أوجه اختلاف القرآن عن الكتب المقدسة الأخرى!

من النقاط التي يلعب عليها غير المسلمين مسألة عدم معرفة المسلمين بالكتب الأخرى, فيدعون أنه لا فارق يذكر بين القرآن والكتب المقدسة الأخرى, فكلها تدور في نفس النطاق تقريبا, فلم يأت القرآن بجديد ولا بشيء يتميز به عن الكتب السابقة, ومن ثم يعترضون على إدعاء المسلمين تفرد القرآن واختلافه!

وبغض النظر عن كونهم قد قرأوا هذه الكتب كاملة أو بعض متفرقات منها, فإن هذا الحكم الصادر ينبأ عن هوى محكم في إطلاق الأحكام على عوانها نابع من رفض شديد للأديان مما يؤدي بصاحبه إلى وضع البيض كله في سلة واحدة!!

ولأن كثيرا من المسلمين قد يُصدمون من هذا الاعتراض, والذي قد يقدم صاحبه عليه بعض أوجه التشابه بين الإسلام والأديان الأخرى كدليل على عدم تميز القرآن والإسلام عن غيره من الأديان –

أوجه التشابه هذه موجودة لا محالة, فمن المستحيل أن يأتي دين بمحتوى جديد كليةً, فلزام على كل دين أن يعرض مثلا للقضية الإلهية, وقضايا أخرى مثل إثابة الطائع وعقاب العاصي … الخ- وقد لا يجدون الإجابة اللازمة التي تفحم صاحب هذا الاعتراض, نقدم للإخوة القراء –مسلمين كانوا أو غير مسلمين- بعضا من –وليس كل- أوجه الاختلاف المحورية بين القرآن وغيره من الكتب المقدسة!

ولن نعرض في موضوعنا هذا إلى بلاغة القرآن, لأنها من المسائل المختلف فيها, والتي قد يستشعرها البعض ولا يجدها آخرون,
كما أن المقارنة يجب أن تكون عادلة فكثير من هذه الكتب بغير لغتها الأصلية, ولو ترجمنا القرآن إلى لغة أخرى فإنه يفقد مسألة البلاغة الحاسمة هذه, إلا أن باقي النقاط تظل كما هي, كما أننا لن نعرض للمسائل المختلف فيها بين أتباع الديانة نفسها والتي يفهمونها بشكل معين

فلن نعرض مثلا لآية في الإنجيل تتحدث عن أن المسيح لم يأت ليلق سلاما وإنما ليلق سيفا, وذلك لأن المسيحيين يفهمونها في إطار معين, وإنما سنعرض للظاهرة العامة في الكتاب, فلن نجعل للقليل أو لغير المعلوم حكم الأعم الغالب, ونحاكم أتباع تلك الديانة عليه, وإنما سنحتكم إليه كما هو بعيدا عن التأويلات والشطحات, وإنما تبعا للأكثرية التي يوزن بها ويُقاس عليها, ولهذا لن نعرض أمثلة بعينها في حديثنا عن الكتب الأخرى, حتى لا يتحول الأمر إلى الدفاع عن هذه الأمثلة, وإنما سنتكلم عن الظاهرة العامة التي يقر بها أتباع الدين …
وهذه النقاط الظاهرة لكل ذي عينين غير مُستعمٍ هي التي سنعرض لها في مقارنتنا بين القرآن وغيره من الكتب الأخرى!

أول ما نبدأ به هو البناء العجيب لسور القرآن, فالناظر في الكتابات البشرية كلها وحتى الكتب المقدس الأخرى يجد أنها قائمة على الاسترسال, بينما نجد القرآن لا يقوم على هذه الطريقة المألوفة, وإنما نجده يتنقل من موضوع إلى آخر مكثرا من الحديث عن التاريخ والطبيعة, بحيث يشعر القارئ للسورة في القرآن قراءة سطحية أنها كلام فوضي لا رابط له, فإذا دقق فيها وجد اتصالا بديعا بين الآيات وبين أجزاء السورة, بل وبين السورة والسابقة لها والتالية! في بدايات ونهايات السور وفي المحتوى نفسه!

