ليس لبشر فضل !!

كنت ذات مرة أتأمل في خلق الله وفي الحياة التي يعيشها أي إنسان منا, فظهر لي أنه لا فضل لإنسان في شيء –مهما فعل- وأن الفضل كله لله وحده.

وجدت أن البشرية كلها طرأت على كون خلقه الله لهم ليعمروه, فلم يخلقوا هم هذا الكون ولم يوجدوا أنفسهم, وإنما أوجدهم الله بعد أن هيأ لهم العالم الذي سيحيون فيه, ويعمرونه. فسخر لنا الحيوانات لنأكل لحومها ونشرب ألبانها ونركب ظهورها, مستغلين إياها في التنقل والحمل, وجلودها في الثياب وروثها في الزراعة .. الخ.
وأعطانا القدرة على التجريد والتفكير, فلم نكن كالحيوانات تحركنا غرائزنا وشهواتنا, وبهذا العقل استطعنا أن ننشأ ونبني ونخترع ونبتكر.

ولم يجعلنا جل وعظم وعلى عقولا مجردة وإنما جعل لنا مشاعر وأحاسيس, تعطي الحياة مذاقاً وتحرك الإنسان للعمل وللجد وللقبول وللرفض وإن لم ير بعقله ما يدفعه إلى هذا الموقف أو ذاك.

وجعل رزقنا بعملنا وجدنا وكبدنا وكان قادراً على أن يرزقنا ونحن متمددون في أماكننا ولكن هذاالكبد وتلك المشقة اللذان نستصعبهما ساعة القيام بها, سرعان ما ننساهما بعد إنجاز العمل وبعد أن يرى الإنسان ما “أبدع وخلق”, يشعر بالرضا والسعادة والفخر بما قدمت يداه, وبما تميز به عن الآخرين, وبأنه لن يصل إلى ما وصل إليه أحدٌ إلا إذا كد وكدح كما فعل هو
وبهذا يتميز المجتهد عن الكسول, ف لولا المشقة ساد الناس كلهم الجود يفقر والإقدام قتال.

ونترك التعميم ونأخذ نموذجين من أشهر الأصناف التي يُظن أن لها فضل على الآخرين, وهما: “المخترعون المستكشفون المبتكرون” والوالدان, لنبين كيف أنه لا فضل لهما وأن الفضل كله لله:

ونبدأ بالصنف الأول فنقول:
نعم, المخترعون المستكشفون قدموا للبشرية الكثير النافع, ولكن إذا نظرنا في حال الواحد منهم الذي قدم الاختراعات, فنقول:
هل فعل أي واحد منهم ما قام به بدون دافع؟
حتما لا, فلا يفعل أي إنسان أي فعل إلا بدافع ما؟ فماذا كان دافع هؤلاء؟!
كان دافع بعضهم المال أو الشهرة أو المنصب أو الجاه أو التخليد التاريخي, ومن ثم فإنك وإن نفعت الآخرين بما قدمت لهم من أدوات واختراعات وابتكارات
ولكنك هذا بالدرجة الأولى لنفسك, فأنت أرضيت نفسك وأشعرتها بالافتخار والعزة والتميز عندما قدمت هذا الجديد الفريد, فأنت في محاولتك لفعلك هذا كان المحرك الأكبر لك إثبات الذات وأنك أفضل من الآخرين ومن ثم فإن فعلك كان لذاتك بالدرجة الأولى, وبالدرجة الثانية هو تبادل منفعة “نفع واستنفع”.

وليس كل هؤلاء يفعلون هذا للمنفعة المادية, فهناك من يفعل هذا حباً لعمله, وحتما فإن هذا الإنسان المحب لعمله فإنه يستمتع (يتلذذ) بعمله هذا الذي يفعل, ومن ثم فإن حب الشيء هو الذي دفع لإتقانه وتقديم الجديد فيه.

وهناك من يفعل هذا من منطلق الإلزام الخلقي, لإسكات الضمير الذي يذكر دوما بأنه من الواجب نفع الآخرين بالعلم الذي توفر لديك ولم يُتح لهم (من وضع فيك هذا الضمير؟
وقليل من يتجردون من هذه الدوافع كلها ويعملون العمل لإرضاء الله سبحانه وتعالى.

وكما رأينا فإن كل من نفع غيره قد نفع نفسه أولاً قبل أن ينفع غيره, والله الكريم لم يقل أن هذا أجرك وحسبك فقد انتفعت قبل أن تنفع, وإنما بكرمه جعل الأجر العظيم لمن تلذذوا ونفعوا أنفسهم بنفع الآخرين في الدنيا والآخرة.

فإذا تركنا المخترعين وانتقلنا إلى الوالدين واللذان يتغنى الناس في فضلهما (وتحديدا الأم), وجدنا أنهما فعلا يجدان ويتعبان ويسهران ويضيعان زهرة شبابهما من أجل تربية الأولاد وتنشأتهما النشأة الحسنة, بدون أي مقابل مادي, وكل ما يرغبونه هو أن يصبح أولادهما أفضل منهما
فهل يُعد الوالدان استثناء؟!

لا, لا يُعد الوالدان استثناء, فهما انتفعوا مثلما نفعوا, فالأولاد هم الذين يعطون الحياة معنى, وبدون الأولاد يعيش الإنسان حالة من الملل الشديد يشعر معها بأنه لا فائدة لسعيه ولكده, فلماذا يجتهد ويتعب نفسه؟! ولا يستطيع التغلب عليها إلا بمعاقرة الخمور وبالانغماس في الحيوانية الصرفة.

إن الأولاد يقدمون نعمة كبرى للوالدين وهي المشاعر وأهمها: الحب والسعادة والرضى, فهما المصدر الرئيس لشعور الحب, الذي يفتقده أكثر البشر ويبحثون عنه, وقد لا يجدونه .. إلا مع الأولاد,فبهم ينبض قلب الإنسان بالحب.
كما أنهم مصدر السعادة بضحكاتهم البريئة وبأفعالهم البسيطة, التي يختلج معها قلب الإنسان سعادة كلما يأتي ابنه بفعل مختلف أو يكتسب خبرة جديدة.

كما أنهم مصدر الرضا, عندما يرى الإنسان ثمرة تربيته أنسانا ناضجين صالحين, سيخلفهم بعد وفاته في المجتمع, فتقر عينه بذلك, بينما لا تقر عين الإنسان مهما كان بالأبنية التي بنى ولا بالأرض التي زرع.

باختصار: الوالدان قدموا للأولاد الرعاية المادية والأولاد أعطوا معنى للحياة وفجروا ينابيع المشاعر عند الوالدين, ومن ثم فالمنفعة متبادلة.

وعلى الرغم من ذلك فلم يجعل الله العليم هذا أجر ذاك, ولم يقل للوالدين أنكما استمتعتم بأولادكم في الدنيا, وإنما جعل لهم الأجر الكبير في الآخرة, والمنزلة العظمى في الدنيا فجعل الشكر له وللوالدين.

ذا وكما رأينا فالناس يتحركون في نعم الله بفضل الله, الذي أنزل لهم المنهج الذي يعرفهم الصواب من الضلال, والذي جعل لهم في كل عمل من أعمالهم المباحة متعة ولذة, يسعون للوصول إليها, ولم يحرمهم الأجر في الآخرة بعدما استمتعوا في الدنيا.

لهذا أقول ليس لبشر فضل

ولهذا أعلنها: يا الله .. إني احبك
اللهم أدم علي نعمة الحب والوصال.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.