سورة إبراهيم وإحراق المؤمنين!

نواصل تناولنا لسور القرآن لنبين وحدتها الموضوعية والأجواء التي نزلت فيها السورة, ونعرض اليوم بفضل الله وفتحه لسورة إبراهيم, فنقول:

سورة إبراهيم سورة مكية بلا خلاف, وقيل أن الآيتين 28 و29 نزلتا بالمدينة, وهو قول لا حاجة إلى مناقشته, فليس ثمة مبرر قوي للقول به, ومن ثم فإن السورة كلها –كغيرها من السور- نزلت كاملة على مرة واحدة.

ومن خلال نظرنا في سورة إبراهيم, والتي جاءت كخطاب شديد اللهجة, ظهر لنا أن العنصر الرئيس الذي تدور في فلكه السورة هو:
تصبير المؤمنين على العذاب الذي يلاقون.

فمن خلال نظري في السورة ظهر لي أن الأجواء التي نزلت فيها السورة كانت الجدل العقدي المستمر للمشركين بخصوص القرآن والذي صحبه في تلك الآونة تعذيب المشركين للمؤمنين ليردوهم عن دينهم, ووصل الحال إلى أن بعض المشركين حرقوا المؤمنين للوصول إلى هذه الغاية

كما كانوا يهددونهم بالإخراج من البلد الأمين, فنزلت السورة لتثبت المؤمنين وتصبرهم وترد على المشركين وتنذرهم وتتوعدهم.
وسنفصل للقارئ هذا التصور من خلال تناولنا للسورة.

والاتصال بين السورة والسورة السابقة لها –الرعد- واضح جلي, فلقد خُتمت السورة بالحديث عن الوحي وعن فرح الذين أوتوا الكتاب به وعن كونه حكما عربيا:
 وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ [الرعد : 37],
وبدأت السورة هنا بالحديث عن الوحي ولسانه. وبالإضافة إلى اتفاق نهاية السورة السابقة وبداية السورة الحالية, فإن موضوع السورة الماضية كان كما بينا هو: “نعم عقبى الدار” وكانت الحجة الماء

وهنا في السورة يتم تصبير المؤمنين بالوعد بالاستخلاف في الأرض والجنة “نعم الدار” وتوعد المشركين بدار البوار: جهنم وبعذاب النار ,

ونبدأ في تناول السورة فنقول:
تبدأ السورة بمخاطبة النبي أن الكتاب أنزل إليه ليخرج الناس من الظلمات إلى النور إلى صراط العزيز الحميد, وبتوعد الكافرين بعذاب شديد, الذين يصدون عن سبيل الله, وتبين أن موسى أرسل –بلسان قومه- لنفس الغرض, وبأن يذكرهم بأيام الله وأن في هذا لآيات لكل صبار شكور!

ومن خلال هذه الآية التي تتحدث عن كون أيام الله التي أهلك فيها الظالمين وعن التالية التي تتحدث عن تذكير موسى لقومه بإنجاءهم من عذاب فرعون –ومن ملامح أخرى في السورة واتفاقها مع صياغة آيات سورة أخرى كانت تتحدث عن عذاب المؤمنين بالنار- رجح لدينا أن الصد المذكور في أول السورة ليس مجرد صد لساني بالجدال وبالأباطيل وإنما هو فعلي بالعذاب, وأن على المؤمنين الصبر على البلاء, فكما نجى الله موسى ومن معه سينجي محمد ومن معه

فليس ذلك مبرراً كافياً للكفر فلو كفر كل الناس فلن يضروا الله شيئا, وإنما عليهم الشكر على النعم والصبر على العذاب,فحتى لو كفر كل أهل الأرض لا يضير الله أن يهلكهم, أفلم يأتكم نبأ كيف أهلك الله قوم نوح وعاد وثمود, والذين تحججوا بمبررات لرفض الدين, ردها وأبطلها الرسل السابقون,

فليس في الله شك, وليس الرسل من يأتون بسلطان يحمل الناس على الإيمان ويدفعهم إليه, (مع ملاحظة أن المشركين لم يطالبوا الذين حرفوا دين الله عبر العصو بسلطان على قولهم بأنداد لله من أصنام وأبناء … الخ, وإنما تقبلوا تحريفهم وتبديلهم لما وافق ذلك من هوى نفوسهم!)

