نقد الدكتور شحرور: “اللوح محفوظ” و”الإمام مبين”

نواصل الإجابة على سؤالات الأخ عبدو, والمتعلقة بفكر الدكتور شحرور, ونعرض في هذا الموضوع بإذن الله لنموذج جديد من تأويلات الدكتور شحرور, وهو تأويله “للوح المحفوظ”.

والذي يُعد نموذجا طيباً لقبوله بتصورات السابقين لمصطلحات قرآنية ثم فهمها بشكلٍ مخالف تماماً (كما أخذ بالتصور المعروف ل: حدود الله, ثم فهمه بشكل مختلف, على الرغم من أن “حدود الله” لا علاقة لها بالعقوبات بتاتا!).

سأل الأخ عبدو فقال: ما الفرق بين اللوح المحفوظ والإمام المبين؟!
وسؤاله هذا راجع إلى ما كتبه الدكتور شحرور بهذا الشأن في كتابه: “الكتاب والقرآن”, والذي قال فيه:
“أما إذا نظرنا إلى محتويات القرآن فنرى أنه يتألف من موضوعين رئيسيين وهما:

1 – الجزء الثابت: (قرآن مجيد * في لوح محفوظ) (البروج 21-22) وهذا الجزء هو القوانين العامة الناظمة للوجود كله ابتداء من خلق الكون (الانفجار الكوني الأول، وفيه قوانين التطور “الموت حق” وتغير الصيرورة “التسبيح” حتى الساعة ونفخة الصور والبعث والجنة والنار.

وهذا الجزء لا يتغير من أجل أحد وهو ليس مناط الدعاء الإنساني، وإن دعا كل أهل الأرض والأنبياء لتغييره فلا يتغير، وهذا الجزء العام هو الذي تنطبق عليه عبارة (لا مبدل لكلماته) (الكهف 27).

فكلمات الله هي عين الموجودات أي الأشياء (قوله الحق) (الأنعام 73). وفي اللوح المحفوظ يوجد القانون العام الصارم لهذا الوجود، ولا تبديل لهذا القانون من أجل أحد. أما التشابه في هذا الجزء فهو منسوب إلى الفلسفة وهي أم العلوم، أي معرفة الإنسان بالقوانين العامة الناظمة للوجود.

2 – الجزء المتغير من القرآن: وهذا الجزء عبر عنه بأنه مأخوذ من أمام مبين في قوله (إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين) (يس 12).

فالإمام المبين يحتوي على شقين:
أ – أحداث وقوانين الطبيعة الجزئية: مثل تصريف الرياح واختلاف الألوان وهبة الذكور والإناث والزلازل والطوفان وهي قابلة للتصريف، وغير مكتوبة سلفاً على أي إنسان وغير قديمة. فمثلاً القانون العام في اللوح المحفوظ يقول: إن “الموت حق” 
ولكن الأحداث الجزئية في الطبيعة يمكن أن تسمح بوجود ظواهر تطيل الأعمار وظواهر تقصرها. فالتصريف هو بطول العمر وقصره، وليس بإلغاء الموت. فأحداث الطبيعة الجزئية أطلق عليها مصطلح آيات الله (ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم) (الروم 22) (تلك آيات الله) (الجاثية 6).

فآيات الله تختص بظواهر الطبيعة وقد جاءت في الكتاب في مصطلح “كتاب مبين” في قوله (وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقةٍ إلا يعلمها ولا حبةٍ في ظلمات الأرض ولا رطبٍ ولا يابس إلا في كتاب مبين) (الأنعام 59) وهذه الأحداث ليست مبرمجة سلفاً وليست قديمة.

وعندما عطف عبارة (كتاب مبين) على القرآن في أول سورة النمل عطف خاصاً على عام. لنرجع إلى الآية 75 التي تقول: (وما من غائبةٍ في السماء والأرض إلا في كتاب مبين). فعندما يورد لفظ “كتاب مبين” في القرآن يتكلم فيه عن جزئيات ظواهر الطبيعة، كالحرية الكيميائية (ولا رطب ولا يابس) والموقع (ولا حبةٍ في ظلمات الأرض) والحركة الميكانيكية (وما تسقط من ورقة إلا يعملها).

هذا الجزء الذي سماه بعبارة “كتاب مبين” فيه التصريف والتغيير وهو مناط التدخل الإلهي وفقاً للنواميس الكونية التي ارتضاها وقررها، فتارة يعمل لصالح زيد وأخرى لصالح عمرو، وهو مناط الدعاء.

