سورة الرعد سورة الماء؟!

نواصل اليوم بفضل الله ونعمته تناولنا لسور القرآن لنبين وحدتها الموضوعية والأجواء التي نزلت فيها السورة, ونعرض بإذن الله للسورة الثالثة عشر: سورة الرعد
وهي سورة لم أملك أمام ما رأيته من بناءها إلا أن أقول: ما هذا؟
من غير الممكن أن يكون هذا البناء من فكر بشر! إن هذه السورة تجبرني إجباراً على أن أسجد لمنزلها.

وقبل أن نبين وحدتها الموضوعية نعرض للأجواء التي نزلت فيها السورة, فنقول:
اختلف العلماء في زمن نزول السورة, فقيل أنها مكية, -وهو المروي عن أكثر السلف- فروي ذلك عن ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وعطاء وقتادة, وقيل أنها مدنية وروي ذلك عن ابن عباس أيضا وقال به جابر بن زيد. وأنها نزلت بعد محمد, ومن ثم فهي واحدة من السور الثلاثة التي تبدأ بالحروف المقطعة والتي نزلت في المدينة (البقرة وآل عمران والرعد)

ولكي يبرر القائلون بمدنية السورة اتفاق موضوعها مع موضوعات السور المكية قالوا أنها نزلت في بدايات العهد المدني, ومن ثم اتفقت الموضوعات بينهما! وهذا قول عجيب! فليس العبرة ببداية أو نهاية وإنما بالظروف المحيطة وعقائد تلك التركيبة البشرية التي يخاطبها القرآن!

والذي دفع القائلين بمدينة السورة للقول بهذا القول على الرغم من أن آياتها تصرخ بمكيتها هو تلكم الآيات التي تحدثت عن أهل الكتاب أو الذين أوتوا الكتاب ومن ثم قالوا أنها مدنية!

وحاول بعضهم تجاوز هذه الآيات فقال أن السورة مكية إلا آيات نزلت في المدينة –ونحن نرفض هذا, فنحن نقول بأن كل سورة من سور القرآن نزلت منفردة كاملة- وذلك لتصورهم العجيب أن أهل الكتاب لم يوجدوا إلا في المدينة! ولست أدري هل عدمت مكة –وما يجاورها- أناسا من أهل الكتاب حتى تكون الآيات حتماً مدنية؟!

ومن خلال نظري في السورة رجح لدي أن سورة الرعد نزلت بعد سورة يوسف –ولا أعني أنه يجب أن تكون التالية لها في النزول-, ومن ثم فهي من تلك السور التي نزلت في أواخر العهد المكي.

وفي تلك المرحلة كان المشركون يجادلون في الله سبحانه, هل هو قادر على إنزال العذاب بهم ويطالبون بإنزال آية على الرسول ويتحدثون عن الله بصفته رب محمد:

هل ربك يستطيع كذا, هل ربك ؟ لهذا تحدثت السورة عن الله في أكثر من موطن ب: ربك وفي أخرى ب: ربهم, ولهذا ذكرت السورة أسماء حسنى لله تشير إلى القوة والعزة, ومنها أسماء لم تُذكر إلا في هذه السورة, وهي: “المتعال وشديد المحال”.

كما كانوا يعترضون على الرسول بحجة أنه متزوج وله ذرية, فكيف يكون رسولاً من عند الله؟! وفي هذه الأجواء نزلت السورة لترد على الكافرين, ولتقول لهم أنه: “نعم دار المتقين”, فالعبرة بدار الآخرة.

وهذا هو العنصر الرئيس الذي تدور في فلكه السورة.
وهكذا تتضافر السورة مع السورة السابقة لها (يوسف) في التمهيد للانتقال من موطن إلى آخر, فإذا كانت سورة يوسف بمثابة نبوءة لإخراج النبي من بلده كما حدث مع يوسف, فإن السورة تبين للمؤمنين أن العبرة بدار الآخرة وليس بدار الدنيا, لتهون عليهم مغادرة وترك ديارهم في الدنيا.

