التوبة وحروب الردة الأولى!

نعرض اليوم لسورة التوبة والتي ظهر لي من خلال النظر فيها مفاجأة كبرى, ولأن هذا الاكتشاف سيسبب صدمة كبيرة للقراء
ولأن عرض “مفاصل السورة” بشكل عام لن يكفي للتدليل عليه, فإن تناولنا لسورة التوبة سيكون مختلفاً بعض الشيء عن السور السابقة,

حيث سنعرض هنا أقوال المفسرين في عدد من المواضع في السورة لنبين للقارئ كيف أن المفسرين فهموا كلام الله على غير ما قال, وأنهم قسموا السورة إلى موضوعين كبيرين بدون مبرر كاف.

والمشهور بشأن سورة التوبة أنها نزلت كاملة –ونحن نقول أن كل سور القرآن نزلت كذلك- وسنستخدم إقرارهم بنزولها كاملة في إظهار تناقض أقوالهم

وأنها نزلت لتعلن براءة الله والرسول من العهود مع المشركين الذين كانوا ينقضونها دوماً, وأن أمامهم فرصة أربعة شهور, وبعدها سيقاتلهم المسلمون! والسبيل الوحيد لتلافي ذلك هو دخولهم في الإسلام. (وكانت هذه النقطة تسبب لي مشكلة, فهذا يُعد بأي حال من الأحوال نوع من الإكراه على الإيمان!

إلا أني كنت أتجاوزها بحجة أنهم هم الذين بدءوا بالاعتداء وكرروه مرارا, وأنه كان لزامٌ وجود رد قوي يوقفهم عند حدهم, ومن ثم فلا مانع من أن يدخلوا في الإسلام !!)

كما نزلت لتعرض لمواقف بعض المسلمين في غزوة تبوك, والتي ظهر فيها نفاق وتخلف وتثاقل من المسلمين عامة في النفرة في سبيل الله.

وهكذا أصبحت السورة تتناول موضوعين الله وحده أعلم بالرابط بينهما.
وعندما بدأت النظر في السورة كنت أظن أن إظهار الوحدة الموضوعية لها أمر يسير, فكلا محوريها يتعلق بالقتال, وبالتأكيد فثمة رابط بينهما سأكتشفه بإذن الله سريعا, ثم ظهر لي أن السورة ليست كما قالت أسباب النزول, وأنها تتناول من أولها إلى آخرها قضية واحدة, وهي:

استنفار المسلمين لقتال القبائل العربية المرتدة إن لم يعودوا لحظيرة الإيمان بعد مهلة الأربعة أشهر..
وأنها نزلت بعد أن خرج الرسول والمؤمنون لقتال مشركين معتدين, فعرّفت وتنبأت وثبتت وفضحت. ونصر الله المؤمنين بالسكينة وكف أيدي الناس فلم يقاتل المسلمون وإن غنموا مغانم كثيرة!

ورداً على التساؤل المنطقي الذي سيقفز في ذهن القارئ: وكيف اختفت هذه الحادثة الكبرى من التاريخ؟
نقول: إن الغموض يحيط بالمسألة من أولها لآخرها, والرواة سكتوا عن هذا الواقعة لحاجة ما في نفوسهم أو لأنهم رأوا فيها ما يسيء إليهم فلم يتكلموا عنها! فالناظر مثلاً يجد أن الروايات لا توضح مثلاً متى عاهد المسلمون هذا النصيب الكبير من المشركين ومَن من القبائل عاهدهم المسلمون ومن منها لم يعاهد!!!

ولذلك لم يعرف المفسرون من هم الذين عاهدهم المسلمون عند المسجد الحرام, وعلى الرغم من ذلك وجدت أقوال حاولت أن تُفتي! لتوضح من عاهدهم الرسول فذكرت أقوالاً لا تتناسب مع التاريخ ولم يقولوا متى وكيف!! فوجدنا الإمام الطبري يقول في: جامع البيان في تأويل القرآن:

“واختلف أهل التأويل في الذين عُنوا بقوله: إلاّ الّذَينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسّجِدِ الحَرَامِ فقال بعضهم: هم قوم من جذيمة بن الديل.
قال ابن عباس, قوله: إلاّ الّذِينَ عاهدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ هم قريش.
12881ـ حدثني المثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس: إلاّ الّذِينَ عاهدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ يعني: أهل مكة.
وقال آخرون: هم قوم من خزاعة.
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي قول من قال: هم بعض بني بكر من كنانة, ممن كان أقام على عهده ولم يكن دخل في نقض ما كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش يوم الحديبية من العهد مع قريش حين نقضوه بمعونتهم حلفاءهم من بني الديل على حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم من خزاعة.
وإنما قلت هذا القول أولى الأقوال في ذلك بالصواب لأن الله أمر نبيه والمؤمنين بإتمام العهد لمن كانوا عاهدوه عند المسجد الحرام, ما استقاموا على عهدهم. وقد بينا أن هذه الآيات إنما نادى بها عليّ في سنة تسع من الهجرة, وذلك بعد فتح مكة بسنة, فلم يكن بمكة من قريش ولا خزاعة كافر يومئذ بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فيؤمر بالوفاء له بعهده ما استقام على عهده, لأن من كان منهم من ساكني مكة كان قد نقض العهد وحورب قبل نزول هذه الاَيات.” اهـ

ويستمر الغموض بشأن القوم الذين هموا بإخراج الرسول, فقدم المفسرون بعض التبريرات لتجاوز هذه الآية, إلا أنها لم تُقنع المفسر ابن عاشور, فقال بأن المقصودين بالآية لم تذكرهم الروايات والتاريخ,
فقال في: التحرير والتنوير:

