أصحاب السبت … الأمة التي لم تصطاد السمك!

حديثنا اليوم بإذن الله وعونه عن أصحاب السبت, تلك القرية التي قص علينا القرآن الكريم من نبأها, وكيف أنهم تعرضوا لعقاب شديد, وتوعد أشد باستمرار العذاب! لذا نتوقف مع هذه القصة لننظر ماذا فعلوا, لينزل بهم كل هذا العذاب والعقاب!

ذُكر هؤلاء المجرمون في أكثر من موضع في القرآن, وأول ذكرٍ لهم جاء في سورة البقرة, حيث قال الرب العليم:
” وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ [البقرة : 65]”
فهنا يقول الرب العليم أن العقاب الذي نزل بهؤلاء كان معلوما لليهود في زمن الرسول الكريم.

والذكر الثاني لهم كان في سورة النساء, حيث يقول الله تعالى:
” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً [النساء : 47]”
فهنا نرى أن أصحاب السبت هؤلاء ملعونون! فلماذا لُعنوا, هذا ما سنراه بعد أن ننظر في كتاب الله!

ثم يأتي الذكر الثالث والأخير بالتفصيل في سورة الأعراف, والذي يقول الرب العليم الشهيد فيه:
“وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧) وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)”

فيأمر النبي الكريم بسؤال اليهود عن القرية التي كانت حاضرة البحر, وهذا يعني أنهم كانوا على معرفة بها! فماذا فعل هؤلاء اليهود ليستحقوا نزول هذا العذاب الشديد بهم؟

ننظر فيما قال الإمام الفخر الرازي عند تناوله لهذه الآيات, ليعطينا تصوراً عاماً عن آراء وأقوال المفسرين فيها, فيقول في تفسيره مفاتيح الغيب:

“الأكثرون على أن تلك القرية أيلة . وقيل: مدين. وقيل طبرية، والعرب تسمى المدينة قرية، وعن أبي عمرو بن العلاء ما رأيت قرويين أفصح من الحسن والحجاج يعني رجلين من أهل المدن ،
وقوله : { كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر } يعني قريبة من البحر وبقربه وعلى شاطئه والحضور نقيض الغيبة كقوله تعالى : { ذلك لِمَنْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى المسجد الحرام } [ البقرة : 196 ] وقوله : { إِذْ يَعْدُونَ فِى السبت } يعني يجاوزون حد الله فيه، وهو اصطيادهم يوم السبت وقد نهوا عنه، (هل قالت الآية هذا؟!) وقرىء { يَعْدُونَ } بمعنى يعتدون أدغمت التاء في الدال ونقلت حركتها إلى العين و { يَعْدُونَ } من الأعداد وكانوا يعدون آلات الصيد يوم السبت وهم مأمورون بأن لا يشتغلوا فيه بغير العبادة و { السبت } مصدر سبتت اليهود إذا عظمت سبتها فقوله: {إِذْ يَعْدُونَ فِى السبت} معناه يعدون في تعظيم هذا اليوم، وكذلك قوله: {يَوْمَ سَبْتِهِمْ} معناه: يوم تعظيمهم أمر السبت، (………)
وقوله : { يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا } أي ظاهرة على الماء وشرع جمع شارع وشارعة وكل شيء دان من شيء فهو شارع، ودار شارعة أي دنت من الطريق ، ونجوم شارعة أي دنت من المغيب . وعلى هذا فالحيتان كانت تدنو من القرية بحيث يمكنهم صيدها. قال ابن عباس ومجاهد: إن اليهود أمروا باليوم الذي أمرتم به، يوم الجمعة، فتركوه واختاروا السبت فابتلاهم الله به وحرم عليهم الصيد فيه وأمروا بتعظيمه، فإذا كان يوم السبت شرعت لهم الحيتان ينظرون إليها في البحر. فإذا انقضى السبت ذهبت وما تعود إلا في السبت المقبل. وذلك بلاء ابتلاهم الله به، فذلك معنى قوله: { وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ } وقوله : { كذلك نَبْلُوهُم } أي مثل ذلك البلاء الشديد نبلوهم بسبب فسقهم.” ا.هـ

فكما رأينا فالمفسرون يقولون أن عدوان اليهود كان باصطيادهم السمك في يوم السبت! ولكن لماذا كان الله الحكيم يرسل إليهم السمك في يوم السبت ولا يرسله في باقي الأيام -على قولهم-؟