فنحن ندعو الله أن يرسل لنا مطراً، لأن المطر يأتي من تصريف الرياح أو أن يهب لنا ذكوراً وإناثاً. لأن كل هذه الأشياء ليس لها علاقة باللوح المحفوظ وإنما هي أحداث جزئية في أحداث جزئية في ظواهر الطبيعة وإلا فلا معنى لقوله عليه السلام: الدعاء مخ العبادة

وقوله أيضاً: لا يرد القضاء إلا الدعاء. وهي أيضاً مناط العلوم كلها الطب والفلك والفيزياء والكيمياء .. الخ. ما عدا الفلسفة والتاريخ. ويقوم التشابه في آيات الكتاب المبين “آيات الله” على نسبة تقدم المعارف الإنسانية بأحداث الطبيعة وظواهرها وهو الذي ينطبق عليه (إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون) (آل عمران 47 – مريم 35).

ب – أفعال الإنسان الواعية: وهو ما نسميه القصص. لقد أكد في الكتاب أن القصص من القرآن في قوله: (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين) (يوسف 3). فقد أشار إلى أن تتبع أفعال الإنسان المسجلة عليه بعد وقوعها يتم في (إمام مبين) ليميزه عن (لوح محفوظ) (إنا نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين) (يس 12)

وقد أورد منه أحداثاً متكاملة لتتبع تطور التاريخ الإنساني، وتطور المعارف في النبوات والتشريع في الرسالات، أي كيف تفاعل الإنسان مع القانون العام للوجود والقوانين الجزئية من جهة، وكيف تفاعل مع الرسالات من جهةٍ أخرى. وبما أنه أعطى هذا الخط في القصص فقد سماه “أحسن القصص”.

أما القصص جزء من القرآن فقد ورد في قوله: (وإن كنت من قبله لمن الغافلين) (يوسف 3) فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهل القصص والقرآن معاً، وكان القصص ليس جزءاً من القرآن لجاءت الصيغة بصورة المثنى أي: وان كنت من قبلهما، وهذه الصيغة “من قبله” تصح في حالة أن القرآن شيء والقصص شيء آخر في حالة واحدة وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهل القرآن ولا يجهل القصص،

النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهل القصص أيضاً لقوله في سورة هود بعد قصة نوح: (تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين) (هود 49). من هنا نستنتج النتيجة الوحيدة وهي أن القصص جزء من القرآن. وهناك دليل آخر في قوله تعالى في أول سورة النمل: (طس تلك آيات القرآن وكتابٍ مبين) فإذا تصفحنا سورة النمل وجدنا أن فيها قصصاً.

أما العنوان العام الذي أعطاه الكتاب للقصص وهو عبارة “الكتاب المبين” فقد جاء في ثلاث سور فيها قصص وهي سورة يوسف (الر تلك آيات الكتاب بالمبين)، وسورة الشعراء (طسم * تلك آيات الكتاب المبين)، وسورة القصص (طسم * تلك آيات الكتاب المبين).

ولنشرح الآن لماذا سمى القصص الكتاب المبين وسمى ظواهر الطبيعة كتاباً مبيناً.
السبب الأول: أن كليهما أوحي من الإمام المبين وليس من اللوح المحفوظ. وثانيهما أن القصص أعطت مواضيع متكاملة منتقاة لتتبع تطور التاريخ الإنساني، لذا سميت “أحسن القصص”، وعرفت بالكتاب المبين. أما أحداث الطبيعة وظواهرها فقد أورد فيها آيات متفرقة لذا سماها “كتاباً مبيناً“.
ونشير إلى أن التشابه في القصص منسوب إلى تطور المعارف الإنسانية حول تطور التاريخ الإنساني، فكلما زادت هذه المعارف تمكنا من تأويل آيات القصص.

ومن هنا نستنتج أن القرآن العظيم وهو كتاب متشابه يتألف من مصدرين رئيسيين:
أ –  القانون العام (قرآن مجيد * في لوح محفوظ) وهو كلمات الله القديمة لا تبديل لها وسمي مجيداً لأن السيطرة الكاملة له ولا يمكن الخروج عنه وهو مطلق.

