الأخلاق …. الشهوانية!!

من أهم العناصر التي احتواها الدين الإسلامي في مراحله المختلفة عنصر “الأخلاق” الذي قدّمه كجزء أصيل من الدين, يُشترط تحققه في المتبعين له حتى يكون إسلامهم إسلاما صحيحا, وربط الإسلام الأخلاق بالإيمان, فلا إيمان بلا أخلاق! والمؤمن الغير متخلق بالأخلاق هو مؤمن اسما فقط!!

ومرت القرون ووجدنا من ينزع منظومة الأخلاق من الدين, ويرفض السبق الذي جاء به الإسلام ويدعي أن الأخلاق ليست حكرا عليه, بل من الممكن أن يكون الإنسان خلوقا وهو لا يؤمن بالإسلام أو بأي دين!

وقُبل الأمر, فالأخلاق تعتمد على التربية والتنشأة, ومن الممكن فعلا أن يُنشأ الآباء أبناءهم على الأخلاق بغير أن يكونوا مسلمين!

ولكن العجب العجاب هو أننا وجدنا من تقدم خطوات عديدة, خطوات انتكاسية, فأراد أن ينزع صفة الأخلاق عن المسلمين! فقال أن أخلاق المسلمين شهوانية!!

وأن غير المؤمنين بدين أو غير المؤمنين بإله أصلا هم أصحاب الأخلاق الحقيقية!! لأنهم يفعلونها لا لشيء وإنما لذاتها!
بينما يفعلها المسلمون! من أجل شهواتهم! فالمسلم يفعل هذه الأشياء منتظرا الحور العين التي لن يكف عن وطأها في اليوم الآخر!!
ومن أجل الجنات والنعيم التي وعده ربه بها!
ففعله ليس للمبدأ وإنما للغاية الشهوانية!!

ويعجب المرء من الكره الذي قد يصيب الأفراد فيجعلهم على هذه الدرجة من العمى! وأتساءل في نفسي: هل هناك أخلاق شهوانية؟!

هل يفعل الإنسان –كائنا ما كان دينه أو اعتقاده- أعمال الخير من أجل شهواته أم بسبب أحاسيسه أولا … ثم المبدأ ثانيا؟!

إن المشاهد عند كل الناس أن فعل الخير لا يكون أبدا من أجل الشهوة, ولو كان فهو ليس فعلا للخير وإنما هو خداع!
فإذا أنا رأيت فتاة فأعطيتها مالا لاستدرجها وأفعل بها الفاحشة, فليس هذا فعلاً للخير, وإنما هو خسة ونذالة!

إن الإنسان يرى الفقير المحتاج أو الضعيف الكسير فيرق قلبه لذلك فيتحرك ليمد له يد المساعدة, فيعطيه مالا أو يكسوه أو يخرجه من مأزقه!

فالدافع عند كل الناس لذلك هو الشعور الذي وجده الإنسان فحرّكه لذلك!

وكذلك الإنسان الذي يُسأل عن شيء, فيقول الصدق لأنه يجد في ذلك راحة لضميره وشعورا بالقوة وخضوعا للحق!
ولو كذب لعانى أشد المعاناة من تأنيب الضمير, والتفكر في مصير من سيُظلم بسبب كذبه!

فالدافع كما رأينا هو الشعور الداخلي المغروس أصلا في كل إنسان -والذي يعمل المجتمع على تنميته أو إضعافه- ثم يضاف إلى هذا الشعور والإحساس محفزات عدة مختلفة!

فقد يكون الإنسان في مأزق أو ضيق أو في وضع قد يشجعه على عدم فعل الخير … فيتنازع الميل إلى فعل الخير في قلبه مع أنانية الإنسان وحبه لذاته ….
فهنا يحاول الإنسان أن يقنع نفسه بعمل الخير عن طريق القول بأن هذا مبدأ وعلى الإنسان أن ينفذه في المواطن العسيرة كما ينفذه في اليسيرة, ويثبت لنفسه أنه خيّر حقا حتى في مواطن الضيق, فهو لا يفعل الخير ترفا!!

فكما رأينا فالمبدأ هو محفز إضافي وليس هو السبب أصلا! وهناك قلة قليلة تحركها المبادئ قبل المشاعر …. ولكنا نتحدث هنا عن الأغلبية الساحقة للبشر وهم ليسوا من هذه القلة!!

وعند الملحد وغير المؤمن بالأديان ليس ثمة محفز بعد ذلك, بينما يزداد عند المؤمن محفز إضافي وهو فعله لله!
فهو يريد أن يظهر أمام ربه المطلع عليه بأفضل صورة, فقد لا يكون هناك من يراه من الناس, ولكن الله يراه حتما, فهو يفعل هذا ابتغاء مرضات ربه!

الذي حثّه أن يفعل بما تميل إليه نفسه “فعل الخير” حتى لو تنازعته نفسه الأمارة بالسوء … الأنانية!!
فالمؤمن يفعل الخير لأنه خير وابتغاء مرضاة ربه!
ربه الذي كافئه على فعل الخير –الذي يجد حلاوته في الدنيا- بالجزاء الحسن في الآخرة!
ربه الذي لم يجعل السبيل إلى الجنة أن يخالف الإنسان ضميره, وإنما أن يفعل الخير ويتخلق بالأخلاق الحميدة ويجاهد نوازع السوء في نفسه!!

إن الإنسان المسلم لا يفكر في الجنة وهو يفعل الخير وإنما يفعله لأن له قلب رقيق –كغيره من الناس- ولكنه يذكر نفسه بها إذا أرادت أن تتراجع … كمحفز من المحفزات!

وحقيقة لست أدري ما العيب في ذلك, ما العيب في أن يعمل الإنسان الخير من أجل حبيبه؟! فما أجمل هذا الحب؟!
فقد يكون الإنسان يفعل الخير أصلا, ثم يتذكر أن هذا الفعل سيرضي حبيبه فيفعله بسرور, وقد يكون لا يأتي أبوابا معينة من الخير ولكنه يتذكر أن فيها رضى حبيبها فيفعلها!!

لست أدري لماذا الافتخار بمن يأتي الصعاب من أجل محبوبته, والثناء عليه, بينما يصبح الأمر شهوانية إذا فُعلت لله … المثل الأعلى والغاية القصوى؟!

ختاما أقول:
إن الشهوات لا يمكن أن تكون دافعا للإنسان لفعل الخير بينما هي دافع لكل فعل دنيء, فهي لا تحرك إلا للشر! فأين هو ذلك المسلم الذي اشتهى في يوم من الأيام حورية من حوريات الجنة؟!

نعم هناك من يفكر كيف سيكنّ, ولكن لم نجد هناك مثلا من تخيل نفسه يضاجع واحدة منهن!
لم نجد مسلما “يستمني” متخيلا نفسه يضاجع الحور العين!!

إن الحديث عن الأخلاق الشهوانية حديث يثير الإشمئزاز …. والشفقة, على هؤلاء الذين أصبحوا لا يرون إلا كل شر وحمق في الدين, بينما يرون الإلحاد رأس كل سعادة!

فهنيئا لهم حيرتهم … وهنيئا لهم عقولهم التي تحدد لهم الخير!
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.