سورة الرحمن والأمر بالسجود

نواصل بفضل الله القوي العزيز تناولنا لسور القرآن لنبين وحدتها الموضوعية والأجواء التي نزلت فيها, ونعرض اليوم يوم عرفة بإذن الرحمن لسورته سورة الرحمن, فنقول:
اختلفت كتب أسباب النزول في السورة هل هي مكية أو مدنية, إلا أن الراجح أنها مكية (وهو ما نقول به من نظرنا لمحتوى السورة) إلا أننا نخالف الترتيب المذكور لها ونرى أنها نزلت بعد سورة الفرقان والتي ذُكر فيها أمر المشركين بالسجود للرحمن وإباءهم. (موافقين لما ذكره ابن عاشور في: التحرير والتنوير)

كما أنهم خافوا على ضياع أرزاقهم (التي يحصلون عليها بالغش والتلاعب في الموازين ومن الحجاج المشركين) إن هم آمنوا فكذبوا, وزعموا أنهم منتصرون باجتماعهم.

فأنزل الله تبارك اسمه وتعالى جده سورة الرحمن ليقول لهم أنه ذو الجلال والإكرام المستحق للعبادة والمجازي لخلقه (وهو المحور الذي تدور السورة في فلكه) فأخذت السورة في ذكر بعض من نعم الله المتواليات على البشر جميعا وكيف أنهم لا يستطيعون التكذيب بها, فهل سيكذبون بكذا أم بكذا أم بكذا أم بكذا؟!

(وبما أنهم لا يستطيعون فلماذا يرفضون السجود والخضوع لأوامر الله؟!) وأنهم لا يستطيعون نصر أنفسهم لا في الدنيا ولا في الآخرة, ثم تُختم السورة بالقول أن نعم الله حصرا لمن خاف مقامه في الآخرة.

والاتصال بين السورة والسورة الماضية جلي, فلقد كان المحور الرئيس للقمر هو تكذيب المشركين بالعذاب وهنا حول تكذيبهم بنعم الله. كما انتهت القمر ب: …. إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55) (وختمت السورة السابقة للقمر بالأمر بالسجود لله وعبادته)

وبدأت السورة بالحديث عن الرب المليك: الرحمن, وتحدثت سورة القمر عن تيسير القرآن للذكر وبدأت سورة الرحمن بالقول أنه علم القرآن, وذكرت سورة القمر قول المشركين أنهم جميع منتصر, وبينت سورة الرحمن أنهم بإنسهم وجنهم لا ينتصران.

ونبدأ في تناول السورة لنبين كيف قدمت هذا التصور:
بدأت السورة بالرد على الذين قالوا ليس للرحمن علينا فضل نسجد له به, بالحديث عن الرب الذي علّم القرآن وخلق الإنسان (ومن ثم فهو مستحق العبادة, كعادة القرآن الذي يردف الأمر بالعبادة بالتذكير بالخلق) وعلمه البيان, وجعل لكم ما يمكنكم الاعتماد عليه في حساباتكم (سباحة الشمس والقمر)

وبالتذكير بأن الكبير والصغير من النبات يسجد لله (فلماذا لا تسجدون أنتم سادةً وأتباعا؟)
و(هو علم القرآن و) وضع الميزان ليقوم الناس بالقسط فلا تطغوا في الميزان:
بسم الله الرحمن الرحيم
الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9)

وهو جلا وعلا وضع كل الأرض للأنام ونوع فيها نباتاتها فبأي آلاء ربكما تكذبان (يا معشر الجن والإنس “السادة والأتباع”)
وهو خلق الإنسان من صلصال كالفخار والجان من مارج من نار وهو رب المشرقين والمغربين ومرج البحرين يلتقيان إلا أنهما لا يبغيان على بعضهما, ويخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (فشرقوا أو غربوا فله كل الأرض والمشارق والبحار وما فيها من الجوار) وهو الباقي بينما كل من عليها محكوم بالفناء وهو الذي يسأله من في السماوات والأرض

وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (15) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (16) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (18) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (23) وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (24) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (25) كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (28) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (30) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (31) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (32)

ثم تذكر السورة السادة والأتباع المتعاضدين بأنهم لا يستطيعون النفاذ من الأقطار التي خلقها الله لهم وأنهم لا يستطيعون نصر أنفسهم عندما يرسل عليهم شواظ من نار ونحاس, وتخوفهم بأنه إذا انشقت السماء فلا يُسأل يومها إنس ولا جان عن ذنبه (رفض السجود, الجرم المشترك بين البشر والشياطين), فسيُعرف المجرمون بسيماهم (بينما المؤمنون سيماهم في وجوههم من أثر السجود) وبأنهم لا يستطيعون السجود, فيطوفون بين جهنم وبين حميم آن:

يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (34) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (35) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (36)
فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (38) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (39) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (40) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (41) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (42) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (44) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (45)

أما من خاف مقام ربه فلهم جنتان, فيهما من النعيم العظيم الكثير ما لا يقارن به ما لدى ملوك الدنيا, ومن دونهما جنتان, وفي كل الجنان المتقون متكئون (بينما المجرمون يطوفون). ثم تُختم السورة –كما بدأت- بالحديث عن الرب الذي خلق وقدم كل هذا ومن ثم فحقيق أن يتبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام:

وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (49) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (51) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (52) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (53) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (54) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (55) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (57) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (58) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (59) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (61) وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (63) مُدْهَامَّتَانِ (64) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (65) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (66) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (67) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (69) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (70) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (71) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (72) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (73) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (74) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (75) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (76) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (77) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78)

وبعد أن بينا للقارئ الوحدة الموضوعية للسورة, ندعوه لقرائتها مجددا على مرة واحدة, فسيفتح الله عليه فيها ما لم نذكر نحن إنه هو الفتاح العليم الكريم وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

 

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.