“فالوجه عندي : أن المعني بالذين هموا بإخراج الرسول قبائل كانوا معاهدين للمسلمين فنكثوا العهد سنة ثمان يوم فتح مكة وهموا بنجدة أهل مكة يوم الفتح والغدر بالنبي عليه الصلاة و السلام والمسلمين وأن يأتوهم وهم غارون فيكونوا هم وقريش ألبا واحدا على المسلمين فيخرجون الرسول صلى الله عليه و سلم والمسلمين من مكة ولكن الله صرفهم عن ذلك بعد أن هموا وفضح دخيلتهم للنبي صلى الله عليه و سلم وأمره بقتالهم ونبذ عهدهم في سنة تسع ولا ندري أقاتلهم النبي صلى الله عليه و سلم بعد نزول هذه الآية أم كان إعلان الأمر بقتالهم ” وهم يعلمون أنهم المراد بهذا الأمر ” سببا في إسلامهم وتوبة الله عليهم تحقيقا للرجاء الذي في قوله ( لعلهم ينتهون ) ولعل بعض هؤلاء كانوا قد أعلنوا الحرب على المسلمين يوم الفتح ناكثين العهد وأمدوا قريشا بالعدد فلما لم تنشب حرب بين المسلمين والمشركين يومئذ أيسوا من نصرتهم فرجعوا إلى ديارهم وأغضى النبي صلى الله عليه و سلم عنهم فلم يؤاخذهم بغدرهم وبقي على مراعاة ذلك العهد فاستمر إلى وقت نزول هذه الآية وذلك قوله ( وهم بدأوكم أول مرة ) أي كانوا البادئين بالنكث وذلك أن قريشا انتصروا لأحلافهم من كنانة فقاتلوا خزاعة أحلاف المسلمين ” اهـ

ولا يقتصر الغموض على هذه الوقائع وإنما يتعداه إلى عدد من الأحداث الأخرى المذكورة في السورة, ومن ثم فليس أمام المتدبر أمام هذا الغموض التاريخي سوى الاكتفاء بما قال الله في كتابه!

ونبدأ في تناول السورة, فنقول:
الاتصال بين السورة والسابقة لها واضح, فالسورة السابقة كانت تدور في فلك: السمع والطاعة لله والرسول سبيل النصر.

وفي آخر السورة ذُكر قوم يعاهدون وينقضون عهودهم: الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ [الأنفال : 56]
كما أُمر النبي بتحريض المؤمنين على القتال:
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ [الأنفال : 65]
وسورة التوبة كلها إعلان حرب واستنفار للقتال.
ونبدأ في تناول السورة لنبين كيف قلنا بهذا المعنى:

بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (6) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8)
اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12) أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15)

بدأت السورة بتقديم براءة من الله والرسول إلى الذين عاهدهم المسلمون من المشركين, وهذه ليست براءة من المشركين, وإنما قدم الله لمن نقضوا عهودهم براءة مؤقتة تستمر أربعة أشهر, فلن يعاقبوا خلال هذه الشهور الأربعة على نقضهم عهودهم!

وعندما تناول الإمام الرازي آية الأربعة أشهر في تفسيره: مفاتيح الغيب, قال:
“قال المفسرون : هذا تأجيل من الله للمشركين أربعة أشهر ، فمن كانت مدة عهده أكثر من أربعة أشهر حطه إلى الأربعة ، ومن كانت مدته أقل من أربعة أشهر رفعه إلى الأربعة والمقصود من هذا الإعلام أمور : الأول : أن يتفكروا لأنفسهم ويحتاطوا في هذا الأمر ، ويعلموا أنه ليس لهم بعد هذه المدة إلا أحد أمور ثلاثة : إما الإسلام أو قبول الجزية أو السيف ، فيصير ذلك حاملاً لهم على قبول الإسلام ظاهراً.” اهـ

ولم تقل الآية بما قال به المفسرون وإنما قالت أنهم أُمهلوا أربعة أشهر وبعدها يُقتلوا (وربط إباحة قتل المشركين بانسلاخ الأشهر الحرم يُثير تساؤلات حول الأشهر الحرم, وهل هي فعلاً ما ذكرته الروايات أم أنها تبدأ من ذي الحجة وتستمر لأربعة أشهر؟!)

ثم ثُنت السورة بتقديم إعلام ببراءة الله ورسوله من المشركين, فإن تابوا فهو خير وإن تولوا فلن يعجزوا الله! والتوبة تعني التوبة!! أي أن يرجع الإنسان عن فعل شيء إلى حال سابقة كان عليها, (ونفهم من خلال الآية التالية أن التوبة المطلوبة هي من انتقاص الحقوق ومظاهرة غير المسلمين عليهم, والتولي يعني الإعراض, فإن تولوا ولم يستجيبوا فاعلموا ).

إلا أن المفسرين فهموا الكلمة على غير معناها, فقالوا أن التوبة بمعنى الإيمان! أي أن الله يطلب إلى المشركين الإيمان بلفظ التوبة! وهكذا أصبح الأمر المحوري الفاصل في حياة العرب يحتاج إلى تفسير!! فبدلاً من أن يقال لهم: فإما أن تؤمنوا أو تُقتلوا واعلموا! قيل لهم: فإن تبتم فهو خير لكم!!!

وصياغة الآية “فإن تبتم فهو خير لكم” لا تتفق بحال مع ما قاله المفسرون, فليس المفهوم بداهة إذا نقضت جماعة أو جماعات العهود أن يكون إلزامهم بالإيمان هو الجزاء المقابل لهذا! وإنما يُطلب ترك أسباب النقض, فيقال مثلاً:
لا يعجبني ما فعلت فإن أقلعت فهو خير.

بينما لو أردت أن أفرض عليك شيء مقابل فعلتك فسأقول:
لقد أخطأت خطأ كبيرا ومقابل ذلك فعليك أن تفعل كذا, أو: كفارة خطأك كذا وكذا!

