سورة الأحقاف … وعد الله حق ولكن بأجل

نواصل بفضل الله الكبير المتعال تناولنا لسور القرآن العزيز لنبين وحدتها الموضوعية والأجواء التي نزلت فيها, ونعرض اليوم بإذن الله الجبار المعين لسورة الأحقاف, فنقول:

سورة الأحقاف سورة يظهر من محتواها أنها سورة مكية وأنها ليس مما تأخر نزوله في مكة, ففي تلك الفترة كان الرسول يعد المشركين بالعذاب إن لم يؤمنوا وكانوا هم يسألونه متى يأتي العذاب وكانوا يشككون في العذاب وفي اليوم الآخر وفي أن ينزل العذاب بهم اعتمادا على آلهتهم التي ستنصرهم وتمنعهم من العذاب بل وزعموا أن المؤمنين هم من سيهلكون, فاستعجل الرسول نزول العذاب بهم

فأنزل الله سبحانه وتعالى سورة الأحقاف ليقول له وللمشركين أن: وعد الله حق وعدل .. ولكن بأجل (وهو المحور الذي تدور السورة في فلكه), فلا راد له ولا ظلم فيه ولا تعوزه الشهود.

والاتصال بين الأحقاف والسور السابقة جلي, فهي بمثابة امتداد لها, فلقد كان محور السورة السابقة هو جزاء الله العادل, وركزت على عدم عبثية الخلق وأن من أهدافه أن تُجزى كل نفس بما كسبت, وبهذا خُتمت السورة:

وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ……. وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (33) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (34) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (35) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (36) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (37)

وهنا تبين الأحقاف أن الجزاء الموعود حق بأجل, ويتواصل الحديث عن عاقبة المستهزئين بآيات الله, وكما خُتمت الجاثية بالحديث عن ربوبية الله لكل الكون وأنه العزيز الحكيم تبدأ الأحقاف بالحديث عن العزيز الحكيم مبطلة أن يكون لما يدعوا المشركون من دون الله أي تصرف في السماوات والأرض.

ونبدأ في تناول السورة لنبين كيف قدمت هذا التصور:
بدأت السورة بعد الحديث عن تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (القادر على إنفاذ ما فيه) بالقول أن الخلق كله كان بالحق (فليس عبثا) وله أجل مسمى, وعلى الرغم من ذلك فإن الكافرين معرضون عما أنذروا (اعتماداً على نصرة آلهتهم وردها العذاب عنهم)

فقل أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات (حتى تظنوا هذا الظن الباطل؟!!) ائتوني بأي دليل ومستند لكم من قبل القرآن يقول بهذا القول؟! أم حدث واستجابوا لكم؟! فمن أضل ممن يدعو من لا يستجيب له وهو عن دعائه غافل بل وسيكفر بهذه العبادة عند الحشر ويكون عدوا لمن كان يدعوه!!

وعندما تتلى عليهم آيات الله البينات يقولون أنها سحر مبين!!!! أم سيقولون افتراه, قل –مقدما- إن كنت افتريته فلا تستطيعون رد عقاب الله عني, كفى به شهيدا بيني وبينكم (أينا ضال أفاك مفترٍ؟) وقل أن ما جئت به ليس بجديد ولا مخالف لما جاء به الرسل قبلي (فكلهم دعوا قومهم إلى عبادة الله وحده وأنذروهم العذاب)

وليس نزول العذاب بيدي فأنا لا أدري ما يفعل بي شخصيا ولا بكم وإنما أتبع ما يوحى إلي وأنذر (فليس لي علم بعده). وقل لهم ردا على افتراءاتهم أرأيتم لو كان من عند الله وكفرتم به وقد شهد شاهد من بني إسرائيل على مثله* (الإنجيل؟!!) فهل تتوقعون أن تكونوا مهتدين؟!

إن الله لا يهدي القوم الظالمين. وقالوا للذين آمنوا لو كان خيرا ما تركناهم (أتباع ذلك الرسول) يسبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم. ومن قبل ذلك الكتاب كتاب موسى وهذا القرآن كتاب مصدق يعد بالعذاب والثواب (ينذر ويبشر):

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (3) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (4) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (6) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (7)
-أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (8)- قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ -وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ- إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (11) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (12)

ثم يبين الله سبحانه وتعالى أن ذلك العذاب المنذر به لطائفة معينة عاصية أما الذين آمنوا ثم استقاموا فلا خوف عليهم وهم أصحاب الجنة, والذين يُمنحون الفرصة والفترة الطويلة ليتوبوا ويشكروا, فنتقبل عنهم أحسن أعمالهم ونتجاوز عن سيئاتهم, تبعا للوعود الربانية التي وُعدوا (فاتخاذ الله ربا والاستقامة هما وسيلة التجاوز عن السيئات وليس اتخاذ الأولياء).

