التعريف الخاطئ للصيام وأثره السلبي!

نتوقف اليوم مع عبادة ذات مكانة كبرى في حياة المسلمين, وهي عبادة الصيام, لنبين كيف أن عدم الدقة في التعريف يؤدى إلى نتائج وخيمة, وظهر هذا في هذه العبادة بشكل أدى إلى تفريغها من مضمونها فجعل العبادة عرَضاً من أعراضها.

وأول ما نبدأ به هو التنبيه على أن الاسم الصحيح للعبادة هو الصيام وليس الصوم, فلقد ذكر الله في سبع مواطن “الصيام“, فقال أنه كتب علينا الصيام وفي ليلة الصيام يحدث كذا وفي الحج الفدية من صيام أو صدقة أو نسك ودية القتل الخطأ لغير المستطيع صيام شهرين وكفارة اللغو في اليمين لغير الواجد صيام ثلاثة أيام, وجزاء من قتل الصيد في الحرم صيام, وكفارة الظهار لغير المستطيع هو صيام شهرين متتابعين.

بينما ذُكر “صوم” في آية واحدة في قوله تعالى على لسان مريم: “فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً [مريم : 26]”

فإذا انتقلنا من الاسم إلى التعريف اللغوي والشرعي وجدنا أن التعريفات كلها تدور في نطاق واحد وهو أن الصيام هو الإمساك عن ثلاث شهوات, ونذكر تعريفاً للصيام من بين تعريفات عدة تتفق كلها في مضمونها:
الصيام لغة: الإمساك والركود.

وشرعاً: الإمساك عن الأكل والشرب والشهوة من تبين طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية التعبد لله.

وهكذا أصبحت العبادة المطلوبة من المسلم أن يترك الطعام والشراب والشهوة, وارتبط بهذه الواجبات الإكثار من قراءة القرآن والصلاة والذكر وكل أفعال الخير. إلا أن الذي يُبطل هذه العبادة هي الأمور الثلاثة المذكورة في التعريف بينما العبادة عرض تابع لا يؤثر تركها في العبادة.

لذا نتوقف مع هذه الكلمة لننظر هل المعنى الذي أصبح ملازماً لها هو معناها اللغوي الأصيل أم أنها اكتسبت معنى جانبياً:
إذا نظرنا في لسان العرب ألفينا ابن منظور يقول:
“صامَ الفرسُ صَوْماً أي قام على غير اعْتلافٍ. المحكم: وصامَ الفرَسُ على آرِيِّه صَوْماً وصِياماً إذا لم يَعْتَلِفْ، وقيل: الصائمُ من الخيل القائمُ الساكنُ الذي لا يَطْعَم شيئاً؛ ……… الصَّوْمُ في اللغة الإمساكُ عن الشيء والتَّرْكُ له، وقيل للصائم صائمٌ لإمْساكِه عن المَطْعَم والمَشْرَب والمَنْكَح، وقيل للصامت صائم لإمساكه عن الكلام، وقيل للفرس صائم لإمساكه عن العَلَفِ مع قيامِه.

والصَّوْمُ تَرْكُ الأَكل. قال الخلىل: والصَّوْمُ قيامٌ بلا عمل. قال أَبو عبيدة: كلُّ مُمْسكٍ عن طعامٍ أَو كلامٍ أَو سيرٍ فهو صائمٌ. …….. ومَصامُ الفرسِ ومَصامَتُه: مَقامُه ومَوْقِفُه؛ وقال امرؤ القيس: كأنَّ الثُّرَيّا عُلِّقَتْ في مَصامِها، بأمْراسِ كَتَّانٍ إلى صُمِّ جَنْدَلِ ومَصَامُ النَّجْمِ: مُعَلَّقُه. وصامَتِ الريحُ: رَكَدَتْ. والصَّوْمُ رُكُودُ الريحِ.
وصامَ النهارُ صَوماً إذا اعْتَدَلَ وقامَ قائمُ الظهيرة؛ قال امرؤ القيس. فدَعْها، وسَلِّ الهَمَّ عنْكَ بِجَسْرةٍ ذَمُولٍ، إذا صامَ النهارُ، وهَجَّرا وصامَت الشمسُ: استوت. التهذيب: وصامَت الشمسُ عند انتصاف النهار إذا قامت ولم تَبْرَحْ مكانَها. “

وكذلك نجد ابن فارس يقول هذا في المقاييس: ” الصاد والواو والميم أصلٌ يدلُّ على إِمساكٍ وركودٍ في مكان.”

