ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف!

نعرض اليوم بفضل الله وعونه لآية أثارث إشكالية كبيرة واختلافا واسعا عند المفسرين وهي قول الرب العليم:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ [البقرة : 243]

فكانت التساؤلات حول هذه الحادثة العظيمة:
من هم هؤلاء القوم؟ وكيف اختفت هذه الحادثة العظيمة من التاريخ, أن يموت آلاف مؤلفة ثم يُبعثون ولا يكون لذلك ذكر في كتب التاريخ؟! أم أن المقصود من الموت أمر آخر؟!

إذا نظرنا في كتب التفاسير وجدنا أن المفسرين ذكروا روايات عديدة حاولت أن تقدم خلفية تاريخية وتأويلا لهذه الآيات, فنجد الإمام الرازي يذكر في تفسيره: مفاتيح الغيب:

أما قوله : { إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم } ففيه روايات أحدها :
قال السدي : كانت قرية وقع فيها الطاعون وهرب عامة أهلها ، والذين بقوا مات أكثرهم ، وبقي قوم منهم في المرض والبلاء ، ثم بعد ارتفاع المرض والطاعون رجع الذين هربوا سالمين ، فقال من بقي من المرضى : هؤلاء أحرص منا ، لو صنعنا ما صنعوا لنجونا من الأمراض والآفات ، ولئن وقع الطاعون ثانياً خرجنا فوقع وهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفاً ، فلما خرجوا من ذلك الوادي ، ناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه : أن موتوا ، فهلكوا وبليت أجسامهم ، فمر بهم نبي يقال له حزقيل ، فلما رآهما وقف عليهم وتفكر فيهم فأوحى الله تعالى إليه أتريد أن أريك كيف أحييهم؟ فقال نعم فقيل له : ناد أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي ، فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض حتى تمت العظام ثم أوحى الله إليه : ناد يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً ودماً ، فصارت لحماً ودماً ، ثم قيل : ناد إن الله يأمرك أن تقومي فقامت ، فلما صاروا أحياء قاموا ، وكانوا يقولون : «سبحانك ربنا وبحمدك لا إله إلا أنت» ثم رجعوا إلى قريتهم بعد حياتهم ، وكانت أمارات أنهم ماتوا ظاهرة في وجوههم ثم بقوا إلى أن ماتوا بعد ذلك بحسب آجالهم .

الرواية الثانية : قال ابن عباس رضي الله عنهما :
إن ملكاً من ملوك بني إسرائيل أمر عسكره بالقتال ، فخافوا القتال وقالوا لملكهم : إن الأرض التي نذهب إليها فيها الوباء ، فنحن لا نذهب إليها حتى يزول ذلك الوباء ، فأماتهم الله تعالى بأسرهم ، وبقوا ثمانية أيام حتى انتفخوا ، وبلغ بني إسرائيل موتهم ، فخرجوا لدفنهم ، فعجزوا من كثرتهم ، فحظروا عليهم حظائر ، فأحياهم الله بعد الثمانية ، وبقي فيهم شيء من ذلك النتن وبقي ذلك في أولادهم إلى هذا اليوم ، واحتج القائلون بهذا القول بقوله تعالى عقيب هذه الآية { وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله } [ البقرة : 244 ] .

والرواية الثالثة : أن حزقيل النبي عليه السلام ندب قومه إلى الجهاد فكرهوا وجبنوا ، فأرسل الله عليهم الموت ، فلما كثر فيهم خرجوا من ديارهم فراراً من الموت ، فلما رأى حزقيل ذلك قال : اللهم إله يعقوب وإله موسى ترى معصية عبادك فأرهم آية في أنفسهم تدلهم على نفاذ قدرتك وأنهم لا يخرجون عن قبضتك ، فأرسل الله عليهم الموت ، ثم إنه عليه السلام ضاق صدره بسبب موتهم ، فدعا مرة أخرى فأحياهم الله تعالى .” اهـ

إلا أن ابن عاشور لم يقنعه الرأي القائل بأنهم ماتوا فعلاً ثم أحيوا لمخالفته الآيات التي تقرر أن البعث والإحياء لا يكون إلا في اليوم الآخر, فقال في تفسيره: التحرير والتنوير, قولاً مختلفا:

“والأظهر أنهم قوم فروا من عدوهم ، مع كثرتهم ، وأخلوا له الديار ، فوقعت لهم في طريقهم مصائب أشرفوا بها على الهلاك ، ثم نجوا ، أو أوبئة وأمراض ، كانت أعراضها تشبه أعراض الموت ، مثل داء السكت ثم برئوا منها فهم في حالهم تلك مثَل قول الراجز
: … وخارجٍ أَخرجه حب الطمع (……..)

