سورة المنافقون والتحذير من الأعداء

نواصل اليوم بفضل الله السلام المؤمن المهيمن تناولنا لسور القرآن لنبين وحدتها الموضوعية والأجواء والتي نزلت فيها, ونعرض بإذن الله الفتاح المعين لسورة المنافقون, فنقول:

أجمعت كتب أسباب النزول على أن المنافقون مدنية, إلا أنها اختلفت في زمن نزولها, والمشهور أنها نزلت في غزوة بني المصطلق, ورجح ابن عاشور في التحرير والتنوير أنها نزلت قبل سورة الأحزاب. أما نحن فنميل إلى أنها نزلت في قريب من غزوة بني المصطلق فعلا
فالسورة نزلت بعد المجادِلة والتي نزلت قبل غزوة الأحزاب تبشر بالنصر (ويمكن ملاحظة هذا من خلال اتفاق المفردات والموضوعات في السورتين:

وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6) …… وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ …… فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ …. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (15) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ … اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ), ونرجح كذلك أنها نزلت بعد الأحزاب, وأن هؤلاء هم من قيل فيهم ” لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60)”
, كما أن المنطق يقول أن هؤلاء تم إخراجهم بعد انزياح غمة الأحزاب.

ومن خلال نظرنا في السورة ظهر لنا أن السورة ما نزلت في غزوة وأن المقصود بالمنافقين منافقون وليس شخصا واحدا: عبد الله بن أبي سلول.

فالسورة نزلت في فترة كان المسلمون فيها في حالة شدة ودُعوا فيها إلى الإنفاق على المحتاجين, وكان ثمة جماعة من المنافقين عُرفوا بنفاقهم فأخرجهم الرسول من المدينة, فجاءوا الرسول يحاولون أن يخدعونه بأن يشهدوا أنه رسول الله ليستغفر لهم وليسمح لهم بالرجوع إلى المدينة (لينقلبوا عليه بعد ذلك ويخرجوه منها) فأنزل الله العليم سورة المنافقون محذرا الرسول والمؤمنين (وهو المحور الذي تدور السورة في فلكه)
فيحذر الرسول من السماع لهؤلاء والموافقة على طلبهم ويبين لهم مكرهم ومكنون صدورهم, ويحذر المؤمنين من السماع لدعاويهم بعدم الإنفاق ومن الإلتهاء بالأموال والأولاد عن ذكر الله.

والاتصال بين السورتين جلي, ففي الجمعة كان هناك جماعة (الذين هادوا) يكذبون برسالة الرسول لكونه ليس منهم, وهنا الحديث عن قوم يكذبون بالرسول إلا أنهم يظهرون خلاف ذلك, كما كان هناك أمر بالسعي إلى ذكر الله وهنا نهي عن الإلتهاء عن ذكر الله, وقيل في الجمعة أن الله خير الرازقين وقيل هنا أن له خزائن السماوات والأرض, كما قيل في الجمعة أنه لا مفر من الموت وأنه ملاقيكم, وهنا قيل أن الله لن يؤخر نفساً إذا جاء أجلها.

ونبدأ في تناول السورة لنبين كيف قدمت هذا التصور:
بدأت السورة بالقول للرسول أن المنافقين إذا جاءوه قالوا نشهد إنك لرسول الله (وهذا ما يقولونه أمامك, بينما إذا دُعوا لتستغفر الله لووا رءوسهم واستكبروا) والله يشهد إنهم لكاذبون, ولا تسمع لأيمانهم فهم اتخذوها جنة فصدوا عن سبيل الله (فليس لها وزن),

وهؤلاء لكفرهم بعد إيمانهم طُبع على قلوبهم فلا يفقهون (ومن ثم لا يمكن أن يكون إيمانهم حقيق) ولا تغتر بالمظهر القوي ولا بالكلام الحسن (فتطمع في ضمهم إليك) فهم جبناء وهم العدو فاحذرهم. وسواء استغفرت أم لم فلن يغفر الله لهم. فهم الذين يقولون (وليس غيرهم فلا تسمع لتنصلهم) لا تنفقوا, وهم يقولون كذلك أنهم إن رجعوا إلى المدينة ليخرجنك منها (فكيف بعد ذلك تسمع لهؤلاء أو تصدقهم؟)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (2) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (3) وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (5) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (6) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (7) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8)

وبعد أن حذرت السورة الرسول تنتقل لتحذير المؤمنين من الالتهاء بالأموال والأولاد عن الذكر وتأمرهم بالإنفاق (فلا يكونوا مثل أحرص الناس على حياة) فلن ينفع الإنسان ماله عند موته وسيتمنى أن يُؤخر فترة قصيرة فقط لينفق ويصلح حاله ولكن لن يستجاب الله, فأجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11)

وقبل أن نطلب إلى القارئ الكريم أن يقرأ السورة مرة أخرى بعد أن بيّنا له الوحدة الموضوعية والأجواء التي نزلت فيها ليرى تماسكها واتصالها, ندعوه للتفكر:

إذا كان محمداً هو من يؤلف القرآن فلماذا ألف هذه السورة؟! هل ألف السورة ليقول لنفسه: احذرهم ولا تصدقهم فهم كاذبون مخادعون؟! لقد كان في غنى عن هذا, فكان يمكنه بكل بساطة أن يرفض اعتذاراتهم ويقول أنه غير مصدق لهم وأنه لن يسمح لهم بالعودة إلى المدينة وينتهي الأمر.

إن هذه السورة لشاهد صدق على سماحة الرسول ورغبته في دخول الناس في الإسلام والتجاوز عن ذلاتهم وأنه يأمل في انصلاح أحوالهم بسماعهم القرآن وتعرفهم على الدين, ومن ثم كان على استعداد لقبول أعذار هؤلاء واستغفر لهم الله (أو كان يريد الاستغفار)
فأنزل الله تعالى السورة ليبين له أن هؤلاء مخادعون مختوم على قلوبهم وليس ثمة أمل من استجابتهم فلا تصدقهم؟!

أنار الله بصائرنا وقلوبنا وجنبنا النفاق ورزقنا الفقه وحسن العمل, إنه ولي لذلك وأهل له, والحمد لله رب العالمين.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.