سورة الحج وأمنية تحويل القبلة

نواصل بفضل الله وفتحه تناولنا لسور القرآن لنبين وحدتها الموضوعية والأجواء التي نزلت فيها كل سورة, ونعرض اليوم لسورة الحج, تلك السورة التي اختلف العلماء فيها هل هي مكية أو مدنية، ثم استقر رأي الجمهور على مكيتها وأن فيها آيات مدنية واختلف في تعيين وعدد هذه الآيات.

أما نحن فنجزم بأنها مدنية كلها (استنادا إلى تأصيلنا القائل بنزول السورة من القرآن كاملة على مرة واحدة), فالسورة تتحدث عن هجرة وقوم أخرجوا من ديارهم, كما تتحدث عن الإذن بالقتال, ومن ثم فهي مدنية. كما نقول أنها مما نزل في السنة الثانية من الهجرة –استنادا إلى التاريخ القائل بأن تحويل القبلة كان في هذه السنة-, وأنها نزلت بعد تحويل القبلة وقبل غزوة بدر, ونميل إلى أنها نزلت بعد: البقرة.

وسنبين للقارئ في أثناء تناولنا للسورة ما هي الآيات التي اعتمدناها للقول بهذا القول, والتي فهمناها استنادا إلى الفلك الرئيس للسورة التي تدور في محوره, وكيف عُرض هذا المحور, فمحور السورة هو: الاختلاف في الرب.

ففي بداية المرحلة المدنية واصل مشركو المدينة جدال النبي بشأن الله وقدرته وهل هو قادر على إحياء الموتى وبعثهم, كما دخل على الخط أتباع الأديان الأخرى الموجودون بنسب كبيرة في المدينة, واختلفوا في الله إلههم, وكل يدعي أنه متبع للإله الحق,

أما إله الآخرين فباطل وكذلك شعائرهم هي الصحيحة وشعائر ومناسك الآخرين باطلة.

وفي تلك المرحلة اُذن للمسلمين بالقتال رداً على اعتداءات المشركين عليهم, فظهرت التساؤلات: ألم يعد الله بنصرة عباده المؤمنين به وبإهلاك الظالمين, فإذا كان قادرا على ذلك –بالريح مثلا أو الصواعق- فلماذا يجعل المؤمنين يقاتلون؟!

كما أن حدث واستجاب الله سبحانه لتقليب النبي وجهه في السماء وولاه –والمسلمين- قبلة يرضونها وهي المسجد الحرام, فاعترض أتباع الأديان السابقة على هذه القبلة وعلى الذبح –فيها ولها- وعلى صحة الصلاة إليها, ومن ثم على صحة الدين كله وعلى الإله الذي أمرهم بهذا.

فأنزلت سورة الحج لترد على المجادلين في الله ولتثبت المسلمين على القبلة الجديدة ولتبين لهم أن هذا هو الحق الأصيل وليس بجديد فهم الأمة الحق .. الأمة الواحدة أتباع ملة إبراهيم والبيت الواحد, وليسوا ممن تقطعوا أمرهم بينهم زبرا.

وقبل أن نبين كيف قالت السورة بهذه المعاني نعرض للاتصال بين السورة والسورة السابقة لها فنقول:
الاتصال بين الحج والأنبياء جلي, فمحور سورة الأنبياء هو: الآلهة العاجزة, أما هنا فالرد على المختلفين المجادلين في قدرة الله وإظهار أنه القادر الذي يحيي ويعاقب ويجزي وينصر,

كما أن سورة الأنبياء بدأت بالقول باقتراب الحساب: اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون, وخُتمت كذلك بنفس المعنى: وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا … وبدعاء النبي أن يحكم الرب بالحق وأنه المستعان على ما يصفونه به كذبا وبهتانا, ثم تبدأ سورة الحج بالأمر بتقوى الرب لأن زلزلة الساعة شيء عظيم.

