هل توقف الخلق؟!

من المسائل التي قد تجول في ذهن الإنسان المؤمن, مسألة: استمرار الخلق وانقطاعه, فهل لا يزال الله العليم يخلق أم أنه قد كف عن الخلق؟!
نقول: لا, لم يتوقف الخلق لحظة, فالله سبحانه هو الخلاق العليم!
وحتى لا يخطر بذهن القارئ التساؤل الذي يقول:
ولماذا لا نرى كائنات جديدة, لماذا هي نفس الكائنات الموجودة فقط؟!
نوضح فنقول:
قضى الله العليم أن يكون خلق الكائنات الحية –في الحياة الدنيا- على مرحلتين:
مرحلة خلق الأصول, وهي التي كانت في بداية الكون, عندما خلق الله الأرض وفرق القارات فخلق النباتات والحيوانات والإنسان بسُنة, وقضى أن يكون إنتاج ونسل وذرية هذه المخلوقات بسُنة أخرى!

فالناس الآن لا يخرجون من الأرض, وإنما من بطون أمهاتهم, وكذلك الحيوانات تولد بطريقة التزاوج!
فإذا قصدنا بالسؤال عن الخلق

الخلق بالطريقة الأولى, فإن الإجابة تكون بلا, فلقد انقضت تلك المرحلة بالنسبة لنا, فلا تُخلق مخلوقات جديدة! ونحن الآن –وكذلك الحيوانات- في المرحلة الثانية التي نُخلق فيها بشكل آخر .. ثابت!

بينما لم يقض بتلك المرحلية مع الجمادات والكائنات البسيطة, فلقد قضى الله لها –وهو سبحانه أعلم- مرحلة واحدة لا تختلف مع مرور الزمان!
ولذلك فهي مستمرة إلى زماننا هذا, فلا نزال حتى أيامنا هذه نرى تكون الجزر بمختلف أنواعها وأشكالها وأحجامها, ولا تزال الكائنات البسيطة تتكون بنفس الشكل والهيئة التي كانت عليها منذ بدء الخليقة!

(وفي تكون الجزر إشارة إلى الكيفية التي نشأت بها القارات في بداية الخليقة, فالله العليم يقدم لنا بتكون الجزر نماذج مصغرة لعملية خلق القارات في مبتدأ الخلق, ويمكن للقارئ الكريم أن يشاهد صورا ملتقطة لعملية تكون جزيرة من الجزر البركانية, لير كيف خُلقت الجزر وتُخلق, على هذا الرابط:
http://www.kalemasawaa.com/vb/t8202.html#post59341
فلم ينقطع الخلق بالنسبة لهذه المخلوقات البسيطة ولم يتغير!!

وبما أننا نتحدث عن استمرار الخلق وانقطاعه لا بد أن نعرض للتصور المغلوط للخلق عند عامة المسلمين, فنقول:
ذات مرة كنت جالسا أمام نهر النيل العظيم, أمتع ناظري بمشهده الجميل, وبماءه الذي ينساب بسلاسة وهدوء بين ضفتيه!

وفي أثناء نظري لاحظت أن هناك بعض الطحالب المتكونة بجوار ضفة النهر, التي أقف عليها! فنظرت إليها متفكرا, وقلت لنفسي:
لقد تكونت هذه الطحالب المتكاثفة عبر فترة من الزمن –لا أدري كم هي- ولكنها مع مرور الزمان نشأت صغيرة ثم أخذت في الانتشار!!
ثم تذكرت ما قاله دارون بشأن النشوء والارتقاء! فقلت لنفسي:
لقد كان عند دارون نفس التصور المغلوط –الموجود عند أكثر المؤمنين والملحدين!- عن كيفية خلق الرب العليم لمخلوقاته! والذين يظنون أن الرب يخلق هكذا!! بدون أي سنة أو قانون! وإنما يقول:
ليكن هناك كذا …. فيظهر الشيء في الوجود!!

لقد كان عند دارون هذا التصور, ثم بدأ رحلته على متن السفينة بيجل, والتي استمرت قرابة الخمس سنوات, قابل خلالها أشكالا عديدة للمخلوقات, حاول أن يصنفها في مجموعات! من البسيطة إلى المعقدة!!

