: العرش؟!
نقول: الله أعلى وأعلم, ولكن العروش ارتبطت دوما بالملوك وبالقيادة! ومن ثم فمن المحتمل –والله أعلى وأعلم- أن يكون العرش –مع تحفظنا على الألفاظ-: “مركز قيادة الكون”, ومنه تتلقى الملائكة الأوامر والتكليفات!

لاحظ أن الملائكة لم تر الله ولم تسمعه وإنما هي مثلنا تؤمن به, حتى حملة العرش أنفسهم: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [غافر : 7]

وأرجو ألا ينصرف ذهن القارئ عند قراءته لقولنا “مركز قيادة الكون” إلى “غرفة التحكم” أو إلى آلة ما أو ما شابه, فالله أعلم كيف هو العرش وكيف هي الملائكة, فكلاهما أكبر وأعلى من تصوراتنا البشرية المحدودة.

ومن ثم فهناك كوننا المادي, وهناك سماوات أخرى (كون آخر) ذو طبيعة أخرى تعيش فيه الملائكة, وهناك العرش والذي له “طبيعة” أخرى غير طبيعة عالم الملائكة, وإذا كنا لا نعلم طبيعة الملائكة ولا نعلم هيئة ولا شكل العرش, فلا ينبغي أن نتصور الملائكة أفراد محنيين يحملون شيئا على ظهورهم أو أفرادا منتصبين يحملون شيئا على أكتافهم! فهذه تصورات بشرية محضة!

ومن ثم فإن الحديث عن حمل كائنات لا نعلم هيئتها لشيء لا نعلم شكله يعد نوعا من التخرص ويمكن أن تقدم له إمكانيات عديدة, لا يمكن للإنسان أن يجزم بأي منها! فمن الممكن أن يكون حملة العرش هم “واسطة واصلة” بين العرش وبين باقي الملائكة, وربما يكون حملة العرش هم مديرو العرش! وربما وربما احتمالات كثيرة!

قد يقول قائل: وهل الله في حاجة إلى هذا, أليس هو على كل شيء قدير؟
(نفس السؤال الذي طُرح بخصوص الملائكة!!) فنقول:

نعم هو على كل شيء قدير, ولكنه على الرغم من قدرته وعلمه جعل سبلاً فخلق الملائكة وجعل كتاباً يسجل فيه الأحداث: ” قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى [طه : 52]”, وهذا الكتاب سنرى منه أعمالنا في يوم القيامة, ولو كانت عند الله فكيف سنراها؟!! فما المشكلة أن يكون العرش كالكتاب الذي في علم الله؟!

وكما أن الكتاب سيوضع في اليوم الآخر فإن العرش سيُرى في اليوم الآخر:
وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة : 17]
فلن يرى الناس الله وإنما سيرى الناس في اليوم الآخر الملائكةَ وأقصى ما رأته الملائكة وهو: العرش, والذي هو أقصى الغيب المتاح.

وأعود فأقول: فهمي للعرش هو فهم محتمل لا أجزم به, إلا أنه يبطل تلك الأسئلة حول الجلوس وما شابه!
وفي الختام أقول لك أخي عيسى:
أنت تشغل نفسك بتصورات كثيرة لا يُبنى عليها الإيمان ولن تقدم أو تأخر! ما تطلبه هذا لا يزيد عن كونها تصورات عقلية, وعندما “يفهم” الإنسان شيئا ما أو يعرف كيف يكون فإن هذا لا يؤثر على إيمانه قدر أنملة وإنما يكون قد زادت مداركه!

والإنسان ليس مطالبا بأن يدرك كيف كل شيء؟ كيف هو الكون؟ كيف الذي لا أدري ماذا؟ كيف … كيف؟!
فإن كان لديه شغف علمي فليفعل, ولكن ليعلم أن ليس “بالتصورات العقلانية للأشياء” يزداد الإنسان إيمانا!
نعم أنت تريد أن تتأكد من أن القرآن من عند الله ولكن إن لم تر في كل القرآن هداية وبردا فلن يكون تأكدك من صحة التصورات العلمية فيه راحة لنفسك وسكنا لقلبك.

رزقنا الله سكينة وطمأنينة وأرح قلوبنا.
دمت بود في حفظ الله.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.