فإذا تركنا الأجواء التي نزلت فيها السورة وانتقلنا إلى الاتصال بين السورة والسابقة لها, نقول:
قلنا سابقاً أن كل سورة من سور القرآن تفصل مسألة أجملتها السورة السابقة لها, أو تكمل تناول نفس الموضوع من زاوية جديدة, وهذا يظهر جلياً بين السورتين

فالسورة السابقة كانت قصة, والغاية منها ذكرها الله بعد نهاية القصة في آخر السورة, ومن ثم فحكم/ تعليق الله جُمع في بضع آيات في نهايات السورة ولم يكن مبثوثا فيها, فوجدنا الرب العليم يقول:
“وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (107) قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)”

وسورة الرعد تفصيل رائع لما ذكرته هذه الآيات, فتبدأ بالقول بأن “أكثر الناس لا يؤمنون” –على الرغم من أنه هدى ورحمة لقوم يؤمنون, ثم تتحدث عن آيات الله في السماوات والأرض, والتي يمرون عليها وهم عنها معرضون ومن ثم يطالبون بالآيات الحسية, وكيف أن المرسلين رجال (لهم أزواج وذرية), ثم تفصل السور باستفاضة حول دار المتقين في الآخرة.

ونبدأ في تناول السورة فنقول:
انطلقت السورة في حديثها عن دار المتقين الأخروية من منطلقين, هما التدليل على الدار الآخرة التي سيكون فيها دار المتقين, وكذلك قدرة الله العليم الذي سيقدم هذه الدار للمتقين

فبدأت السورة بالحديث عن آيات الكتاب وعن الحق المنزل من رب الرسول وعلى الرغم من ذلك فلا يؤمن أكثر الناس بالله والآخرة, ورب محمد هو الله الذي رفع السماوات وسخر الشمس والقمر وكل لأجل لعلكم تؤمنون بلقاء ربكم, وهو الذي هيأ لكم دار الدنيا فمد الأرض وجعل الرواسي والأنهار والثمار يغشي الليل النهار وفي هذا آيات للمتفكرين, وفي الماء والأكل المختلف الذي يُخرج به آيات.

ولهذا فإذا كان ثمة عجب فليس أن يحيى الناس بعد موتهم, وإنما في أن لا يُحيى الناس بعد كونهم ترابا.

(ثم تأتي آيات اعتراضية تعلق على كونهم من أصحاب النار فتقول أنهم يطالبون بالعذاب قبل أن يستعجلوا بالثواب وبدار النعيم, وقد خلت العبرات والنماذج من الأمم السابقة, والله غفور وذو عذاب شديد, وكذلك يعلقون إيمانهم على الآيات, وليس هذا بيدك وليس هذا الذي سيكون سببا لهدايتهم, ثم تكمل الآيات حديثها عن قدرة الله وعن البعث فتقول أن)

الله يعلم ما تحمل كل أنثى … وأنه عالم الغيب والشهادة وأن سواء من أسر القول ومن جهر به, والذي يعلم هذا لن يعجزه أن يبعث الناس ليحاسبهم على ما قدمته أيديهم وما أكنته صدورهم. وإذا كان الرسول لم تُنزل عليه آية فله ملائكة تحفظه *

أما هم فلن يغير الله ما بهم حتى يغيروا ما بأنفسهم وليس لهم وال يدفع عنهم عذاب الله, فهو الذي يريكم البرق الذي تخافون منه وتطمعون معه في نزول الماء وينشئ السحب ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء, فكيف تأمنون أن تأتيكم غاشية من عذاب ربكم؟! وله سبحانه دعوة الحق بينما الآلهة الأخرى التي يدعون لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء …

فدعاء الكافرين باطل, فلله وحده يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم, ثم يؤمر النبي بسؤالهم: من رب السماوات والأرض وأن يرد عليهم أم أنهم نسبوا بعض الخلق إلى شركاء الله فاختلط الأمر عليهم فلم يعرفوا من خلق هذا ومن خلق ذاك, وهذا لم يحدث بداهة فالله خالق كل شيء وهو أنزل من السماء ماء:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (1) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4) وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (5) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (6) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (7) اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (8) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (9) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (10) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (12) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (13) لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (15) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16) أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (17)
_______________________
* نطلب إلى القارئ الكريم قراءة بحثنا في هذا القسم حول آية المعقبات ليعرف كيف قلنا أنها في النبي

وهنا يضرب الله للناس بالماء النازل من السماء مثلاً للقرآن وأن القرآن مثل الماء, فكما أن الماء حياة الأجسام فالقرآن حياة القلوب, وفي هذا يقول ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير:

“شبه إنزال القرآن الذي به الهدى من السماء بإنزال الماء الذي به النفع والحياة من السماء . وشبه ورود القرآن على أسماع الناس بالسيل يمر على مختلف الجهات فهو يَمرّ على التّلال والجبال فلا يستقر فيها ولكنه يمضي إلى الأودية والوهاد فيأخذ منه كُلّ بقدر سعته .