يقول أحد المتناولين لهذه القصة:
“تتكلم قصة أصحاب السبت عن فريق من بني إسرائيل كانوا يسكنون قرية ساحلية، وكانوا يعملون بصيد السمك، فأراد الله اختبارهم فأمر الله السمك (الحيتان) بعدم الاقتراب من سواحلهم في أيام العمل الستة، بينما يكثر في يوم السبت وهو يوم يحرم عندهم فيه العمل، بل إن هذه الحيتان ( الأسماك ) كانت تظهر على الماء في يوم السبت إمعانًا في اختبارهم.
فما كان من هؤلاء القوم إلا أنهم شرعوا يحتالون الحيل، ورُوي أنهم كانوا يقيمون حواجز ( مصائد ) للسمك ليلة السبت ثم يجمعونه يوم السبت، أو أنهم كانوا يربطون السمك يوم السبت ويتركونه في الماء ثم يخرجونه ليلة الأحد أو نهاره (كما روى ابن إسحاق عن ابن عباس، وقال ابن كثير عن إسناده: إنه إسناد جيد).
” ا.هـ

فكما رأينا فأصحاب هذا التوجه يرون أن إتيان السمك كان ابتلاءً من الله العليم ابتداءً, ولما لم ينجحوا فيه عوقبوا هذا العقاب الشديد!

أما نحن فنقول أن هذا القول مخالف لما جاء في الآية, فالآية تقول أنهم لم يصطادوا السمك أصلا!! وحتى لا يظل القارئ في حيرة نقدم له فهمنا للآية.

الآيتان السابقتان لآية “واسألهم” هما قول العلي العظيم:
” وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ [الأعراف : 161-162]”


وكما رأينا, فالآيتان تتحدثان عن تبديل بني إسرائيل للقول الذي قيل لهم! فلقد أُمروا بشيء وفعلوا شيئا عند التنفيذ, فنزل بهم العذاب!
وآية سورة النساء تبين أنهم أُخذ منهم ميثاق غليظ على تنفيذ هذه الأوامر: وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً [النساء : 154]
فلقد أُخذ منهم الميثاق الغليظ وأُكد أيما تأكيد على الطاعة وأن يدخلوا الباب سجدا وألا يعدوا في السبت! فبيّنت الآيتان السابقتان أنهم بدلوا, وبينت قصة أصحاب السبت أنهم عدوا في السبت[1], وهذا يعني أنهم خالفوا “كل” ما أمروا به!

فإذا نظرنا في آيات القصة نجد أن الله يقول: “كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون”, أي أن إتيان الحيتان يوم سبتهم وعدم إتيانها يوم لا يسبتون, ليس مجرد إبتلاء من الله بدون سبب وإنما كان بسبب فسقهم, فما هو الفسق الذي ارتكبوه؟!
الناظر في الآيات يجد أن الله يقول: “… إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [الأعراف : 163]”


فهؤلاء كانوا يعدون في السبت, فلا يراعون حرمته, فيفعلون ما حرمه الله عليهم, ولا يعني هذا أنهم كانوا ينتهكون السبت في كل مرة, وإنما كانوا يلتزمون به مرات, ويعدون فيه مرات.

فابتلاهم الله العزيز لفسقهم بأن كان يرسل إليهم السمك في اليوم الذي كانوا يسبتون فيه, أي يلتزمون بالسبت فينقطعون عن العمل, وعندما ينتهكون حرمة السبت (يوم لا يسبتون) لا تأتيهم الأسماك!

والعجيب أن المفسرين جعلوا العدوان هو اصطياد السمك! وجعلوا “يوم لا يسبتون” هو باقي الأيام!
فنجد مثلا أن الإمام الطبري يقول في تفسيره جامع البيان في تأويل القرآن:
“”ويوم لا يسبتون”، يقول: ويوم لا يعظمونه تعظيمهم السَّبت، وذلك سائر الأيام غير يوم السبت” ا.هـ
إن الله العليم قال أنهم كانوا يعدون في السبت, وهذا يعني أنهم يعتدون في هذا اليوم المسمى بالسبت, ولم يحدد شكل هذا العدوان, ثم قال أن حيتانهم كانت تأتيهم “يوم سبتهم” ولم يقل: إذ تأتيهم حيتانهم فيه, أو حتى: في السبت!

أي أن الحيتان كانت تأتي في اليوم الذي يسبتون هم فيه, أي في يوم السبت الذي يجعلونه سبتاً فعلا فلا يعتدون, ويوم لا يسبتون, أي وعندما ينتهكون حرمته فلا يتخذونه سبتا, لا تأتيهم الحيتان!

