سورة الذاريات والله الرزاق ذو القوة المتين

نواصل اليوم بفضل الله وعونه تناولنا لسورة الذاريات لنبين وحدتها الموضوعية والأجواء التي نزلت فيها. ونحن كنا قد عرضنا سابقا للسورة على هذا الرابط:
من هنا 

وبيّنا النظام البديع الذي بُنيت عليه, وتشابهها مع المرسلات والنازعات, (وندعو القارئ الكريم أن يقرأ المكتوب في ذلك الرابط أولا) لذا فسيقتصر حديثنا هذه المرة على الأجواء التي نزلت فيها, فنقول:

سورة الذاريات سورة مكية (كما ورد في كتب أسباب النزول) ويظهر من محتوى السورة الذي يناقش قضية إيمانية بالدرجة الأولى ومن قوله تعالى للرسول: ” هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ” أن السورة ليس مما تأخر نزوله في المرحلة المكية, وأن هذه هي المرة الأولى التي قُص فيها على الرسول هذا الحديث وأنه لم يكن يعرفه مسبقا.

ومن خلال النظر في السورة ظهر أن السورة نزلت في الرد على المشركين المكذبين باليوم الآخر وبالعذاب المستندين في هذا إلى ظنون وتخرصات واختلاف في الأقوال, فمرة يقولون أن الرسول ساحر ومرة مجنون (وهما لا يتفقان) ومرة يتساءلون متى يوم الدين؟!

ومرة يزعمون أن الله سبحانه وتعالى محتاج إليهم (لأنه أمر بالإنفاق وإعطاء الفقراء) ومن ثم فهو ضعيف فكيف يهلكنا! ومن ثم استعجلوا الله نزول العذاب!!

فأنزل الله العظيم سورة الذاريات يبين فيها أنه قادر على إنفاذ وعده ( وهو المحور الذي تدور السورة في فلكه) وأنه هو الرزاق ذو القوة المتين, وأن الرزق والعذاب بيده, فكم أهلك من الأمم ونجا المؤمنين, ففروا إليه.

فبدأ السورة بالاستدلال بمشهد تكون المطر وإرساله (رزق يدبره الله ويصرفه كيف يشاء) على إخراج الناس من التراب, ثم بالقول أنهم مختلفون في القول ثم بتبيان أن من أسباب دخول الجنة هو الإحسان فالمؤمنون نادرا ما يهجعون ودوما ينفقون بينما الآخرون في غفلة ساهون.

ثم يذكر الله تعالى حديث ضيف إبراهيم كدليل على أن الرزق والعذاب في السماء, فلقد نزلت الملائكة بالبشرى لإبراهيم وبالعذاب لقوم لوط, والذين ترك فيهم آية للذين يخافون العذاب الأليم وكذلك في باقي الأقوام التي ذكرها الله في السورة. ثم يعود الحديث إلى التذكير بقدرة الله كمنطلق لتقديم إنذار على لسان الرسول بالأمر بالفرار إلى الله (قبل نزول العذاب بكم) ثم يواسي الله الرسول بالقول أن تكذيبهم المختلف ليس بالجديد, وأن عليه أن يتول عن أولئك الذين ينسبون النقص إلى الله (وليس عن كل غير مسلم) فلا ملامة عليه, لأنه لا نفع في مخاطبة من لا يخافون.

وكما بدأت السورة بالحديث عن الرزق واليوم الآخر تُختم كذلك بالحديث عن الرزق بتبيان أن الله ليس بحاجة إلى رزق العباد, وأن للظالمين عذاب كالسابقين فلا يستعجلون وويل لهم من ذلك اليوم.

والاتصال بين السورة والسورة الماضية جلي, وهي بمثابة امتداد لها, فلقد عرضت سورة ق للمشككين في قدرة الله على البعث والذين لا يقدرونه حق قدره, بالقول أن وعد الله العليم حق, وهنا دللت على قدرة الله على الإهلاك والبعث وأبطلت قول المسيئين إلى الله. كما نلاحظ اتفاق الخطاب والتوجيه القرآني في السورتين
فنجد أنه قيل للرسول في ق: وما أنت عليهم بجبار فذكر … وهنا قيل: فتول عنهم فما أنت بملوم وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين

وقيل أن الذكرى نافعة لصنف معين وكذلك هنا الآية نافعة لنفس الصنف فقط:
فذكر بالقرآن من يخاف وعيد …. وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم
كما بيّن حالة الغفلة والاختلاف التي عليها المدعوون فقيل:
لقد كنت في غفلة ….. الذين هم في غمرة ساهون
إنكم لفي قول مختلف … فهم في أمر مريج

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (4) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (11) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (12) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (14) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23)
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (27) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (28) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (30) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36)
وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (37) وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (40) وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (43) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (44) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (45) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (46)
وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (48) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (51) كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (54) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55)
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (59) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (60)
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.