كما أن السورة الماضية عرضت للأصل الواحد للدين وكيف أن الأتباع اختلفوا فيه: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ [الأنبياء : 92-94]
وهنا عرضت السورة لأصناف الناس أمام القضية الدينية, وبينت أن الناس أمام الله –والدين- أصناف فمنهم من يفعل كذا ومنهم من يفعل كذا (ولهذا وجدنا: ومن الناس … ومن الناس .. و: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”

 وكذلك لأن الله تعالى جعل لكل أمة مناسك “شعائر” يطبقونها, إلا أن هذا الاختلاف قادهم إلى أن تقاتلوا وتناحروا عصبية لأديانهم.

ونبدأ في تناول السورة لنبين كيف قالت السورة بهذه المعاني, فنقول:
بدأت السورة بنداء عام للناس يأمرهم بتقوى الله –فلا يصفوه بما لا يليق به ولا يجادلوا فيه بغير علم- فزلزلة الساعة ليست بالأمر الهين وعذابه كذلك.

ثم تبدأ السورة في عرض مواقف الناس المختلفة من الرب, فبينت أن هناك من الناس من يجادل بغير علم متبعا الشيطان ومتوليا له, على الرغم من أنه مضل لا محل وهداه إلى عذاب السعير, وليس إلى النفع. ثم يقدم الله للشاكين في قدرته على البعث الأدلة على الإحياء والتي يرونها بعيونهم, والتي يفعلها الله الحق القادر والذي سيبعث الموتى.

وبالإضافة إلى هذا الصنف, فهناك صنف قريب منه يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب ليضل, فله عذاب الحريق, وهذا ليس ظلما له.

وهناك من يعبد الله على حرف, فإن أصابته فتنة انقلب على وجهه, وهو يدعو من دون الله ما لا ينفعه ولا يضره:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)* وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (3) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (4) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (8) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (10) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (12) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (13)
___________________
* بدأت سورة النساء –السورة الرابعة في القرآن- بأمر الناس بتقوى الله: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء : 1],

ورُبط هذا بالخلق وبالزوج وببث الرجال والنساء وبالأرحام. ونجد كذلك أن سورة الحج – السورة الرابعة في النصف الثاني من القرآن-, بأمر الناس بتقوى الله, وربطت ذلك بالمرضعة وبذات الحمل.

نواصل بفضل الله وفتحه تناولنا لسور القرآن لنبين وحدتها الموضوعية والأجواء التي نزلت فيها كل سورة, ونعرض اليوم لسورة الحج, تلك السورة التي اختلف العلماء فيها هل هي مكية أو مدنية، ثم استقر رأي الجمهور على مكيتها وأن فيها آيات مدنية واختلف في تعيين وعدد هذه الآيات.

أما نحن فنجزم بأنها مدنية كلها (استنادا إلى تأصيلنا القائل بنزول السورة من القرآن كاملة على مرة واحدة), فالسورة تتحدث عن هجرة وقوم أخرجوا من ديارهم, كما تتحدث عن الإذن بالقتال, ومن ثم فهي مدنية.

كما نقول أنها مما نزل في السنة الثانية من الهجرة –استنادا إلى التاريخ القائل بأن تحويل القبلة كان في هذه السنة-, وأنها نزلت بعد تحويل القبلة وقبل غزوة بدر, ونميل إلى أنها نزلت بعد: البقرة.

وسنبين للقارئ في أثناء تناولنا للسورة ما هي الآيات التي اعتمدناها للقول بهذا القول, والتي فهمناها استنادا إلى الفلك الرئيس للسورة التي تدور في محوره, وكيف عُرض هذا المحور, فمحور السورة هو: الاختلاف في الرب.

ففي بداية المرحلة المدنية واصل مشركو المدينة جدال النبي بشأن الله وقدرته وهل هو قادر على إحياء الموتى وبعثهم, كما دخل على الخط أتباع الأديان الأخرى الموجودون بنسب كبيرة في المدينة, واختلفوا في الله إلههم, وكل يدعي أنه متبع للإله الحق, أما إله الآخرين فباطل وكذلك شعائرهم هي الصحيحة وشعائر ومناسك الآخرين باطلة.