ب – القانون الخاص الجزئي في أحداث الطبيعة الجزئية وظواهرها وأفعال الإنسان بعد وقوعها، وسماه إماماً مبيناً، وهو مناط التصرف والدعاء والمعرفة، ولكنه لا يلغي القانون العام بل يعمل ضمنه وهو كلام الله المحدث وينطبق عليه قوله (إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون) وفيه إرادة الله الظرفية. حيث أن هذين الجزأين يحملان طابع الوجود الموضوعي. وسمي قرآناً لأنه قرن القانون العام للوجود مع القانون الخاص ومع خط تطور سير التاريخ الإنساني. ” اهـ
وقال كذلك:
“وهذا يجرنا إلى الموضوع التالي: ما هو “اللوح المحفوظ” و”الكتاب المكنون” و”الإمام المبين”؟
– اللوح المحفوظ: هو لوحة التحكم في الكون الذي نشأ فعلاً، وقد برمج القرآن المجيد في داخلها. ويمثل اللوح المحفوظ: (INFORMATION IN ACTION).

الكتاب المكنون: هو البرنامج الذي بموجبه تعمل قوانين الكون العامة كمعلومات (INFORMATION).

– الإمام المبين: فيه قوانين الطبيعة الجزئية (ظواهر الطبيعة المتغيرة) آيات الله. وفيه أرشفة الأحداث التاريخية بعد وقوعها: (إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين) (يس 12).
من هذا الإمام المبين جاءت قصص القرآن، لذا سماها “الكتاب المبين” ففي أول سورة يوسف الآية (1) جاءت (الر تلك آيات الكتاب المبين) وفي أول سورة القصص الآية (1-2) (طسم * تلك آيات الكتاب المبين) وفي أول سورة الشعراء الآية (1-2) (طسم * تلك آيات الكتاب المبين) فإذا أخذنا محتويات هذه السور الثلاث نراها كلها قصص أحداث تاريخية.

أما إذا أخذنا سورة النمل فنراها تبدأ (طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين) فإذا نظرنا إلى محتويات السورة نرى أن فيها آيات كونية وقصصاً معاً وجاء فيها ذكر “كتاب مبين” الآية رقم 75 (وما عن غائبةٍ في السماء والأرض إلا في كتاب مبين).
لذا نجد هنا عطف “كتاب مبين” على “القرآن” من قبيل عطف الخاص على العام.” اهـ

وقال في صفحة التعريفات والمصطلحات على موقعه الشخصي:
“اللوح المحفوظ
هو برنامج القوانين الصارمة الناظمة للكون، هذا البرنامج لا ينفع فيه الدعاء ولا يتغير من أجل أحد.

الإمام المبين
هو أرشيف الأحداث التاريخية والإنسانية الفردية والجماعية، ومنه جاء الكتاب المبين (القصص القرآني). وتتم أرشفة الأحداث فيه بعد حدوثها وتحولها إلى واقع، وإنما سمي القرآن قرآناً لأنه قرن معلومات الإمام المبين بمعلومات اللوح المحفوظ.” ا.هـ

وبعد هذا السرد المطول نتوقف لنطرح سؤالاً محورياً وهو:
هل ذكر القرآن الكريم ما يُسمى ب: “اللوح المحفوظ”؟!
الناظر في كل القرآن يجد أنه لم يذكر كلمة “لوح” إلا مرة واحدة منكرة, وذلك في سورة البروج في قوله: “ بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)”
وشتان شتان بين “لوح محفوظ” و “اللوح المحفوظ” (كما هو الفارق الكبير: بين “حورٌ عين” و “حورُ العين”), فلوح محفوظ هو لوح نكرة, من الممكن أن يكون لوح عادي من خشب أو عظم أو حجارة, وهو محفوظ كما قال الرب: “ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر : 9]”

وأنا أرى أنه مثل “كتاب موسى المسطور في رق منشور”: ” وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ”
ومن الممكن أن يكون اسماً للمصدر الرباني الذي أنزل منه, ولم تزد الآيات عن أن قالت أنه لوح ومحفوظ.
(مع ملاحظة أن الله تعالى لم يقل في آية أنه أنزل/ نزل/ تنزيل/ أنزلنا/ نزلنا القرآن من كتاب وإنما يُنسب إلى الله نفسه:
أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ [الرعد : 19]
وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ [النمل : 6]
آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ … [البقرة : 285]”)
ومن ثم فإن حديث الدكتور شحرور عن وحي من الإمام المبين أو اللوح المحفوظ كلام لا دليل له في القرآن.

