ورهبانية ابتدعوها!

نعرض اليوم لآية سببت للمفسرين كثيرٍ من الإشكاليات واتخذها بعض غير المسلمين مطعناً للقول بالتناقض الداخلي في الآيات, وهي قوله تعالى:
” ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد : 27]”

فأخذوا يتساءلون: كيف يكون أتباع عيسى قد ابتدعوا الرهبانية والله ما كتبها عليهم إلا لابتغاء رضوانه؟! فهل هي مبتدعة أم مكتوبة؟!

وحاول المفسرون أن يتجاوزوا هذه الإشكالية, فما كانوا إلا أن “فسروا” كلمات الآية على غير ما قال الرب العليم! فقالوا بكلمات محذوفة وحذفوا موجوداً وفهموا غيره على غير ما قال الرب العليم
فنجد الإمام الطبري مثلاً يقول:
” وقوله تعالى: { إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَٰنِ ٱللَّهِ } فيه قولان: (أحدهما) أنهم قصدوا بذلك رضوان الله، قاله سعيد بن جبير وقتادة. (والآخر): ما كتبنا عليهم ذلك، إنما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله.”

وقال الإمام القرطبي في تفسيره:
وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا
أي من قبل أنفسهم . والأحسن أن تكون الرهبانية منصوبة بإضمار فعل , قال أبو علي : وابتدعوها رهبانية ابتدعوها . وقال الزجاج : أي ابتدعوها رهبانية , كما تقول رأيت زيدا وعمرا كلمت . وقيل : إنه معطوف على الرأفة والرحمة , والمعنى على هذا أن الله تعالى أعطاهم إياها فغيروا وابتدعوا فيها .

قال الماوردي : وفيها قراءتان , إحداهما بفتح الراء وهي الخوف من الرهب . الثانية بضم الراء وهي منسوبة إلى الرهبان كالرضوانية من الرضوان , وذلك لأنهم حملوا أنفسهم على المشقات في الامتناع من المطعم والمشرب والنكاح والتعلق بالكهوف والصوامع , وذلك أن ملوكهم غيروا وبدلوا وبقي نفر قليل فترهبوا وتبتلوا .

قال الضحاك : إن ملوكا بعد عيسى عليه السلام ارتكبوا المحارم ثلاثمائة سنة , فأنكرها عليهم من كان بقي على منهاج عيسى فقتلوهم , فقال قوم بقوا بعدهم : نحن إذا نهيناهم قتلونا فليس يسعنا المقام بينهم , فاعتزلوا الناس واتخذوا الصوامع .

وقال قتادة : الرهبانية التي ابتدعوها رفض النساء واتخاذ الصوامع . وفي خبر مرفوع : ( هي لحوقهم بالبراري والجبال ) . اهـ

ولم يقتصر الإمام القرطبي على هذا وإنما أضاف تقسيمات من عند نفسه, فقال في تفسيرها ل “ابتدعوها”:
“ابتدعها هؤلاء الصالحون (فمَا رعوها) المتأخرون (حقّ رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم)، يعني: الذين ابتدعوها أولًا ورعَوها، (وكثير منهم فاسقون) يعني: المتأخرين،) اهـ !!!!
وجاء في تفسير الجلالين/ المحلي و السيوطي:
{ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ ءاثَٰرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَءاتَيْنَٰهُ ٱلإنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً } هي رفض النساء واتخاذ الصوامع {ٱبتَدَعُوهَا } من قبل أنفسهم { مَا كَتَبْنَٰهَا عَلَيْهِمْ } ما أمرناهم بها { إِلاَّ } لكن فعلوها { ٱبْتِغَاء رِضْوٰنِ } مرضاة { ٱللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا.
والقول الذي يقول به عامة المتصدين لهذه “الشبهة” هو:
“أن هذا الاستثناء هو استثناء منقطع, ومعنى أنه استثناء منقطع أنه لا يوجد تعلّق بين الذى بعد “إلا” و الذى قبلها, أي أن الذي بعد “إلا” كلام لا يتعلق بما قبلها, ومعنى إلا في هذه الحالة بمعنى “لكن”!!!!!

والحق أن الآية نموذج لانحراف الذهن عن معنى معروف والقول بغيره مما يؤدي إلى اختلاق إشكاليات.
ومحور هذه الآية هو قوله “ابتدعوها”, فما هو الابتداع؟!

الابتداع معروف, إلا أن المشكلة أن المفسرين –ونحن تباعاً- فهموا الابتداع بمعنى الإبداع, فظنوا أنه الإنشاء على غير مثال سابق, ومن ثم فأتباع عيسى أنشئوا “عبادة” جديدةً من عند أنفسهم, وهي: الرهبانية! ومن ثم ظهرت الإشكالية فكيف يكونون أنشئوا شيئاً على غير مثال والله تعالى كتبه عليهم لابتغاء وجهه؟!!

وليس فهمهم هذا هو الابتداع, فالابتداع كما يفهمه العوام هو أن يغير أفرادٌ في هيئة العبادة التي افترضها الله سبحانه وتعالى, وكما عرفها الإمام الشاطبي- رحمه الله – بأنها طريقةٌ في الدِّين مخترَعة، تضاهي الشريعة، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه.

فالله كتب مثلاً خمس صلوات في اليوم والليلة فيجعل أفراد ما صلوات أخرى بأسماء معينة ما أنزل الله بها من سلطان. والشاهد أنهم لم يخترعوا عبادة اسمها الصلاة وإنما غيروا وأضافوا إلى الصلاة.

وكذلك الحال مع الرهبانية فهم لم يخترعوا شيئاً اسمه الرهبانية, وإنما غيروا في هيئة الرهبانية, أي أن الذي كُتب شيء والذي نُفذ آخر, ولو قرأنا الآية بهذا المعنى المعروف لاستقام الفهم:

فالله يقول أنه جعل في قلوب أتباع عيسى رأفة ورحمة ورهبانية (حرفوها/ غيروها/ أضافوا إليها), وأنه سبحانه ما كتبها عليهم إلا ابتغاء رضوانه, أي أن الرهبانية التي كُتبت عليهم هي ابتغاء رضوان الله, فما رعوا هذه الرهبانية الأصيلة حق رعايتها فأوتي الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون.

وبسبب الفهم المنحرف وجدنا من يقول من الصوفية أن الابتداع في الدين ليس مذموماً في كل حال وإنما العبرة بالنية, بدليل أن الله “ لم يذمّ الابتداع إن كان القصد منه ابتغاء رضوان الله.”
فإذا كانت النية ابتغاء رضوان الله فلا حرج!
وهو قول لا مستند لهم فيه, فالله عاب عليهم عدم رعاية الرهبانية الحقة (ابتغاء رضوانه) وليس أنهم لم يرعوا الرهبانية المبتدعة.

والملاحظ في الآية أنها أتت في سورة الحديد والتي تدور حول محور الإيمان والإنفاق في سبيل الله:
آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِير …. وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ الله …. مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ …. أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ … إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ … اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ …. وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ….

فالله يبين بها أن معرفة حقيقة الدنيا والزهد فيها وكثرة الإنفاق والتخلي عن العرض الزائد لا يعني أن يترك الإنسان الدنيا ويترهبن (بالمعنى الكنسي), وإنما عليه أن يؤمن ويتقي, ويعمل بالكتاب الذي يقيم حياة الناس بالقسط بلا شطط في أي اتجاه ولا جور على أي رغبة

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.