مواسم الانحلال!!

حديثنا اليوم بإذن الله وعونه عن مواسم الانحلال … تلك المواسم الذي ينخلع الإنسان فيها –وخاصة الشباب- من الالتزام ومن أحكام الدين!

ولا يحدث هذا الانخلاع من الالتزام عرضا وإنما يعد الإنسان نفسه لهذا ويهيئ نفسه للانحلال, ولا يتحرج من أن يأت بأصناف المعاصي كائنة ما كانت, فهو في هذه الأيام في حل من الدين ومن الالتزامات!!

وقد يظن القارئ أنه لم يخض تلك المواسم, لذا ندعوه ليتعرف معنا على هذه المواسم التي يهيئ الإنسان نفسه فيها للمعصية, وينظر هل عايشها أم لم يعايشها:

من أشهر تلك المواسم
موسم عيد الفطر المبارك وما يليه من الأيام, تلك الأيام التي ينتظرها الإنسان فترات طويلة في شهر رمضان, فهو يخطط ماذا سيفعل في هذه الأيام بعد “الكبت” الذي مر به في رمضان!

لذا نجد أن بعض الشباب لا ينتظرون العيد, وإنما يبدأون الانحراف والانحلال في ليلة العيد, باعتبار أن ليلة العيد لا تتبع رمضان!!!

ومن تلك المواسم “ليلة الزفاف” فنجد أن كثيرا من العائلات “الملتزمة” ترى أن هذا اليوم يوما استثنائيا, ومن ثم فلا مانع أن ترقص بناتهم في الأفراح, ولا بأس من ترقص العروس مع “العريس” وأن ترتدي من الملابس ما يكشف ويشف!
ومن الممكن قبول وجود مغنيات وراقصات عاريات, وقد نجد في السهرة خمورا ومخدرات وما شابه … أليست “ليلة العمر”, فيتفنن أصحابها في إخراجها على أكثر الصور إبهارا, ولنترك الدين جانبا هذه الليلة!!

ومن تلك المواسم أيضا –بالنسبة للمتزوجين-
مواسم غياب الزوجة, فنجد أن عددا من المتزوجين ينتهزون فرصة غياب الزوجة, التي يرون أنها تنكد عليهم عيشتهم, ليخرجوا ويسهروا وينحرفوا, بل وقد يصل الأمر إلى اصطحاب بعض العاهرات إلى المنزل, حتى يرفه الإنسان عن نفسه ويتمتع بجو الحرية!!

ونفس الحال كذلك بالنسبة للشباب عندما يغيب الوالدان عن البيت, فما أن يعلم الشباب أن الوالدين سيذهبان إلى أي مكان ويقضيان فيه يوما أو عدة أيام, حتى يبدأ التخطيط مع الزملاء ماذا سيفعلون في هذه الأيام, وكيف سيستغلونها أسوء استغلال بعيدا عن تحكم الوالدين!!

ومن تلك المواسم أيضا مواسم الرحلات والمصائف, فنجد أن كلا من الشباب والفتيات يهيئون أنفسهم “للوقوع” في هذه الرحلة, فالفتاة تتوقع –كما ترى في الإعلام الهايف- أنه ستقابل من يحبها في هذه الرحلة و”يصطادها أو يختطفها” كفارس الأحلام الذي يخطف حبيبته على الحصان الأبيض!

وكذلك يستشعر الشباب أن الفتيات عندهن استعداد للتنازل في هذه الأيام فيحاولون مجاذبتهن أطراف الحديث, ومع بعض الضغوط تقبل الفتاة, وهكذا تنشأ قصة حب “وهمية” في تلك الرحلات, والله أعلم بما تنتهي هذه الرحلة!

كما نجد أن كثيرا من العائلات تتحلل من الالتزام في المصائف, فنجد أن عددا من الفتيات المحجبات تخلع الحجاب ولا تمانع من ارتداء شورت قصير, وملابس ضيقة شفافة تبدي أكثر مما تخفي, ناهيك أنها تصبح غير ذات جدوى بعد نزولهن الماء وخروجهن!

ويعجب المرء من هؤلاء, التي تخشى أن تنكشف خصلة من شعرها في حياتها اليومية, بينما لا تمانع من أن تكشف كامل شعرها ونصف ساقيها في المصيف!!

وجو المصائف يطلق الذئب الكامن داخل الشباب, فحيثما يولي وجهه يجد بناتٍ كاسيات عاريات مظهرات لمحاسنهن يتدللن ويضحكن ويجرين, مما يدفعه إلى التفكير بشدة في اقتناص واحدة من هؤلاء! ويصبح تفكيره منحصراً في الجنس!

بل إننا نجد بعض الشباب يحلم باصطياد زوجه من المصيف! حيث سيجد أمامه أكبر “تنويعة وتشكيلة” من الفتيات, والتي قد يجد فيها ما تعجبه!

