أصحاب الكهف ونوام أفسس!

عرضنا سابقا لأصحاب الكهف, وبيّنا أن التصورات المقدَّمة حولها لا تنبع من النص القرآني, ونعرض لهم مجدداً هنا لنناقش الرأي الذي يقول أن محمد أخذ قصة أصحاب الكهف من قصة نُوام أفسس, أو النيام السبعة, كما هي مشهورة في الأدبيات المسيحية. فما هي قصة نوام أفسس وأيهما أُخذ من الآخر؟!

الناظر في الأدبيات المسيحية يجد أكثر من قصة تقدم نفس المحتوى مع اختلاف في التفاصيل, فسمة رواية للقصة عند الأقباط ورواية عند الكلدان ورواية عند الروم الأرثوذكس ورواية عند السريانيين … الخ.
وظهرت هذه القصة في الأدبيات المسيحية لأول مرة في القرن الخامس الميلادي على يد القس “جيمس الساروجي”-أسقف سوري-, فما هو ملخصها؟!


ملخص هذه القصة أن الإمبراطور الروماني داكيوس كان يضطهد المسيحيين بشدة ويسومهم سوء العذاب, فهرب سبعة شبان من أبناء مدينة أفسس (التركية), واختبئوا فيكهف قريب من تلك المدينة، وسُد عليهم الكهف ليموتوا, فناموا قرابة مائتي عام, 249 و251 م, ولم يخرجوا منه ثانية إلا في زمان الملك ثيودوسيوسالثاني. فلما استيقظوا وجدوا أن المسيحية قد انتشرت انتشاراً عظيماً، فعجبوا لذلك, لأنهم لما ناموا كان الناس يعتبرون الصليب علامة احتقار وعار، ولما استيقظوارأوا أن جميع رعايا المملكةالرومانية قد دانوا بالمسيحية!

وللقصة تفاصيل أخرى يعرفها المسلمون والمسيحيون سواء, لأن السادة المفسرين قدّموا هذه القصة كتفسير للآيات! على الرغم من أنه من غير الممكن بأي حال من الأحوال أن يكون المعنيين في سورة الكهف هم نُوام أفسس أو أي مسيحيين آخرين على وجه الخصوص! وهذه هي آفة فهم القرآن كآيات متقطعات, والذي قد يؤدي في نهاية المطاف إلى جعل الآيات في عكس ما جاءت لأجله, وذكرهم القصة المسيحية خير مثال لهذا!

فإذا نظرنا في أول سورة الكهف وجدنا الرب يقول: “الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآَبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥) فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨) أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا (٩)”

فالسورة كما رأينا تبدأ بالقول أن الله أنزل الكتاب على عبده –أي أن محمد عبد وليس إله ولا ابن إله, وتُختم السورة بأمر النبي بالقول أنه بشر يوحى إليه- للإنذار والتبشير, فهو يبشر المؤمنين وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولداً (بجميع طوائفهم وأبرزهم المسيحيون), وأنها ما أكبرها من كلمة وأنهم كاذبون في قولهم هذا, وتقول للنبي ألا يهلك نفسه أسفا إن لم يؤمنوا وأن الله يبلوهم.

فهل من المعقول والمقبول أن يذكر محمد (باعتباره مؤلف القرآن!) بعد ذلك معجزة حدثت لبعض المسيحيين, يتخذها المسيحيون دليلاً على إنجاء ربهم للمؤمنين بالمسيحية وتأييده لهم, فيذكرها كدليل على تأييد الله للمؤمنين؟!

إن المقبول والمنطقي أن يكون هؤلاء الفتية من الفريق الأول, فريق المؤمنين الذي جاء القرآن بالبشارة له وليس من فريق المسيحيين, الذي جاء القرآن معلناً كذبهم وعدم علمهم ومنذراً إياهم!
ومن ثم فلا يمكن أن يكون أصحاب الكهف مسيحيين بأي حال. ولو تذكر القارئ ما قلناه مسبقاً من أن نبأ هؤلاء الفتية كان معلوماً للنبي وللعرب, والله يُذّكره به ويقول له أنه ليس عجباً من آيات الله, وليس أنه من الأسرار التي لا يعلمها إلا خاصة علماء أهل الكتاب!

ومن ثم فإن نبأ هؤلاء الفتية كان من المشهور في الثقافة العربية والله يقص عليه نبأهم بالحق, بعيداً عن التحوير أو الإنقاص أو الزيادة, فيقصه كما وقع فعلاً, ومن ثم فإن هذا يقضي على أي إمكانية للقول بأن محمد أخذ هذه القصة واستخدمها في كتابه, ويقلب الطاولة في وجه المسيحيين, لأنه يجعل المنطقي أن يكون ذلك القس جيمس هو من أخذ هذه القصة المشهورة في الثقافة العربية, وحوّرها لمصلحة دينه, ولا مانع يمنعه من ذلك, لأنه قدّمها كعظة لتأكيد المسيحية, ولا مانع في الفكر المسيحي من الكذب لتأكيد الإيمان

وفي هذا يقول الأستاذ أحمد علي المجدوب: “ومن يقرأ تاريخ الكنيسة المسيحية الكاثوليكية في الفترة التي أذاع فيها (جيمس الساروجي) هذه القصة, يلاحظ أنها كانت في حاجة ماسة إلى مدد جديد يدعم من مكانتها لدى الناس, وتواجه به الشك الذي بدأ يساورهم في صحة هذه العقيدة التي تكونت من خليط من الأساطير والحقائق التي استعارها مؤسسو الديانة من بلدان وثقافات مختلفة.