ناهيك عن الترتيب غير المألوف لمفردات الجملة نفسها, -والذي يحتمه كون الكتاب المحكم يريد إيصال معنى محدد دون غيره, والذي لم يوجد له مثال سابق في كلام العرب!

والمشكلة أن أكثر الذين ترجموا القرآن إلى لغات أخرى قضوا على هذه المسألة, لأنهم رأوا أن هذا الترتيب لا يتناسب ولا يتسق مع بناء الجمل في لغاتهم وقد يستغربه القارئ! ومن ثم لم يراعوا ترتيب المفردات داخل الكلمة وقدموها تبعا لقواعد لغتهم!

ولست أدري من قال أن ترتيب المفردات في الجملة القرآنية هو من المألوف في الكلام العربي! إن الإنسان العربي يستغرب كثيرا هذا الترتيب, فليس هو من مألوف كلامه كذلك!
ويجتهد المتدبر في فهم الجملة تبعا لترتيب مفرداتها!
(وقليل من حافظوا على هذا العرض والترتيب من أجل أكبر قدر من المحافظة على المطابقة مع النص الأصلي ومن هؤلاء المترجم الألماني اليهودي: ماكس هيننج, والذي قدم ترجمة من أفضل ترجمات القرآن في اللغة الألمانية في أول القرن الماضي (العشرون) لا تزال هي الأفضل حتى الآن!)

ومن خلال قراءة المرء في الكتب الأخرى يظهر أن كلامها إنشائي سردي تبعا للنسق المألوف, فيمكن للمرء القول أنه لا تميز في هذه المسألة الأخرى, ويمكن لأي إنسان بليغ أن ينشأ نصوصا ويدعي أنها إلهية, بينما لم نر حتى الآن من أتى بنص واحد مثل سور القرآن يعتمد هذه الطريقة, فيقدم كلاما بليغا, تبدو كل جملة فيه على حدة ذات معنى, إلا أن ظاهره التشتت والفوضى بينما هو متصل في داخله, فتُفهم كل جملة بمفردها ويخرج القارئ منها بمعنى, ثم تُفهم بشكل أعمق من توظيفها داخل النص!

ونحن لا نشترط أن يكون هذا هو الشكل الوحيد لكلام الله, ولكنا نجزم بأن كلام الله لا بد أن يكون متميزا, وفي هذه النقطة لم نر تميزاً في الكتاب الأخرى ورأيناه بجلاء في القرآن!!

ونترك مسألة البناء العجيب للقرآن منتقلين إلى نقطة أخرى هي أوضح ما تكون, وعلى الرغم من ذلك نجد من يتبجح مدعيا عدم وجود اختلاف وهي مسألة المحتوى, فما هو المحتوى الذي يقدمه القرآن وتقدمه الكتب الأخرى؟!

فإذا نظرنا في القرآن وجدنا أنه يقدم نفسه على أنه كتاب إلهي, يخاطب الله تعالى فيه النبي والمؤمنين والناس, يعرف بنفسه وبالملائكة ويعرف باليوم الآخر, ويجيب على كل الأسئلة الخالدة التي تدور بخلد الإنسان, مثل من أين أتى ولماذا أتى وهل هناك حياة بعد الموت, وكيف يعيش الإنسان الحياة المثلى, وكيف يتعامل مع الرب .. الخ, يحتوي أحكاما بالفعل والترك…. الخ!

في النهاية هو يمكن القول بكل ثقة أنه كتاب يدعو للإيمان به!

فإذا نظرنا في المسيحية مثلا وجدنا أن كتابها المقدس ما هو إلا سيرة للنبي عيسى عليه السلام, والذي يظهر فيها جليا أنه يدعو إلى الله! ولكن لما كانوا قد أضافوا إلى هذه السيرة بعض الشروحات والأحداث التاريخية الأخرى والرسائل التي أرسلها بعض من التحق بالدين إلى أهالي بعض المناطق, أصبح لزاما أن تُفهم هذه السيرة تبعا لهذه الشروحات والرسائل وتبعا لقرارات المجمعات التي انعقدت بعد مئات السنين!

