الرب الصغير …. والرب الأعظم!

نتكلم اليوم بإذن الله وعونه عن قضية جد هامة لمعرفة قدر حب الله لنا, ومن ثم مبادلته هذا الحب .. حسبما تفيض به قلوبنا!
هذه القضية هي قضية
ربوبية الإنسان!

وندعو القارئ الكريم للتريث وعدم التسرع في إصدار الأحكام, فالربوبية التي نتحدث عنها ليست الربوبية المتعلقة بالشرك, وأن يُتخذ الإنسان شريكا مع الله, وإنما هي الربوبية التي كتبها الله العليم الحكيم للإنسان!
وهي أن يصبح الإنسان أبا … رباً!
قضية الأبوة والأمومة هي تلك الربوبية التي نتحدث عنها!

فإذا نظر الإنسان في حال البشر وجد أنه ثمة كثيرٌ من أصناف العلاقات والارتباط بينهم, فهناك الزواج والصداقة والأخوة والزمالة والجيرة والتعارف والحزبية …. الخ أصناف الارتباطات!
إلا أن أكبر وأشد أصناف الارتباط هو تعلق الوالدين بأبناءهما, فنجد أنهما يحبانهما حبا شديدا!
ولا يحب الإنسان –في الأعم الغالب- أحداً أكثر من نفسه إلا أولاده, فيحرص عليهم أشد الحرص, ويدافع عنهم بكل قوته, ويهتم شديد الاهتمام أن يوفر لهم ما لم يتوفر له! ويحزن أشد الحزن إذا نزل بأحدهم نازلة أو أصابه عارض! … بل قد يموت حزنا وكمدا عليهم, إذا مات أحدهم في حياته!

كل هذه العلاقة الوثيقة على الرغم من أن الأب بالتحديد لا يحمل أي مشاعر للولد قبل مجيئه –بخلاف الأم التي تحلم به لتغمره بحنانها-! فإذا جاء تفجرت المشاعر داخل الأب وأصبح حريصا عليه كالأم .. أو أكثر!!
ذلك كله لأنه يشعر أن ذلك الابن قطعة منه .. امتداد له .. “صنعته”!

يصبح الأولاد محور حياة الوالدين, فيسعى الأب ويكد ويكدح ليوفر لأبنائه المطعم والملبس .. وتتفرغ الأم لرعاية أبنائها, فهم في حالة من العجز التام في مبتدأ حياتهم, ولا بد من تفرغ كامل لهم!
وتتفرغ الأم لذلك بطيب خاطر, وتفعله بكل سرور حتى يكبر!

ويستمر الوالدان في الرعاية والتربية والحب حتى يكبر الأطفال! بدون أي مقابل مادي يحصلان عليه تلقاء فعلهما هذا! فما يريدانه هو أن يكبر الطفل ويصبح إنساناً يعتمد على نفسه!!

وعلى الرغم من أن الأبناء (قد) لا يبدون لهما من مشاعر الحب ومن فروض الطاعة ما ينبغي!
بل وقد يكون أحد أو بعض الأولاد كارها لأحد والديه أو كليهما! إلا أن حب الوالدين لا ينقطع ولا يكرهان ولدهما الكاره .. العاصي .. ويستمران في محاولة إرضاءه وإرجاعه إليهما, وإزالة سوء الفهم الذي دفعه لكرههما!

ويكبر الأبناء وينفصلون –في الغالب- عن آباءهم, وينشغلون بحياتهم الخاصة وينسون فضل آباءهم عليهم, الذين أضاعوا زهرة شبابهم في تربيتهم والعناية بهم, ويرون أن هذا شيئا طبيعيا واجبا عليهم, ومن ثم فلا فضل لهم … ولا شكر!

ينسون أنه كان من الممكن أن يفكروا تفكير الشباب الأوروبي العقيم الذي ينشغل بعمله وبمستقبله وبتحسين حاله .. وبملذاته وشهواته, ومن ثم يرفض الالتزام بمسؤولية الأسرة … والأبناء!