وتلك السيول في حال نزولها تحمل في أعاليها زَبَداً ، وهو رغوة الماء التي تربو وتطفو على سطح الماء ، فيذهب الزبد غير منتفع به ويبقى الماء الخالص الصافي ينتفع به الناس للشراب والسقي .

ثم شُبهت هيئة نزول الآيات وما تحتوي عليه من إيقاظ النظر فيها فينتفع به من دخل الإيمان قلوبهم على مقادير قوة إيمانهم وعملهم ، ويمر على قلوب قوم لا يشعرون به وهم المنكرون المعرضون ، ويخالط قلوبَ قوم فيتأملونه فيأخذون منه ما يثير لهم شبهات وإلحاداً .

كقولهم : { هل ندلّكم على رجل ينبئكم إذا مُزّقتم كلّ ممزّق إنكم لفي خلق جديد } .
ومنه الأخذ بالمتشابه قال تعالى : { فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله } [ سورة آل عمران : 7 ] .

شبه ذلك كله بهيئة نزول الماء فانحدَارِه على الجبال والتلال وسيلانه في الأودية على اختلاف مقاديرها ، ثم ما يدفع من نفسه زبداً لا ينتفع به ثم لم يلبث الزبد أن ذهب وفني والماء بقي في الأرض للنفع .

ولما كان المقصود التشبيه بالهيئة كلها جيء في حكاية ما ترتب على إنزال الماء بالعطف بفاء التفريع في قوله : فسالت } وقوله : { فاحتمل } فهذا تمثيل صالح لتجزئة التشبيهات التي تركب منها وهو أبلغ التمثيل .

وعلى نحو هذا التمثيل وتفسيره جاء ما يبينه من التمثيل الذي في قول النبي صلى الله عليه وسلم « مثَل ما بعثني الله به من الهُدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكان منها نقيّة قبلتْ الماء فأنبتت الكلأ والعُشْبَ الكثير ، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناسَ فشربوا وسقَوا وزرعوا ،

وأصاب منها طائفةً أخرى إنما هي قيعَان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ، مثلَ منْ فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعَلِم وعلّم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هُدى الله الذي أرسلتُ به »” اهـ

والناظر في السورة يجد أنها تتخذ من الماء مثلا للقرآن, فكما أن الله يحيي بالماء فكذلك فهو يحيي القلوب بالقرآن:
ففي أول السورة حديث عن ماء واحد واستجابة مختلفة فيُفضل أكل بعض القطع والجنات على أخرى

كما أن القرآن واحد وتختلف استجابة الناس له, كما يشبه استجابة أولياء المشركين لهم بإنسان باسط كفيه إلى الماء وينتظر أن يأتي الماء إلى فمه وهو ما لن يحدث, ثم يضرب المثل بالماء وكيف أن الشرك زبد سيذهب جفاء, ثم يقول الله للرسول بعد آيات معدودات أنه أرسله كذلك

أي كما أنزل الماء- ليتلو عليهم ما أوحي إليه: “ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ “, فالرسول والقرآن ماء الهداية.

وعلى الرغم من الحديث الذي مثّل فيه الرسول القرآن الذي بُعث به بالماء, وهو ما قالت به الآية وجدنا المفسرين يقولون أن المقصود من: كذلك أي أرسلناك كما أرسلنا الأنبياء من قبلك!

ولست أدري من أين أتوا بهذه المماثلة من الآيات السابقة في السورة؟!!
إن الذي وجدناه هو الحديث عن إنزال الماء وهو ما نحمل عليه: كذلك! كما أن الله اتخذ الماء دليلاً على نصر محمد القادم: “أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا .. [الرعد : 41]” فكما أن الماء ينقص أطراف الأرض فكذلك فإن الوحي والمؤمنون سيأكلون أراضيكم ولن تستطيعوا أن تصمدوا أمامهم.