وإنما نشأت هذه التصورات التي جعلت “لوح محفوظ” هو اللوح المحفوظ (ذاكرة الكون), لأن الله قال أنه “قرآن مجيد في لوح محفوظ”, وقال في آية أخرى أنه في كتاب مكنون:
“فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ [الواقعة 75-80] “

“لاحظ أن الله قال أن تنزيل القرآن منه وليس من الكتاب المكنون”
وقال كذلك أنه في أم الكتاب:
“حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزخرف : 4]”
(ونلاحظ أن الآية لا تجزم بأن القرآن في أم الكتاب, فالراجح عندي في فهمها أن هذا هو ذكر الحكم الموجود عنه في أم الكتاب, فهو محكوم عليه في أم الكتاب بأنه علي حكيم. كما يقال: أنت في رأي/ حكمي: عظيم كبير. فالله تعالى أكد الحكم “العلو والحكمة” باللام, ولم يؤكد الوجود نفسه.)

وجُمعت هذه الآيات فقيل أن الكتاب المكنون الذي لا يمسه إلا المطهرون الذي هو أم الكتاب هو حتماً “ال لوح المحفوظ”, وهكذا تحول لوح محفوظ إلى اللوح المحفوظ!!

وظهر ذلك التصور الذي نجده في الأدبيات الإسلامية, من أن اللوح المحفوظ هو كتاب كتب فيه الله كل الأحداث وما هو كائن إلى يوم القيامة (والذي رأى الدكتور شحرور أنه خرافة, ومن ثم حاول أن يعطيه صبغة علمية فقال بما قال!).

وهو ما لا نجد له مستنداً في كتاب الله ولا (ذكر ل “اللوح المحفوظ”) في كتب السنة المعروفة مثل البخاري أو مسلم أو النسائي … الخ, وإنما في الكتب المليئة بالضعيف والموضوع, مثل: الإبانة الكبرى لابن بطة والمستدرك على الصحيحين للحاكم .. الخ.

وإذا نظرنا فيما أورده الإمام الطبري في كتابه: جامع البيان, عند تناوله لآية البروج نجده لم يزد عن أن قال:
“عن مجاهد: ( فِي لَوْحٍ ) قال: في أمّ الكتاب. …. عن قتادة: ( فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ) عند الله. وقال آخرون: إنما قيل محفوظ لأنه في جبهة إسرافيل.” اهـ

ونجده يورد عند تناوله لآية القلم “والقلم وما يسطرون”, رواية تتحدث عن قلم أسطوري كتب الله به القدر في شيء غير محدد, (على الرغم من أن سياق الآيات في السورة يقول أن القلم المذكور في الآية هو القلم الذي يستعمله البشر في الكتابة لا محالة), فنجده يروي:
” عن ابن عباس قال: “أوّل ما خلق الله من شيء القلم، فقال له: اكتب، فقال: وما أكتب؟ قال: اكتب القدر، قال فجرى القلم بما هو كائن من ذلك إلى قيام الساعة، ثم رفع بخار الماء ففتق منه السموات، ثم خلق النون فدُحيت الأرض على ظهره، فاضطرب النون، فمادت الأرض، فأُثبتت بالجبال فإنها لتفخر على الأرض”.

ونجد ابن أبي حاتم يروي الرواية بشكل آخر مضيفاً فيها اللوح المحفوظ, فيروي:
“حدثني سعيد بن جبير قال : قال ابن عباس: خلق الله اللوح المحفوظ مسيرة مائة عام ، وقال للقلم قبل أن يخلق الخلق وهو على العرش تبارك وتعالى : اكتب . قال القلم : وما أكتب؟ قال : علمي في خلقي إلى يوم تقوم الساعة . فجرى القلم بما هو كائن في علم الله إلى يوم القيامة . فذلك قوله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم : ( ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض )”

والناظر في الروايات المتعلقة بالقلم واللوح المحفوظ يجد فيها أوصافاً عجيبة, فنجدها تقول أن الله سبحانه خلق القلم بعد خلق الماء والعرش وهو ثالث المخلوقات، وهو جِرم عظيم جدًّا على شكل نور، ثم خلق الله تعالى بعد القلم الأعلى اللوح المحفوظ وهو رابع المخلوقات

والذي قال بعض العلماء إنه فوق العرش وقال بعضهم إنه تحت العرش!!! وجرمه عظيم جدًّا مقداره ومساحته مسيرة خمسمائة عام، طوله ما بين السماء والأرض وعرضه ما بين المشرق والمغرب!!

والناظر في الروايات المتعلقة بالقلم واللوح المحفوظ يجد عامتها مروية عن ابن عباس, والله أعلم هل قال بها أم أنها نُسبت إليه!