وهنا نتساءل: هل هذا كتاب إلهي؟ أين الكتاب أصلا؟! إن الإنجيل الحالي ما هو إلا سيرة شبيه بسيرة ابن هشام عند المسلمين, لا يزيد عن هذا, وعلى الرغم من ذلك فهو مقدس عند قرابة الملياري إنسان!!!

فإذا تركنا المسيحية وانتقلنا إلى اليهودية وجدنا أنها أحسن حالا من المسيحية, فهناك كتاب مقدس وهناك تعريف بالإله, إلا أن هذا الكتاب تحول بعد ذلك إلى كتاب تاريخ يحكي التاريخ الذي مر به بنو إسرائيل, وبالتأكيد فإن الكتب الإلهي لن يكون كتاب تاريخ!! وهكذا أصبحت الكتب الملحقة بالتوراة مثل الأناجيل, كتب تحكي حياة النبي والأحداث التي مر بها وتذكر أقواله, بينما لا وجود بوضوح لكتاب مستقل!!

فإذا تركنا التوراة والإنجيل وانتقلنا إلى كتب أخرى مثل الأفستا –الكتاب المقدس للديانة الزرداشتية- وجدنا أن الكتاب ليس خطابا من الإله للبشر وإنما هو خطاب من البشر للإله, فهو أقرب ما يكون من مناجاة العباد ربهم وليس تعريفا من الرب وأوامر يعلمهم إياها!
كما أنه على هيئة حوارات بين زرادشت وبين الإله, زرادشت يسأل والإله يجيب!!
وهكذا أتت الشريعة الزرادشتية إجابة من الرب لسؤالات زرادشت!!
ونحن لا نعترض على أن يختلف شكل الوحي من نبي لآخر, ولكن لا يصل الأمر إلى هذه الدرجة, فتصبح المسألة حوارات بين زرادشت وبين الرب!!
إن نبينا الكريم لم ير جبريل, الملك الذي كان يأتيه بالوحي إلا مرتين اثنتين, وكانتا لغرض مخصوص, وكان هذا الشيء صعبا, فما بال زرادشت هذا يتحاور مباشرة مع الرب؟!!

فإذا تركنا الأفستا التي كان الرب يُحاوَر فيه, وانتقلنا إلى كتب الهند المقدسة, وجدنا أنها كتب تاريخية تحكي وقائع وأحداث وقعت, وتتحدث عنها ممجدة لها ومعظمة, فإذا أخذنا الباجافاد جيدا نموذجا, وجدنا أنه كذلك كتاب تاريخي فهو مأخوذ من الملحمة الهندية الكبرى والتي تزيد عن المائة ألف بيت شعري, وهي حوار متواصل بين سري كريشنا وأرجونا, والذي هو في نهاية المطاف ليس رب الأرباب ولا خالق السماوات والأرض! فكذلك هنا الرب العلي لا يتكلم ولا يخاطب ولا يعرف, وإنما هو حوار بين مخلوقين, أحدهما ذو منزلة أعلى!!

ولقد انتبه البهاء في كتابه الأقدس إلى هذه المسألة فجعله على لسان الرب, فالكتاب على هيئة تعليمات وإرشادات من الرب, إلا أن الكتاب كمجمل تقليد سمج وركيك للقرآن!! كما أنه مجرد تعليمات, فالكتاب على هيئة اعملوا كذا ولا تعملوا كذا ولقد أبحنا كذا وحرمنا كذا, وليس له أي علاقة بالواقع ولا بالكون ولست أدري ما الدليل الذي يقدمه هذا النص على كونه من عند الله؟!!

وقبل أن نترك نقطة المحتوى الذي يقدمه القرآن نعرج على نقطة تابعة له وهي القصص, فقد يقول قائل: إنك تعيب على الكتب الأخرى أنها كتب تاريخ, بينما نجد أن القرآن أكثر من القصص وتحدث عن وقائع حدثت في زمان الرسول!
لذا نقول: أن القصص القرآني ليس تأريخيا بالدرجة الأولى, بينما هو للعبرة والعظة وللتدليل على ما يقوله القرآن, فلكي يثبت فؤاد النبي والمسلمين على تحمل الأذى يذكر له قصة يوسف وكيف حدث له ما حدث ثم مكن الله له في الأرض, ولكي يتحمل المسلمون الاضطهاد يذكر لهم قصة بني إسرائيل وكيف كانوا يُعذبون ويعاملون المعاملة السيئة ثم أصبحوا بعد ذلك هم الوارثين! ولكي يحذر الكافرين يذكر لهم عاقبة المكذبين السابقين, ويذكر بالنهاية الأليمة التي نزلت بهم وأهلكتهم … وهكذا