ثم يبين الله أن لمن استجاب له وهم الذين يوفون بعهده ويصلون ما أمر الله به أن يوصل وصبروا … فلهم الحسنى والآخرون لهم سوء الحساب, (لأنه لا يمكن أن يستوي البصير الذي يعلم أنما أنزل إلى الرسول هو الحق بالأعمى), وهذه الحسنى هي عقبى الدار وهي جنات عدن وسيجدون فيها الأحبة الصالحين من الآباء والأزواج والذرية فلن تكون دار غربة,

أما الناقضون القاطعون فلهم سوء الدار, وليست العبرة بالدنيا فالله يبسط لمن يشاء, ولا يمكن مقارنة الدنيا بالآخرة, وبين لهم أن الهداية ليست بالآية وإنما بالإنابة, وهي ما فعلها المؤمنون وهؤلاء لهم طوبى وحسن مآب, وأنه كما أُنزل الماء أرسل الرسول ليتلو القرآن لا ليصنع آيات! ومن ثم فلن يكون هناك قرآن تُسير به الجبال …

فلو شاء الله لهدى الناس جميعا, ولا يزال الذين كفروا تنزل بهم النوازل حتى يأتي وعد الله, ولقد استهزئ بالرسل فأملى الله للكافرين ثم أخذهم أخذا شديدا, فالرحمن وحده الذي تكفرون به هو القائم على كل نفس بما كسبت, ومكركم زين لكم ومن ثم فلن ينفعكم أي هاد, فحتى لو أتت الآيات فلن تؤمنوا ولذا فلكم عذاب شديد في الدنيا والآخرة, بينما المتقون لهم مستقر آخر:

لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (18) أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (26) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (27) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (29) كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30) وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (31) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (32) أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (34) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (35)

وكما بدأت السورة بالحديث عن “الذي أُنزل إليك” وموقف الناس منه وكيف أن أكثرهم لم يؤمن به تُختم بالحديث عنه كذلك, فتبين أن الذين آتيناهم الكتاب يفرحون به (وهم ليسوا : أهل الكتاب, ونطلب إلى القارئ الرجوع إلى موضوعنا في التفريق بين أصناف أهل الكتاب في القرآن)

وهناك من ينكر بعضه فأعلن ثباتك على ما أنت عليه ولا تتبع أهواءهم, وأنت لست بدعاً من الرسل, فلا يعني كون المسيح مثلاً بدون زوج وذرية أن يكون الكل هكذا, والآيات تأتي بإذن الله, وأنه لكل أجل كتاب (وليس: كل أجل في الكتاب), فإذا محا الله الكتاب لم يكن الأجل ولا الآية (المعجزة أو العذاب) وإذا أثبته كان الأجل والآية.

والذي يظهر من الآية أن المقصود بالكتاب فيها ليس “السجل” وإنما مجموعة السنن والأحكام التي كتبها الله, فإذا وجدت كان, وإن محيت لم يكن: “وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً …. [آل عمران : 145]“, فالموت كتاب مؤجل على الخلائق لا يمكن لأحد الفرار منه, بينما هناك كتب أخرى يمكن أن تُمحى ويمكن أن تُثبت, وسواء رأيت ما نعدهم أو توفاك الله فدورك البلاغ وليس الحساب, وهم لن يعجزوا الله, أفلم يروا أن الله ينقص الأرض من أطرافها بالماء* 
ولا معقب لحكم الله (بينما كان للنبي معقبات يحفظونه) ولله المكر قبالة مكر الكافرين وسيعلمون لمن عقبى الدار! وردا على قولهم بعدم إرسالك قل أن الله شهيد ومن عنده علم الكتاب.

وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (36) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (37) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (38) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (39) وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (40) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (41) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (42) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (43)

وندعو القارئ أن يعيد قراءة السورة مرة أخرى, بعد أن اكتشف موضوعها الذي ترمي إليه, وعرف حجة الله: الماء/ الوحي التي أقامها على البشر, فسيرى عجباً.
غفر الله لنا الزلل والخلل والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
______________________________
* ليس المقصود تآكل أراض الشرك بالفتوحات على النبي, فحتى على قول بمدنية الآية فهم يقولون أنها كانت في بداية المرحلة المدنية ولم يكن النبي قد قاتل بعد, وإن كانت تتنبأ بهذا كما يأكل الماء الأرض, ويبدو أن ابن عباس فهم المقصود من التشبيه والنبوءة المبطنة في الآية,

فظن المفسرون أن الآية تتحدث عن الفتوحات وليس تتنبأ بها بتقديم الماء مثلاً لما سيحدث, ونفض يدك من ما يقوله أرباب الإعجاز العلمي في الآية فليس له علاقة بها, فهي تتحدث عن شيء يراه الكافرون بأعينهم!)

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.