الطلاق مرحلة انتقالية

كتبت فيما مضى على صفحات الموقع موضوعا عن الطلاق عرضت فيه لمسائل عديدة تتعلق به, مثل تعليق الطلاق على عمل تعمله المرأة وعلى التطليق ثلاثاً بلفظة واحدة, وعلى الطلاق لهواً أو انفعالاً بدون عزم, وبيّنت ساعتها أن كل هذا لا يصح.
ومرت الأيام وسمعت ذات مرة الأستاذ عدنان الرفاعي يتحدث عن الطلاق في برنامج تلفزيوني, وعرض فيه الطلاق بشكل مختلف عن المألوف لنا, فلم أقنع بما قال ونظرت حينها سريعا في آيات سورة الطلاق فلم أجدها تحتم ما قال. وظللت على اعتقادي في صحة التصور التقليدي للطلاق حتى عرضت قبل أيام لسورة الطلاق لاستكشف وحدتها الموضوعية والأجواء التي نزلت فيها, ومن خلال تدبري لآياتها الأول ظهر لي أن ما قاله الأستاذ عدنان بشأن الطلاق صحيح تماما.

فالطلاق ليس إنهاءً للزواج وإنما هو مرحلة انتقالية “انفصال مؤقت” إما أن يمسك الرجل زوجه بعدها أو يفارقها, وهذا الإمساك أو الفراق لا يمكن أن يحدث إلا بعد انتهاء العدة, فلو طلق الرجل زوجه “عازما” لا يمكنه أن يمسكها إلا بعد انتهاء العدة, فلا يمكنه أن “يراجعها” بعد يوم أو عشرة في أثناء العدة, وإنما ينتظر حتى انتهاء الأجل, فإما يمسك وإما يُسرح.

سيستغرب القارئ لا محالة هذا الرأي الذي يخالف الموروث لديه وقبل أن يسارع إلى رده والإعراض عنه ندعوه لأن يقرأ هذا الموضوع الذي يبين كيف أن هذا القول هو الوحيد الذي يتفق مع الآيات القرآنية:

“الطلاق, الإمساك, الفراق, التسريح, التراجع, العدة, الأجل”
هذه هي المفردات القرآنية التي استخدمها الرب العليم في حديثه عن تشريع الطلاق, ومع مرور الزمان أصبح بعضها يُستخدم مكان الآخر,

فأصبح الطلاق هو الفراق والتسريح وأصبح الإمساك هو التراجع, ولم يعد ثمة حاجة إلى “الأجل” الذي اشترطه القرآن, وأصبح هناك عدة يمكن للرجل أن يراجع فيها زوجه! لذا نتوقف مع الآيات القرآنية المتعلقة بالطلاق والتي قدمته بشكل صريح مباشر إلا أن الروايات الواردة أعمت الأبصار بشأنها, لننظر ماذا قالت ونبدأ بآيتي الطلاق:

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً [الطلاق : 1-2]
يقول التفسير المشهور أن الله يأمر المؤمنين إذا أرادوا أن يطلقوا النساء أن يطلقوهن مستقبلات لعدتهن (أي في طهر لم يُجامعن فيه). (وهذا ما كنت أقول به سابقاً وإن كنت أشعر أن المعنى غير منطبق على الآيات إلا أني لم أكن أجد بديلا)

والملاحظ أن الله لم يقل: إذ عزمتم أو أردتم, وإنما قال: إذا طلقتم, ومن ثم فالطلاق يقع للعدة. ثم يقول بعد ذلك: أَمْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ, وكما رأينا ف “الفراق” هو مرحلة تالية للطلاق ومن ثم فإنه لم يحدث الفراق بالطلاق.

ثم نجد أن الرب العليم يعلق الإمساك أو المفارقة في الآية الثانية على بلوغ الأجل, أي أنه يجب على المرأة أن تبلغ أجلها والذي هو انتهاء عدتها, وحينها إما يمسك الرجل ما أطلقه (الإمساك نقيض الإطلاق), وإما أن يفارق, وحينها تنتهي العلاقة الزوجية بين الزوجين.

(لاحظ أن الله قال: فإذا بلغن, ولم يقل: فإن, وهذا ألزم وأدل على تأكيد الوقوع)
بينما ألغى التفسير التقليدي هذا الشرط “فإذا بلغن أجلهن”, وجعله جائزا للرجل أن “يراجع” زوجه بعد ساعة من طلاقه أو يوم أو أسبوع, بشرط أن تكون “المراجعة” في فترة العدة, على الرغم من أن الله علق الإمساك دوما على بلوغ الأجل, فقال:

“وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُواً وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة : 231]
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ [البقرة : 232]”

وهنا نتساءل: ما فائدة هذا الشرط إذا كان يجوز للرجل “مراجعة” زوجه؟
إن الله اشترط هذا وألغى الفقهاء الشرط*, لأنهم فهموا أن الطلاق هو الإنهاء, بينما هو كما يظهر من كتاب هو “للعدة”, أي أن الرجل يطلق الزوجة إلى نهاية عدتها, فإما أن يمسكها أو يسرحها, ومن ثم يُفهم أن الطلاق هو “مرحلة انتقالية” (لا وطء فيها) إما أن تؤدي إلى عودة الحياة الزوجية أو إلى إنهاءها.

وهذه الفترة الانتقالية هي لمن كان بينهما علاقة أما إذا لم يكن بينهما علاقة فليس ثمة عدة, ومن ثم تُطلق المرأة ثم تمتع وتُسرح:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً [الأحزاب : 49]

وكما رأينا فلقد تحدث القرآن عن طلاق للعدة ثم إمساك أو فراق بعد انتهاء العدة وبلوغ الأجل, وقال الفقهاء بطلاق ومراجعة في العدة (على الرغم من أن التراجع لم يستخدمه القرآن إلا مع المطلقة طلقة بائنة, أي مع أولئك الذين انتهت علاقتهم الزوجية, فهنا يكون التراجع:
فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [البقرة : 230]”, فبأي القولين ستأخذ؟!
أعلم أن القول مخالف للمألوف, ولكني أدعو القارئ لتدبر الآيات المذكورة, وليسأل من يحلو له من المشائخ على الأقل عن ذلك الشرط: فإذا بلغن أجلهن! ماذا يقولون فيه, هل هو حشو أم لغو؟!
__________________
* بينما لم يلغوه مع المرأة المتوفي عنها زوجها وقالوا بوجوب تربصها حتى بلوغ أجلها: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [البقرة : 234], ولست أدري تبعا لأي قاعدة جاز للرجال ألا يلتزموا بالشرط الرباني: فإذا بلغن أجلهن, وحل لهم “مراجعة” النساء, بينما وجب على النساء الالتزام به؟!!

والسلام على من اتبع الهدى ورحمة الله وبركاته.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.