الأغلفة الكاذبة!

فقد خلق الله البشر, وجعلهم شعوبا وقبائل ليتعارفوا, وكتب عليهم أن يتعاملوا مع بعضهم بعضا, كما أنه رفع بعضهم فوق بعض درجات, ليتخذ بعضهم بعضا سخريا, فوجدنا الفقير والغني والمعدم وفاحش الثراء المترف!

نعيش جميعا في نفس المجتمع, إلا أن لكل فرد أو جماعة تعامل واحتكاك مع أصناف معينة من أفراد المجتمع, تبعا لمكانته ودوره في المجتمع!

وتبعا لمكانة ودور الإنسان في المجتمع –والأفراد الذين يحتك بهم- تتشكل طريقة تعامله معهم وخطابه إياهم! والتي تنعكس بشكل كبير على معاملته وخطابه لمن هم خارج هذه الدائرة!

فنجد مثلا أن ذلك القروي, الذي عاش طيلة حياته في الريف –وخاصة في القرى البعيدة النائية- والذي يعتمد على قوته وعافيته في الحصول على قوته والوصول إلى ما يريد ….
قد نجد في كلامه غلظة وحدة واندفاع, وفي معاملته الآخرين –وحتى الأطفال- قسوة! كما قد نجده لا يهتم بمظهره الشخصي, فقد يكون غير مهندما أو غير شديد نظافة الملابس!

كما نجد أن كثيرا من متوسطي (شبه معدومي) الدخل! ينشغلون كثيرا بأمور الطعام والشراب, ويكثرون من الحديث عنها, ويخططون للوصول إليهما بشتى السبل, ولا يشغلون بالهم بكثير من ضروريات الحياة الإنسانية الأخرى!
فنجد فيهم فرحا شديدا بالطعام والشراب, وتنافساً وتسابقا على الولائم والموائد,
-قد يصل عند بعض أفرادهم إلى درجة: “الدناوة” فإذا لم يحصل الواحد منهم على حظ في الوليمة تضايق وحنق! وشعر أنه قد غُبن وأهين في تلك الوليمة, وأنه لم يُكرم كما ينبغي!

وعلى النقيض من ذلك تماما نجد الحال عند الأثرياء, فنجد فيهم رقة في التعامل, واهتمام بالمظهر الخارجي, وعدم اكتراث بمسألة المطعم والمشرب! فعندهم من الأمور الأكثر أهمية ما يشغلهم عن هذه الصغائر!!

وأكثر العوام معجبون بطريقة التعامل هذه, التي يلتزمها الأثرياء وأبناءهم, -والذين يسمونهم: ولاد ناس!- ويتمنون أن يصيروا هم وأبناءهم كهؤلاء .. المحترمين!!

وعلى الرغم من ذلك فإنهم يعدون أنفسهم أفضل من الأثرياء, وذلك لأنهم متمسكون بالدين, محافظون على الأخلاق والفضائل, ذاكرون للآخرة, بينما تشيع الفاحشة والانحلال الخلقي في أوساط الأثرياء!!! وذلك لبعدهم عن الدين ونسيانهم الآخرة, وانشغالهم بالدنيا!!

ولا يقتصر الأمر على دائرة الفقراء والأثرياء داخل المجتمع الواحد, وإنما يتعداه إلى المجتمعات بأكملها, فنجد أن أفراد المجتمعات الفقيرة ينظرون إلى أفراد الشعوب الثرية –الأوروبية خاصة- على أنهم “ناس نظيفة راقية”, وذلك لرقة حديثهم ولنظافة ملبسهم!

ويتساءل الإنسان:
هل الأثرياء الأرقاء! هم الأفضل, أم الفلاحون الغلاظ والفقراء هم الأفضل؟!
وتأتي الإجابة بأنه لا أفضلية لفقراء على أغنياء ولا لأغنياء على فقراء, وليست الأغلفة الكاذبة هي المقياس, فليست الرقة والحديث المهذب دليل على وداعة الإنسان, وليس الحديث الفظ الغليظ دليل على سوء مكنون الإنسان!!

إن كل إنسان ابن بيئته, فالثري (وابنه) حتم عليه المجتمع الذي يعيش فيه الرقة والوداعة في الحديث والاستعلاء عن بعض الصغائر –أمام الآخرين-, إلا أنه غالبا ما قد يكون في داخل نفسه مستكبرا, ينظر إلى الآخرين باستعلاء, ويشعر أنه أفضل منهم (وهذا هو تأثير “الفلوس” على النفوس)
ومن ثم فإنه يشعر أنه من الواجب على الآخرين خدمته وتحقيق أمانيه, فإذا لم يحدث هذا ثار وماج, وكشر عن أنيابه!

كما أنه قد يكون طماعا شهوانيا, يفعل المستحيل للوصول إلى مبتغاه! وذلك لأنه قد وجد من وفر له كل ما يطلب في صغره! ومن ثم اعتاد ذلك[1]!!