فالقصص القرآني مسوق لغاية وهي الاتعاظ والاعتبار والتدليل على صدق وعده ووعيده, ثم إن القصص القرآني قد ابتعد كثيرا عن التحديدات التاريخية, فلم يذكر المكان أو الزمان –بينما فعلت الكتب الأخرى- واكتفى بالأحداث نفسها, لأنها هي التي يُستخرج منها العبرة والعظة!!

وحتى الآيات التي تحدثت عن وقائع حدثت في زمن الرسول أتت على درجة عالية من التجريد, بحيث لا يشعر القارئ لها أنها تتحدث عن وقائع بعينها, وإنما تتحدث عن وقائع وأحداث عامة, وعن كيفية التصرف في مثل هذه المواقف, وذلك لخلوها عن العناصر التوصيفية التشخيصية, فلا يكاد المرء يجد في القرآن إلا مواقع محدودة تعد على أصابع اليد الواحد, التي حددت وشخصت, وهي كالنقطة في البحر, وما عدا ذلك فتعميم وتجريد!

فإذا انتقلنا لمسألة أخرى تابعة لمسألة المحتوى وهي الحديث عن اليوم الآخر, نجد أن القرآن قد أكثر من الحديث عن اليوم الآخر مبينا أن هذا العالم سيُهدم تماما وينشأ عالم جديد قائم على التمايز التام, حيث إما نعيم وإما عذاب, فلا اختلاط بين الاثنين, وعرض للنقاط الرئيسة في ذلك اليوم مفصلا أيما تفصيل, بشكل لا خرافة فيه!

بينما لا نجد ذلك في اليهودية مثلا والتي لا يوجد فيها إلا آيات معدودات تتحدث عن اليوم الآخر, ويختلف اليهود في فهمها فمنهم من يجعلها في اليوم الآخر ومنهم من يجعلها في الدنيا!!

ولا يختلف الحال في المسيحية والتي يدور الحديث فيها حول عودة المنقذ المخلص, فنجد الحديث يدور عن رجوع المسيح لدينونة الناس! ثم يدخل 144000 يهوديا مع ربهم الخروف أورشليم الجديدة! وهكذا أصبح اليوم الآخر حصرا على طائفة وأصبحت الجائزة مدينة جديدة عوضا عن المدينة القديمة!!!

ولا يختلف الحال في البهائية فليس هناك أي حديث عن اليوم الآخر, وإنما الأرواح ترد إلى ربها بعد الموت, وتحاسب على أعمالها, فالروح الخيرة تتمتع بالقرب من الله وهذا بمثابة الجنة, والروح التي قام صاحبها بالأعمال الشريرة تكون عاجزة عن الوصول لله, ومن ثم فأي عذاب أكبر من هذا!

وكما رأينا فليس هناك أي تصور واضح عن هذا اليوم, ومن ثم يظهر تميز الإسلام بحديثه المفصل عن اليوم الآخر!

كما نعرج على نقطة محورية في المحتوى وهي مسألة الحديث عن الطبيعة, فالناظر في القرآن يجد أنه أكثر من الحديث عن الطبيعة المحيطة بالإنسان حتى أن ما يقارب خمس القرآن يكاد يكون فيها وحولها, ويتخذها دلائل على صحة دعاويه, ويدعو الإنسان إلى النظر فيها والتفكر, ليصل بها إلى صدق ما جاء به القرآن, وليتذكر عظيم فضل الله عليه وليحمده على ما أنعم عليه من النعم!
كما يدعوه إلى السير في الأرض ليكتشف كيف بدأ الخلق, فأين هو ذلك الكتاب الذي استخدم الطبيعة ذلك الاستخدام وأكثر من الحديث عنها, كما دعى إلى التفكر في خلق السماوات والأرض والسير لاكتشاف كيف بدأ الخلق؟!
وبغض النظر عن أننا لن نجد مثل تلك الآيات في غير القرآن, فلماذا يطالب محمد أتباعه بالسير في الأرض لينظروا كيف بدأ الخلق؟!!