والعجب أنهم جعلوا “يوم لا يسبتون” هو باقي الأيام! إن باقي الأيام غير مرتبطة بهم, وهم غير مطالبين بالسبت فيها! ولو كان قولهم بأن المراد من “ويوم لا يسبتون” هو الأيام التي لا يسبتون فيها, لكان الكلام متناقضا, فإن هذا يعني أنهم يسبتون في السبت! والقرآن قال أنهم كانوا يعدون فيه!!

إذا فالمسألة هي أن اليهود أُخذ عليهم ميثاق غليظ على ألا يعدوا في السبت, فأصبح أهل هذه القرية يعدون في بعض السبوت, فكان الله العليم يرسل لهم الحيتان في الأيام التي لا يعدون فيها ابتلاءً لهم على فسقهم!

والمفسرون على أن أهل هذه القرية لم يكونوا مجمعين على الاعتداء في السبت, وإنما كانوا ثلاث فرق, فرقة كانت تعتدي, وفرقة كانت تعظهم وتنهاهم, وفرقة كانت رافضة ومستنكرة وإن كانت لم تفعل شيئا.
فقالت الفرقة الصامتة للذين يعظون: لم تعظون …؟

فقالت الأخرى: معذرة إلى ربكم …., فلما نزل العذاب نجى الله الفرقة التي تنهى عن المنكر, واختلف المفسرون في الفرقة الصامتة, هل نجت أم لم تنجُ؟

أما نحن فنرفض هذا التقسيم والتفسير! فلقد انحرف المفسرون عن النص, فلقد قال الله تعالى “وإذ قالت أمة”, ففهموها هم على أنها “فريق”, والله تعالى استعمل “فريق” في كتابه في غير هذا الموضع أكثر من مرة, واستعمل هنا “أمة”! ومن ثم فالواجب علينا أن لا نفهمها كفريق!

إذا نظرنا في الآيات السابقات, وجدنا الرب العليم يقول:
“وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ …. [الأعراف: 160]”


فالله يقول أنه قطعهم أمما, ولما ضرب موسى الحجر انبجست منه اثتنا عشرة عينا, وكان لكل “أناس” مشرب, وهذا يعني أنهم كانوا منقسمين, وفي الآية يقول أن أمة –من هذه الأمم- قالت لباقي الأمم: لم تعظون قوماً الله مهلكهم؟ فهذا يعني أن العصاة كانوا أمة من الأمم الاثنتي عشر!

وهذا القول يلغي الإشكال في قوله تعالى:
” وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)”

فلقد احتار المفسرون في الضمير في قوله تعالى “فجعلناها”, لأنه من المفترض أن يقول الله: فجعلناهم نكالا لم بين أيديهم وما خلفهم!

إلا أن الله تعالى استعمل صيغة التأنيث, وليس هناك ذكر لقرية, وإنما الحديث عن الذين اعتدوا!
فإذا قلنا أن هؤلاء المعتدين كانوا “أمة” عرفنا لماذا استعمل ضمير التأنيث, أي فجعلنا هذه الأمة نكالاً لما بين يديها وما خلفها!

فلما نسى القوم ما ذكروا به أنجى الله الذين ينهون عن السوء وأخذ الذين ظلموا بعذاب بئيس فحل بهم الفقر والضيق بسبب فسقهم! إلا أنهم لم ينقطعوا عن المخالفة, واستمروا على ما كانوا عليه من العدو في السبت وتركه أحيانا!
فلما تجاوزوا الحد في الاعتداء واستكبروا عن الالتزام بعدم الاعتداء في السبت, فأصبح يوماً مستباحاً قلنا لهم كونوا قردة خاسئين! وهذا القول غير العذاب البئيس!

واختلف المفسرون في قوله “كونوا قردة خاسئين” فأكثر المفسرين على أنهم تحولوا إلى قردة فعلا, وورد عن مجاهد أنه قال: ” مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة وخنازير! ، وإنما هو مثل ضربه الله لهم ، كما ضرب المثل بقوله : (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا). أخرجه ابن أبي حاتم ، وابن جرير الطبري . “.
وتابعه الإمام محمد رشيد رضا في تفسير المنار, ورأى أنه مسخ معنوي.

