سورة الأنفال: اسمعوا وأطيعوا تُنصروا.

نواصل اليوم بفضل الله وعونه تناولنا لسور القرآن لنظهر وحدتها الموضوعية واتصالها بما قبلها, والظروف التي نزلت فيها السورة.

ونتناول اليوم سورة الأنفال, والتي ظهر لنا من خلال النظر فيها, أنها محورها الذي تدور في فلكه, هو:
السمع والطاعة لله والرسول سبيل النصر.

ومن خلال نظري في السورة ظهر لي أنها نزلت بعد غزوة من الغزوات –أرجح أنها بعد غزوة بدر, وإن كانت السورة تكلمت عن بدر في طياتها
إلا أنها لم تكن الغزوة التي نزلت بسببها السورة, وسيظهر السبب للقارئ الكريم في تناولنا للسورة-

وفي هذه الغزوة أنفل (1) النبي الكريم بعض المقاتلين, مما أثار نفوس الباقين, وأخذوا يسألون النبي الكريم عن هذه الزيادات وكيف تتفق مع العدل في التوزيع, ووصل الأمر إلى أن بعض الصحابة ما عاد يسمع للرسول الكريم ويطيع أو يسمع بأذنه فقط, ظناً بالجور في القسمة, واغتراراً منهم بأنهم هم الذين نصروا النبي بقوتهم
فنزلت السورة لتبين أن النصر من عند الله وليس بالوسائل المادية فقط, وهو يتحقق بالسمع والطاعة, ويبين للرسول ما عليه فعله في هذا الموقف.

والاتصال بين الأنفال والسورة السابقة لها واضح جلي, فمحور السورة السابقة كان: التمكين في الأرض يكون بإتباع الكتاب وليس الأولياء من البشر,
وهنا محور السورة: السمع والطاعة هو سبيل النصر. كما أن السورة الماضية خُتمت بالأمر بذكر الله, وبالاستماع إلى القرآن والإنصات إليه, وبتبيان أن الأولياء من دون الله لا يستجيبون ولا يستطيعون النصر:
“إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ [الأعراف : 194] وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ [الأعراف : 197]”, وفي الأنفال بينت السورة أن الله سمع واستجاب ونصر .

ونبدأ في عرض السورة لنبين كيف عرضت لهذه القضية:
تبدأ السورة بعرض تساءل بعض الصحابة عن الأنفال, فيؤمر النبي بالإعلان أنها لله ورسوله (أي أن أمرها لهما ومرجعها لهما), ومن ثم فلا تتدخلوا وأصلحوا نفوسكم تجاه إخوانكم وأطيعوا

فالمؤمنون هو من توجل قلوبهم عند ذكر ويزدادون إيمانا بالآيات ويقيمون الصلاة وينفقون ابتغاء مرضاته, فأولئك لهم الدرجات والمغفرة والرزق, فبهذه الأفعال يُرزق الإنسان فلا يوجه نظره إلى زيادة عطاء لأشخاص ظناً منه أن هذه الزيادة هي ما ستغنيه!

وإنما المؤمن يعلم أنه بإنفاقه وعمله لله يُرزق ويوسع عليه, والله عز وجل يرزق كيف يشاء ويرزق الإنسان من حيث لا يحتسب, فيسوقه إلى رزقه, كما أخرج الله النبي للقاء المشركين في بدر وبعض المؤمنين كارهون ويجادلون, وعلى الرغم من ميلهم إلى أخذ السهلة (القافلة, كما جاء في الروايات) إلا أن الله كان يريد إحقاق الحق وتعذيب المجرمين

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)

عندما استغثتم بربكم فسمع لكم واستجاب ونصر, وجعل لكم الآيات لتُنصروا, فغشاكم النعاس وأوحى إلى الملائكة بتثبيتكم, ومن ثم فلا تفروا ولا تتخاذلوا, ومن يفعل يُعذب, وليس أنتم من قتلهم ولكن الله هو من فعل ليبليكم منه بلاءً حسنا (ومن ثم فما المشكلة في أن يكون للرزاق حق التصرف في بعض ما رزق؟!) 

