هجرة أم إخراج؟!

كل عام وأنتم بخير والأمة الإسلامية جمعاء في حال أحسن, بمناسبة العام الهجري الجديد ندعو الله العلي العظيم أن يكتب لنا فيه مزيد رفعة وزيادة عطاء وفتح ونصر وإكرام وتأليف.

وبمناسبة هذه الذكرى الطيبة التي يُحتفل فيها بهجرة الرسول الكريم, على الرغم من أنه من المفترض أنها وقعت في شهر ربيع الأول وليس في شهر الله المحرم, نتوقف مع مسألة خروج النبي الكريم من مكة لنتساءل:
هل فر الرسول الكريم من مكة أم أُخرج منها؟

بمعنى آخر: هل يمكن قبول الرواية الشهيرة التي رواها ابن إسحاق والتي تتحدث عن تآمر المشركين على الرسول الكريم لقتله, إلا أن الله ينجيه منهم, والتي تتحدث عن اجتماع المشركين ومجيء الشيطان ليلهمهم قتل الرسول؟!
الناظر في هذه الرواية يجد أنها ضعيفة سنداً ففيها مجاهيل

فابن إسحاق يقول:
“قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ مِنْ أَصْحَابِنَا ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَبِي الْحَجّاجِ وَغَيْرِهِ مِمّنْ لَا أَتّهِمُ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ لَمّا أَجَمَعُوا لِذَلِكَ وَاتّعَدُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِي دَارِ النّدْوَةِ لِيَتَشَاوَرُوا فِيهَا فِي أَمْرِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ غَدَوْا فِي الْيَوْمِ الّذِي اتّعَدُوا لَهُ وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يُسَمّى يَوْمَ الزّحْمَةِ فَاعْتَرَضَهُمْ إبْلِيسُ فِي هَيْئَةِ شَيْخٍ جَلِيلٍ ، بَتْلَةٌ فَوَقَفَ عَلَى بَابِ الدّارِ فَلَمّا رَأَوْهُ وَاقِفًا عَلَى بَابِهَا ، ….”

ولن نتساءل من الذي أعلم ابن عباس أن إبليس بذاته قد تمثل بهيئة البشر, وإنما سنكتفي بالقول أن ابن إسحاق يروي عمن لا يتهم, وهم مجهولون لا يمكن الحكم عليهم, ومن ثم فالرواية ضعيفة سنداً.

والرواية لا تقتصر على هذا الجزء المذكور وإنما تمتد إلى الحديث عن محاولة قتل قريش للنبي ونوم علي ابن أبي طالب في الفراش وتسجيه ببردة النبي الخضراء.

وبعد أن بيّنا مقدما ضعف الرواية ننتقل إلى القرآن لننظر كيف عرض هذا الحدث الجلل, وهل يتفق مع رواية ابن إسحاق:
الناظر في القرآن يجد أنه يتحدث عن إخراج للنبي الكريم من مكة وليس عن فرار أو هرب أو هجرة لمجرد الهجرة, فنجد الرب العليم يقول:
“إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة : 40]
وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ [محمد : 13]”

إذا فقوم الرسول الكريم لم يحاولوا قتله فهرب منهم إلى مدينة وإنما اجتمعوا على رفضه ورفض دعوته وأعلنوا أنه غير مرغوب فيه بينهم وأخرجوه من بلدهم. ويؤكد هذا أن الرسول الكريم يقول لصاحبه في الغار: “لا تحزن” ولو كان هاربا خارجاً يتتبعه القوم لكون أولى أن يقول له: “لا تخف”.

ولكن لما كانا اثنين مخرجين من أرضهما فالطبيعي أن يشعر الإنسان في مثل هذا الموقف بالحزن.


قد تدفع ألفة القديم البعض إلى التمسك بالرواية الضعيفة والقول: ما المانع أن تكون محاولة قتل الرسول الكريم هي التي أدت إلى خروج النبي؟!

نقول: إذن فهم لم يخرجوه ولكنهم كانوا يحاولون قتله فخرج, والله تعالى فرّق في كتابه بين المحاولتين, فقال:
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال : 30]
فبيّن أنهم حاولوا أن يقتلوه أو يخرجوه ومن ثم فهذه غير تلك!

كما أن الرواية الضعيفة نفسها تقر بأن القتل غير الإخراج وتقول أن إبليس رفض فكرة الإخراج هذه وأشار عليهم بالقتل وأنهم أجمعوا على ذلك, فنجدها تقول:
“قَالَ فَتَشَاوَرُوا. ثُمّ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ احْبِسُوهُ فِي الْحَدِيدِ وَأَغْلِقُوا عَلَيْهِ بَابًا ، ثُمّ تَرَبّصُوا بِهِ مَا أَصَابَ أَشْبَاهَهُ مِنْ الشّعَرَاءِ الّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُ زُهَيْرًا وَالنّابِغَةَ وَمَنْ مَضَى مِنْهُمْ مِنْ هَذَا الْمَوْتِ حَتّى يُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُمْ فَقَالَ الشّيْخُ النّجْدِيّ : لَا وَاَللّهِ مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ . وَاَللّهِ لَئِنْ حَبَسْتُمُوهُ كَمَا تَقُولُونَ لَيَخْرُجَنّ أَمْرُهُ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ الّذِي أَغْلَقْتُمْ [ ص 482 ] يُكَاثِرُوكُمْ بِهِ حَتّى يَغْلِبُوكُمْ عَلَى أَمْرِكُمْ مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ فَانْظُرُوا فِي غَيْرِهِ فَتَشَاوَرُوا . ثُمّ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ نُخْرِجُهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا ، فَنَنْفِيهِ مِنْ بِلَادِنَا ، فَإِذَا أُخْرِجَ عَنّا فَوَاَللّهِ مَا نُبَالِي أَيْنَ ذَهَبَ وَلَا حَيْثُ وَقَعَ إذَا غَابَ عَنّا وَفَرَغْنَا مِنْهُ فَأَصْلَحْنَا أَمْرَنَا وَأَلْفَتْنَا كَمَا كَانَتْ .