وقول مجاهد مردود من أكثر المفسرين ويرونه مخالفاً لظاهر الآية, لذا نتوقف لننظر هل قول مجاهد هو الأصوب أم قول المفسرين:
الناظر في الآية يجد أن الرب قال: “قردة خاسئين”, وجمع المذكر السالم لا يُستعمل إلا مع العاقل, ولو كانوا تحولوا إلى قردة –دواب- لقال: قردة خاسئة!
فإذا نظرنا فيما ذكره ابن منظور في لسان العرب عند حديثه عن “قرد”:
” أَقْرَدَ الرجلُ إِذا سكت ذَلاًّ وأَخْرَدَ إِذا سكت حياء.
وفي الحديث: إِيَّاكُمْ والإِقْرادَ، قالوا: يا رسول الله، وما الإِقرادُ؟ قال: الرجل يكون منكم أَميراً أَو عاملاً فيأْتيه المِسْكينُ والأَرملة فيقول لهم: مكانَكم، ويأْتيه (* قوله «مكانكم ويأتيه» كذا بالأصل وفي النهاية مكانكم حتى أنظر في حوائجكم، ويأتيه.) الشريفُ والغني فيدنيه ويقول: عجلوا قضاء حاجتِه، ويُتْرَكُ الآخَرون مُقْرِدين. يقال: أَقْرَدَ الرجلُ إِذا سكت ذلاًّ، وأَصله أَن يقع الغُرابُ على البعير فَيَلْتَقِطَ القِرْدانَ فَيَقِرَّ ويسكن لما يجده من الراحة. ….. وأَقْرَدَ الرجلُ وقَرِدَ: ذَلَّ وخَضَع، وقيل: سكت عن عِيٍّ.

وأَقرَدَ أَي سَكَنَ وتمَاوَت؛ وأَنشد الأَحمر: تقولُ إِذا اقْلَوْلى عليها وأَقْرَدَتْ أَلا هَلْ أَخُو عَيْشٍ لَذِيذٍ بِدائِم؟ قال ابن بري: البيت للفرزدق يذكر امرأَة إِذا علاها الفحل أَقرَدَتْ وسكنت وطلبت منه أَن يكون فعله دائماً متصلاً. ………

قال ابن جني في قوله عز وجل: كونوا قِرَدَةً خاسئين: ينبغي أَن يكون خاسئين خبراً آخر لكونوا والأَوَّلُ قِرَدَةً، فهو كقولك هذا حُلْو حامض، وإِن جعلته وصفاً لقِرَدَة صَغُرَ معناه، أَلا ترى أَن القِرْد لذُّلِّه وصَغارِه خاسئ أَبداً، فيكون إِذاً صفة غير مُفيدَة، وإِذا جعلت خاسئين خبراً ثانياً حسن وأَفاد حتى كأَنه قال كونوا قردة كونوا خاسئين، أَلا ترى أَن لأَحد الاسمين من الاختصاص بالخبرية ما لصاحبه وليست كذلك الصفة بعد الموصوف، إِنما اختصاص العامل بالموصوف ثم الصفةُ بعد تابعة له. ” ا.هـ

فكما رأينا فالإقراد يدل على السكون والتماوت والذل, والسؤال هنا: هل المراد من قوله: كونوا قردة خاسئين هو السكون والذل, ويكون هذا تفسير قوله:
ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ [آل عمران : 112]
أم أنهم صاروا قردة فعلاً؟!

إذا قلنا أنهم صاروا قروداً فعلا, فلا معنى لنعتهم بخاسئين, فالقرد لا محالة مطرود ومستبعد, لا يتركه الإنسان يدنو منه! وهل هناك ذمٌ أكبر من أن يصير الإنسان حيوانا؟!

وثمة مثل عربي يقول: لا يضير الشاة سلخها بعد ذبحها! فكذلك لا يضير الإنسان الذي صار قردا أي شيء يصيبه بعد ذلك!

وننظر في باقي الآيات لنبصر, هل فيها ما يؤيد قول مجاهد أم ما يبطله!
إذا نظرنا في الآية التالية وجدنا الرب العليم يقول:
” وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ [الأعراف : 167]”
فالله يقول أنه أعلم وأعلن أنه سيبعث عليهم إلى يوم القيامة من يعذبهم, وهذا يعني أنهم سيستمرون في الحياة! وأنهم سيتناسلون وينجبون ويحيون بين الناس! ولو كانوا تحولوا إلى قرود لما كان للآية معنى!

ولقد حاول القائلين بأنهم تحولوا إلى قرود تجاوز الإشكالية التي سببها لهم, هذا الضمير, فقالوا أقوالاً عدة, ومما ذكره الإمام الفخر الرازي فيها:
“الضمير في قوله: {عَلَيْهِمْ} يقتضي أن يكون راجعاً إلى قوله: { فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين} [ الأعراف : 166 ]
لكنه قد علم أن الذين مسخوا لم يستمر عليهم التكليف. ثم اختلفوا فقال بعضهم: المراد نسلهم والذين بقوا منهم. وقال آخرون: بل المراد سائر اليهود فإن أهل القرية كانوا بين صالح وبين متعد فمسخ المتعدي وألحق الذل بالبقية.