وإن تستفتحوا فلقد فتح الله لكم, وإن تنتهوا عن الإعراض والتساؤل فهو خير, وإن تعودا للقتال نعد, وليس عددكم هو الذي ينصركم وإنما الله: “لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً .. [التوبة : 25]”,
(الخطاب في الآية للمؤمنين بينما سيأتي في آية قادمة للكافرين بشكل مختلف) ومن ثم فعليكم الطاعة ولا تتولوا وأنتم تسمعون ولا يكون حالكم كحال الذين قالوا سمعنا (مثل أهل الكتاب) وهم لا يسمعون فأصبحوا شر الدواب الذين لا خير في سماعهم

إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (11) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (13) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (14) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16) فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (18) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)

ثم يأمر الله المؤمنين بالاستجابة له حتى لا تتحول قلوبهم, وباتقاء فتنة لن تنزل بالظالمين فقط, ويذكرهم بحالهم في الاستضعاف وكيف آواهم وأيدهم بنصره ورزقهم, فلا تخونوا الله والرسول (فموقفكم المعرض هذا يعد خيانة) ولا يكن همكم الأموال والأولاد

فبتقوى الله يُغفر لكم ويجعل لكم فرقانا, وتذكروا كيف مكر الذين كفروا بالرسول فجعل الله هذا المكر لمصلحة الرسول, وتذكروا كيف زعموا السماع (كما يزعم بعضكم الآن) بل وزعموا أنهم قادرون على الإتيان بالمثل. وكيف دعوا الله طالبين إنزال العذاب ظانين أنه لن يحدث لأنهم أولياء بيته, فبين الله أن المانع في تعذيبهم هو وجود الرسول والاستغفار,

فإذا كان الرسول قد خرج منهم وكانوا هم يصدون عن المسجد الحرام, وهم ليسوا بأولياءه .كما أن صلاتهم ليست صلاة لله, وهم ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله وسيغلبون على الرغم من ذلك, وهذا ليميز الله الخبيث من الطيب, ويأمر الله بقتال الكافرين الذين يصدون عن الدين حتى لا تكون فتنة تحول الناس عن إيمانهم, فإن انتهوا عن الصد فالله بصير, وإن تولوا عن ترك الفتنة فلا تخافوا واعلموا أن الله هو المولى.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29) وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31) وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (34) وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (35) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (38) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40)
_______________________
(1) الأنفال –على خلاف المشهور- ليست هي الغنائم, وإنما هي الزيادة في نصيب بعض المحاربين بعد توزيع الغنائم

فنجد ابن منظور يقول في لسان العرب:
“تنفَّل فلان على أَصحابه إِذا أَخذ أَكثر مما أَخذوا عند الغنيمة وقال أَبو سعيد نَفَّلْت فلاناً على فلان أَي فضَّلته والنَّفَل بالتحريك الغنيمة والنَّفْل بالسكون وقد يحرّك الزيادة وفي الحديث أَنه بَعَثَ بَعْثاً قِبَل نَجْد فبلغتْ سُهْمانُهم اثني عشر بعيراً ونَفَّلَهم بعيراً بعيراً أَي زادهم على سِهامهم. ويكون من خُمْس الخُمْسِ
وفي حديث ابن عباس لا نَفَل في غَنيمةٍ حتى يُقسَم جَفَّةً كلها أَي لا ينفِّل منها الأَمير أَحداً من المُقاتِلة بعد إِحْرازها حتى يقسم كلها ثم ينفِّله إِن شاء من الخمس فأَما قبل القِسْمة فلا.” اهـ,
ونجد الإمام الفخر الرازي يروي عن الإمام الزهري في تفسيره: مفاتيح الغيب: “النفل والنافلة ما كان زيادة على الأصل “. (وإن كان لم يعتمد هذا القول), إلا أن هذا المدلول هو الذي يستقيم وينسجم معه معنى الآيات التالية لهذه الآية.


ولا تظنوا أن ما أخذ محمد ليس من حقه, فهناك جزء من الغنائم لله والرسول ولأصحاب الاحتياجات من الذين لم يغزوا (مثل أولي الأرحام والذين لا يقتصرون على أولي أرحام النبي وإنما أولو أرحام المقاتلين كذلك, الذين ربما مات أبوهم في المعركة أو أصيب بإعاقة, ولليتامى من قبل المعركة) أو لا يستطيعون الغزو وتذكروا التدبير الرباني الذي فعله الله في يوم الفرقان

ومن ثم فعليكم الثبات عند لقاء أي فئة وذكر الله وطاعة الله ورسوله, ويكون فعلكم هذا لله وليس بطرا أو رئاء, وتذكروا إذ زين الشيطان للكافرين أعمالهم ووعدهم بالولاية وأنه سيكون جار لهم ثم فر هاربا, لأنه رأى ما لم يروا وبتوكلكم أعزكم الله

وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42) إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (43) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (44) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49)

ولو ترى عقاب هؤلاء عند توفيهم, وليس هذا ظلما لهم وإنما بأعمالهم, وهذه هي عادة الكافرين: الاستمرار على الكفر حتى يؤخذوا بذنوبهم, وشر الدواب عند الله الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة ويعرف الله النبي كيف يتعامل معهم, ويأمر المؤمنين بإعداد القوة لهؤلاء والإنفاق لأجل ذلك
أي أن يكون لدى المسلمين قوة ردع –جيش متوفر دائما جيش نظامي, وليس تجمعاً عند الحاجة, تُحبس وتربط له الخيل-, بحيث لا يفكر أحد في الاعتداء على المسلمين, وسيُرد إليكم ما تنفقون في سبيل الله:

وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (51) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (52) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (54) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ (1)وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (56) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)

ثم يعرف الله الرسول بما ينبغي عليه فعله تجاه هذا الموقف, فإن مالوا للسلم فمل, وإن كانوا يريدون الخداع بمعاهداتهم هذه فالله حسيبه ولقد فعل ما لا يمكن لبشر فعله, ومن ثم فحرض المؤمنين على القتال حتى ولو كان ما أمامهم كثر, إلا أن هذا ليس ملزما فعليكم فقط الوقوف للضعف

وفي القتال عليكم أخذ الأسرى بعد إعمال التقتيل في المشركين وليس قبل هذا, فلا يكون قتالكم لمغنم وإنما نصرة للدين, ولولا كتاب سابق لعُذبتم, ومن ثم فيجوز لكم الانتفاع بما غنمتم (والفداء ليس مغنماً بحال), ويؤمر النبي بمخاطبة الأسرى واستمالتهم وعدم الخوف من مكرهم

وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66) مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى (2) حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (69) يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (70) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (71)

وكما بدأت السورة بالحديث عن المؤمنين تُختم بالحديث عنهم وتبيان أن عليهم أن يتولوا بعضهم بعضا, فلا يحملوا في أنفسهم شيئاً لإخوانهم, والذين إن لم يتولوهم تكن فتنة وفساد, ثم تُعلم المؤمنين المجاهدين من المهاجرين والأنصار بأن لهم مغفرة ورزق
ولا يقتصر هذا عليهم وإنما يتعداه كذلك إلى من آمن بعد ذلك وهاجر وجاهد (وهذه الآية دليل آخر على تأخر نزول السورة عن بدر, وإن كانت سابقة لفتح مكة)

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75)

وكما رأينا فإن السورة نقدت المؤمنين الذين اختلفوا بسبب عرض الدنيا وذكرتهم بأن النصر من عند الله وكيف غير حالهم من الاستضعاف إلى العزة, وأمرتهم بالتمسك بالله فهو الولي النصير
.
وندعو القارئ لإعادة قراءة السورة على مرة واحدة, وسيرى بنفسه بإذن الله انسجامها ووحدتها.
غفر الله لنا الزلل والخلل والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
______________________
(1) هذه الآية –بالإضافة إلى آيات أخرى- هي الدليل الأكبر على أن هذه السورة لم تنزل بعد بدر مباشرة, وإنما بعد عدة معارك نقض فيها هؤلاء عهدهم, ولقد حاول المفسرون إيجاد تفسير مقبول لهذه الآية فقالوا أنها كانت في يهود بني قريظة, وقال بعضهم أنها كانت في قبائل اليهود الثلاثة: قريظة والنضير وقنينقاع, إلا الناظر يجد أن هذه القبائل –تبعاً للروايات- لم تتح لها الفرصة لنقض العهد أكثر من مرة, وإنما كانوا يُجلون مع كل مرة ينقض أحدهم فيها العهد, ومن ثم يمكن القول أن المقصود بهؤلاء هو بعض قبائل الأعراب حول المدينة, والذين كان الرسول الكريم معاهداً لهم في أثناء هذه الفترة, إلا أنهم كانوا ينقضون عهودهم دوما عندما ينشب قتال بين المسلمين والمشركين فيأخذون جانب المشركين دوما, ثم يستميحون النبي الأعذار بعد هزيمة المشركين ثم يعودون وهكذا, ولم تذكر الروايات هذه القبائل التي كانت تنقض عهدها مع النبي ولا غيرها مما يمكن تقديمه كإسقاط تاريخي لهذه الآية. ويمكن للقارئ أن يطلع على بحث يُعرف بشكل عام بالمعاهدات والعلاقات التي كانت موجودة بين المسلمين وقبائل الأعراب, على هذا الرابط:
من هنا 

(2) ليس في الآية حديث عن موقف الأسرى بعد الأسر هل يقتلوا أو يفدوا, وإنما الحديث عن موقف المسلمين من المقاتلين في أرض المعركة, فعليهم أن يقتلوا فيهم تقتيلا وبعد إنهاكم يأخذون الأسرى, والظاهر من الآية أن النبي نهى المسلمين عن أخذ الأسرى قبل التقتيل, ولم يعجب هذا الصحابة, فنزلت الآية تقول أن هذا هو “الطبيعي/ المنتظر” من أي نبي, إلا أنكم تريدون الدنيا.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.