سورة الزخرف والمطالبة بتحويل الرسالة!!

نواصل اليوم بفضل الرب العظيم تناولنا لسور القرآن الكريم لنبين وحدتها الموضوعية والأجواء التي نزلت فيها, ونعرض اليوم بإذن الله ذي الجلال والإكرام لسورة الزخرف, فنقول:

سورة الزخرف سورة مكية نزلت في فترة كان المشركون يستهزئون بالنبي الكريم ويسخرون منه ومن تهديده إياهم بنزول العذاب بهم إن لم يؤمنوا (وفي هذا إشارة إلى تأخر نزولها في العهد المكي)

والمميز لهذه الفترة أن المشركين زعموا أنهم كآبائهم –بعبادتهم للملائكة- مهتدون -وأن النبي هو الضال- وأنهم ليسوا بحاجة إلى الرسالة, ومن ثم فالأولى لو كانت نزلت على رجل من اليهود أو النصارى

فأنزل الله سورة الزخرف ليبطل مزاعم المشركين في مسألة اهتدائهم هذا قائلا أن نسبتهم الولد إلى الله ضلال مبين, ومثبتا النبي بالحكم أنه يهدي إلى صراط مستقيم (وهو المحور الرئيس الذي تدور السورة في فلكه) وأن مسألة عدم اهتداء أكثرهم راجع لرفضهم الحق وليس لعيب فيه, وأن عليه ألا يسمع لاستهزائهم فلقد حدث هذا مع السابقين من قبلهم.

والاتصال بين سورة الزخرف وسورة الشورى جلي, وهي بمثابة امتداد واضح للشورى, فلقد دارت الشورى في فلك: حساب الناس على الله وأنت لست عليهم وكيلا, وهنا تقول السورة للنبي أنه هاد وأن الانتقام من المكذبين هو لله سبحانه وتعالى, ومسألة كون الرسول هاد هو ما خُتمت به سورة الشورى:

وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ” وبدأت الزخرف كذلك بالحديث عن القرآن, كما سمي الله بأنه: “علي حكيم” في آخر الشورى ونعت القرآن بنفس النعت في أول الزخرف.

كما عرضت الشورى لمسألة الاعتراض على طريقة الوحي وهنا الاعتراض على مستقبِل الوحي والمدعوين به ورغبة في تحويله إلى قوم آخرين!

والآن نعرض للسورة لنبين كيف قدمت هذا التصور:
بدأت السورة بعد الحروف المقطعة (والتي ربما تشير إلى: الحق ورسول مبين) بالحديث عن الكتاب المبين مخاطبا المشركين بالقول أن الله جعله قرآنا عربيا لعلهم يعقلون وأنه عند الله علي حكيم

فهل تريدون منا أن نحول عنكم الذكر لأنكم كنتم مسرفون*؟!
(إن هذا لقول عجيب نابع من قولهم بهدايتهم تبعا لآبائهم الأولين المهتدين والذين ما كانوا في الواقع مهتدين فهم على دربهم في الضلال سائرون) ولقد أرسلنا الكثير من الأنبياء في الأولين وكانوا يستهزئون بهم دوما فأهلكنا أشد منهم بطشا (أفيعجزوننا هؤلاء أن نهلكهم) ومضى مثلهم.

إن العجب أن هؤلاء يقرون بأن الله هو الذي خلق السماوات والأرض –وهو الذي جعل لكم فيها ما تهتدون به, وبث الدلائل على إحياء الموتى, وسخر لكم ما لم تكونوا قادرين بقوتكم الضعيفة من استخدامه لتذكروا نعمته وتسبحوه وأنكم منقلبون إليه- وعلى الرغم من ذلك جعلوا له فقط جزءاً من عباده –الملائكة

(وجزءاً آخر –من الملائكة- ليس تابعا له زعموا أنها آلهة في الدنيا تصرف الأمور فعبدوها, وكيف تُعبد وهي لم تخلق؟!!, وكانوا يقولون أن الملائكة التي هي عباد الرحمن إناث, بينما الملائكة معبوداتهم -التي هي ليست لله ذكور-) فأنكر الله عليهم ذلك بالقول أم اتخذ إناثا وأصفاكم بالبنين؟!