وبغض النظر عن هذا كله فالله تكلم عن كون القرآن مجيد في لوح محفوظ (لن يستطيع الذين كفروا أن يفعلوا به شيئاً, وسيقتصر فعلهم على التكذيب فقط) فمن أين أتوا بهذا “اللوح المحفوظ”؟!

أرى والله أعلم أن هذا ربما يكون راجع إلى بعض الروايات الأصح سنداً مثل ما رواه مسلم في صحيحه: “كتبَ اللهُ مقاديرَ الخلائقِ قبل أن يخلقَ السمواتِ والأرضَ بخمسين ألف سنة وكان عرشُه على الماء”

وكذلك ما رواه البخاري:
“عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:
دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَقَلْتُ نَاقَتِي بِالْبَابِ فَأَتَاهُ نَاسٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَالَ اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ قَالُوا قَدْ بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا مَرَّتَيْنِ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أَهْلَ الْيَمَنِ إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ قَالُوا قَدْ قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالُوا جِئْنَاكَ نَسْأَلُكَ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ قَالَ كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَنَادَى مُنَادٍ ذَهَبَتْ نَاقَتُكَ يَا ابْنَ الْحُصَيْنِ فَانْطَلَقْتُ فَإِذَا هِيَ يَقْطَعُ دُونَهَا السَّرَابُ فَوَ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ تَرَكْتُهَا” ا.هـ

فزيد الكلام توضيحاً فبما أن الله كتب, وبما أن هناك قسم بقلم وثمة لوح محفوظ فبالتأكيد كُتب بالقلم في اللوح المحفوظ, وهذا ما جاء في روايات ضعيفة سنداً منسوبة إلى الرسول وإلى ابن عباس.

وكما رأينا فحديث البخاري لم يزد عن أنه كُتب في الذكر كل شيء, فجاء الحافظ ابن حجر وقال أن المراد بالذكر هنا: هو اللوح المحفوظ, فأصبحت الرواية مؤكدة للروايات الضعيفة.

وكذلك حديث مسلم لم يزد عن الكلام عن “مقادير الخلائق” وهو ما يمكن فهمه بأنه السنن والطبائع التي ستسير عليها الخلائق, فأصبحت ب “قدرة راوي !!!” “الوصفَ التفصيلي” لكل ما يحدث منذ بداية الخلق إلى قيام الساعة!

وهو ما لم تقل به الرواية ولا كتاب الله, وإنما روايات ضعيفة منسوبة إلى ابن عباس, وبسبب هذه الروايات أصبح واجباً على المسلم أن يُسلم أن كل ما سيقوم به مكتوب عليه مسبقاً, وأنه لا يمكن أن يقع إلا ما قد وقع وأن الإنسان لا يمكنه أن يغير المكتوب!

واستند القائلون بهذا الرأي إلى بعض الآيات, التي رأوا أنها تقول بسبق الكتابة, وهكذا وقع العقل الإسلامي في إشكالية كبرى وهي إشكالية الجبر, فكيف يكون الإنسان مخيراً وأعماله مكتوبة مسبقاً؟!

لذا نتوقف مع هذه الآيات لننظر هل هناك آية واحدة تكلمت عن كتابة الأعمال منذ الأزل:
أشهر الآيات التي يستدلون بها, هي قوله تعالى في سورة الحديد:
“مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد : 22]”

فقالوا أن المصائب (وغيرها) في كتاب من قبل أن تُخلق, ومن ثم فهي مكتوبة في اللوح المحفوظ من قبل الخلق.
فنقول: الملاحظ أن الله تعالى لم يقل”في الكتاب” وإنما قال “في كتاب”,
كما لم يقل في نهاية الآية: إن الله بكل شيء عليم, ولا: لا مبدل لما كتب, وإنما قال: “إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ “, وهذا يعني أن المسألة مسألة قدرة وليست مسألة علم.

وحتى لو قلنا أن المراد من كونها في كتاب أي كونها مكتوبة فيه, فإن الآية دليلٌ على أن الكتابة في الدنيا قبل الوقوع بفترة بسيطة وليس قبل الخلق, (لاحظ أن الله تعالى قال: نبرأها, ولم يقل: نخلقها, والبرء هي المرحلة التالية للخلق والسابقة للتصوير) فالله تعالى قال “من قبل أن نبرأها” أي قبل إيجاد المصيبة, ولم يقل: “قبل أن نخلق السماوات والأرض” ولا: “قبل أن نخلقكم”, ومن ثم فليس في الآية أي دليل على الكتابة المسبقة قبل الخلق.