بينما ذلك الذي (كان قبل زمان الرسول) ولم يشكر لوالديه –ولا لله- وكذب بوعد الله واصفا إياه بأنه أساطير الأولين فأولئك الذين حق عليهم القول, ولكل من الصنفين درجات مما عملوا وهم لا يُظلمون, فهم قد أضاعوا طيباتهم في الحياة الدنيا باستكبارهم (فأحبطوا أعمالهم الصالحة) فلم يبق لهم إلا الطالحة فيجزون عذاب الهون بها:

إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (14) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16) وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (17) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (18) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (19) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (20)
______________________
* ليس موسى وليس في زمنه ولا في زمن الرسول محمد, وإنما بعد موسى وقبل محمد, وهو فرد من بني إسرائيل شهد على كتاب لنبي بعد كتاب موسى, فآمن واستكبروا هم.

ثم يذكر الله النبي بنبي حدث معه مثلما يحدث مع النبي وهو: أخو عاد وكيف تصرف, فلقد أنذر قومه عذاب الأحقاف* وقد خلت النذر ألا يعبدوا إلا الله, فكان ردهم أن طالبوا أن يأتيهم بما يعدهم, فقال لهم أن العلم عند الله وليس عنده وأنه يبلغهم فقط ما أرسل به

على الرغم من أنه كان يرى أنهم قوم يجهلون (ولن يستجيبوا) ولكنه بلغهم, فلما رأوا الرياح محملة بالرمال ظنوا أنهم سيُمطرون, فقيل أن ليس كذلك وإنما هو العذاب الذي استعجلوا به فدمر كل شيء

وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ -وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ- أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (23) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25)

ثم ينتقل الله لخطاب المشركين مبينا لهم أن مستنداتهم في الإعراض عن الاستجابة لوعد الله لم تنفع السابقين ولم تمنعهم العذاب, كما أنه سبحانه قدم الأدلة على بطلانها, فلقد مُكنوا وكانوا لهم أدوات العقل مثلكم فلم تمنع من يجحد بآيات الله, كما أننا أهلكنا ما حولكم من القرى وقدمنا لهم ما يدفعهم إلى الرجوع, فلم تنصرهم تلك الآلهة المفتراة (فهل ستنصركم أنتم؟!!)

وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (26) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (28)

ثم يعود الله لمخاطبة الرسول الكريم بما فيه بشارة له وشهادة مبطلة لمعتقدات قومه, فيأمره أن يذكر عندما صرف الله إليه نفر من الجن يستمعون القرآن فآمنوا, وكيف ذهبوا ينذرون قومهم مطالبين إياهم بإجابة داعي الله (شهادة جديدة على أن الإيمان هو السبيل لغفران الذنوب والنجاة من العذاب وليس اتخاذ الأولياء), وكيف أن من لا يجب فلن يعجز الله وليس له أولياء أصلا وهو في ضلال

وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (32)

ثم تُختم السورة كما بدأت بالحديث عن خلق السماوات والأرض, بالاستفهام عن كون هؤلاء الكافرين لم يروا أن الذي خلق قادر على الإحياء؟!

إن هذا لا يحتاج إلى عظيم تفكر! وبعد أن يحيون سيعرضون على النار التي ينكرونها فيقرون بها فيؤمر بأن يذوقوا العذاب. لذلك فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل (وهم غير محددين بخمسة) ولا تستعجل لهم العذاب, فشدة هول العذاب في ذلك اليوم سيجعلهم كأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة سريعة الانقضاء, بلاغ, فهل يُهلك إلا القوم الفاسقون


أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (34) فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (35)

وبعد أن بينا للقارئ الكريم الوحدة الموضوعية للسورة ندعوه أن يقرأها مجددا مرة واحدا فسيرى فيها تماسكا وترابطا واتصالا وسيفتح الله الفتاح عليه فيها بفضله ما لم نذكر نحن, إنه هو الفتاح الجواد الكريم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

____________________
* ليس المقصود ب: الأحقاف, في الآيات المنطقة التي كان يعيش فيها قوم هود, وإنما العذاب الذي سينزل بهم, والذي أصبحت به المنطقة فيما بعد أحقافا. وندعو القارئ الكريم لقراءة موضوعنا حول الآية في الموقع في قسم: أحسن القصص.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.