إلا أن المفسرين لم يراعوا هذا وقالوا أنهم أُمروا بالتوبة أي بالإيمان, فنجد ابن عاشور يقول في تفسيره:
التحرير والتنوير:
“والخطاب للمشركين الذين أوذنوا بالبراءة ، والمعنى: فإنْ آمنتم فالإيمان خير لكم من العهد الذي كنتم عليه، لأنّ الإيمان فيه النجاة في الدنيا والآخرة ، والعهد فيه نجاة الدنيا لا غير . والمراد بالتولي : الإعراض عن الإيمان . وأريد بفعل { تولّيتم } معنى الاستمرار ، أي : إن دمتم على الشرك فاعلموا أنكم غير مفلتين من قدرة الله ، أي اعلموا أنّكم قد وقعتم في مكنة الله ، وأوشكتم على العذاب . (……) والتوبة عن الشرك هي الإيمان، أي فإن آمنوا إيماناً صادقاً ، بأن أقاموا الصلاة الدالّةَ إقامتُها على أنّ صاحبها لم يكن كاذباً في إيمانه ، وبأن آتوا الزكاة الدالَّ إيتاؤُها على أنّهم مؤمنون حقّاً.” اهـ

والذي دفع المفسرين إلى القول بهذا هو أنهم أمام مفردتين لا يجتمعان عادة وهما: المشركين والتوبة, فإما أن يكون المشركون غير مشركين!!! أو تكون التوبة بمعنى غير التوبة!
ومن ثم قالوا أن المشركين مشركون فعلاً أما التوبة فهي بمعنى الإيمان!! أما أنا ففهمت أن المشركين مشركون, وعلى الرغم من ذلك فقد طُلب إليهم التوبة,

وأوضح فأقول:
عاهد المسلمون جماعة من المشركين عهودا, وأسلم هؤلاء المعاهدون بعد العهود, إلا أن إسلامهم كان ظاهريا أو باللسان, فعادوا مرة أخرى إلى شركهم بأفعال و بأقوال, فأشركوا بالله معه, وكانوا يساعدون غير المسلمين في الاعتداء على المسلمين –على الرغم من أنه من المفترض أنهم مسلمون!!!- ولم يكونوا يؤتون الزكاة ولا يقيمون الصلوات في بلادهم!

ومن ثم سموا بالمشركين, وفي عين الوقت طُلب إليهم أن يتوبوا ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة لأنه من المفترض أنهم مسلمون! ومن ثم فإن طلب أحد المشركين جوارك فأجره حتى يسمع كلام الله لأنهم قوم لا يعلمون!

وسيتأكد للقارئ ما نقول به من خلال باقي آيات السورة, ومن ذلك مثلاً أننا نجد أن الله يعلل أنه لا ينبغي أن يكون لهم عهد عند الله ورسوله هذا بأنهم لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة, وهم يرضون المؤمنين بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون (ولم يقل المفسرون بم كان المشركون يرضون المسلمون وتأباه قلوبهم, بينما نقول أن هذا هو إظهار الإيمان لهم),
ولأن المفسرين لم يلحظوا هنا أن الحديث عن مشركين منتكسين إلى الشرك وليسوا أصليين
وجدنا الإمام الفخر الرازي يقول في تفسيره: مفاتيح الغيب:
” { وَأَكْثَرُهُمْ فاسقون } وفيه سؤالان :
السؤال الأول : الموصوفون بهذه الصفة كفار . والكفر أقبح وأخبث من الفسق ، فكيف يحسن وصفهم بالفسق في معرض المبالغة في الذم .
السؤال الثاني : أن الكفار كلهم فاسقون ، فلا يبقى لقوله : { وَأَكْثَرُهُمْ فاسقون } فائدة . ” اهـ
بينما ليس ثمة إشكال على قولنا, وتؤكد الآية التالية قولنا هذا, فهم قوم تركوا الإيمان لهذا قال الله أنهم اشتروا بآياته ثمناً قليلاً, بينما سببت الآية حيرة للمفسرين, فكيف ينعت الله المشركين بأنهم اشتروا بآياته ثمناً قليلا, لهذا وجدنا ابن عاشور يقول في تفسيره: التحرير والتنوير

“وهذه الآية وصفَ القرآن فيها المشركين بمثل ما وصف به أهل الكتاب في سورة البقرة :
من الاشتراء بآيات الله ثمناً قليلاً ، ثم لم يوصفوا بمثل هذا في آيةٍ أخرى نزلت بعدها لأنّ نزولها كان في آخر عهد المشركين بالشرك إذ لم تطل مدة حتّى دخلوا في دين الله أفواجاً ، سنةَ الوفود وما بعدها ، وفيها دلالة على هؤلاء الذين بقُوا على الشرك من العرب ، بعد فتح مكة وظهور الإسلام على معظم بلاد العرب ،

ليس لهم افتراء في صحة الإسلام ونهوض حجّته ، ولكنه بقُوا على الشرك لمنافع يجتنونها من عوائِد قومهم : من غارات يشنّها بعضهم على بعض ، ومحبّة الأحوالِ الجاهلية من خمر وميسر وزنى ، وغير ذلك من المَذمات واللذّات الفائدة ،

وذلك شيء قليل «آثروه على الهدى والنجاة في الآخرة . فلكون آيات صدق القرآن أصبحت ثابتة عندهم جعلت مِثل مال بأيديهم ، بذلوه وفرّطوا فيه لأجل اقتناء منافع قليلة ، فلذلك مُثّل حالهم بحال من اشترى شيئاً بشيء ، وقد مضى الكلام على مثل هذه الآية في سورة البقرة ( 16 ) .” اهـ

وكما رأينا فهم نُعتوا بما نُعت به أهل الكتاب وذلك لأنهم فعلوا فعلهم! ويؤكد هذا قوله تعالى: فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [التوبة : 11]
فتوبتهم وإقامتهم الصلاة تجُبُّ هذا الفعل ويكونوا إخوانكم في الدين –وليسوا بمشركين-, وإن نكثوا أيمانهم وطعنوا في الدين فقاتلوا أئمة الكفر لاجتثاث الرؤوس حتى تظل الأجساد والذيول بلا توجيه (ولاحظ أن الله لم يقل: فقاتلوا … لعلهم ينتهون, وهذا يؤكد ما نقول به من أن القتال ليس ليدخلوا في الدين وإنما لينتهوا عن الاعتداءات) فقاتلوهم فهم هموا بإخراج الرسول وبدءوكم أول مرة, فبأيديكم يعذبهم الله.

أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (16) مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18) أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23) قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (27) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28)

ثم يعيب الله على مظهري الإيمان هؤلاء ظنهم أنهم يُتركوا بدون اختبار, ولأن الخطاب هنا لجماعة يتحدث الله عن علم اتخاذهم وليجة من دون الله ورسوله والمؤمنين
ومن ثم فمن المفترض أنهم مؤمنون إلا أن في إيمانهم شيء, ونحن نقول أن هؤلاء هم حديثو ظاهرو الإيمان من قبائل العرب, أما المفسرون فجعلوها في المنافقين (في المدينة!!) والذين ليس لهم أي علاقة بهذا السياق! فنجد ابن عاشور يقول في تفسيره

“فقوله : { حسبتم } في قوة ( أحسبتم ) والاستفهام المقدّر إنكاري . والخطاب للمسلمين ، على تفاوت مراتبهم في مدّة إسلامهم ، فشمل المنافقين لأنّهم أظهروا الإسلام .” اهـ

وتؤكد الآية التالية ما قلنا به, فالله يقول أنه لا يجوز للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر! ولقد احتار المفسرون كيف يعمر المشركون مساجد الله؟؟ فهل المشرك سيأتي ليصلي؟

ومن ثم قالوا أن المقصود بذلك هو المسجد الحرام من باب تسمية المفرد بالجمع!! –على الرغم من أن الله استعمل: المسجد الحرام في نفس السورة قبل وبعد هذه الآية, واستعمل هنا: مساجد الله, ومن ثم فهي حتما غيره!- أو أن المقصود باقي شعائر الله في الحج, فقال ابن عاشور في تفسيره:

“مَساجد الله: مواضع عبادته بالسجود والركوع: المراد المسجدُ الحرام وما يتبعه من المسعى ، وعرفةُ ، والمشعرُ الحرام ، والجَمَرات ، والمَنْحر من منى .” اهـ

وهذه البقاع سماها الله شعائر وليس مساجد: “إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ …. [البقرة : 158] وهي ليست مساجد, والمساجد مساجد!!

أما على قولنا فالله نهى أن يعمرها هؤلاء المشركون الذين يوجد ثمة ما يؤكد أنهم كافرون وليسوا مؤمنين, مثل قسم بغير الله أو حمل أصنام صغيرة أو ما شابه, فهؤلاء لا يمكن أن يكونوا مسلمين!

وعمران مساجد الله يكون للمؤمنين حقيقي الإيمان, ويظهر ذلك في أفعالهم! ولا يستوي بحال القيام على شؤون بيت الله بمن آمن وجاهد, فلهم أجر عظيم.

ثم ينهى الله تعالى المؤمنين عن تولي آبائهم وإخوانهم إن استحبوا الكفر على الإيمان! أي إذا ارتد أي أحد واستحب الكفر –كما فعل سابقون لهم من المشركين- حتى لو كان آباءكم فلا تتولهم. أما المفسرون فجعلوا الآية عامة في أناس كافرين فعلاً! على الرغم من أن الله لم ينه في هذه الآية عن تولي الكافرين ولا اليهود ولا النصارى, وإنما عن تولي أقارب إن فعلوا كذا –ومن ثم فهم لمّا يفعلوه بعد!

فنجد ابن عاشور يقول في تفسيره:
“فإنّه لمّا كان أوّل السورة في تخطيط طريقة معاملة المظهرين للكفر ، لا جرم تهيّأ المتامُ لمثل ذلك بالنسبة إلى من أبطنوا الكفر وأظهروا الإيمان: المنافقينَ من أهل المدينة ومن بقايا قبائل العرب؛ ممّن عُرفوا بذلك ، أو لم يعرفوا وأطْلَعَ الله عليهم نبيَئه صلى الله عليه وسلم وحذّر المؤمنين المطّلعين عليهم من بطانتهم وذوي قرابتهم ومخالطتهم ، وأكثر ما كان ذلك في أهل المدينة لأنّهم الذين كان معظمهم مؤمنين خلصاً ، وكانت من بينهم بقية من المنافقين وهم من ذوي قرابتهم ، ولذلك افتتح الخطاب { يأيها الذين آمنوا } إشعاراً بأنّ ما سيلقى إليهم من الوصايا هو من مقتضَيات الإيمان وشِعاره . (……) حذر الله المؤمنين من موالاة من استحبّوا الكفر على الإيمان ” اهـ
وكما بيّنا فالله لم ينه عن تول من فعل كذا, وإنما عن تول أشخاص إن هم فعلوا كذا, ومن ثم فإن أقوال المفسرين غير سليمة, وتكون الآية تأكيد لقولنا, ففي هذا الجو الذي حدث فيه ارتداد بظهور للشرك بين مظهري إسلام, فقد تتسع الدائرة

لذا نُهي المسلمون مسبقاً عن تولي من يفعل ذلك من أقرب الأقارب, وعُرفوا بأن كون الأقارب والمنافع الدنيوية أحب من الله والرسول والجهاد تعني مجيء أمر الله! ويذكرهم بأنهم ليسوا هم من ينصرون الرسول, فيوم حنين حين غرتهم الكثرة لم تنفع, وأنزل الله جنوداً لم تروها وعذب الذين كفروا.