(والناظر في باقي الآيات التي تتحدث عن علم الله بالأشياء وكونها “في كتاب”, يجد أنها جميعا تتحدث عن علمه بأشياء تحدث وتندرج تحت “الغيب المكاني” فهي غيب بالنسبة لنا لأننا لا نراها, أو تتحدث عن شمول علمه بما يحدث, أو عن تسجيل ما حدث في القرون الأولى, وهو غيب زماني ماضوي وليس مستقبلي:

وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [الأنعام : 59]
وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [يونس : 61]

وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [هود : 6

قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى [طه : 52]
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج : 70]
وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [النمل : 75]
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ [سبأ : 3]”

والملاحظ أن الله تعالى قال أن عنده “مفاتح الغيب”, وأن هذه المفاتح لا يعلمها إلا هو وهي حتماً ليست الخمس أصناف المذكورات في آخر سورة لقمان لأننا علمناها, ناهيك عن كونها ليست مفاتح للغيب وإنما من الغيب
وهذا يعني أن الله تعالى يعلم الغيب (وليس: علم الغيب) بطُرقٍ ما لا يعلمها إلا هو
فالملائكة أنفسها لا تعلم هذه الطرق. ولو كان كل شيء مكتوب مسبقاً لما كان هناك أي معنى لعلمه سبحانه بمفاتح الغيب فلقد كُتب فعلاً)

ولأنهم قالوا بأن الأعمال مكتوبة ولم يحددوا بدقة معنى “في كتاب” واجهتهم آيات تقول بخلاف ما يقولون, وهي:
“يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد : 39]”

وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [فاطر : 11]”

فرأوا آية تقول أن الله يمحو ما يشاء ويثبت, ومن ثم يمكن تغيير المكتوب, كما أن المعمر يمكن أن يعمر ويمكن أن ينقص من عمره, ومن ثم كان عليهم تأويلها بشكل يتفق مع تصورهم لكتابة الأعمال, فقالوا بوجود لوحين: ثابت ومتغير, فقال أحد المدافعين عن ذلك التصور:
” اللَّوح المحفوظ: كما في بعض التَّفسيرات هو ما عبَّر عنه القرآن الكريم بأمّ الكتاب وهو ما كُتب فيه كُلُّ شيء ممّا يُصيب الإنسان من خيرٍ وشرّ وبلايا ونِعَم وما إلى ذلك، وما كُتبَ فيه حتميُّ الوقوع ولا يتخلَّف قيد شعرة ولعلَّ ذلك الكتاب هو ما أشارت إليه الآية المباركة من سورة الحديد: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾

لوح المحو والإثبات: هو ما أشارت إليه الآية المباركة من سورة الرَّعد: ﴿يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، فالمُقَدَّرات في الكتاب على الإنسان وغيره من المخلوقات مُعلَّقة على شروطٍ متى ما وقعت ترتبت تلك المُقَدَّرات وإلاَّ فإنَّها لا تقع أو مُعلَّقة على عدم تحقق بعض الموانع، بمعنى أنَّ هذه المُقَدَّرات لا يُكتب لها الوقوع لو تحقَّقت بعض هذه الموانع.

ومثال الأوَّل أنَّه قد يُكتب في لوح المحو والإثبات أنَّ هذا الإنسان يبقى في الحياة خمسين سنة إذا كان يَصِلُ رحمه أو يواظب على الدُّعاء، فصِلَةُ الرَّحم شرطٌ في بلوغ عمر هذا الإنسان خمسين سنة.

ومثال الثَّاني أنَّه قد يُكتب على الإنسان أن يُرزَقَ خمسة أولاد ما لم يَعُقَّ والديه، فالعقوق مانعٌ من أن يُرزقَ خمسة أولاد.
فالتَّقدير في لوح المحو والإثبات تقديران يتحقَّق أحدهما ويُمحَى الآخر وفق الشُّروط والموانع مع علم الله تعالى أي التَّقديرين هو الذي سيقع.” اهـ

وبغض النظر عن أنه لا دليل على وجود “لوح المحو والإثبات” هذا, فلم يجر له أي ذكر في الآية ولا في القرآن, (ولا دليل أصلاً على “ال لوح المحفوظ” وتصوراتهم حوله), وإنما رواية عن ابن عباس في الطبري تقول:
“عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب)، قال: كتابان: كتابٌ يمحو منه ما يشاء ويثبت، وعنده أمّ الكتاب”

بغض النظر عن هذا كله فإن هذا التوجيه يعني أحد اثنين:
1- تناقض المحتوى, فاللوح المحفوظ –على قولهم- مكتوب فيه كل ما سيفعله العبد, ومن ثم فلا معنى أن تُعلق بعض الأمور على فعل العبد, إذا كان سيفعل كذا فيُفعل له كذا, فلقد كُتب ما سيفعل وليس أمامه خيار آخر!