وكما رأينا فإن المعنى الأصلي للكلمة يدل على الثبات على حالٍ من الأحوال, ولقد لاحظ الإمام الطبري هذا المعنى أيضاً فقاله في كتابه: “جامع البيان في تأويل القرآن”: ” الإمساك، وترك التنقل من حال إلى حال. “

ونلاحظ في كل تعريفات الصيام أنه تبدأ بالإمساك (بمعنى الامتناع) ثم تثني بالمعنى الأصلي له, وبعضها يكتفي بالإمساك, مع أن الإمساك معنى مأخوذ من تصور الفقهاء للصيام, والمفترض أن الله تعالى عندما خاطب العرب بالصيام كان يخاطبهم بالمعنى المعهود لديهم (وهو الثبات والقيام, ولو شئنا الدقة لقلنا أن الصوم هو الثبات والتمسك بشيء.) ولن يخاطبهم بمعنى يُستحدث بعد ذلك.

فإذا قلنا أن الصيام بهذا المعنى, فما هو الثبات أو التمسك المكتوب علينا كمؤمنين؟
إذا نظرنا في آية كتابة الصيام وجدنا الرب العليم ختمها بقوله:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة : 183]
وهذه الخاتمة “لعلكم تتقون” لم ترد إلا في آيات محدودة معدودة, ارتبطت بالدين, فارتبطت بالأمر بعبادة الله (أصل الدين):
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة : 21]
وكذلك بإتباع صراط الله المستقيم وترك السبل الأخرى:
وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام : 153]
وكذلك في موضعين مع بني إسرائيل عند الأمر بالتمسك بالكتاب (أخذه بقوه):
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة : 63]
وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأعراف : 171]
وجاءت في موطن وحيد في الحفاظ على الحياة الجسدية:
وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة : 179]
ومن ثم فينبغي أن يكون الصيام عبادة على مثل هذا القدر بحيث تحقق التقوى, وهنا نتساءل: أيهما أولى أن يكون الصيام ثبات وتمسك أم امتناع؟!

لن ندع الأمر لعقولنا وإنما نتوجه إلى كتاب الله تعالى لنبصر أي المعنيين قال به:

من المعلوم لكل مسلم أن الصيام في شهر رمضان, وإذا سُئل: لماذا كان تحديداً في شهر رمضان وليس في أي شهر آخر؟ فغالباً ما ستكون الإجابة لأن هذا الشهر هو شهر القرآن, فكتابة الصيام هو نوع من الاحتفاء بالقرآن, وذلك كما قال الله العظيم:

“شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ….[البقرة : 185]”

والملاحظ هنا أن الله تعالى ربط الصيام بنزول القرآن فكأن الصيام هو نتيجة طبيعية لنزول القرآن (1), وهنا نتساءل:
أثمة علاقة منطقية بين نزول القرآن وبين الامتناع عن الطعام والشراب؟
أم أن العلاقة المنطقية هي بين نزول القرآن والتمسك به وقراءته وتدبره؟!

المنطق يقول أن الاحتفال بالقرآن ونزوله يكون بالتمسك به والوقوف على أوامره ونواهيه وقراءته آناء الليل وأطراف النهار.

فالمفترض في الصائم أن يكون متفرغاً لكتاب الله مقبلاً عليه لا يشغله عنه أي شاغل, ممسكاً به.
فشهر رمضان فرصة لكل المسلمين أن يأخذوا ما آتاهم الله بقوة ويذكروا ما فيه ويطبقوه لعلهم يتقون, فكما أُنزل القرآن على قلب الرسول في هذا الشهر على كل مسلم أن يُنزله على قلبه في هذا الشهر.

ولأن القلب تطرأ عليه شواغل الدنيا صاحب هذا التمسك امتناع عن شهوات البطن والفرج الحلال.
ولأن الصيام المكتوب عن المسلمين كان لشهر وليس ليوم أو لأيام لم يكن من الممكن أن يستمر الامتناع عن هذه الحاجات الأساسية طيلة الشهر فأُبيحت في ليل رمضان.

وهنا ننبه إلى أن الصيام بالمعنى اللغوي والقرآني ليس عكس الإفطار, فهو في ليل ونهار رمضان, فيُفترض في المسلم أن يكون صائماً الشهر كله (أي تالياً للقرآن متدبراً له عاملاً به مبتعداً عن الحرام في الليل والنهار) بينما يترك الطعام والشراب وأمور الجنس في نهار رمضان.