وقوله تعالى : { فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم }
القَولُ فيه إما مجاز في التكوين والموت حقيقة أي جعل فيهم حالة الموت ، وهي وقوف القلب وذهاب الإدراك والإحساس ، استعيرت حالة تلقي المكوَّن لأثر الإرادة بتلقي المأمور للأمر ، فأطلق على الحالة المشبهة المركبُ الدال على الحالة المشبَّه بها على طريقة التمثيل ، ثم أحياهم بزوال ذلك العارض فعلموا أنهم أصيبوا بما لو دام لكان موتاً مستمراً ، وقد يكون هذا من الأدواء النادرة المشْبِهة داء السكت وإما أن يكون القول مجازاً عن الإنذار بالموت ، والموتُ حقيقة ، أي أراهم الله مهالك شموا منها رائحة الموت ، ثم فرج الله عنهم فأحياهم . وإما أن يكون كلاماً حقيقياً بوحي الله ، لبعض الأنبياء ، والموتُ موت مجازي ، وهو أمر للتحقير شتماً لهم ، ورَماهم بالذل والصغار ، ثم أحياهم ، وثبتَ فيهم روح الشجاعة .” اهـ

هذا ما ذكره المفسرون في الآية وكما رأينا ففي أقوالهم إما مخالفة لآيات أخرى ولسنن الله في خلقه وإما مخالفة لمنطوق الآيات نفسها, فالله لم يقل أنهم أوشكوا على الموت وإنما قال أنهم ماتوا!!

ولي في المسألة فهمان -لست أدري كيف لم يقل المفسرون بأي منهما:
الأول: أن المقصود من الإماتة هو إماتة القلوب ثم أحياها الله, وذلك كما قال:
أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الأنعام : 122]
فهنا لم يقل: من كان ميتا قلبه, وإنما اعتبره كله ميتا ثم أحياه الله.
فهؤلاء خرجوا من ديارهم حذر الموت الجسدي فأصابهم الموت القلبي ثم أحياهم الله بعد ذلك بوحي وهداية ونور منه.

والفهم الآخر أن الله أماتهم فعلا, ولكن الإماتة لا تعني الإبادة الشاملة لكل الأفراد! فهؤلاء خرجوا حذر الموت فمات بعضهم وبقي بعضهم وأحياهم الله بأن بارك في الأفراد الباقيين فزادوا وعمروا,
وذلك مثل قوله:
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة : 259]
فهذه قرية أماتها الله ثم أحياها, ولم يقل أحد أن إحياءها كان بمعنى رد كل من فيها إلى الحياة, وإنما عادت الأجيال التالية إلى القرية فعمروها, واعتُبر هذا إحياء!

وعملية الإحياء التي تحدث مع النبات تكون كذلك, فالنبتة الهالكة المحصودة لا تُغرس في الأرض مرة أخرى, وإنما يؤخذ بعض منها (بذرة أو جزء منها) فيغرس في الأرض فتُحي النبتة مرة أخرى.

وهذا ما حدث مع القوم! وهو ما أميل إليه أكثر من القول الأول, لأن الأولى في سياق الحديث عن جبن عن قتال وحذر الموت أن يٌضرب المثل بقوم ماتوا فعلا ثم أحياهم الله, فلم ينفعهم حذرهم وفرارهم وإنما أصابهم ما كتب الله عليهم.

والسؤال هنا: من هم هؤلاء القوم الذين خرجوا ألوفاً فأماتهم الله ثم أحياهم؟!
هل يكونوا هم من خرجوا مع موسى ثم أصابهم ما أصابهم بسبب مخالفتهم الدائمة له, وخاصة أن الله تعالى قال في حقهم:
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة : 56]
فيكون هؤلاء خرجوا حذر الموت ثم بأفعالهم جلبوا لأنفسهم الموت!! ويرجح هذا أن آية تالية لآية الخروج قالت:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ [البقرة : 246]
فهنا وللمرة الوحيدة في القرآن كله يحدد زمان المذكورين هؤلاء بأنهم كانوا من بعد موسى, فهل يكون السابقون الذين خرجوا هم من كانوا مع موسى (أو قبله)؟!!!

الله أعلى وأعلم.

وفي النهاية: نحن وإن لم نجزم بالقوم الخارجين إلا أننا لم نقدم تصورات خرافية ولم نخالف منطوق القرآن وإنما قدمنا تصورين مستخرجين من القرآن، نرجو من الله أن نكون وفقنا في أحدهما, والله هو الفتاح العليم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.