سورة النجم …. الرد على دعوى ضلال الرسول!

نتناول اليوم بإذن الله العظيم وفضله سورة النجم, لنبين الوحدة الموضوعية لها, وترابط آياتها ببعضها بعضا!
وأول ما نبدأ به هو إظهار اتصال السورة بما قبلها وما بعدها!
وكنا قد قلنا سابقا أن الاتصال بين سور القرآن لا يقتصر على الارتباط بين نهايات السور وبدايات السور اللاحقة, وإنما يكون يتعدى إلى تفصيل موضوع مجمل, فيذكر موضوع مجمل في السورة ويفصل في السورة اللاحقة!

فإذا نظرنا في سورة الطور وجدنا أنها انتهت بقوله تعالى:
“فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣) وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (٤٩)”

فنجد أن السورة تنفي ثلاثة أمور, أن يكون الرسول كاهنا أو مجنونا أو شاعرا, وتأتي سورة النجم فتنفي ثلاثة كذلك –اثنان في آية والثالث مستقل كما في هذه السورة- أن يكون ضل أو غوى أو ينطق عن الهوى, ثم تبين لهم الطريقة التي يأتي القرآن بها إلى محمد وهي الوحي,

وحتى لا يقال أنه مجنون أو أنها أوهام عرفتهم أنه قد رأى ملك الوحي مرتين!
وكما أُنكر عليهم –في الطور- دعواهم أن لله البنات –الملائكة- ولهم البنون, أُنكر عليهم في سورة النجم أن يكون لهم الذكر وله الأنثى, فهذه قسمة ضيزى!

وكما قيل للنبي في الطور “فذرهم حتى يلاقوا …” قيل له في النجم: “فأعرض عن من تولى عن ذكرنا”
ولمّا قال في الطور: ” وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ” ذكر في النجم نماذج لإهلاك الأمم مثل عاد وثمود وقبلهم نوح.

ثم تختم سورة الطور بالحديث عن إدبار النجوم وتبدأ النجم بالقسم بالنجم إذا هوى.
فإذا انتقلنا إلى الاتصال بين سورة النجم وسورة القمر وجدنا الاتصال بيّنا, فسورة النجم خُتمت بقوله تعالى:
وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الْآَزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)

فكما رأينا فالله يقول في النجم أنه أزفت الآزفة وفي القمر يقول اقتربت الساعة, وينكر عليهم تعجبهم من القرآن ويقول في القمر أنهم لن يؤمنوا بآية حسية وسيستمرون على ما هم عليهم,
وأنهم هم من اتبعوا أهواءهم –وليس الرسول- وكما تحدث عن النذر في نهاية النجم ذكرها في بداية القمر! ولما كان قد ذُكر إهلاك عاد وثمود وقوم نوح فصل في سورة القمر لماذا أهلك هؤلاء الأقوام!

اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥)

وكما رأينا فالاتصال جلي بين السورة وسابقتها ولاحقتها, وهي تفصيل لما قبلها وما بعدها تفصيل لها!
ويمكن للمتصفح الكريم قراءة تناولنا للسورة على هذا الرابط:

http://www.amrallah.com/ar/showthread.php?t=139
ونبدأ في إظهار الوحدة الموضوعية للسورة, فنقول:

الناظر في سورة النجم يجد أن موضوعها الرئيس هو:
الرد على دعوى ضلال وغواية الرسول بالقول بأن مستنده العلم, وأن مستند المشركين الظن والهوى, فهم الضالون الغاون.

المنظور العام للسورة.
تبدأ السورة بالقسم على أن الرسول ما ضل وما غوى وما ينطق عن الهوى.
فبدأت السورة بالرد على الدعوى الثالثة بتبيان أن نطقه بالقرآن وحي من الله وليس عن هوى, وليس هذا الوحي وهم ولا جنون فلقد رأى الملك الذي يوحي إليه مرتين.