ونترك نقطة المحتوى الفاصلة, والتي يتجلى تكلم الرب بالكتاب فيها كمحور فاصل, لننتقل إلى الحديث عن الرب نفسه في القرآن وفي الكتب السابقة!!
فإذا نظرنا في القرآن وجدنا أنه أكثر من الحديث عن الرب, فلقد ذكر اسمه صراحة “الله” في 1566 موضعا, كما سماه الرحمن في 45 موضعا, بينما لا نجد للرب اسما صريحا في التوراة, والدارس للأديان يعلم أن اليهود لا يقولون: يهوه, وإنما إذا قرأوا في كتابهم المقدس وأتوا على كلمة “يهوه” فإنهم يقولون “أدوناي” والتي تعني السيد! فما هو اسم الإله عند اليهود؟!!

ولقد عاب اليهود على السيد المسيح أنه تكلم باسم الإله, فإذا نظرنا في الأناجيل وجدنا أنها لم تذكر له اسما كذلك!! واسم الله التي تستعمله الكنائس العربية مأخوذ من الدين الإسلامي! فما هو الاسم الذي عرّف به المسيح إذا وتواطأ اليهود على كتمه مرة أخرى؟
العجيب أن المسيحيين يقولون في صلاتهم “أبانا الذي في السموات ليتقدس اسمك ليأتي ملكوتك لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الارض”
فما هو اسمه هذا الذي يتقدس إذا كانوا لا يعلمون له اسما؟!!
إن الناظر في ترجمة الأناجيل في اللغات الأخرى –مثل الإنجليزية والألمانية والفرنسية يجد أنها تستعمل كلمة “god, Gott , Dieu … والتي تعني الإله!! أفليس للإله اسم؟!!

ونغض الطرف عن مسألة الاسم فلقد ذُكر للإله أسماء في الأديان الأخرى, فالمسألة الرئيسة هي سمات هذا الإله, والتصور الذي تقدمه هذه الأديان لآلهتها؟!

إذا نظرنا في القرآن وجدنا أن القرآن تحدث عن الرب في آيات عديدة وعرف بسمات كماله, وبين لنا أنه ليس كمثله شيء, وأنه خالق السماوات والأرض, وأن الإله الوحيد فلا إله غيره ولا رب سواه, فهو رب الناس أجمعين, وأن ما عداه فهو دونه, فليس لله ند, ولا قريب ولا مثيل!
ولم نجد في القرآن أي حديث عن تجسد أو حلول, بل إن القرآن قال أن الله لا يخاطب البشر إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء! فالرب متميز عن عباده تمام التميز!
وهذا التصور الراقي لم نجده في أي دين سابق, وظهرت بعده العديد من التصورات والتي لا تقارن به, ولا يوجد في هذا التصور التوحيدي التفردي أي مطعن حتى الآن, إلا من أولئك الذين استطاعوا أن يثبتوا أنه ليس هناك إله!!!!!