فوجد (جيمس الساروجي) ومن بعده (جريجوري) أسقف مدينة “تور” في قصة النيام السبعة أو أصحاب الكهف, ضالتهما المنشودة, وبادرا: جيمس أولاً بصياغته للقصة صياغة تلائم الأفكار المسيحية, ثم جريجوري بترجمتها ونشرها وإضافتها إلى التراث المسيحي وترويجها.والواقع أن هذا ليس من قبيل الاستنتاج

وإنما هو تفسير للكيفية التي ظهرت بها القصة في التراث المسيحي, يتفق تماماً مع المنهج الذي انتهجه آباء الكنيسة منذ بولس, الذي وضع أسسها وصاغ مبادئها ورتب أفكارها. فقد انتقلت الطقوس اليونانية إلى طقوس القداس الخفية الرهيبة, وجاءت من مصر الفرعونية آراء الثالوث المقدس وعبادة أم الطفل ونظام الأديرة. ومن فريجيا جاءت عبادة الأم العظمى, ومن سوريا أُخذت تمثيلية بعث أوتيس.[1]” ا.هـ
ومن ثم فعلينا أن ننظر في القصة المسيحية لنبصر هل ثمة دلائل على التزوير!
أول ما يلحظه الناظر في القصة أن أسماء أهل الكهف يونانية “مكسملينا، يمليخا، ديمومدس، امبليكوس، مرطونس، بيرونس، كشطونس.”, على الرغم من أنهم كانوا في تركيا, والتي لا يسكنها يونانيون!
وهذا وإن كان دليلاً ظاهراً على تلاعب راوي القصة في بعض أجزائها, مما يعني احتمالية تلاعبه في أجزاء أخرى, فإن الدليل الأكبر على اقتباسها وتحريفها هو ترجمتها

وفي هذا يقول الأستاذ المجدوب: “كذلك يوجد دليل آخر على أن قصة النيام السبعة ليست صحيحة بل مزورة, وهو الدليل المستمد مما أجمع عليه المؤرخون والباحثون الذين كتبوا عنها, فقد أجمعوا على أنها كانت قد كُتبت بالسريانية لغة سكان الشام قديما, ثم تُرجمت إلى اللاتينية بفضل عناية جريجوري أسقف مدينة (تور) بفرنسا, وهو أمر غريب حقا, ذلك لأن الحادثة وقعت في مدينة رومانية كبيرة هي (أفسوس) وأبطالها من سكان هذه المدينة, أي من الروم الذين حضر الإمبراطور (ثيودوسيوس) بنفسه ومعه الوزراء وكبار رجال دولته إليهم في الكهف, وتكلم معهم وسمع قصتهم العجيبة
ولا شك أنه تكلم معهم باللاتينية أو اليونانية, فكيف لم تُكتب القصة بهذه اللغة أو بتلك, وكُتبت بالسريانية التي هي لغة شعب يستعمر اليونان بلاده؟! إن هذا الذي حدث يشبه أن تكون حادثة هامة وقعت في (يوركشاير) بإنجلترا في بداية هذا القرن, فقام بعض الإنجليز بكتابتها باللغة العربية, لا لشيء إلا لأن بلادهم تحتل مصر, فهل هذا معقول؟!![2]” ا.هـ

وكما رأينا, فهذه بعض الدلائل على اقتباس القصة من حضارة أخرى, وهي كما قلنا الحضارة العربية. والناظر في القصة يجد أنها لا علاقة لها بالمسيحيين
فهي تتكلم عن مؤمنين خالفوا قومهم, الذين اتخذوا آلهة من دون الله: “هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً [الكهف : 15]”, وليس ثمة أي إشارة إلى ملك, وإنما هم خرجوا بسبب قومهم!
ناهيك عن أن النص يشير إلى أنهم يعيشون في مجتمع عربي شرقي, يستعمل الرجم عقوبة للمخالف: “إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً [الكهف : 20]”, ولم تستخدم الحضارة الرومانية الرجم كعقوبة في يوم من الأيام, فكل هذا إشارة إلى أن الوقائع في بلد عربية لا علاقة للرومان بها.

وكالعادة وجدنا في تراثنا العربي إشارات إلى مثل هذه القصة تذكر على استحياء, فوجدنا في تراثنا من يقول أن الكهف كان في اليمن: “وقيل في اليمن”. وثمة قرية في اليمن اسمها قرية أهل الكهف بمحافظة تعز, وهو في أعلى جبل صبر, وفيه تطابق مع مسألة غروب وشروق الشمس, والكهف ممتد من أعلى الجبل إلى أسفله, وفتحة أعلى الكهف عليها مسجد اسمه مسجد أهل الكهف!

إلا أن أهل المنطقة لا يستطيعون دخول الكهف لانعدام الأكسجين. ولقد تحدث ابن المجاور الدمشقي عن هذه القرية في كتابه: “تاريخ المستبصر”, وحاول أن يسقط أحداث القصة المسيحية عليها, على الرغم من أنها في اليمن!! ونحن وإن كنا نميل إلى أنه هو, إلا أننا لا نجزم بذلك, إلا أنه ليس ثمة تعارض, فهو في بلد عربية مؤمنة, والأهم أن فوقه مسجد!
__________________________________
[1]أحمد علي المجدوب, أهل الكهف في التوراة والإنجيل والقرآن, ص.107.

[2]المرجع السابق, ص. 115.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.