ثم انتقلت لتفنيد الدعوى الأولى بالقول أنكم أيها المشركون أنتم الضالون, فأنتم لم ترو اللات والعزى ومناة ثم ادعيتم أنها بنات الله, وتعبدون أوثانا اختلقتموها لهم!, وتدعون أنها ستشفع لكم عند الله في قضاء حوائجكم ودفع الضر عنكم, وما هي إلا أسماء سميتموها ليس لكم بها سلطان, فمستندكم الظن, فمن الضال, ذلك الذي رأى وأوحي إليه أم من يتبع الظن ولم ير ولم يوح إليه؟!


ثم انتقلت لذكر مثال للغاوي, وهو ذلك الذي تولى وأعطى قليلاً وصد الناس عن عمل الصالحات أو الإيمان بدعوى أن هناك من سيحمل وزرهم, على الرغم من علمه بما في صحف إبراهيم وموسى والتي بينت تفرد الله بالفعل في خلقه وأنه أهلك المكذبين! ولقد أزفت الآزفة ولن يكشفها أحد من دون الله, فكيف تعجبون وتضحكون ولا تبكون! وتصرون على كبركم, الأولى أن تسجدوا لله وتعبدوا!

ونبدأ في تناولنا التفصيلي لآيات السورة, والذي يركز على إظهار الاتصال بين آيات السورة, كما يعرض بالنقد لتفسيرات المفسرين والتي انحرفت عن النص أو لوته, مقدما أفهاما جديدة في فهم آيات السورة .

ونلاحظ أن السورة ركزت بشكل كبير على وجوب العلم وأن الاعتماد على الظن لا يُقبل بحال, فمما جاء في السورة: مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) , مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ , وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا , ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ, أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ؟!

وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)”

تبدأ السورة بالقسم بالنجم إذا هوى
(ويرى المفسرون أن النجم هو الثريا أو جنس النجوم عامة, وأرى أن المراد من النجم هو الشعرى! ليس لأنه من أقرب النجوم إلى الأرض, وليس لأنه ألمعها وليس للمنزلة العظيمة التي كانت له عند كثير من الشعوب التي عبدته, وإنما لأنه هو ذلك النجم الذي ذُكر في السورة فيما بعد, فيكون الأرجح أنه المراد.)

فتقسم أنه ما ضل صاحبهم وما غوى, ونلاحظ هنا أن الله العليم استعمل (صاحبكم) فلم يقل: الرسول أو محمد, وذلك إشارة إلى أنهم يعرفونه حق المعرفة, ويعرفون طباعه وأخلاقه, ومن ثم فليس هو من يكذب!

وعامة المفسرين لم يفرقوا بين الضلال والغي, فيفسرون الغي على أنه ضلال! إلا أن هناك من فرق بينهما, وأفضل ما ذُكر في التفريق هو ما قاله الإمام ابن كثير, والذي قال أن الغيّ هو «العالم بالحق العادل عنه قصدا إلى غيره»، أما الضال «الجاهل الذي يسلك على غير طريق بغير علم»,

ونحن نوافق ابن كثير في تعريفه, وبهذا نفرق بين النعوت الثلاثة, فالرسول لم يضل فهو لا يتكلم عن ظن, وما غوى فهو لم يكن عنده علم من الله ثم تولى عنه, وما ينطق عن الهوى[1], فلم يكن إيمان الناس هوى مستقرا في داخله, (فما كان يعرف الكتاب ولا الإيمان أصلا), فنطقه بالقرآن وحي يوحى!

وليس هذا الوحي خيالات أو أوهام أو ظنون فلقد علمه الملك جبريل شديد القوى, فلم يعلمه أي ملك, فهو القادر على حمل الوحي وتبلغيه وتعليمه كما هو, وهو بالإضافة إلى ذلك ذو مرة.

واختلف المفسرون في المراد من “ذو مرة” فقالوا أنه القوي, وهذا لا يستقيم مع الآية السابقة, فلا يقال: شديد القوى ذو قوة! وقالوا أن المراد من المرة صحة الجسم وسلامته, وقيل حسن المنظر! وليس لهذا أي علاقة بلاحق الكلام, كما أنه مندرج في سابقه! 