والعجب –الذي لم يعد عجبا- أن المرء يجد في المصائف بعض النساء المنقبات التي ترتدي الإسدال الإيراني الواسع وتمشي بجوارها ابنتها كاشفة شعرها, ومرتدية الملابس الضيقة القصيرة, وتضع الكميات الهائلة من مساحيق التجميل! ولا تتحرج من هذا فالبنت لا تزال في مرحلة “العرض” واصطياد العريس!!

وبغض النظر عن المواسم المحددة, فهناك مواسم تختلف من إنسان لآخر مثل الذين يؤدون الخدمة العسكرية أو تكون طبيعة عملهم تحتم عليهم الانعزال عن العالم لفترة من الفترات, فقبل أن يخرجوا من هذه العزلة يكونوا قد خططوا كيف يقضوا الأيام القادمة وكيف يستمتعون بها على أكبر قدر ممكن!!

وهناك مواسم أخرى غير هذه المواسم تختلف من فرد لآخر تبعا لظروف معيشته, وليس حديثنا هنا لاستقصاء مواسم الانحلال, فهي جد كثيرة, وليس عن أسبابها, فكثير منها راجع إلى الكبت الذي يُعيش الإنسان نفسه فيه أو يفرضه الآخرون عليه
ولا يعني هذا أننا نبرر الانحلال- أو إلى التصورات التي نجح الإعلام الهايف في غرسها وبجدارة في عقول أكثر مستقبليه, وإنما تركيزنا على نقطة واحدة وهي التهاون بالمعصية في هذه الأيام!

فالإنسان إذا ما تهاون في طاعة أو أقدم على معصية في الأيام العادية يؤنبه ضميره كثيرا, ويظل في حالة ندم ويستغفر ربه, بينما نجد الأمر يختلف كلية في تلك الأيام, فنجد أن الواحد من هؤلاء يشعر أنه في أيام استثنائية, يحل له أو يجوز أن يفعل ما يحلو له, وأن هذه الأيام فرصة لا تتكرر, ومن ثم عليه اغتنامها!

وهذه هي المشكلة الكبرى, أن الإنسان تراوده نفسه عن المعصية, إلا أنه لا يجد الظروف مواتية لها, وقد يقدم عليها على الرغم من ذلك وقد يتركها فلا يفعل, إلا أنه “يعز” عليه أن يترك هذه الفرصة التي تسهل فيها المعصية فلا يقدم عليها!!

فالمعصية في هذه الأيام غالبا ما لا تكون كبتا ولا شوقا إلى المعصية, بقدر ما تكون “استخسار” أن يضيع هذه الفرصة التي يرى فيها السبل إلى المعصية ميسرة, ويرى غيره يقترفونها ويدعونه إلى المعصية!!

ولن نقدم النصائح التقاليد بألا يقدموا على المعصية في هذه الأيام, لأنه لن يستجيب أحد, وإنما ننصح بالنظر في الأسباب التي تدفع الإنسان إلى اعتبار هذه الأيام فرصة من الواجب عليه اغتنامها, وتغيير نظرته إليها, فمثلا ينظر إلى العيد أنه استمرار لرمضان والذي كان فرصة للتزود بالتقوى, فلا يتبع الحسنة السيئة وإنما يحاول أن يستمر لفترة بعد رمضان على ما كان عليه!!

وذلك الذي يجد في زوجه “كابوسا” خانقا, يحاول أن يغير من طريقة معاملته لها, وأن يتحملها ويصبر عليها, وبالتأكيد سيجد أن معاملتها له قد اختلفت كثيرا وأصبحت تلك النسمة التي يحتاجها في حياته!

ندعوه ألا يبطل طاعاته الكثيرة بانتظار فرصة المعصية, والتخطيط لها, ندعوه إلى أن يخاطب نفسها ويعرفها بأنها إن كانت من النفوس التي تنتظر المعصية فهو ليس تلك النفس الطاهرة النقية, وإنما طاعته لعدم وجود الفرصة للمعصية, فلما توفرت سارع إليها!

ندعوه لإقناع نفسه أن أيام الترفيه لا تعني الانحراف أو الانحلال, وإنما عليه أن يستغلها أمثل استغلال!
ندعوه لاعتبار الأيام التي تغيب فيها الرقابة ليست فرصة للانحلال وإنما أيام كغيرها من الأيام, يثبت فيها لنفسه ولغيره أنه قوي الشخصية!

وختاما ندعوه لعدم التخطيط للمعصية في تلك الأيام, لأنه كثيرا ما تفشل محاولات المعصية على الرغم من عدم وجود الرقيب البشري, ومن ثم يبوء بإثم المعصية بتخطيطه لها ولما يحصل عليها!!

وحتى لو نجح في تحقيق المعصية فسيكتشف لا محالة أنها لم تكن تستحق كل ذلك العناء أو التخطيط, فما هي إلا لحظات عابرة سرعان ما تنقضي!
لحظات لا تختلف كثيرا عن لحظات مرها وعايشها من قبل … ولكنه الخيال والوهم … اللذان يدفعانه إلى الانحلال كهدف في حد ذاته!!

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.