وفي تلك المرحلة اُذن للمسلمين بالقتال رداً على اعتداءات المشركين عليهم, فظهرت التساؤلات: ألم يعد الله بنصرة عباده المؤمنين به وبإهلاك الظالمين, فإذا كان قادرا على ذلك –بالريح مثلا أو الصواعق- فلماذا يجعل المؤمنين يقاتلون؟!

كما أن حدث واستجاب الله سبحانه لتقليب النبي وجهه في السماء وولاه –والمسلمين- قبلة يرضونها وهي المسجد الحرام, فاعترض أتباع الأديان السابقة على هذه القبلة وعلى الذبح –فيها ولها- وعلى صحة الصلاة إليها, ومن ثم على صحة الدين كله وعلى الإله الذي أمرهم بهذا.

فأنزلت سورة الحج لترد على المجادلين في الله ولتثبت المسلمين على القبلة الجديدة ولتبين لهم أن هذا هو الحق الأصيل وليس بجديد فهم الأمة الحق .. الأمة الواحدة أتباع ملة إبراهيم والبيت الواحد, وليسوا ممن تقطعوا أمرهم بينهم زبرا.

وقبل أن نبين كيف قالت السورة بهذه المعاني نعرض للاتصال بين السورة والسورة السابقة لها فنقول:
الاتصال بين الحج والأنبياء جلي, فمحور سورة الأنبياء هو: الآلهة العاجزة, أما هنا فالرد على المختلفين المجادلين في قدرة الله وإظهار أنه القادر الذي يحيي ويعاقب ويجزي وينصر

 كما أن سورة الأنبياء بدأت بالقول باقتراب الحساب: اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون, وخُتمت كذلك بنفس المعنى:
وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا … وبدعاء النبي أن يحكم الرب بالحق وأنه المستعان على ما يصفونه به كذبا وبهتانا, ثم تبدأ سورة الحج بالأمر بتقوى الرب لأن زلزلة الساعة شيء عظيم.

كما أن السورة الماضية عرضت للأصل الواحد للدين وكيف أن الأتباع اختلفوا فيه: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ [الأنبياء : 92-94],

وهنا عرضت السورة لأصناف الناس أمام القضية الدينية, وبينت أن الناس أمام الله –والدين- أصناف فمنهم من يفعل كذا ومنهم من يفعل كذا (ولهذا وجدنا: ومن الناس … ومن الناس .. و: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”,

وكذلك لأن الله تعالى جعل لكل أمة مناسك “شعائر” يطبقونها, إلا أن هذا الاختلاف قادهم إلى أن تقاتلوا وتناحروا عصبية لأديانهم.

ونبدأ في تناول السورة لنبين كيف قالت السورة بهذه المعاني, فنقول:
بدأت السورة بنداء عام للناس يأمرهم بتقوى الله –فلا يصفوه بما لا يليق به ولا يجادلوا فيه بغير علم- فزلزلة الساعة ليست بالأمر الهين وعذابه كذلك.

ثم تبدأ السورة في عرض مواقف الناس المختلفة من الرب, فبينت أن هناك من الناس من يجادل بغير علم متبعا الشيطان ومتوليا له, على الرغم من أنه مضل لا محل وهداه إلى عذاب السعير, وليس إلى النفع. ثم يقدم الله للشاكين في قدرته على البعث الأدلة على الإحياء والتي يرونها بعيونهم, والتي يفعلها الله الحق القادر والذي سيبعث الموتى.
وبالإضافة إلى هذا الصنف, فهناك صنف قريب منه يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب ليضل, فله عذاب الحريق, وهذا ليس ظلما له.