والذي أميل إليه هو أن المراد من “ذو مرة” ليس صحة الجسم أو حسن المنظر, وإنما هول الحجم, أي أنه ذو حجم هائل محكم, ولقد قال بهذا القول قتادة فقال: “ذو خلق طويل حسن”, فالله يقول أن جبريل شديد القوى عظيم البنيان.

فاستوى عظيم البنيان هذا ظاهرا بحجمه وبهيئته وهو بالأفق الأعلى, وظل على هذا الحال فترة, (بدليل استعمال: ثم) حتى يراه النبي جيدا, ثم دنا فتدلى.

والمفسرون يرون أن الدنو هو القرب والتدلي هو النزول من أعلى إلى أسفل, ومن ثم فيقولون أن الآية من المقلوب, لأنه من المفترض أن ينزل أولا من الأفق الأعلى, ثم يقترب من الرسول الكريم, وأخذوا يتفننون في توجيه أفهامهم المقلوبة!!

فمما قاله أحدهم في تبريره لقلب كلام الله!!!:
“ثم إن جبريل (دنا فتدلى) وهو أسلوب عربي مقلوب تقوله العرب في كلامها؛ لأن التدلي يكون قبل الدنو، وأصل الكلام على لغة العرب تدلى فدنا، لكن هذا أسلوب تستخدمه العرب في كلامها، يقول الرجل: أحسن إلي فزارني، ويقولون: زارني فأحسن إلي، وكلا المعنيين واحد، وتقول: فلان أساء إلي فشتمني، وتقول: شتمني فأساء إلي” ا.هـ

ولست أدري ما المبرر لقلب الكلام, فما المانع أن يكون اقترب من الرسول ثم تدلى؟! أي أن الرسول مثلا كان يراه أمامه في السماء على بعد مسافة ما, فأخذ جبريل في الاقتراب من النبي الكريم وهو على نفس الارتفاع, حتى صار تقريبا فوق الرسول! ثم نزل من أعلى إلى أسفل (تدلى) عندما اقترب من الرسول, فكان قاب قوسين أو أدنى!
فأوحى إلى عبده ما أوحى , فأوحى إليه أنه سيكون نبيا وأنه سيوحى إليه القرآن وأن عليه التبليغ …… الخ ما أوحى إليه من علم الغيب.

ما كذب الفؤاد ما رأى, فلم يشك في أن ما رآه حقيقة, فلم يدفع قلب محمد إلى الشك أو إلى الظن أنه ربما كان خيالا أو وهما, وإنما صدق ما رأى محمد ببصره من أنه ملك يوحي إليه!

أفتمارونه على ما يرى أفتجادلون وتشككون, والمفسرون جعلوا الآية بمعنى: أفتمارونه فيما يرى! وذلك كقوله تعالى: فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهراً!

وهنا قال: أفتمارونه على ما يرى, فاستعمل “على” ولم يستعمل “في”! لذا فإنه من الممكن القول أنه ليس المراد جدال المشركين فيما يراه الرسول وما يخبرهم به هل هو صدق أم كذب, وإنما الجدال حوله, فهل جاء به جبريل الملاك أم أن من جاء به شيطان؟! (أو أن المراء حول أصل المسألة, فهم يجادلونه ليصمت ولا ينطق بما يوحى إليه …. والله أعلم)

فيرد الرب عليهم مؤكداً رؤية النبي الكريم جبريل فيقول أنه رآه نزلة أخرى –والتي جعلها المفسرون بمعنى: مرة أخرى- أي أنه رآه مرة أخرى نازلا, عند سدرة المنتهى والتي عندها جنة المأوى.
(ولقد بيّنا في ردنا على الأخ “أبي يوسف” 
كيف أن القرآن يقول بأن النبي لم ولن يصعد في السماء, ومن ثم فإن سدرة المنتهى على الأرض!)