إنكم أنفسكم تكرهون ذرية البنات فكيف تجعلونها حصراً لله؟!! إن قولكم أن الملائكة عباد الرحمن إناث شهادة خطيرة ستكتب ويسألون عنها. ولأنه ليس لديهم مستند في عبادة الملائكة نسبوا رضى الله عن هذه العبادة فقالوا: لو شاء الله ما عبدناهم (لاحظ أنهم لم يقولوا: ما عبدناها).

فهل آتيناهم كتابا يتمسكون به في أقوالهم هذه؟! إنهم ليس لديهم كتاب وإنما يتبعون آبائهم الذين يرون أنهم مهتدون (وهذا هو الحال مع كل الأقوام السابقة الذين يتصدر مترفوهم دوما الدعوة للاقتداء بالسابقين على أي حال في مقابل دعوة الأنبياء, ويصرون على كفرهم في مقابل الأنبياء الذين قالوا أنهم يقدمون لهم أهدى مما لديهم –ولم يقولوا أنهم ضالون- فانتقم الله منهم عاقبة على تكذيبهم ورفضهم للحق

بسم الله الرحمن الرحيم
حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (5) وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (6) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (7) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (8) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9) (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (10) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (11) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (14))
وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (16) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (17) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (20) أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (21) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) (وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (24) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (25)


_________________________
* قال السابقون بقريب من هذا المعنى الذي استنتجناه من السورة فنجد أنه روي أن قتادة قال في الآية: أفنمسك عن إنزال القرآن من قبل أنكم لا تؤمنون به فلا ننزله عليكم . وقاله ابن زيد. قال قتادة : والله لو كان هذا القرآن رفع حين رددته أوائل هذه الأمة لهلكوا ، ولكن الله ردده وكرره عليهم برحمته .

ثم يرد الله العليم على دعوى هؤلاء أنهم مهتدون بذكر موقف أبيهم إبراهيم الذين يزعمون الانتساب إليه, بالقول أن إبراهيم لم يكن ممن يتبعون الآباء والأقوام وإنما تبرأ من أي معبود لهم إلا الله لما رأى ضلالهم, ونسب الهداية إلى الله, وجعلها كلمة باقية في عقبه يتوارثها أبناءه من بعده (فإذا كان إبراهيم قد تبرأ من كل ما يعبد من دون الله فمن ثم لا يمكن أن تكون عبادتكم صحيحة أو أجدادكم على مهتدون!! )

وإنما مُتعوا حتى نسوا فلما جاءهم الحق ورسول مبين كفروا بالحق وقالوا أنه سحر, وطالبوا أن ينزل القرآن على شخص آخر من قريتي اليهود والنصارى –فهم ليسوا بحاجة للقرآن, كما أن محمد ليس الشخص المناسب لتلقي الوحي!!!- فيرد عليهم هل هم من سيقسمون رحمة الله, فإذا كان الله هو من قسم الأرزاق ورفع وخفض بحكمة أفيترك اختيار مستقبل الوحي ومتلقينه؟!
ولولا أنها ستكون فتنة كبيرة لفتح الله على الكافرين بالرحمن في الدنيا ما لا يتصور, وإن كان هذا في النهاية متاع الحياة الدنيا والآخرة للمتقين:

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (28) ) بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (29) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (30) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35)

ثم يواسي الرسول بشأن عدم اهتداء هؤلاء فيقول أنه ليس لتقصير منه وإنما لأن من يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين, ويحسبون أنهم مهتدون فيرفضون الاستجابة وعندما يأتوننا سيعلنون تندمهم ولن ينفعهم اشتراكهم في العذاب. إن دورك هو مخاطبة من يسمعون أما الصم العمي من ضلال فلن يستجيبوا,

