الأوقاف بدلا من المساجد

ما أكثر المساجد في بلاد المسلمين, وما أروع بناءها وعمارتها, وما أبهى مشاهد المدن الإسلامية ومآذن المساجد تخترق أجواءها.

إلا أنه مما يؤسف له ويؤسى أن أكثر هذه المساجد خاوية ولا تكاد تمتلئ إلا في أيام الجمع وفي التراويح في شهر رمضان, وما عدا ذلك فهي خاوية طول العام لا تجد في (مصرنا تحديدا) في المسجد إلا صفا أو صفين خلف الإمام (باستثناء بعض المساجد)

وعلى الرغم من قلة عمار المساجد من المصلين وكثرة المساجد, إلا أننا نجد أثرياء المسلمين (وعوامهم) يحرصون على بناء المساجد وتزيينها بأبدع الزخارف, لما سمعوا من الفضل الكبير لمن يبني بيتا لله العلي العظيم! ولأنهم يرون أن هذا ثواب مستمر لن ينقطع ومن ثم فله وفيه مزية كبيرة تسبق غيره وتفوقه. (ولا نريد أن نرمي بعضهم بالتفاخر والمراءاة ببناء مساجد تسمى بأسماء بانيها! أو أولئك الذين يتحايلون ببناء زوايا ليستغلونها لبناء ما فوقها)

وبلادنا الإسلامية (ذات الأغلبية المسلمة) ليست بحاجة إلى مزيد من المساجد, (فيا ليت المسلمون يعتادون المساجد المبنية حالياً فيعمرونها), ولن يصلح حالَ المسلمين مزيدٌ من المساجد, ولن يؤثر في أحوالهم هذا قيد أنملة, وإنما هي بحاجة إلى إحياء ثقافة إسلامية قديمة (مرتبطة بالمساجد كذلك), يحصل معها فاعلها على ثواب مستمر حتى بعد مماته, وهي ثقافة الوقف الخيري, ذلك العمل العظيم الذي ينفع المجتمع ويغير حال الكثير والكثير من المقيمين في بلاد المسلمين, غنيهم وفقيرهم.

لذا فإنني أدعو كل أثرياء العالم الإسلامي الذين يريدون عمل خير يبتغون به وجه الله ويكون لهم به ثواباً مستمرا, أن يتجهوا لإنشاء أوقاف إسلامية معاصرة, في مختلف المجالات والتخصصات, وسيكون لهم –بإذن الله- من الثواب ما يعادل بناء المساجد أو يزيد

وبهذا يظهروا أثر الإسلام عليهم وعلى الناس ونفع الدين لكل خلق الله, وبهذا يحيون سنة حسنة ظهرت في بلاد المسلمين وكان لها النفع العظيم والفضل الكبير ليس على المسلمين فقط ولا حتى على البشر, وإنما تعداهم إلى الحيوانات. وآثار الأوقاف منتشرة في مشارق البلاد الإسلامية ومغاربها, من أراض ومشافٍ وآبار … الخ.

ويمكن للقارئ الكريم أن يقرأ على الروابط التالية نماذج لروائع من أوقاف المسلمين في العصور السابقة, والتي تبين كيف أنتج الإسلام مجتمعات سبقت المجتمعات الأوروبية في إنسانيتهم التي يتفاخرون بها:
من روائع الحضارة الإسلامية من هنا 

الحيوان من هنا 

كما يمكن تحميل كتاب: روائع الأوقاف في الحضارة الإسلامية للدكتور راغب السرجاني من على هذا الرابط:
من هناا 

وفي بلدنا مصر ارتبطت المساجد بالأوقاف, فأصبحت المساجد تابعة لوزارة الأوقاف التي تدير الأوقاف المترامية التي أوقفها المصريون المسلمون السابقون, من عوام وأمراء وملوك, والتي تبلغ نصيباً طيباً من مساحة مصر وريعها (ولا ننسى الأوقاف المسيحية كذلك).

لذا فإني أرجو من كل من يقرأ هذا الموضوع أن يدعو كل ثري يفكر في بناء مسجد, أن ينشأ وقفا لله, سواء ببناء مشفى أو بوقف قطعة أرض أو بإنشاء مصنع يكون ريعه للفقراء والمحتاجين أو أي جانب يجد فيه حاجة وعوزا في منطقته, أو حتى بالمشاركة في المشاريع العلمية التي تسعى الدولة لتنفيذها.

فإذا ظهرت ثقافة الأوقاف مجددا في مجتمعاتنا الإسلامية فسنجد تغيرا كبيرا في بلادنا, التي تحتاج إلى تضافر الأفراد مع الحكومات للنهوض بها, نفع الله بنا وبالمسلمين وغفر لنا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.