فإذا نظرنا في تصور الآلهة في الأديان الأخرى وجدنا عجبا, فهناك من جعل الإله حالا في الكون! فالكون خالق ومخلوق, ومنها من جعل الإله يحل في البشر أو في الأصنام!! ومنها ما جعله يتجسد ويصبح بشرا ويولد من بطن امرأة –كما فعلت المسيحية-, ويتصوره المسيحيون على هيئات عدة في الثالوث, فيتصورون الآب على هيئة رجل شيخ طاعن في السن, والابن على صورة شاب ..
بل وجعله المسيحيون على هيئة خروف! سبحانه وحاشاه!!
ومنها ما جعله إلها منحازا لجنس واحد فهو ربهم وليس رب غيرهم –كما فعل اليهود- , ومنها ما قال أنه هناك آلهة عدة وليس إلها واحدا, ومنها من جعل الآلهة على هيئة بشرية, فهم كالبشر إلا أنهم أكبر حجم بكثير!
ومنها من جعله يتصرف كالبشر فيتخذ القرارات ويخطأ فيندم عليها …. ومنها ما تصوره على هيئة حيوانات أو خليط من الحيوانات والبشر …. ومنها ما جعله يظهر للبشر ويتحدث ويتحاور معهم هكذا …. الخ تلك التصورات الناقصة العقيمة المشينة للإله!!
والتي يعتمد أتباعها على القول بالترميز والإشارة عند الحديث على النصوص التي تتحدث عن الإله –ونصوص أخرى كثيرة في كتبهم المقدسة- لكي يبقى القبول, فيقولون أن النصوص على سبيل الإشارة والتلميح ويقصد به كذا وكذا! وهكذا تختلف التفسيرات باختلاف الأهواء والتصورات!
والفارق أن الإشارات القرآنية إشارات تضيف للمعنى الأصلي ولا تلغيه, ولا يمكن لأحد أن يدعي أن المدلول الأصلي غير مراد!

فشتان شتان بين تصور الإله في القرآن وبين تصوره في الكتب الأخرى, التي يدعي بعضهم أنه لا فارق بينها وبين القرآن!!

وتبعا لهذه النقطة نتحدث عن فارق من أكبر الفروق بين القرآن وغيره من الكتب المقدسة الأخرى وهو: خلوه من الخرافة! فالناظر في الكتب السابقة يجد أن بها كم لا بأس به من الخرافات والحديث عن حيوانات وكائنات أسطورية عجيبة, وعن وقائع وأحداث عجيبة لا يمكن أن تكون قد تمت بهذا الشكل بحال, بينما لا نجد أن هناك أي أثر للخرافة في القرآن,

وعلى الرغم من أن البيئة العربية كان بها الكثير والكثير من الخرافات لم يقدم محمد أيا منها في القرآن!! نعم قد نجد ذلك في التفسيرات المقدمة للآيات أو في أحاديث منسوبة إلى الرسول الكريم, إلا أن القرآن قد خلا منها تماما!

والنقطة الوحيدة التي يتمسك بها المخالفون للإسلام هي حديث القرآن عن الجن –على الرغم من أن أكثر أهل الأرض, بما فيهم ملاحدة, يؤمنون بوجود مخلوقات شبحية أو أرواح بشكل من الأشكال- فيرون أن هذا من الخرافات!

ولقد عرضنا لهذه المسألة باستفاضة في كتابنا “الجن واختلاق الأرباب” –والذي يمكن تحميله من على صفحات الموقع-
وبيّنا كيف أن التصورات السابقة للأمم عن الجن هي التي أدت لصبغ حديث القرآن عن الجن بالصبغة الخرافية, بينما هو حديث راق لا خرافة فيه, فمن أراد التفصيل فليرجع إلى الكتاب المذكور!!

فإذا تركنا مسألة تصور الإله نجد أن القرآن يتميز عن الكتب الأخرى بأنه كُتب في زمان الرسول الكريم, ويرى أكثر الباحثين من غير المسلمين أنه لم يُزد فيه أو يُنقص, بينما لا نجد هذا في باقي الكتب!
فنجد أن العهد القديم قد كُتب في قرون عدة وفُقد ثم جمع مرة أخرى, ناهيك على أنه كان بلا مصوتات ثم أُضيفت إليه فيما بعد, واجتهد اليهود في فهم الكلمة تبعا للمتحركات الجديدة المضافة مما عمل على تغيير المعنى في كثير من الأحيان!

فإذا انتقلنا إلى الأناجيل وجدنا أنها كانت نوعا من السيرة, التي تسجل أحداث حياة المسيح, وكان كثيرون قد عملوا على تأليفها, وكل يكتب تبعا لما وصل إليه, ومن وسط مئات السير اختارت الكنيسة أربعة لتكون هي الأناجيل المعتمدة في الكنيسة, ناهيك عن الإضافات التي أضيفت للأناجيل والحذوفات التي وقعت فيها! والتي نراها إلى الآن في الاختلافات بين الترجمات!