وإنما الله هو من ينزل السلطان بإذنه, ولذا فهم سيتوكلون على الله وسيصبرون على الأذى, ولقد توعد الله الرسل بالإخراج فأوحى الله إليهم أنه سيهلك الظالمين وسيسكنهم الأرض من بعدهم, وطلبوا الفتح وخاب الجبار العنيد, فجاءهم هذا بجهنم وأصبحوا يسقون من ماء صديد (هل كان الماء من ضمن وسائل تعذيب الكافرين للمؤمنين؟) والفارق أنه لا نهاية لهذا العذاب, بخلاف عذاب الدنيا الذي ينتهي بالموت:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (2) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (3) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (6) _وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ_ (7) وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (8) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (9) قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (10) قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14) وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17)

ثم يبين الله أن أعمال الكافرين بربهم –الرحمن- لن تنفعهم مع كفرهم, وأن الله لو شاء لأذهبهم ولا يعز هذا على الله –تذكر جدال الكافرين في قدرة الله في السورة الماضية-, وأمام الله لا ينفع المستكبرين الضعفاء الذين عاونوهم على أفعالهم,
وهنا يتبرأ الشيطان ممن اتبعه, ويبين أنه لم يكن له عليهم سلطان إلا الدعوة فاستجابوا له – بينما طالبوا الرسل بالسلطان المادي!
, وأنهم كانوا أمام وعدين: وعد حق يصدقه التاريخ والعقل, وآخر لا برهان عليه! (ويبدو من تبرء الشيطان منهم أنهم كانوا يعبدون الشيطان ويشركونه مع الله ويدعون أنهم يخافون ضره وأنه يجبرهم على هذه الأفعال, فتبرأ منهم! وبين أنه ليس له سلطان إلا الدعوة),

وأدخل المؤمنين –الذين أخرجوا من الظلمات إلى النور- بإذن ربهم جنات تحيتهم فيها سلام: ” سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد : 24]”,
ويذكر الله النبي بأن المثل الذي ضربه الله سابقاً –وهو ليس في القرآن, ومن ثم فهو إما جاء في وحي جاء للنبي الكريم أو في أحد الكتب السابقة وكان النبي يعلمه- مثل الشجرة الطيبة والشجرة الخبيثة, ليقول له أن شجرة الكفر زائلة, وشجرة الإيمان ثابتة وممتدة, وأن الله يثبت المؤمنين في الدنيا والآخرة.

وإضلال الله الظالمين وفعله بهم ما يشاء راجع إلى ما فعلوه, ألم تر كيف بدلوا نعمة الله “الإيمان /الكعبة” إلى الكفر, فجعلوا لله أندادا وأدخلوا الأصنام في الكعبة, وعبدوها من دون الله ومن ثم جعلوا مستقر قومهم هو جهنم,

وأما المؤمنون فعليهم أن يقيموا الصلاة –استعينوا بالصبر والصلاة- وينفقوا قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال ليكون رصيداً لهم في الآخرة ويشكروا لله, فالله هو من أغرق الإنسان في نعمه فهو من فعل له ….

مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (18) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (20) وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (21) وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22) وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (23) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30) قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (31) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)

ثم يذكر الله تعالى أهل مكة بدعاء الخليل إبراهيم بالأمن للبلد وكيف أنه دعى الله تجنيبه وأبناءه عبادة الأصنام, وأنه دور المقيمين من أبناءه هو إقامة الصلاة, والله سيرزقهم ليشكروا –لا ليكفروا-, وكيف أنه شكر الله على نعمة الله عليه بالأولاد التي جاءت على الكبر ولم يقنط من رحمة الله

وكذلك العذاب الذي تتعرضون له أيها المؤمنون سيُرفع-, ثم يقول للنبي لا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون –من تعذيب واضطهاد لكم- وإنما يؤخرهم, وهناك سيندمون ويتمنون العودة ولن ينفع الندم, فلا تحسبن الله سيخلف وعده رسله (بإهلاك الظالمين وإسكانهم الأرض من بعدهم), فهو عزيز ذو انتقام (ممن يعذب ويؤذي المؤمنين)

وفي ذلك اليوم ترى المجرمين مقرنين في الأصفاد سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار فيحاسبون من جنس أعمالهم التي فعلوها بالمؤمنين, وهذا بلاغ للناس ولينذروا وليذكر أولوا الألباب:

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (38) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41) وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (44) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (45) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (49) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (50) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (51) هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (52)

وندعو القارئ لقراءة السورة مرة أخرى فسيرى وحدتها وسيفتح الله له فيها بإذنه إنه ولي ذلك والقادر عليه.
غفر الله لنا الزلل والخلل والسلام عليكم ورحمة الله.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.