الشاهد أن دارون رأى مثل ما رأيت, رأى تكونا لأشكال حياتية, لم ير لها مكوناً, وإنما رأى حركة للطبيعة تنشأ معها أشكالاً للحياة, وكائنات حية بسيطة!!
فجالت خاطرة في رأسه وهي: التطور, فقال:
ما المانع أن تكون الحياة قد نشأت هكذا كما نرى؟! كائنات بسيطة نتيجة حركة منتظمة للطبيعة, ثم تطورت تلك الكائنات البسيطة إلى كائنات أكثر تعقيدا … ثم ظهر الإنسان!!

وتلقف الملاحدة هذا التصور, وأخذوا يتحدثون عن “تكون” و “نشأة”, ويتخذون الطبيعة دليلاً لهم على ما يقولون! فها هي الطحالب وغيرها من الكائنات البسيطة مثل الديدان تنشأ بدون خالق! وإنما تظهر هكذا من الطبيعة! فأين الخلق الذي يتحدث عنه المؤمنون … وأين الخالق؟!!

ويقف المرء متعجبا من هذا المنطق المريب, فأين قالت الكتب السماوية أن الله تعالى خلق بالطريقة الفلانية, بينما الواقع يقول شيئاً آخر؟!

إن الكتب اللإلهية لم تتحدث عن كيفية الخلق, وإنما تحدثت عن مراحل الخلق, إلا أنه قد وُجدت بعض التفسيرات –في مختلف الأديان- أصبحت لها نفس القداسة والدرجة, فكأنها قول الله الفصل, بينما هي قول بشر, لا يعلمون كتاب الله!
إن الله العليم أمرنا الله أن نسير في الأرض لننظر كيف بدأ الخلق!
كما مدح الذين يتفكرون في خلق السماوات والأرض, وحثنا على التدبر والتفكر فيها!! ومن ثم فعلينا أن نجيب نحن بأنفسنا على السؤال: كيف يخلق الله؟!

(ولا نعني بهذا أن الله تعالى لم يقدم لنا في كتابه المفاتيح التي تعيننا على معرفة كيف خلق الله الخلق, فلقد عرضنا في كتابنا: نشأة الإنسان, تصورا لخلق الإنسان يخالف كلية التصور المألوف عند المسلمين أو اليهود! يمكن للقارئ أن يقرأ ملخصا له على صفحات موقعنا)

نعم, نحن نقر أن أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: كن, فيكون!

ولكن علينا أن نضع في اعتبارنا في عين الوقت أن أمر الله بالكينونة, هو ما نرأه أمام أعيننا, فلقد قضى الله العليم أن تُخلق الطحالب بالشكل الذي نراه, فهكذا يخلق الله الطحالب!

وقضى أن تُخلق الديدان بالشكل الذي نراه, فما نسميه بالنشوء هو خلق الله لها! فهكذا يخلقها الله الخلاق العليم!! وهكذا ستبقى إلى قيام الساعة … دودة!

ودودة القز التي قضى الله أن تتحول إلى فراشة ستظل تتحول إلى فراشة … بينما لن تتحول إلى شيء آخر!!

إن النقطة التي فتنت دارون, والتي يلعب عليها الملاحدة ويبنون عليها صروحا من الوهم هي “خلق الكائنات البسيطة”! فافترضوا أن البسيط تطور!

بينما نحن –المؤمنين- نقول أن البسيط خُلق يُخلق بسيطا وسيظل بسيطا بدون تغيير, والمعقد خُلق معقدا, ثم غُيرت طريقة خلقه فلم يعد يُخلق بالطريقة الأولى, والواقع المشاهد دليل لنا على ما نقول, فلم نر لآلاف السنين كائنا تطور إلى آخر!!!

فإذا كان هناك تطور, فما دليله ولماذا توقف؟!
فمن منا يتبع العلم والأدلة الواقعية ومن منا يتبع الظن والتخرصات؟!!
جعلنا الله وإياكم من الذين يتفكرون في خلق الله! والسلام عليكم ورحمة الله!!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.