ولا يختلف الحال كذلك بالنسبة للزرداشتية والديانات الهندية, فلقد جُمعت بعد سنين طوال من وفاة أصحابها!
ولن نعرض هنا لمسألة الوجود التاريخي لأصحاب هذه الكتب من عدمه, وأن الأدلة التاريخية لا تثبت إلا وجود النبي الكريم محمد, لأننا نؤمن بوجود عدد منهم, كما أننا نعترض على المناهج التي يتبعها الغربيون في إثبات أو نفي وجود شخصية تاريخية معينة –وليس هذا وقت التفصيل في هذه النقطة-

فإذا تركنا مسألة كتابة الكتاب المقدس على يد الرسول أو تجميعه بعده, وانتقلنا إلى مسألة اسم الدين, وجدنا أن اسم الدين مذكورا صراحة في الكتاب وهو الإسلام, بينما لا نجد هذا لا في التوراة ولا الإنجيل مثلا!
وحتى لو وُجد فإن أسماء عامة الأديان إما راجع إلى اسم نبيه “الزرادشتية أو المسيحية” أو اسم لعرق أو قبيلة أو مكان … الخ!
بينما نجد أن اسم ديننا ليس هذا ولا ذاك وإنما راجع إلى العلاقة بين العبد والرب, وهي أن العبد يسلم زمامه لربه ويخضع له!
وتبعا لاسم الدين يكون تصور الدين, فالإسلام يقدم نفسه على أنه ليس دينا جديدا ولا تغيرا في سلك الرسالات, وإنما هو امتداد لما جاء به الرسل السابقون, فكلهم كانوا مسلمين وجاءوا بالإسلام داعين إلى عبادة الله!

بينما نجد مثلا أن المسيحية المعتمدة على العهد القديم قد أتت بعجب! فأنبياء العهد القديم يتحدثون عن رب واحد, وهم جعلوه واحد من ثلاثة, وجعلوه متجسدا وجعلوه …. وجعلوه!!

وكذلك لا يمكن لليهود الإدعاء أن رسالتهم هي نفس رسالة الأنبياء السابقين, لأنهم جعلوها موجهة إلى عرق واحد وهو بنو إسرائيل, والأنبياء السابقون لم يكونوا في بني إسرائيل أصلا!!

وكذلك الحال في الأديان السابقة فنجد أن الإله في كل دين يختلف عن الإله أو الآلهة السابقة, ومن ثم فلا يمكن أن يكون الداعي إلى عبادة إله أو آلهة جديدة هو استمرار لدعوة نبي سابق له …. وهكذا!

ولا يقتصر الأمر في القرآن على ذكر اسم الدين, وإنما يتعداه إلى ذكر لسان القرآن والرسول وهو اللسان العربي المبين, بينما لا نجد لهذه المسألة ذكرا في غيره من الكتب, والتي دُونت على مر سنوات طوال!
وكذلك ذكر اسم الكتاب نفسه “القرآن” في مواطن عديدة من الكتاب, تدعو الإنسان إلى الإيمان به وإتباعه والنظر فيه وتدبره والإعلان أن البشر لن يستطيعوا أن يأتوا بمثله, بينما لم ترد كلمة إنجيل في الأناجيل مثلا؟!

كما نجد أنهم سموا مجموعة كتبهم “العهد الجديد” ومجموعة كتب اليهود العهد القديم, وسموهما سويا: الكتاب المقدس! وعجبا لهذا الدين الذي يجمع أتباعه كتباً يقدسونها ويسمونها!

ونترك اسم الدين والكتاب وننتقل إلى مسألة أخرى وهي تصور الرسل في القرآن, فالناظر في القرآن يجد أنه يقدم الرسل كبشر على مستوى عال من الأخلاق والإيمان ولكنهم قد يخطأون –بغير قصد-, فلم يقل القرآن أنهم “معصومون” وفي عين الوقت نفى أن يكونوا على تلك الدرجة من الأخلاق المتردية التي وُصفوا بها في التوراة مثلا!