فَقَالَ الشّيْخُ النّجْدِيّ : لَا وَاَللّهِ مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ أَلَمْ تَرَوْا حُسْنَ حَدِيثِهِ وَحَلَاوَةَ مَنْطِقِهِ وَغَلَبَتِهِ عَلَى قُلُوبِ الرّجَالِ بِمَا يَأْتِي بِهِ وَاَللّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ مَا أَمِنْتُمْ أَنْ يَحِلّ عَلَى حَيّ مِنْ الْعَرَبِ ، فَيَغْلِبَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ وَحَدِيثِهِ حَتّى يُتَابِعُوهُ عَلَيْهِ ثُمّ يَسِيرُ بِهِمْ إلَيْكُمْ حَتّى يَطَأَكُمْ بِهِمْ فِي بِلَادِكُمْ فَيَأْخُذَ أَمْرَكُمْ مِنْ أَيْدِيكُمْ ثُمّ يَفْعَلَ بِكَمْ مَا أَرَادَ دَبّرُوا فِيهِ رَأْيًا غَيْرَ هَذَا . قَالَ فَقَالَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ وَاَللّهِ إنّ لِي فِيهِ لَرَأْيًا مَا أَرَاكُمْ وَقَعْتُمْ عَلَيْهِ بَعْدُ قَالُوا : وَمَا هُوَ يَا أَبَا الْحَكَمِ ؟ قَالَ أَرَى أَنْ نَأْخُذَ مِنْ كُلّ قَبِيلَةٍ فَتًى شَابّا جَلِيدًا نَسِيبًا وَسِيطًا فِينَا ، ثُمّ نُعْطِي كُلّ فَتًى مِنْهُمْ سَيْفًا صَارِمًا ، ثُمّ يَعْمِدُوا إلَيْهِ فَيَضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَيَقْتُلُوهُ فَنَسْتَرِيحَ مِنْهُ . فَإِنّهُمْ إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ تَفَرّقَ دَمُهُ فِي الْقَبَائِلِ جَمِيعًا ، فَلَمْ يَقْدِرْ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ عَلَى حَرْبِ قَوْمِهِمْ جَمِيعًا ، فَرَضُوا مِنّا بِالْعَقْلِ فَعَقَلْنَاهُ لَهُمْ . قَالَ فَقَالَ الشّيْخُ النّجْدِيّ : الْقَوْلُ مَا قَالَ الرّجُلُ هَذَا الرّأْيُ الّذِي لَا رَأْيَ غَيْرُهُ فَتَفَرّقَ الْقَوْمُ عَلَى ذَلِكَ وَهُمْ مُجْمِعُونَ لَهُ “

فكما رأينا فالرواية تقول أن هناك من أشار بالإخراج ورُفض القول, والقرآن كرر في أكثر من موطن أن الرسول أُخرج, ومن ثم فإن ما حدث أن الرسول الكريم أُخرج هو ومن معه, ولم يهرب:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ … [الممتحنة : 1]
لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة : 8]”
وما معنى هذه الآية إذا كان المسلمون خرجوا بكامل إرادتهم:
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ [البقرة : 191]
ولا يعني هذا أنه لم يكن هناك من هاجر بدون إيذاء لينضم إلى إخوانه:
فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ [آل عمران : 195]
وثمة رواية تشير إلى هذا المعنى, فنجد الرواية في مسند أبي يعلي الموصلي تقول:
ن ابن عباس ، قال : لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة ، قال : « أما والله ، لأخرج منك ، وإني لأعلم أنك أحب بلاد الله إلي وأكرمه على الله ، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت ، يا بني عبد مناف إن كنتم ولاة هذا الأمر من بعدي ، فلا تمنعوا طائفا ببيت الله ساعة من ليل ولا نهار ، ولولا أن تطغى قريش لأخبرتها ما لها عند الله ، اللهم إنك أذقت أولهم وبالا فأذق آخرهم نوالا »

فالنبي الكريم كان يخاطب بني عبد مناف عند خروجه ولو كان هذا سرا وهربا لما كان من المعقول أن يخاطبهم هكذا.
إذا فعلينا أن نُعدل من نظرتنا إلى حادث الهجرة
فالرسول لم يخرج هاربا ولا فارا وإنما أُخرج من مكة هو والمسلمون لعدم قبول أهل مكة بدعوته ولعدم رضاهم بانتشار هذا الدين الجديد, كما فعل قوم لوط معه:
فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ [النمل : 56]
لذا فعلينا أن نثبت على الحق ونتحمل الإيذاء فهذا هو مصير كل داعٍ إلى الحق ومحارب للباطل, والله أعلى وأعلم.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.