ونلاحظ أن سيدنا موسى عليه السلام ووعد ثلاثين ليلة وأتمت بعشر قبل أن يُنزل عليه الكتاب وكذلك النبي كان يتحنث في غار حراء قبل أن ينزل عليه القرآن, فطهرا قلوبهما لتلقي كلام ربهما, ونحن وإن كنا لن يوحى إلينا إلا أن الشهر بمثابة تجهيز النفس لتقبل القرآن والعمل به.

والفهم الذي نقول به لا يختلف عن الحال الواقع من كثير من المسلمين والمنقول عن النبي والصحابة والتابعين وعامة أجيال المسلمين,
إلا أن تعريف الصيام بأنه امتناع أضاع خيراً كثيراً على أكثر المسلمين, فأصبح جُل همهم ألا تدخل حلوقهم ذرة طعام أو حتى تراب, وامتلأت كتب الفقه بالمفطرات, واختلف الفقهاء حول ما يُفطر منها وما لا يُفطر, ولم يختلف حال آخرين في رمضان عن غيره سوى تركهم الطعام والشراب وتحايل بعضهم عليها فنام نهار رمضان!
والتزم بعضهم في نهار رمضان ولم يتحرج عن المعاصي في ليله, ولم تزد عبادته أو تقل معاصيه ولم يقبل على القرآن في هذا الشهر.

وكنت أنا نفسي أتساءل: لماذا كل هذه العبادة ولماذا قراءة القرآن, فالمأمور به هو الامتناع عن الشهوات الثلاثة!!! وكنت أرى أن المعاصي لا تبطل الصيام, فالصيام هو ترك وامتناع! وكذلك تساءلت: لماذا هناك صائم ليس له من طعامه إلا الجوع والعطش؟! ولماذا من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة لأن يترك طعامه وشرابه؟ طالما أنه أدى العبادة الرئيسة!!

كل هذا لأنه قيل أن الواجبفي الصوم الامتناع! فلما فهمت أن الصوم هو التمسك بالكتاب والثبات عليه, اختلف الحال كثيراً, فلن يخرج أكثرنا من الشهر وهو مرتاح القلب مطمئن الفؤاد أنه صام الشهر كما ينبغي, فلم يدخل في جوفه شيء في نهار رمضان وإن لم يقرأ أو يتعبد!

ولن تعود العبرة بلحظة أو لحظات يبطل معها الصيام أو يصح, وإنما العبرة بمجمل عبادتك وأعمالك في هذا الشهر, فهل ثبت فيه على الكتاب أم حدت عنه في ليله أو نهاره؟! فبقدر طاعتك وقراءتك للقرآن وابتعادك عن الشهوات فأنت صائم, وبقدر إتيانك للمحرمات فصومك مخدوش مجروح, حتى إذا كثرت معاصيك (2) وتركك للقرآن لم تعد تستحق أن تُسمى صائماً حتى ولو لم يدخل جوفك أي شيء!

وفي نهاية المقال أدعوا كل من قرأه واقتنع بما فيه أن يعمل على تصحيح تصور الصيام عند إخوانه حتى يصوموا صياماً صحيحاً يحصل التقوى ويصلح المضغة: القلب, حتى نخرج من الشهر بزاد من الطاعات والقربى إلى الله والأنس به نكمل به المسير إلى رمضان القادم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نقدم للقارئ رابطاً لمقال يتحدث عن الصيام في الديانات الأخرى, ليتعرف على الفروق بينها وبين الصيام عند المسلمين:
http://www.moqatel.com/openshare/Beh…03.doc_cvt.htm

__________________________
ذكر الإمام الرازي في تفسيره أن هناك من قضى على هذا الارتباط عندما قال بزيادة الفاء, فقال: ” نقل الواحدي رحمه الله في «البسيط» عن الأخفش والمازني أنهما قالا : الفاء في قوله : { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } زائدة ، قالا : وذلك لأن الفاء قد تدخل للعطف أو للجزاء أو تكون زائدة ، وليس للعطف والجزاء ههنا وجه !!!
(2) بهذا ندرك أن قول بعض أهل العلم أن الصوم يبطل بوقوع أي معصية فيه جانب من الصحة, فهو يُخدش وينقص بالمعصية في ليل أو نهار رمضان, وبقدر المعاصي تكون الخدوش والنقصان.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.