وليست هذه بالنقطة المميزة فلكل دين تصوره لرجاله, ولكن النقطة المميزة في خطاب القرآن للرسول محمد وحديثه عنه, هو لومه على بعض أخطاءه والحديث عن الشك! ولو افترضنا جدلاً أن محمد قام ببعض الأعمال وأراد أن يتراجع عنها فألف نصوصا وادعى فيها أن الله لامه على أخطاءه, ومن ثم فيجب عليه التراجع عن هذه الأعمال والقيام بتصرف آخر!!

فلماذا يتحدث عن أمور هي في دخيلة نفسه, فلماذا الحديث عن أنه كاد يركن إلى الذين كفروا في مطالبهم ولماذا الحديث عن أنه تراوده شكوك تجاه ما أُنزل إليه؟! إن المختلق يظهر نفسه بمظهر الواثق تمام الثقة بما جاء به, ولا يأتي بما يثير شك أتباعه فيه ويزعزع ثقتهم به؟!

ونختم بحديثنا عن الأحكام الشرعية الواردة في القرآن, فالناظر في القرآن يجد أن هذه الأحكام وردت على سبيل العموم ولم تعرض للتفاصيل إلا في مواطن قليلة, بينما نجد مثلا أن التوراة كثيرا ما تعرض لتفاصيل الأحكام وكيفيات التنفيذ,
وكذلك نجد أن الأفستا قد ذكرت مسائل بسيطة –في الحوارات التي دارت بين زرادشت وربه-, ومن العجب أننا وجدنا أن كتب المسيحية قد خلت من الأحكام ومن ثم اعتمدوا على الأحكام الشرعية الواردة في كتب اليهود!!

ولا يقتصر الأمر على الكتب القديمة, فالناظر يجد أن البهاء قد وقع في نفس ما وقع فيه السابقون فعرض لمسائل بسيطة, كما ذكر كميات ومقادير ككفارات وواجبات دينية, بينما لم يفعل القرآن وأحال ذلك إلى العرف, وذلك لاختلاف القيم من مكان إلى مكان ومن زمان لآخر!!

في ختام هذا المقال نقول:
لا وجه للمقارنة بين القرآن وبين أي كتاب من الكتب المقدسة وذلك لأن القرآن كلمة إلهية, وأعتقد أن هذه العجالة التي عرضت للسمات العامة لكثير من الأديان وضحت الفارق الكبير بين القرآن وغيره من الكتب السابقة له أو اللاحقة!

نعم, يمكننا أن نقارن بين هذه الكتب وكتب السنة عندنا, فهي أعمال بشرية, وكتب السابقين كذلك, فلقد أضاع السابقون كتبهم, وأدخلوا تعاليم دينهم في تاريخ أنبيائهم, أما عندنا –ولله الحمد- فالتمايز تام وكامل بين القرآن وكتب السنة, وليس ثمة تداخل!
فتاريخ الدين هو ما جاء في هذه الكتب, أما أصل الدين فمستقل بذاته, متفرد بسماته المتميزة البارزة.

نعم, نقر أن في كتب السنة كل العيوب التي انتقدناها على الكتب السابقة, ولكنها كما قلنا عمل بشري ونتاج بشري, لزام أن يعتريه النقص وتتخلله العيوب, وكل المسلمين تقريبا يأخذون من السنة ويتركون, ولا يوجد من يأخذها كلها, ولنا المعايير التي يؤخذ على أساسها ويُرد, فهي في النهاية إطار عام للدين, بينما الدين هو القرآن!

وما بقى عند الباقين هو “إطار” وهم متمسكون به أشد التمسك, على الرغم مما به, وفي هذا عظيم الإشارة إلى رغبة الإنسان في التمسك والتعلق بربه, بأي حبل كان, مهما كان الحبل عجيبا أو غريبا … فالمهم عنده أن يوصله إلى ربه … وأن يكون من عنده!

ونحن بعرضنا هذا لا نقصد أن نعيب على هذه الكتب غياب هذه المسائل فيها –ولو فعلنا لأصبحنا نجعل القرآن مقياسا لما ينبغي أن تكون عليه الكتب السماوية- فهي وإن كانت نقاطا محورية هامة, إلا أن القصد الأول هو إبراز تفرد القرآن واختلافه عن غيره من الكتب!
غفر الله لنا ولكم وجعلنا من الذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة!
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.