ثم ينهى الله عن قرب المشركين للمسجد الحرام (لاحظ التفرقة بين عمران مساجد الله والنهي عن قرب المسجد الحرام, فهذه غير تلك.) ويطمئن المسلمين أنه لا ينبغي أن يخافوا العوز فسوف يغنيهم الله من فضله إن شاء.

قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29) وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35) إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36) إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (37)

ثم يأمر الله المؤمنين بقتال طائفة معينة من أهل الكتاب, حتى يُعطوا الجزية عن يد (وهذا مصدر دخل للمسلمين), هذه الطائفة كانت تستبيح الأشهر الحرم فتقاتل فيها, كما أنها كانت تتلاعب في الأشهر نفسها فأضافت شهراً من عند أنفسها: النسيء, فجعلت الشهور ثلاثة عشر شهراً. (ونطلب إلى القارئ الكريم أن يقرأ بحثنا حول هذه الآية في قسم: نظرات في آيات الأحكام, ليعرف مستندنا في القول بهذا القول)

(لاحظ أن الله تعالى عطف على الآية الآمرة بالقتال قول اليهود والنصارى بالبنوة إلا أن هذا لم يجعله مبررا لقتالهم, -وإنما مستوجب للعن والمحق: قاتلهم الله- وإنما ذكره كتعريف بشركهم, ولو كان القتال لاختلاف الدين لذُكرت هذه الأقوال في الآية الآمرة بالقتال.)

ثم يُعرف الله بصور شرك بعض أهل الكتاب من قولهم بالبنوة لله واتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً, ومن ثم يسري عليهم حكم المشركين فلا يقربوا المسجد الحرام

ولن تنفع أقوالهم هذه في إطفاء نور الله, فالله أرسل رسوله بدين الحق ليظهره على الدين كله, ثم يعرف الله المؤمنين بأن كثيراً من الأحبار والرهبان هم من أئمة الكفر الذين يصدون عن سبيل الله, ولهم وللكانزين عذاب أليم, ثم يبطل الله تعالى هذا التلاعب بالشهور, فيؤكد أنها اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم, لا يجوز القتال فيها, وأن النسيء هذا زِيد في الكفر.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40) انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41) لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (42)

ثم يعيب الله على المؤمنين تثاقلهم في الاستجابة لدعوة الرسول لقتال المشركين المرتدين المعتدين, وليس الحديث هنا عن الاستنفار لتبوك وإنما عن الاستنفار لمحاربة المشركين وقيل لهم هذا من الرسول قبل نزول السورة فتثاقلوا, لذا نزل الوعيد من الله بالعذاب الشديد

ويؤكد هذا الآيات التالية التي توعد الله فيها المؤمنين إن لم ينفروا وإن لم ينصروا –وإن عرفهم أن الله هو من ينصر- والتي أمر الله المؤمنين فيها بالنفر والجهاد, كما ذكر للنبي علة هذا التثاقل وذكر له أمراً مستقبلياً سيحدث: وسيحلفون (ولو كان الحديث عن الماضي, لخوطبوا بما يفيد هذا المعنى, مثل: واذكروا إذ لم تنفروا, أو لخوطبوا بأن الله غفر للمقصرين في ذلك أو لن يغفر لهم! وبأنهم حلفوا)

ولأن الآيات لا تتفق مع القول المشهور وجدنا تبريرات لهذا الاختلاف, مثل قول ابن عاشور في تفسيره:
“فإنّ نحن جرَينا على أنّ نزول السورة كان دفعة واحدة ، وأنّه بعد غزوة تبوك ، كما هو الأرجح ، وهو قول جمهور المفسّرين ، كان محمل هذه الآية أنّها عتاب على ما مضى وكانت { إذا } مستعملة ظرفاً للماضي ، على خلاف غالب استعمالها (!!!!) ، …….. وقوله : ( وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم) يؤذن بأنّ الآية نزلت قبل الرجوع من غزوة تبوك ، فإنّ حلفهم إنّما كان بعد الرجوع وذلك حين استشعروا أنّ الرسول عليه الصلاة والسلام ظانٌ كذبَهم في أعذارهم .” اهـ
أما نحن فلا نقطع السورة وفهمنا الآيات كما هي, ومن ثم قلنا بأن هذا استنفار لقتال لمّا يقع بعد.

عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43) لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45) وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (48) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (49) إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (50) قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (52) قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (54) فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (55) وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57) وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (59) إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60) وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (63)

ثم يعاتب الله النبي الكريم على إذنه بالقتال لمظهري الإيمان من المشركين, فيقول له لم فعلت هذا قبل أن يتبين لك الصادقين والكاذبين. والعجب كل العجب أن كل المفسرين مطبقين على أن هذا الاستئذان في التخلف!! (وإن كان ذُكرت بعض الأقوال تقول بخلاف ذلك ولم يؤخذ بها), استناداً إلى الروايات التي تقول أن هذا كان في غزوة تبوك,

فنجد ابن عاشور يقول في تفسيره:
“استأذن فريق من المنافقين النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخلّفوا عن الغزوة ، منهم عبد الله بنُ أبَيْ ابن سَلُول ، والجِدّ بن قَيس ، ورفاعة بن التابوت ، وكانوا تسعة وثلاثين واعتذروا بأعذار كاذبة وأذن النبي صلى الله عليه وسلم لمن استأذنه حملا للناس على الصدق ، إذ كان ظاهر حالهم الإيمان” اهـ

والآيات صريحات في أن هذا استئذان للخروج من مظهري الإيمان للقتال مع الرسول, فالاستئذان للخروج هو الذي يحتاج المرء معه التبين إذا كان الخارج مؤمنا أم لا, حتى لا يكون سنداً للغير, أما عندما يستأذنني بعضهم للتخلف فلا فارق في كونه صادق في عذره أم لا, فهو إما غير قادر وإما غير راغب, وكلاهما عبء على الجيش ضار له.