2- أن اللوح المحفوظ لم يُكتب فيه كل أعمال العباد وإنما كُتبت فيه أمور معينة, وهناك أمور أخرى متروكة متوقفة على ما يفعله العبد, تُقدر تبعاً لأفعاله, وهذا يجرنا للتساؤل حول المكتوب مسبقا والمكتوب مؤخرا.

وهذا الرأي ليس بالحديث, فنجد في الطبري رواية عن مجاهد يقول فيها:
“عن منصور قال: سألت مجاهدًا فقلت: أرأيت دعاءَ أحدنا يقول:”اللهم إن كان اسمي في السعداء فأثبته فيهم، وإن كان في الأشقياء فامحه واجعله في السعداء”، فقال: حَسنٌ . ثم أتيته بعد ذلك بحَوْلٍ أو أكثر من ذلك، فسألته عن ذلك، فقال إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِين فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) [سورة الدخان:3 ، 4] قال: يُقْضى في ليلة القدر ما يكون في السَّنة من رزق أو مصيبة، ثم يقدِّم ما يشاء ويؤخر ما يشاء . فأما كتاب الشقاء والسعادة فهو ثابتٌ لا يُغَيَّر.” ا.هـ

وكما رأينا فمجاهد يقول أنه يُقضى في ليلة القدر قضاء العام, بينما يرى أن الحكم العام على الإنسان المكتوب مسبقاً أنه شقي أو سعيد لا يتغير.

وهذا الإشكال الذي وقعوا فيه راجع إلى أنهم اعتبروا كلمة “كتاب” “الكتاب”, كما فهموا الكتاب بمعنى السجل. ولو رجعنا إلى آية الرعد ونظرنا إلى الآية السابقة لها لانحل الإشكال, فنجد أن الله تعالى يقول:
“وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد : 38-39]”

فالله يقول أن الرسول لا يأتي بالآية إلا بإذن الله, وأنه لكل أجل كتاب (وليس: كل أجل في الكتاب), فإذا محا الله الكتاب لم يكن الأجل ولا الآية (المعجزة أو العذاب) وإذا أثبته كان الأجل والآية.

والذي يظهر من الآية أن المقصود بالكتاب فيها ليس “السجل” وإنما مجموعة السنن والأحكام التي كتبها الله, فإذا وجدت كان, وإن محيت لم يكن:
“وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً …. [آل عمران : 145]”
فالموت كتاب مؤجل على الخلائق لا يمكن لأحد الفرار منه, بينما هناك كتب أخرى يمكن أن تُمحى ويمكن أن تُثبت.

ولقد عرضنا لآية فاطر: “وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [فاطر : 11]”
في موضوع مستقل بعنوان: هل الأعمار ثابتة؟ على الرابط القادم:من هنا 

ويمكن للمتصفح قراءة ما كتبناه حول الموضوع, وكيف بيّنا أن الأعمار غير ثابتة. إلا أن النقطة التي يجب علينا الإشارة إليها هي أن تعمير المعمر وإنقاص عمره في كتاب, أي أنها (تحدث أو تُجرى) في كتاب, فلم تقل الآية: “إلا مكتوب في الكتاب, ولا حتى: إلا بالكتاب)

ونعود للسؤال المحوري في هذا الموقف: هل قال الله أنه كتب أعمال العباد قبل خلقهم؟
الناظر في القرآن يجد أنه ليس ثمة آية واحدة تقول بهذا المعنى, وإنما ثمة آيتان تقولان بأن الكتابة تحدث (بصيغة المضارع):
“إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس : 12]”

“هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية : 29]”

فكما رأينا فالملائكة تكتب الأفعال وليست الكتابة لما فعله الإنسان في حياته وإنما ممتدة إلى الآثار بعد موتهم), وكذلك هي كانت تستنسخ ما كنا نعمله. (وهذا يعطينا تصورا لكيفية كتابة الملائكة لأعمالنا, فيمكننا القول أنها تأخذ صورة من أعمالنا وتسجلها عندها, وليس أنها تكتب: فعل فلان كذا وكذا في اليوم الفلاني!)