وهناك من يعبد الله على حرف, فإن أصابته فتنة انقلب على وجهه, وهو يدعو من دون الله ما لا ينفعه ولا يضره:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)* وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (3) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (4) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (8) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (10) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (12) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (13)
___________________
* بدأت سورة النساء –السورة الرابعة في القرآن- بأمر الناس بتقوى الله: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء : 1],
ورُبط هذا بالخلق وبالزوج وببث الرجال والنساء وبالأرحام. ونجد كذلك أن سورة الحج – السورة الرابعة في النصف الثاني من القرآن-, بأمر الناس بتقوى الله, وربطت ذلك بالمرضعة وبذات الحمل.

نواصل بفضل الله وفتحه تناولنا لسور القرآن لنبين وحدتها الموضوعية والأجواء التي نزلت فيها كل سورة, ونعرض اليوم لسورة الحج, تلك السورة التي اختلف العلماء فيها هل هي مكية أو مدنية، ثم استقر رأي الجمهور على مكيتها وأن فيها آيات مدنية واختلف في تعيين وعدد هذه الآيات.

أما نحن فنجزم بأنها مدنية كلها (استنادا إلى تأصيلنا القائل بنزول السورة من القرآن كاملة على مرة واحدة), فالسورة تتحدث عن هجرة وقوم أخرجوا من ديارهم, كما تتحدث عن الإذن بالقتال, ومن ثم فهي مدنية. كما نقول أنها مما نزل في السنة الثانية من الهجرة –استنادا إلى التاريخ القائل بأن تحويل القبلة كان في هذه السنة-, وأنها نزلت بعد تحويل القبلة وقبل غزوة بدر, ونميل إلى أنها نزلت بعد: البقرة.

وسنبين للقارئ في أثناء تناولنا للسورة ما هي الآيات التي اعتمدناها للقول بهذا القول, والتي فهمناها استنادا إلى الفلك الرئيس للسورة التي تدور في محوره, وكيف عُرض هذا المحور, فمحور السورة هو: الاختلاف في الرب.

ففي بداية المرحلة المدنية واصل مشركو المدينة جدال النبي بشأن الله وقدرته وهل هو قادر على إحياء الموتى وبعثهم, كما دخل على الخط أتباع الأديان الأخرى الموجودون بنسب كبيرة في المدينة, واختلفوا في الله إلههم, وكل يدعي أنه متبع للإله الحق, أما إله الآخرين فباطل وكذلك شعائرهم هي الصحيحة وشعائر ومناسك الآخرين باطلة.

وفي تلك المرحلة اُذن للمسلمين بالقتال رداً على اعتداءات المشركين عليهم, فظهرت التساؤلات: ألم يعد الله بنصرة عباده المؤمنين به وبإهلاك الظالمين, فإذا كان قادرا على ذلك –بالريح مثلا أو الصواعق- فلماذا يجعل المؤمنين يقاتلون؟!

كما أن حدث واستجاب الله سبحانه لتقليب النبي وجهه في السماء وولاه –والمسلمين- قبلة يرضونها وهي المسجد الحرام, فاعترض أتباع الأديان السابقة على هذه القبلة وعلى الذبح –فيها ولها- وعلى صحة الصلاة إليها, ومن ثم على صحة الدين كله وعلى الإله الذي أمرهم بهذا.

فأنزلت سورة الحج لترد على المجادلين في الله ولتثبت المسلمين على القبلة الجديدة ولتبين لهم أن هذا هو الحق الأصيل وليس بجديد فهم الأمة الحق .. الأمة الواحدة أتباع ملة إبراهيم والبيت الواحد, وليسوا ممن تقطعوا أمرهم بينهم زبرا.

وقبل أن نبين كيف قالت السورة بهذه المعاني نعرض للاتصال بين السورة والسورة السابقة لها فنقول:
الاتصال بين الحج والأنبياء جلي, فمحور سورة الأنبياء هو: الآلهة العاجزة, أما هنا فالرد على المختلفين المجادلين في قدرة الله وإظهار أنه القادر الذي يحيي ويعاقب ويجزي وينصر

كما أن سورة الأنبياء بدأت بالقول باقتراب الحساب: اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون, وخُتمت كذلك بنفس المعنى: وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا ... وبدعاء النبي أن يحكم الرب بالحق وأنه المستعان على ما يصفونه به كذبا وبهتانا, ثم تبدأ سورة الحج بالأمر بتقوى الرب لأن زلزلة الساعة شيء عظيم.