ثم إن الآية التالية تبين أن حقيقي الإيمان لا يستأذنون فإذا استُنفروا نفروا وخرجوا, إنما يستأذن الذي يشعر في قرارة نفسه أنه ليس مؤمناً –أو يبرر هذا بأنه لا يزال حديث الإيمان ومن ثم فلا يجب عليه القتال مثل المؤمنين منذ زمن

واستئذانه هذا فاضح له: “يكاد المريب يقول خذوني-, ولو أرادوا الخروج لأعدوا لذلك, ولكن كره الله ذلك فثبطهم ولم يخرجوا (ولست أدري كيف يثبط الله من يريد القعود أصلا؟!) لأن في خروجهم ضر أكبر من نفعهم.

ومنهم من اشترط على الرسول الخروج بشرط ألا يُفتن, والفتنة لا تكون إلا مع القتال وليس في الجلوس! والعجيب أن الرواية التي أوردوها كسبب لنزول الآية لا تتفق مع ما الآية, فيقولون:
” قيل : إنّ الجِدّ بن قيس قال : يا رسول الله لقد علم الناس أنّي مُسْتَهْتَر بالنساء فإنّي إذا رأيت نساء بني الأصفر افتتنت بهنّ فأذَنْ لي في التخلّف ولا تفتنّي ”

وهذه الرواية على فرض حدوثها عند غزوة تبوك غُير فيها, فهو إما قال: إذن لي في الخروج ولا تفتني, أو: إذن لي في التخلف حتى لا تفتني. لأنه ليس ثمة فتنة في التخلف.

ونحن لا نأخذ بها كسبب للآية, لأنه حتى على فرض حدوثها فعلا عند غزوة تبوك, فهي ليست المقصودة في الآية, فالحديث في الآية عن حدث في الواقع المضارع لقتال المشركين:

ومنهم من يقول, ولم يقل الله: منهم من قال, كما أن القائل لهذا جماعة وليس فردا: ألا في الفتنة سقطوا) ومن ثم فإن جعل المضارع ماضياً والجماعة ليس إلا تقولاً على الله!

إن الواضح من الآيات أن الحديث فيها عن جماعات كبيرة العدد والعتاد وليس أفراد كانوا يتربصون بالمؤمنين لدرجة أنها أعجبت الرسول الكريم, فنزل قول الله بأنه لن تُقبل نفقاتهم لأنهم كفروا بالله ورسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى وينفقون كرها, ونزل كذلك بنهى النبي عن الإعجاب بأموالهم وأولادهم, وبتعريف النبي أنهم يقسمون كذبا بأنهم من المؤمنين, وأنه لو أتتهم الفرصة لولوا,

ومن هؤلاء المتربصين كذلك من يلمز النبي في توزيع الصدقات, فنزل الأمر من الله بتحديد الأصناف التي تأخذ الصدقات, ومن هؤلاء كذلك من يؤذي النبي, فيرد الله عليهم ويعرف أنه: رحمة للذين آمنوا منكم (وهذه الجملة دليل على أن الخطاب هنا لأقوام من المشركين,

فالله يقول أن الرسول يؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا من جماعة ما, فأيهما أكثر منطقية أن يكون رحمة للذين آمنوا منكم أيها القبائل المشركة -الذين يخاطَبون من أول السورة- الذين يحلفون بالله لكم ليرضوكم: “يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم”, والذين هم في عين الوقت منافقون أم لمنافقي المدينة؟!

إن المشكلة أن المفسرين والمتناولين للتاريخ الإسلامي جعلوا: المنافقين, وسماً لفئة معينة من ساكني المدينة ومن الممكن توسعتها قليلاً لتشمل من حولها من الأعراب, بينما يظهر من هذه السورة أن الله أطلق الاسم على هذه القبائل العربية, التي أظهرت الإيمان أو آمنت بألسنتها ولم تؤمن قلوبها, وستبرهن الآيات القادمة هذا:

يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (64) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66) الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68) كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (69) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70) وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (73) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (74)

ثم يعرف الله النبي بما في داخل هؤلاء المنافقين من القبائل العربية وحذرهم نزول سورة تفضحهم, وأنه إن سألهم ليقولن أن هذا على سبيل اللعب!

(لاحظ أن هؤلاء المنافقين معروفون للنبي وأنه يمكنه أن يسألهم لكونهم قبائل بعينها, وهذا مؤكِد آخر لاختلافهم عن منافقي المدينة الذين لا يعلمهم النبي بنص هذا السورة!

وكذلك يؤمر النبي بأن يقول لهم أنه لن يُقبل اعتذارهم لأنهم كفروا بعد إيمانهم –وهو ما نقول به من أول السورة, من أن الخطاب لأقوام أشركت بعد إيمانها- وأن إن عفي عن طائفة فستُعذب طائفة أخرى)

والعجب كل العجب أن الروايات جعلت الرسول سألهم فعلاً وليس سيسألهم, وجعلت هؤلاء الأقوام الذين يتكونون من طوائف فردا واحدا!!! أو عدداً محدوداً من المنافقين!!

فنجد رواية عن ابن عمر تقول: أن رجلاً من المنافقين قال في غزوة تبوك: ما رأيت مثل هؤلاء القوم أرعب قلوباً ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء. يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، فقال واحد من الصحابة : كذبت ولأنت منافق ، ثم ذهب ليخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد القرآن قد سبقه . فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله وكان قد ركب ناقته ، فقال يا رسول الله إنما كنا نلعب ونتحدث بحديث الركب نقطع به الطريق ، وكان يقول إنما كنا نخوض ونلعب . ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون ” ولا يلتفت إليه وما يزيده عليه .