وعلى الرغم من هذا يرضى الآباء بكلمات قليلة من أبناءهم, يبدون بها تذكرهم لفضل آباءهم عليهم, وهدايا رمزية, يسرهم أول ما يسرهم, نجاح ابنهم ومقدرته على الاعتماد على نفسه!
وإذا لم يفعل الأبناء ذلك وشقوا طريقهم وانشغلوا بدنياهم لتحقيق أنفسهم … نعم, قد يحزن الآباء … ولكنهم لا يغضبون منهم .. ويتمنون لهم النجاح والتوفيق في مسعاهم!

ولا تتوقف الأم عن الدعاء لأبنائها بالنجاح وصلاح الحال طيلة عمرها, على الرغم من أنهم قد يكونوا بلغوا من الكبر عتيا!!


هذه القصة نعرفها كلنا, وتتكرر أمام أعيننا كل يوم, ونحن نشارك فيها بشكل من الأشكال, نشارك فيها كأبناء ثم كآباء .. إلا أن النقطة التي لم يلتفت إليها معظم المشاركين فيها هي أن هذه القصة هي نموذج مصغر لعلاقة الرب بالناس!
فهو “أبونا الذي في السماء”
(كما نُسب إلى المسيح عيسى بن مريم)

انظر إلى حرص الوالدين على أبناءهم .. وتأكد أن الرب الرحيم أكثر حرصا ورحمة وحبا لنا … فنحن صنعته التي خلقها …. للجنة!
لاحظ أننا نضع الآباء في منزلة عظيمة وذلك لتربيتهم أبناءهم وإمدادهم بجل ما يحتاجون في مراحل حياتهم الأولى –قبل أن ينفصلوا عنهم-

وننسى أن الرب العليم هو الذي أمد الوالدين –وكل الناس- بكل ما يحتاجون, وهو الذي يرعى ويرزق ويربي!
نتذكر أن آباءنا تعهدونا بالتربية والتعريف بالأخلاق الحميدة والأفعال الكريمة, وننسى أن الرب العليم هو الذي أنزل إلينا الكتب وأرسل إلينا الرسل, منذ قديم الزمان ليخرجنا من الحيوانية إلى الإنسانية!!

ننسى أننا كآباء قد نثور ضد أبناءنا وننفعل, بل ونعاقبهم, على أشياء تافهة لا تستحق, بينما نترك الأمور العظيمة بدون توجيه! بل وقد نقدم لهم ما يضرهم! بينما الرب العليم يوجهنا ويُعرفنا ..

. ولا يجيب مطالبنا التي تضرنا أبداً مهما أكثرنا من دعاءه!

اختبرنا الله في الدنيا بأن نكون عباداً له, ورضي بأن نكون أربابا لأولادنا نتعهدهم حتى يكبروا … لينظر ماذا نفعل إذا نحن صرنا أربابا! … فعلينا ألا ننسى تذكير أبناءنا بالأب الأعظم والرب السيد … الذي هيأ لنا الأرض … وأعدها لحياتنا!
وليست هذه العلاقة هي الصورة الوحيدة لربوبية الإنسان, فهناك صور أخرى كثيرة, ولكن هذه العلاقة هي الوحيدة التي تظهر حب الله لنا …. فأردنا أن نظهرها للقارئ ليعرف حب الله له … فيحبه!

لذا فإذا أراد الإنسان أن يحبه الله بشكل فردي –وليس لمجرد أنه خلقه- فعليه أن ينفع خلق الله ويعطيهم, كما جاء عن النبي الكريم:
الناس عيال الله في الأرض, وأحبهم إليه أنفعهم لعياله!
فالله العلي يعولنا بفضله … وبخلقٍ يجعلهم سببا في ذلك … فكن من هؤلاء الأسباب!!

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته!!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.