وليس الأوروبي الشهواني, الذي يضيع جل عمره في المراقص ومعاقرة الخمور والسعي وراء النساء, واستئجار المومسات, ليس ذلك الإنسان حسن المظهر بإنسان أصلا! فهو وإن لم يعد يلقي بالا للطعام, إلا أن ذلك راجع إلى أنه أمر مفروغ منه بالنسبة له, ومن ثم فإنه يشغل باله بأصناف مستحدثة من وسائل التلذذ والترفيه, والتي فيها من التحدي –الوهمي- ما يحفزه ويثيره ويجذبه!


وكذلك حتم المجتمع المنغلق على ابنه أن يكون حاداً غليظا, ودفعته الحالة الاجتماعية إلى عدم الاهتمام بالمظهر الخارجي, إلا أنه قد يكون في دخيلة نفسه طيبا محباً للخير كارها للظلم –الذي يعانيه ويذوق مره!- طاهر اليد, لا يقبل الحرام على نفسه بحال. (وقد لا يكون!)

ولو عُكس الحال وعاش الثري مكان الفقير[2], والفقير مكان الثري لتصرف كلٌ منهما بنفس الطريقة التي يعدها مآخذ على الآخر, فسنجد أن الثري –الذي كان يسخر ويضحك من تسابق الفقراء إلى الطعام- هو أول المسارعين! وبعد أن كان الطعام في مؤخرة اهتماماته –لأنه قد ملّه- سيصبح هو محور حياته!

وكذلك سنجد أن الفقير –غالبا- ما سيسابق إلى الارتماء في أحضان الشهوات, ناسياً دينه وآخرته! وسيحيط نفسه بهيبة مفتعلة, لتكسب نفسه منزلة عند من يراها!!

لذا فعلينا أن نتجاوز هذه الأغلفة في تعاملنا مع الآخرين, فلا نسخر من الفلاح أو الإفريقي ونعده جلفاً أحمقا لغلظة كلامه وثيابه, وكذلك لا نعد الثري أو الأوروبي إنسانا جيدا “نظيفا” لرقة حديثه وثيابه, وكذلك لا نحاول أن نستشف ما بداخل النفوس, فأكثرنا ماهر بإخفاء ما بداخله, وإنما علينا أن نحكم بشكل آخر…

فيكون محايدا, فلا نجعل أنفسنا أو مجتمعنا مقياساً للصواب والفلاح, ويضخم العيوب في الآخرين, وإنما يكون المقياس فكريا (دينيا) نخضع له جميعا, وتقاس أفعالنا تبعا لموازينه!!

كما نأخذ في الاعتبار البيئة التي ينشأ فيه الإنسان وتحتم عليه تصرفاته .. فقليل من يستطيع أن يخرج من “جبرية” بيئته!

وفي النهاية تكون أعمال الإنسان هي المقياس الذي يُقيم به الإنسان, فهي الميزان الصادق, فقد يقول الإنسان ما يخالف ما في باطنه, إلا أنه لا يسعى –عادة- إلا لما يريد ويحب .. فانظر ماذا يفعل .. تعرف من هو وما بداخله!

هل هو ممن يكتفون بأداء “عملهم” أم له دور بين الناس وللناس؟!
هل هو ممن يكسبون الثروات الطائلة لأنفسهم, أم ممن ينفقون الكثير للناس؟!
هل هو ممن يجرون وراء الشهوات أم من الراضين بعيشة الإنسان؟!

إن ميزان الحكم الصالح: هو العدل والعمل للناس! فإذا كان عادلا, يعامل القريب والغريب بنفس المعاملة, ذاكرا لإخوانه فهو إنسان صالح “نظيف”, سواءٌ كان غنيا أو فقيرا!

وإذا كان مقبلا على شهواته متسلقا على أكتاف غيره للوصول إلى مطامعه, ناسيا لإخوانه … فهو إنسان سيء قذر, فقيرا كان أو غنيا!!

فلنتجاوز بأعيننا وبصائرنا تلك الأغلفة التي أحاط الناس بها أنفسهم, حتى نستطيع أن نقيمهم ونحكم عليهم … ومن ثم نأمن شرهم ونرجو خيرهم …. ونمد لهم يد العون إذا احتاجوا!!

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته!!
___________________________________

[1]قد نجد مثل هذه السمات في بعض الفقراء, -فهي ليست حكرا على المترفين- ولكن هذا مخالف لحكم البيئة, ومن ثم فإن ربْطنا لها بالأغنياء, راجع إلى أنها المردود الطبيعي لبيئتهم ووضعهم!

[2]يحتم علينا الحق أن نقول أن هذه المقارنة تظهر في مجتمعاتنا المحسوبة على الإسلام بشكل أكبر من المجتمعات الغربية, وذلك لخفوت وطأة الطبقية في تلك المجتمعات! كما علينا أن نقر كذلك أن أثرياء الغرب أكثر إنسانية من أثرياءنا المسلمين!!!!! فلكثير منهم المشاركات البناءة الجدية في المجتمعات الإنسانية عامة, على الرغم من أنهم –كأثريائنا- يمتصون دماءنا!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.