كما أن السورة الماضية عرضت للأصل الواحد للدين وكيف أن الأتباع اختلفوا فيه: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ [الأنبياء : 92-94],

وهنا عرضت السورة لأصناف الناس أمام القضية الدينية, وبينت أن الناس أمام الله –والدين- أصناف فمنهم من يفعل كذا ومنهم من يفعل كذا (ولهذا وجدنا: ومن الناس … ومن الناس .. و: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”,
وكذلك لأن الله تعالى جعل لكل أمة مناسك “شعائر” يطبقونها, إلا أن هذا الاختلاف قادهم إلى أن تقاتلوا وتناحروا عصبية لأديانهم.

ونبدأ في تناول السورة لنبين كيف قالت السورة بهذه المعاني, فنقول:
بدأت السورة بنداء عام للناس يأمرهم بتقوى الله –فلا يصفوه بما لا يليق به ولا يجادلوا فيه بغير علم- فزلزلة الساعة ليست بالأمر الهين وعذابه كذلك.

ثم تبدأ السورة في عرض مواقف الناس المختلفة من الرب, فبينت أن هناك من الناس من يجادل بغير علم متبعا الشيطان ومتوليا له, على الرغم من أنه مضل لا محل وهداه إلى عذاب السعير, وليس إلى النفع. ثم يقدم الله للشاكين في قدرته على البعث الأدلة على الإحياء والتي يرونها بعيونهم, والتي يفعلها الله الحق القادر والذي سيبعث الموتى.

وبالإضافة إلى هذا الصنف, فهناك صنف قريب منه يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب ليضل, فله عذاب الحريق, وهذا ليس ظلما له.

وهناك من يعبد الله على حرف, فإن أصابته فتنة انقلب على وجهه, وهو يدعو من دون الله ما لا ينفعه ولا يضره:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)* وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (3) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (4) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (8) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (10) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (12) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (13)
___________________
* بدأت سورة النساء –السورة الرابعة في القرآن- بأمر الناس بتقوى الله: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء : 1],
ورُبط هذا بالخلق وبالزوج وببث الرجال والنساء وبالأرحام. ونجد كذلك أن سورة الحج – السورة الرابعة في النصف الثاني من القرآن-, بأمر الناس بتقوى الله, وربطت ذلك بالمرضعة وبذات الحمل.

وبعد أن أمر الله الناس بالتقوى يبين لهم أن الحكم والفصل سيكون في الآخرة (ومن ثم فإن مقتل بعض المؤمنين ليس دليلاً على صحة مذهب الكافرين) فهو سيدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات الجنة في الآخرة وهو يفعل ما يريد, -أما من كان يظن من المؤمنين أن لن ينصره الله (وأن المؤمنين سيظنون في حالة الاستضعاف التي هم عليهم يتعرضون لاعتداءات الآخرين) فليكد ولينظر هل يذهبن هذا الكيد ما يغيظه!

والله أنزل كتابه آيات وهو يهدي من يريد, وهو سيفصل بين أتباع الأديان المختلفين يوم القيامة فهو الشهيد على كل شيء, فكل ما ومن في الكون يسجد لله (انتبه إلى مسألة أشكال السجود المختلفة والمتنوعة للكائنات هذه) ومن يهنه الله فليس له مكرم. ثم يُعرف الله بحكمه في واقعة الاختصام (التي حدثت بين مؤمنين وغيرهم وتطورت إلى أن اعتدى غير المسلمين على المؤمنين فقتلوهم) فيقول أن لهؤلاء كذا ولهؤلاء كذا:


إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (14) مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (16) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18) هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (24)

وبعد أن بين الله حكمه على المختصمين في الآخرة يبطل خصومتهم وجدالهم بشأن المسجد الحرام ويبين كيف أنه هو المسجد الأصل, الذي هُدي إبراهيم الخليل إليه, وهو الذي طولب الناس بالحج إليه, ومن ثم فعلى الناس تعظيمه (لا أن يخوضوا فيه),

وإذا كان فيه أصنام في هذه الفترة فليس هذا دليل على أنه لغير الله, فهذا مما أُمر الخليل إبراهيم أن يُطهر البيت منه, والمسلمون عندما يذبحون في –أو ل- بيت الله الحرام فهم لا يذبحون لأوثان, والله لن يأخذ اللحوم ولا الدماء وإنما التقوى:

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25) وَإِذْ بَوَّأْنَا* لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (35) وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37)

وبعد أن أبطل الله حجة المختصمين يعود ليبين أن الأمر لا يقتصر على إدخال الجنة في الآخرة, وإنما أنه كذلك يدافع عنهم في الدنيا, وذلك لأن الله لا يحب الخوان الكفور الذي يخون ويعتدي على الآخرين, ولأن الذين كفروا خانوا واعتدوا, فلذلك أذن الله للمؤمنين الذين أخرجوا من ديارهم أن يقاتلوهم!

وليس هذا لأن الله غير قادر على نصرهم, فهو القادر على هذا, وإنما هو من باب: “الدفع”, فلولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لانتُهكت حرمات الأديان, ومن ينصر الله فسينصره الله ولله عاقبة الأمور فخواتيم الأمور دوما على مراد الله.

(لاحظ أن ارتباط إباحة القتال بالدفاع عن النفس وعن أماكن العبادة حتى لأتباع الأديان الأخرى. وانتبه كذلك إلى النبوءة الواردة في قول الرب العليم: ولينصرن الله من ينصره. فبعد نزول هذه السورة بفترة قصيرة حدثت معركة بدر, ونصر الله من نصره وأيدهم بملائكته)

إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)

ثم يقول للرسول ألا يتضايق من الوضع الحالي, فعاقبة الأمور ستكون ما يسرك وما وعدنا به, فكم أهلكنا من قرية بعد أن أخرنا عنها العذاب, فهي أُخذت في نهاية المطاف, وهم رأوا هذا! فدورك الإنذار والعاقبة عندنا

وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (42) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (44) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (48) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (49) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (50) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (51)
____________________
* بوأ لإبراهيم مكان البيت, بعد أن نجاه الله إلى مكة, كما قال في السورة الماضية:
“وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ”

ثم يواسي الله الرسول التي تضايق من انقلاب بعض المسلمين على عقبيه بعد تحول القبلة, والتي كانت بسبب أمنيته, فيقول الله له أن هذا ليس بالجديد,
فكلما تمنى أي رسول أو نبي أمنية يتدخل الشيطان في هذه الأمنية ويجعلها سبباً للضلال, إلا أن الله ينسخ ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته, وما يلقيه الشيطان يكون فتنة لأصناف بعينها, بينما يكون سبيلا ليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك, والله لا يضل المؤمنين وإنما يهديهم إلى صراط مستقيم, والذين كفروا وكذبوا بآيات الله (البينات الموجودة في أول بيت وضع للناس) وغيرها فلهم عذاب مهين.