ولقد رآه إذ يغشى السدرة (2) ما يغشى جراء نزول جبريل.
ولقد اختلف المفسرون فيما يغشى السدرة, فقالوا أقوالا عديدة, فقالوا أنه فراش أو جراد من ذهب، وقيل ملائكة يغشونها كأنهم طيور –غربان!!- وقيل أنوار الله تعالى!

والذي أراه أن الذي كان يغشى السدرة راجع إلى نزول جبريل عندها! فإذا كان الجبل قد دُك عندما تجلى الله له, فكذلك غشي السدرة ما غشيها عند نزول جبريل! ولم يزغ بصر النبي الكريم فلم ير جيدا ما يحدث أمامه, وما طغى, وإنما رأى من آيات ربه الكبرى!


————————————
[1] يستدل أرباب مدرسة الحديث بهذه الآية على أن كلام الرسول وفعله وحي! وليست الآية في ذلك, فهي في الرد على المشركين الذين كانوا يكذبون بالقرآن, والذين طولبوا في السورة الماضية بأن يأتوا بحديث مثله, فليس لها أي علاقة بالحديث! ولقد رد الإمام الفخر الرازي على المستدلين بالآية فقال:

” البحث الأول : الظاهر خلاف ما هو المشهور عند بعض المفسرين وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان ينطق إلا عن وحي ، ولا حجة لمن توهم هذا في الآية ،
لأن قوله تعالى : { إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يوحى } إن كان ضمير القرآن فظاهر وإن كان ضميراً عائداً إلى قوله فالمراد من قوله هو القول الذي كانوا يقولون فيه إنه قول شاعر.” ا.هـ

(2) المشهور أن السدرة واحدة شجر السدر, إلا أن هناك من قال أن المراد من السدرة الحيرة! وهذا هو المعنى الأصلي للكلمة, كما جاء في معجم مقاييس اللغة لابن فارس: “السين والدال والراء أصلٌ واحدٌ يدلُّ على شِبه الحَيْرة واضطراب الرأي. يقولون: السادر المتحيِّر.

ويقولون سَدِرَ بصرُهُ يَسْدَر، وذلك إذا اسمدَّ وتحيَّرَ.” ا.هـ (والسدرة اسم هيئة, كما نقول: جلس جِلسة الواثق) ولقد قال الإمام الفخر الرازي في تفسيره: “ المشهور أن السدرة شجرة في السماء السابعة وعليها مثل النبق وقيل في السماء السادسة ، وورد في الخبر أنه صلى الله عليه وسلم قال : « نيقها كقلال هجر وورقها كآذان الفيلة » وقيل سدرة المنتهى هي الحيرة القصوى من السدرة ، والسدرة كالركبة من الراكب عندما يحار العقل حيرة لا حيرة فوقها ، ما حار النبي صلى الله عليه وسلم وما غاب ورأى ما رأى ، وقوله { عِندَ } ظرف مكان ، أو ظرف زمان في هذا الموضع؟ نقول المشهور أنه ظرف مكان تقديره رأى جبريل أو غيره بقرب سدرة المنتهى وقيل ظرف زمان ، كما يقال صليت عند طلوع الفجر ، وتقديره رآه عند الحيرة القصوى ، أي في الزمان الذي تحار فيه عقول العقلاء ، والرؤية من أتم العلوم وذلك الوقت من أشد أوقات الجهل والحيرة ، فهو عليه الصلاة والسلام ما حار وقتاً من شأنه أن يحار العاقل فيه ، والله أعلم.” ا.هـ
وتميل نفسي إلى أن “مرة, وسدرة” مثل “قسمة” أسماء هيئة, إلا أن الأمر يحتاج إلى بحث أكثر للخروج بتصور دقيق.

فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩)ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (٣٠) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)

(الذي يظهر من النص أن اللات والعزى ومناة أسماء آلهة للمشركين, ادعوا أنها ملائكة, وصنعوا لها أوثانا, وكانوا يعبدونها بحجة أنها ستشفع لهم عند الله)

فقال الله العليم لهم: هل رأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة؟! إنكم لم تروهم[1], وإنما زعمتم زعما, ثم صنعتم لهم أوثانا ذوسميتموهم بهذه الأسماء! أما محمد فرأى جبريل!

ثم يقول للمشركين كيف تجعلون الأنثى لله وتجعلون لكم الذكور؟! ألأنه قوي لا يحتاج إلى نصير جعلتم له الإناث, أما أنتم فلحاجتكم إلى المعين جعلتم لكم الذكور؟! إن هذه قسمة جائرة, فالله لا يحتاج إلى بنات أو بنين, فما هي إلا أسماء سميتموها, وما أنزل الله بها من سلطان, فمستندهم الظن والهوى, على الرغم من أنه قد جاءهم الهدى.

وبعد أن سألهم مستنكرا ألهم الذكر وله الأنثى يسأل مجددا أم للإنسان ما تمنى؟!
بداهة ليس الأمر كذلك, فلله الآخرة والأولى, فليست الشفاعة بيد الملائكة وإنما بأمر الله فهو الذي يأذن لمن يشاء ويرضى, وهو الذي يحاسب الناس على أفعالهم.

ثم يقول الله تعالى أن الذين لا يؤمنون بالآخرة[2] يسمون الملائكة تسمية الأنثى, وليس لهم مستند في هذا إلا الظن, وهو لا يغني من الحق شيئا, لذلك فأعرض يا محمد عن من تولى ولم يرد إلا الحياة الدنيا, فالدنيا هي مبلغهم والظن هو مستندهم, والله أعلم بمن ضل وأعلم بمن اهتدى.

(ولما كان قد سأل سؤالين: ألكم الذكر … أم للإنسان …., رد ردين: فلله الآخرة والأولى, … ولله ما في السماوات والأرض ……)

فليس الأمر تبعا لأماني الإنسان أن يغفر له الذنوب أو أن لا يكون هناك حساب أصلا, وإنما لله الذي يجزي المسيء بما عمل والمحسنين بأحسن الأحسن, الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم, فالله واسع المغفرة فهو أعلم بالإنسان وبتركيبه –وبطباعه- في مرحلتي خلقه

مرحلة إنشاءه من الأرض ومرحلة الأجنة في بطون الأمهات, وبأنه سيعصي لا محالة, إلا أن هناك من المعاصي لا يعد من الكبائر أو الفواحش, من ثم فلا مبرر أن يزكي الإنسان نفسه, فالله هو الأعلم بمن اتقى!

(ويمكن للقارئ الكريم أن يتعرف على تصورنا لخلق الإنسان الأولى على صفحات الموقع تحت عنوان: خلق الإنسان الأول)


[2] هنا تظهر إشكالية كبرى وهي كيف يكون المشركون لا يؤمنون بالآخرة وهم يقولون أن الملائكة –المختلقة- شفعاءهم عند الله, ونقول:
هذه الإشكالية لمن ظن أن الشفاعة الشركية مثل الشفاعة في التصور الإسلامي في الآخرة!! فالشفاعة التي كان يقصدها المشركون هي شفاعة دنيوية, يطمع بها المشركون في زيادة الرزق ودفع الضر وتحقيق النصر …….. الخ, وليس لها أي علاقة بالآخرة, فهم ينكرونها أشد الإنكار.

ولقد حاول المفسرون إيجاد تبرير لهذه الآية مع قولهم بأن الشفاعة في الآخرة, إلا أن تبريراتهم في غاية الضعف- ولا يُقبل إلا القول بأن الحديث عن شفاعة في أمور الدنيا. ونطلب إلى القارئ الكريم قراءة كتاب: الشفاعة وأصول الوثنية العربية للأستاذ حسني يوسف الأطير, فلقد عرض للمسألة بتفصيل كبير, وبيّن أن شفاعة المشركين كانت بشأن الأمور الدنيوية وليس لها أي علاقة بالآخرة!

أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤)

وبعد أن ذكر الله العليم نموذجا للضالين, يعطيه مثالا للغاوين بذلك المتولي, ذلك الذي اتبع ما أنزل الله ثم أعرض عنه, وأخذ يصد الناس عن الإنفاق (أو الدين عامة), بكلام مرسل, بدعواه أنهم لا يحتاجون إلى فعل كذا وكذا من الصالحات لأن هناك من سيحمل أوزارهم! (وهنا نلاحظ تكرار الحديث عن الشفاعة من منظور آخر)
(ولقد قال بعض المفسرين أن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة, إلا أن الوليد لم يؤمن أصلا حتى يتولى! ومن ثم فهو غير ملام أصلا على إعطاء القليل! أما الملام فهو مؤمن أعطى قليلا, ومنع ورد غيره عن العطاء (أو الإيمان)!
ويرى المفسرون أن المراد من “أكدى” منع, فيقولون أنه امتنع عن الإنفاق بعد أن أعطى القليل! ولكن الملاحظ ذكر الفعل متعديا, فلقد أكدى (غيره) بداهة, والكدية هي الأرض الصلبة التي لا تُحفر, فكأن هذا الرجل وقف كالصخرة العقبة في طريق المنفقين أو المؤمنين بدعواه أن هناك من سيحمل أوزارهم!)
فينكر الله عليه دعواه بالسؤال عن مستنده, أعنده علم الغيب فهو يرى (ما سيحدث في اليوم الآخر)[1]؟!
ليس عنده, أم أنه يتكلم بدون علم؟ ليس كذلك فهو يعلم ما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى, أن ليس للإنسان إلا ما سعى, فسعيه فقط هو الذي سيُحسب له, ولن يتدخل غيره ليضيف إليه أو يدفع عنه! وسيرى سعيه هذا وسيجزى عليه الجزاء الأوفى في اليوم الآخر! وأن إلى ربك –أيها النبي, وهو الرحمن, وليس أي رب آخر- المنتهى, فكل الأشياء والأفعال راجعة إليه, وتصريف كل الأمور بيده, فلا يتقدم أحد بين يديه. وهو الذي أضحك وأبكى وأمات وأحيى وليس غيره.
وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى, -ومن ثم فإن الملائكة ليسوا ذكورا أوإناثا, وإنما أنتم أيها البشر, وكذلك فإن الملائكة ليسوا أولاد الله أو بناته-
وأن عليه النشأة الأخرى, فإذا كان هو الأعلم بنا ونحن في بطون أمهاتنا وإذ أنشأنا من الأرض, فعليه كذلك النشأة الأخرى, فمن ينشأ مرة ينشأ كل مرة!
وأنه هو الذي أغنى وزاد الناس غنى فأرضاهم –بأن أعطاهم ما يبقى ويدوم كالرياض والأنعام .. الخ, وفي هذا رد على ذلك الذي أعطى قليلا, فلا مبرر لك في الإمساك لأن الله هو الذي يغني ويزيد الناس غنى!
وأن هو رب الشعرى, ذلك النجم الذي عبده كثير من البشر مع أنه لا يستحق العبادة, لأنه يأفل …. ويهوي! فالحقيق بالعبادة هو رب النجم!
وهو الذي أهلك عادا الأولى وثمودا فما أبقى منهم أحدا ولا شيئاً, وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى! وأنه أهوى المؤتفكة قرى لوط, فغشاها ما غشى!
(لاحظ أنه قال هنا: فغشاها ما غشى … وقال في أول السورة: إذ يغشى السدرة ما يغشى, فكلاهما نزل بهما وأحاط بهما أمر شديد!)
فإذا كان قد فعل هذا بهؤلاء الأقوام الذين لم يؤمنوا, ولم ينفعهم شفيع من دون الله, فما الذي يمنع أن ينزل بكم أنتم العذاب كذلك؟!!

فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الْآَزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)
وبعد أن سفّه الله العليم دعوى هؤلاء يقول للنبي فبأي آلاء ربك تتمارى؟! إن نعم الله على الإنسان متوالية متتالية جلية, ومن ثم فلا حاجة لك للجدال أو النقاش, فإن لك الحجة البالغة عليهم!
(والمشكلة أن المفسرين فهموا الآية كأن الله يقول: ففي أي آلاء ربك تماري؟! ومن ثم فتعجبوا كيف يقول الله تعالى للنبي ذلك, فهل سيجادل النبي في نعم الله أو سيشك فيها؟!! والله العلي لم يقل هذا وإنما هم من حولوا الآية عن منطوقها, فأوجدوا فيها إشكاليات احتاروا في توجيهها!!!!)
وإن ما ذُكر -منقولا عن ما جاء في صحف موسى وإبراهيم- نذير من النذر الأولى[2], أفلا يخشى أهؤلاء أن ينزل بهم العذاب, فلقد أزفت الآزفة وليس لها من دون الله كاشفة, سواء كانت هذه النفس ملاكا أو إنسانا!
ثم ينكر على المشركين فعلهم واستمرارهم على ما هم فيه على الرغم من جلاء الحق وإحداق الخطر بهم فيقول: أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون على الرغم من أنه من المفترض أن تبكوا؟ وأنتم واقفون منتفخون متكبرون[3]؟! من الواجب عليكم أن تخروا وتسجدوا لله وتعبدوا!!

وبهذا نكون قد أظهرنا التواصل الجلي بين الآيات, والوحدة الموضوعية للسورة وكيف أنها يؤكد بعضها بعضا, وتبطل دعوى المشركين بأن الرسول ضال, وتبين من هو الضال الغاوي الذي يتبع الهوى!

وقبل أن نختم حديثنا نقول:
ارتبطت هذه السورة بروايات مختلقة, اشتهرت باسم “حادثة الغرانيق”, تدعي أن الشيطان ألقى على لسان الرسول كلاما فقاله وهو يقرأ السورة, فقال:
وتلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى!
ويبدو أن مختلق الرواية قد فهم أن السورة تبطل الشفاعة الشركية, فأراد أن يثبتها مرة أخرى بوضع هذه الرواية!
فالعجب كل العجب أن يقدر الشيطان على أن يلقي على لسان الرسول كلاما يبطل ما جاء في السورة! فإذا كانت السورة تبطل وتؤكد إبطال الشفاعة, فكيف يقدر الشيطان على إبطال كلام الله بإلقاء كلاما يبطل كلامه؟!
جعلنا الله وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته!

———————————————–
[1] في الآية إشارة إلى أن النبي الكريم كان عنده من علم الغيب, فلقد قال في حقه: أفتمارونه على ما يرى

[2] الذي يؤكد أن المراد من النذير في الآية هو ما جاء في الصحف, وليس الرسول, هو قوله سبحانه في سورة القمر: ” وَلَقَدْ جَاءهُم مِّنَ الْأَنبَاء مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ [القمر : 4-5], ولقد قال هنا: ” أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى [النجم : 36]”, فهذا النبأ الذي جاءهم هو نذير وفيه مزدجر وحكمة بالغة, فما تغن النذر؟!!

[3] اختلف المفسرون في “سامدون” اختلافا كبيرا, فقيل أن المراد منها لاهون وقيل تغنون!! إلا أن معنى السمد هو العلو والانتصاب,

و قال ابن الأَثير: السامد المنتصب إِذا كان رافعاً رأْسه ناصباً صدره, لذلك فإنا نرى أن القول المنسوب إلى ابن عباس بأن السمود رفع الرأس تكبرا, هو الأقرب إلى الصحة, أما الرأي الآخر المنسوب إليه وهو “لاهون” فمختلق!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.