فلا تيأس فوعد الله نازل فلو ذهبنا بك سننتقم منهم وإما سنريك قدرتك فيما وعدنا, فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم وهو ذكر واسأل من أرسلنا من قبلك هل جعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون؟ (إن هذا لم يكن!):

وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (39) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (40) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (42) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44) وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (45)

ثم يبين الله تعالى أن مسألة الاستهزاء لم تكن حصرا على الرسول ولا لأنه لم يأت بآيات فلقد حدث نفس الأمر مع موسى فلقد ضحكوا من الآيات ولما اشتدت دعوا موسى ليرفع عنهم العذاب ووعدوه بأنهم سيهتدون إلا أنهم نكثوا, وبعد رفع العذاب استخف بهم فرعون وزعم أنه أفضل من موسى الذي ليس لديه مكنة مادية وليس معه ملائكة تسانده, فانتقم الله منهم فأغرقهم الله وجعلهم مثلاً:

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (46) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (47) وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (48) وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (49) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (50) وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (56)

ثم يبين الله أنهم يجادلون بالباطل فلما ضرب ابن مريم مثلا لعدم اتخاذ الله الولد, ضجوا والتفوا حول النفي بالقول: هل آلهتنا خير أم هو؟! فقيل أنه عبد جعل مثلا ويمكن أن نجعل منكم ملائكة وهو علم للساعة فلا تمترن بهاو اتبعون وهذا صراط مستقيم ولا يصدنكم الشيطان!

وعيسى بين دوره بأنه جاء بالحكمة وتبيان بعض المختلف فيه (بينما يبين الرسول الكريم الكل) وبين أن الله ربه وربهم وهذا صراط مستقيم, فاختف الأحزاب من بينهم! فويل للظالمين:

وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (59) -وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60)- وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (62) وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (64) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (65)

فماذا يريدون ليهتدوا هل ينظرون إلا الساعة؟!
إنهم مصرون على ضلالهم لخلتهم بينما سيعادي الأخلاء بعضهم عند الساعة –إلا المتقين-, الذين سيؤمنون ويقال لهم أنه لا خوف وعليهم ولا يحزنون ويؤمرون بدخول الجنة التي فيها كل المشتهيات بينما المجرمون مخلدون في عذاب جهنم الذي لا ينقطع آيسون من رفعه

وليس هذا ظلما لهم من الله وإنما هم الذين ظلموا أنفسهم عندما عرفوا الحق ورفضوه, وسينادون مالك ليقض عليهم الله حتى ينقطع العذاب, فيقال أن أكثرهم كاره للحق الذي جاءهم, أم يظن هؤلاء أنا لا نسمع سرهم ونجواهم (الذين يعترفون فيها بصواب ما مع محمد وعلى الرغم من ذلك يصرون على موقفهم):

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (66) الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67) يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (69) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (70) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (71) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (73) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (74) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (75) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (76) وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (78) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80)

ثم يؤمر الرسول بالقول أنه إن كان للرحمن ولد فهو أول عابد (ولكنه ليس له ولد, ومن ثم لن يعبد أحد دون الله) سبحانه عما يصفون, ويؤمر بأن يتركهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم, وهو سبحانه الإله في السماء والأرض وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض, ولا يملك الذين يدعون من دونه –من الملائكة- الشفاعة إلا من شهد بالحق.

ثم تختم السورة بالسؤال عن الخالق وعن من خلقهم وكيف أنهم يقرون أنه الله, إلا أنهم على الرغم من ذلك لا يؤمنون, فاصفح عن أولئك المستهزئين يا محمد وقل سلام (فسننتقم نحن منهم إن لم يؤمنوا) وسوف يعلمون صدق موعود الله:

قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81) سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (82) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84) وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (85) وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (86) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87) وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (88) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (89)

وبعد أن بينا للقارئ الوحدة الموضوعية للسورة ندعوه لقراءتها مرة أخرى على مرة واحدة, فسيفتح الله عليه بفضله فيها ما لم نذكر نحن فيها, إنه هو الفتاح العليم, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.