وأما الذين هاجروا ثم قتلوا أو ماتوا (قبل تحويل القبلة) فسيرزقهم الله رزقا حسنا, ثم يبين الله أنه ينصر من بُغي عليه, فهو الحق السميع البصير الذي يسمع من يدعونه, وهذا الذي يحيي الأرض بالماء وله ما في السماوات والأرض وسخر ما في الأرض وهو الذي أحيا ثم يميت ثم يحيي:
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ* (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54) وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (57) وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59) ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (60) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (61) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (65) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (66)

ثم يثبت الله الرسول على القبلة الجديدة –والمذبح الجديد- فيقول أنه جعل لكل أمة مذبح, فلا ينبغي لهم أن ينازعونك, وادع إلى ربك فأنت على الهدى المستقيم, أما هم فيعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا. ولضيق هؤلاء بالمخالفين لهم في الدين, إذا تتلى عليهم آياتنا (التي تبين لهم هلاك الظالمين الكافرين) يكادون يبطشون بالذين يتلون عليهم, فقل لهم أن النار في الآخر شر من ذلك:

لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (67) وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (68) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (69) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (70) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (71) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (72)

وكما بدأت السورة بنداء الناس تُختم كذلك بنداءهم لتقول لهم أن آلهتهم –التي يعبدون ويجادلون في الله بسببها- لن يخلقوا شيئا, وأنهم ما قدروا الله حق (إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء) فالله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس, وهو العالم بهم.

ثم ينادي الذين آمنوا –النداء الأول والوحيد في السورة- يأمرهم بالركوع والسجود (وعدم الالتفات إلى تشكيكات المشككين) وعبادته وفعل الخير وبالجهاد في الله مبينا أنه ليس عندهم ما يتحرجون منه في دينهم فهو ملة أبيهم إبراهيم هو سماهم المسلمين من قبل –فليس بالاسم الجديد- فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله فهو نعم المولى والنصير:

(لاحظ أن المؤمنين أمروا هنا بما أوحي إلى الخليل وأبناءه في السورة الماضية: وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)


يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (74) اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (76) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ** فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)

وبعد أن بيّنا للقارئ الكريم الوحدة الموضوعية للسورة, ندعوه لأن يقرأها كاملة مرة أخرى فسيفتح الله له فيها بإذنه وفضله أفهاما ولطائف ودقائق غير التي ذكرنا, إنه ولي ذلك والقادر عليه, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

_____________________
* سببت هذه الآية للمفسرين إشكالية كبيرة وذلك لأنهم قبلوا بتلك الروايات المتعلقة بتلك الحادثة المختلقة المدعوة “الغرانيق”, والتي تقول أن الرسول الكريم كان يقرأ على مشركي مكة سورة النجم فألقى الشيطان على لسانه: وتلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى!! (وهكذا جعلوا التمني بمعنى القراءة)

ولقد رفض كثير من المفسرين هذه الرواية وحكموا بكذبها, إلا أن بعضهم حاول أن يجد لها تأويلا مقبولا!!!!! ولم ينتبه القائلون بهذا الرأي إلى أنهم قالوا بطامة كبرى, فقولهم هذا يعني أن هذه ليست حادثة استثنائية وقعت مع الرسول وإنما يعني وقوع الشرك من كل الرسول والأنبياء, فالله يقول أنه إذا تمنى أي نبي أو رسول قبل الرسول فإن الشيطان يلقي في أمنيته!!!

إلا أن العجيب أننا وجدناهم لا يناقشون هذه القضية مع الأنبياء ويحاولون فهمها مع الرسول فقط!!!
ولأن هذه الرواية أصبح من المجمع على رفضها في العصر الحديث وجدنا تأويلات عديدة للآية من المعاصرين كل يحاول أن يقدم لها فهما مقبولا معقولا, فقال بعضهم أن النبي كان يتمنى هداية قومه وأن الشيطان يتدخل بجعله يتنازل من أجل استمالة قومه!

والقرآنيون يستدلون بالآية على صحة مذهبهم! إلا أن كل التأويلات التي قرأتها للآية لا تتفق من ناحية معها ولا مع السياق العام من ناحية أخرى.

** ندعو القارئ ليقارن هاتين الآيتين –وباقي آيات السورة- بتلك الواردة في البقرة في معرض الحديث عن تحويل القبلة: ” سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [البقرة : 144-142]”
فسيجد أن المفردات المستعملة في هذه الآيات مبثوثة في السورة.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.