وقالت رواية أخرى أنّ المقصود من هذه الآية : أنّ ركباً من المنافقين الذين خرجوا في غزوة تبوك نفاقاً ، منهم : وديعةُ بن ثابت العَوْفي ، ومخشي بن حُمَيِّر الأشجعي ، حليف بني سَلِمة ، وقفوا على عَقَبَة في الطريق ينظرون جيش المسلمين فقالوا انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتتح حصون الشام هيهات هيهات فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن مناجاتهم فأجابوا «إنّما كنّا نخوض ونلعب»
والشاهد أن الله تعالى يتحدث عن شيء في المستقبل وهم جعلوه في الماضي!

ثم يعرف الله بأن المنافقين والمنافقات من بعض وأن المؤمنين يختلفون عنهم في الأفعال وفي الجزاء, ثم يأمر الله بجهاد الكفار والمنافقين, وبقولنا أن المقصود بالمنافقين هم القبائل المعلومة الذين كفروا بعد إيمانهم وظهر ذلك في أفعالهم فلا إشكال

بينما الإشكال عند المفسرين الذين قالوا أن المقصود بهؤلاء منافقو المدينة, ومن ثم فعليهم أن يعرفونا كيف يجاهد الرسول قوما لا يعلمهم, وحتى لو علمهم فهم يظهرون الإيمان بألسنتهم, ونحن نعامل الناس بالظاهر, فكيف يجاهدهم؟!

ثم تأتي الآية الحاسمة في السورة والتي تنسف أي شك في تصورنا والتي يعلن الله فيها أن هؤلاء قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا –وهموا بإخراج الرسول- فإن يتوبوا ويرجعوا إلى الإيمان فهو خير لهم وإن يتولوا ويستمروا على حالهم يعذبهم الله عذاباً أليماً

وبمقارنة هذا بما جاء في أول السورة: “ وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [التوبة : 3]”,

لا يمكن القول إلا أن هؤلاء هم أولئك!
ولا يجد المرء لدى المفسرين ما يقدمونه بشأن هذه الآية, فهم لا يعلمون من قال كلمة الكفر, وإن كانت هناك بعض الروايات التي وردت تقول أن المقصود بهذه الآيات فلان وعلان, إلا أن هذه الروايات جعلت الذين قالوا كلمة الكفر غير الذين همّوا, على الرغم من أن الله نسب الفعل والقول إلى جماعة واحدة

فنجد ابن عاشور يقول في تفسيره:
” فعن قتادة : لا عِلْمَ لنا بأنّ ذلك من أيّ إذ كان لا خبر يوجب الحجّة ونتوصّل به إلى العلم . وقيل : المراد كلمة صدرت من بعض المنافقين تدلّ على تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم فعن عروة بن الزبير ، ومجاهد ، وابن إسحاق أنّ الجُلاَسَ بضم الجيم وتخفيف اللام بنَ سُويد بننِ الصامت قال : لئن كان ما يقول محمد حقّاً لنحن أشرّ من حميرنا هذه التي نحن عليها ، فأخبَر عنه ربيبُه النبي فدعاه النبي وسأله عن مقالته ، فحلف بالله ما قال ذلك ، وقيل : بل نزلت في عبد الله بن أُبي بن سَلُول لقوله الذي حكاه الله عنه بقوله :

{ يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليُخْرِجَنّ الأعز منها الأذلّ } [ المنافقون : 8 ] فسعى به رجل من المسلمين فأرسل إليه رسول الله فسأله فجعل يحلف بالله ما قال ذلك .

فعلى هذه الروايات يكون إسناد القول إلى ضمير جمعٍ كناية عن إخفاء اسم القائل كما يقال ما بال أقوام يفعلون كذا . وقد فعله واحد ، أو باعتبار قوللِ واحدٍ وسماع البقية فجُعلوا مشاركين في التبعة ……. ونوال الشيء حصوله ، أي همّوا بشيء لم يحصّلوه والذي همّوا به هو الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم عند مرجعه من تبوك تواثقَ خمسةَ عشرَ منهم على أن يترصّدوا له في عَقبة بالطريق تحتها واددٍ فإذا اعتلاها ليْلاً يدفعونه عن راحلته إلى الوادي وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سائراً وقد أخذَ عَمَّار بن يَاسِر بخطام راحلته يقودها . وكان حذيفة بن اليمان يسوقها فأحس حذيفة بهم فصاح بهم فهربوا .” اهـ

وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80)

ثم يواصل الله التعريف ببعض أفعال هؤلاء المشركين المنافقين (و”ومنهم” هذه المكرورة في السورة أربع مرات دليلٌ على وحدة المقصود وعلى عظم عدده وأنه لا ينطبق بحال على ما تذكره الروايات, فالجزء المشار إليه ب: منهم, في كل الآيات جمع, ومن ثم فالأصل الذي فعل أربع جماعات منه كذا وكذا هو عظيم العدد لا محالة)

ومن أفعال هؤلاء أن بعضهم عاهد الله على التصدق إلا أنهم بخلوا وتولوا, فأعقبهم ذلك نفاقا, وليس المقصود بذلك: ثعلبة بن حاطب بأي حال من الأحوال, فهو ليس من هؤلاء القبائل, ناهيك عن كونه فرد وليس جماعة!!

ولقد قال الله للنبي الكريم أنه سواء استغفر لهم أو لم يستغفر فلن تفرق, وذلك لأنهم كفروا –وهذا ما نقول به-, وليس المقصود هنا عبد الله بن أبي سلول, فهذا نهي عن حدث في المستقبل, وذلك حتى لا يفكر أحدهم في استغفار الرسول أو أن يفكر الرسول الرؤوف الرحيم أن يستغفر لهم.

فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83) وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84) وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (85) وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (86) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (87) لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89) وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (90) لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (93) يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (94) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (95) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (96)

ثم يبين الله أن فرح المخلفين سيكون عليهم بالوبال, فإن رجعك الله –في المستقبل- إلى طائفة (معلومة المكان والموطن) من هؤلاء فاستأذنوك –في المستقبل- فارفض! ولا تصل عليهم, ومن ثم فهم أقوام معلومة, كانوا يظهرون الإيمان باللسان ويخالفونه بالأفعال.

فإذا أُنزلت سورة استأذن الأغنياء منهم للتخلف, ويبين الله أن للمؤمنين جزاء ليس كجزاء هؤلاء, الذين سيحلفون –في المستقبل- لتعرضوا عنهم, وهم يحلفون لكم ليرضوكم, وإن رضيتم عنهم فإن الله لا يرضى.

الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (98) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (99) وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101) وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102) خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (106) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110)

ثم يبين الله أن الأعراب أشد كفراً ونفاقا –ومن ثم فإن المذكورين السابقين فيهم كفر ونفاق, إلا أن الأعراب أشد- إلا أنهم ليسوا كلهم سواء, فمنهم من يفعل كذا ومنهم من يفعل كذا, بينما السابقون من المؤمنين لهم منزلة خاصة.
ثم يعرف الله بأن هناك منافقون حول المدينة ومن أهل المدينة منافقون لا يعلمهم النبي,

وهذه آية لا تقبل التأويل في أن المذكورين من أول السورة هم غير منافقي المدينة والأعراب, فالله بعد أن تكلم عن جماعة يقول أن هناك في المدينة وحولها منافقون لا يعلمهم النبي, ومن ثم فالأصناف السابقة التي يعلمها النبي غير هؤلاء لا محالة.

كما أن هناك غير منافقي المدينة أقوام اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحا وآخر سيئا –ولم تعرفنا الروايات من هم هؤلاء الأقوام وماذا فعلوا-, وغيرهم مرجون لأمر الله, والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين ليظهروا أنهم مسلمون, فعرّف الله النبي بفعلهم ونهاه عن الصلاة في هذا المسجد, لأنه لا تستوي مساجد الكفر مع مساجد الله.

إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112) مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (115) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (116) لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (121) وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)

ثم يحث الله المؤمنين على القتال بأنه اشترى منه أنفسهم وأنه لا ينبغي للنبي والمؤمنين أن يستغفروا للمشركين, الذين علموا شركهم, وتبين لهم أنهم أصحاب الجحيم, والله لا يكتب الضلال على قوم (وليس فرد ولا أفراد) إلا بعد أن يقيم الحجة كاملة بتبيان ما يتقون, فيرفضون فيستحقوا أن يكونوا من الضالين, ومن ثم فلا تحزنوا ولا تستغفروا لهؤلاء المشركين.

ثم يبين الله أنه تاب على النبي والمهاجرين والأنصار والثلاثة المخلفين … الخ, ولأن الحديث هنا عن حدث في الماضي صدر وكان فيه تقصير ذكر الله الحكم الذي أصدره بشأن هذه الجماعات, ومن ثم فمن غير المقبول أن تُجعل كل الآية السابقة التي تتكلم عن المستقبل في هذه الآية التي ذكرت حدثاً في موقف معين. (وأميل إلى أن المراد من ساعة العسرة هو ما ذكره الله من موقف المؤمنين في يوم حنين حينما ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ثم ولوا مدبرين, فثمة مبرر للحديث عن التوبة,

أما أن يكون الحديث عن غزوة تبوك فبعيد لأنها استمرت فترة لا يصلح معها بحال أن تُسمى بساعة, ولا مانع من أن تكون سُميت: بغزوة العسرة, إلا أنها ليست ساعة العسرة, ناهيك عن أن النبي والمهاجرين والأنصار لم يفعلوا فيها ذنبا يستحقون معه أن يتوب الله عليهم! بينما فعلوه في يوم حنين حين ولوا مدبرين, ثم أنزل الله سكينته على رسوله … الخ)

ثم يأمر الله المؤمنين بالتقوى وملازمة الصادقين وأن لا يمكن لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا, فهذا لا يُقبل منهم بأي حال!
ويبين الله أن استنفار المؤمنين للقتال لا يعني أن يخرجوا كلهم للقتال, فالأفضل أن ينفر من كل فرقة طائفة لغرض آخر وهو التفقه في الدين.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125) أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (126) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (127) لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129)

ثم يختم الله السورة بأمر المؤمنين بالقتال والإغلاظ فيه, مبيناً الفارق بين المؤمنين وبين هؤلاء في سماع سور القرآن وتأثيرها عليهم, وكيف أنهم لا يتوبون (قارن هذا بالآية 3 و5 من السورة) ولا يستمعون أصلا لكلام الله. ولا تظنون أن الرسول لا يهمه ولا يغمه أحوالكم فهو عزيز عليه ما عنتم وهو رءوف رحيم بالمؤمنين, لا يحب القتل ولكنكم أنتم من تبدءون, فإن لم يستجيبوا وتولوا فأعلن توكلك على الله فهم لن يعجزونه وهو سيعذبهم عذاباً أليما.

ونعتقد بهذا أننا بيّنا للقارئ الوجهة الحقيقة لسورة براءة وكيف أنها تتناول موضوعا واحداً يتحدث عن فتنة كبرى حدثت في المجتمع الإسلامي قبل الرسول, وأنها ليس لها علاقة بغزوة تبوك, وأن الحديث فيها كان يدور حول “منافقين مشركين” من القبائل العربية وليس منافقي المدينة.

وندعو القارئ الكريم أن يعيد قراءة السورة قراءة كاملة لينظر أي التصورين أقرب إلى منطوق الآيات, ما نقول به أم ما قال به السابقون.
غفر الله لنا الزلل والخلل إنه هو الغفور الرحيم الولي الحميد

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.