وكل شيء أحصي في إمام مبين (والإحصاء هو العد والإحاطة والاستيفاء) فلم يفت الملائكة شيء, وإحصاء الشيء يعني وجوده أولاً, فلا يُحصى الشيء قبل وجوده.

إذا وكما رأينا فليس ثمة آية واحدة تقول أنه كُتب على الأفراد أن يفعلوا شيئاً بعينه.

ولا يعني قولنا أن الله لم يكتب أعمال العباد قبل خلقهم أن الله العلي يترك الأمور تجري هكذا بدون توجيه منه, سبحانه, فالله تعالى بعد أن خلقنا قضى أجلا وسمى آخر عنده:
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ [الأنعام : 2]
كما أنه يفرق كل أمر حكيم في كل عام:
“إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْراً مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ “

” لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ “
كما أنه يدبر الأمر:
إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ [يونس : 3]
كما أنه خط للبشرية خطوطا لا بد أن تسير عليها:
“كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة : 21]
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ [الأنعام : 34]”
كما أن ثمة أمور كتبها الله سبحانه على نفسه وعلى عباده:
يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ [المائدة : 21]

قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ [الأنعام : 12]

وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الأنعام : 54]
كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ [الحج : 4]
وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ [الحشر : 3]
ولكن لا دليل على أنها مكتوبة عليهم أزلا, وإنما يُفهم من خلال الآيات الأخرى أن هذه الكتابة كانت نتيجة لأفعالهم ومعاصيهم.

نخرج من هذا بأن “الإمام المبين” هو الكتاب الذي تدون فيه الملائكة كل الأعمال والأفعال والأحداث –بعد وقوعها- والذي سيوضع يوم القيامة:
وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [الكهف : 49]
وهو كتاب حفيظ:
” ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤)”
وكما رأينا فالكتاب لحفظ الأعمال والأحداث وليس أنه سابق لها, ولم يشار إلى أخذ القرآن منه أو ما شابه.

وهو الذي قال الله في حقه –وليس القرآن-:
” وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [الأنعام : 38]”
ومن ثم فلا وجود لما يُسمى ب “ال لوح المحفوظ”, تبعاً للتصورات الخرافية من أنه ياقوتة طولها كذا وعرضها كذا مكتوب فيها الأعمال مسبقاً, وإنما ثمة “لوح محفوظ” وهو على الراجح لوح أرضي, والله أعلى وأعلم.

ورأينا كذلك أن القرآن أوحي من الله وأنزل من الله, فلم يأت أي دليل في القرآن على أنه كان في كتاب آخر وأنزل منه!
ومن ثم فإن حديث الدكتور شحرور عن الوحي من الإمام المبين واللوح المحفوظ ونوعية المأخوذ من كلٍ منهما يحتاج إلى دليل.

والاستدلال بالجعل على التحويل لا يسلم له, فمن المألوف المعروف في اللسان استعمال الجعل بمعنى الوضع على شكل معين, لا أن الشيء يكون على حال ثم يغير إلى آخر, مثل قول العليم الرحيم:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الحج : 25]
فهو جُعل للناس سواء العاكف والباد ولم يكن شيئا آخر ثم جُعل بيتا!

ناهيك عن أن العرب لم تكن تعلم بوجود كتاب عند الله اسمه “الكتاب المبين” وأن الله حوّله لهم لقرآن عربي, وإنما العرب سمعت كتاباً من الله مبينا ليس له مثيل. والله يقول لهم أن هذا الكتاب جُعل على الشكل العربي فلم يكن أعجمياً, وإنما جاء مع رسول عربي بلسان عربي.

وفي الختام نقول: تأويلات الدكتور شحرور ليست مستخرجة من القرآن وإنما هي أفكارٌ موجودة في ذهنه رأى فيها تصورات عقلانية للكون
ولا نريد أن نقول أنه حاول أن يستخرجها من القرآن, وإنما على أقل تقدير لم يستطع التحرر منها في فهمها للقرآن فأسقطها عليه, ناسياً ومتناسياً للسياق الذي وردت فيه, وللمخاطبين به ولأن القرآن حجة عقلية قبل أن تكون علمية, ومن ثم فعل ما فعله المفسرون فنزع الآيات من سياقها وفهمها تبعاً للعلم الذي برع فيه.
هدانا الله والمسلمين ونعوذ به من أن نقول عليه بغير علم أو أن نضل أو نَضل والسلام عليكم ورحمة الله.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.