وقال الأكثرون: هذه الآية في اليهود الذين أدركهم الرسول صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى شريعته، وهذا أقرب. لأن المقصود من هذه الآية تخويف اليهود الذين كانوا في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم وزجرهم عن البقاء على اليهودية ، لأنهم إذا علموا بقاء الذل عليهم إلى يوم القيامة انزجروا. ” ا.هـ

وكما رأينا فلقد ذكر الإمام الفخر الرازي عدة توجيهات ولم يجزم بصحة واحد منها, وإنما جعل الرأي القائل بأنهم اليهود في زمن الرسول هو الأقرب للصحة! ولست أدري ما علاقتهم بهذه القصة, وأين الدليل الذي يجعلنا نخرج الضمير من هؤلاء المعذبين إلى آخرين؟!

ولست أدري ما ذنب الباقين, فهل يمسخ العاصين ويتوعد الصالحين؟! إن هذا لقول عجيب!!
أما على قولنا فلقد أعلن الله وأعلم أنه سيبعث عليهم –أي على هذه الأمة من اليهود- من يسومهم سوء العذاب, فهذا الوعيد كان لأمة منهم وليس لكل اليهود, وهذا يتفق مع عدل الله!

ثم يقول الله أنه قطعهم في الأرض أمما, فلم يظلوا في تلك القرية وإنما شُتتوا في أنحاء الأرض, منهم الصالحون ومنهم دون ذلك! وابتلاهم الله لعلهم يرجعون عن المعاصي ويعودون إلى ما تعهدوا به!

فخلف من بعد هؤلاء المشتتين خلف ورثوا الكتاب, يعلمون ما به من الأحكام ومن المفترض فيهم القيام بها, يأخذون “عرض هذا الأدنى”!


والكلام صريح الدلالة إلا الجملة الأخيرة, وهذه الجملة جعلتني أتوقف كثيرا في تناول الآيات, فما هو هذا الأدنى الذي يأخذونه؟!
إذا نظرنا في أقوال المفسرين –الرازي نموذجا- وجدناهم يقول أن هذا الأدنى هو الدنيا:
“وقوله : { يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأدنى } قال أبو عبيدة جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء ، يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر ، وأما العرض بسكون الراء فما خالف العين ، أعني الدراهم والدنانير وجمعه عروض ، فكان كل عرض عرضاً وليس كل عرض عرضاً، والمراد بقوله : { عَرَضَ هذا الأدنى } أي حطام هذا الشيء الأدنى يريد الدنيا وما يتمتع به منها ، وفي قوله : { هذا الأدنى } تخسيس وتحقير ، و { الأدنى } إما من الدنو بمعنى القرب لأنه عاجل قريب ، وإما من دنو الحال وسقوطها وقلتها . والمراد ما كانوا يأخذونه من الرشا في الأحكام على تحريف الكلام . ثم حكى تعالى عنهم أنهم يستحقرون ذلك الذنب ويقولون سيغفر لنا .
ثم قال : { وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ } والمراد الإخبار عن إصرارهم على الذنوب. ” ا.هـ

ولست أدري كيف يكون “هذا” الأدنى عائد على الدنيا؟! لم يكن من العسير أن يقال: هذه الدنيا! إن الدنيا مؤنثة, وهذا الشيء المشار إليه مذكر, فما هو هذا الشيء المنعوت بأنه أدنى؟!

ثم إن الله تعالى قال أنه إن يأتهم عرض مثله يأخذوه, فهل هناك عرض مثلُ عرض الدنيا؟! إن عرض الدنيا يشمل كل المتاع الدنيوي, فما هو العرض الذي هو مثله؟!

خطر ببالي أن هذا الأدنى ربما يكون الشيطان, ثم انتبهت إلى أنه عرض المكتسب في يوم السبت, فلقد أصبحوا ينتفعون بما كسبه الأقدمون في يوم السبت, ويقولون سيُغفر لنا, فنحن لم نفعل شيئا, وإن يأتهم عرض مثله –من الحرام المنهي عنه بأي وجه كان- يأخذوه.

فيعاتبهم الله أنه قد أُخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقول على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه, وأن الدار الآخرة خير للذين يتقون!
وكذلك هي خير للذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة –وخاصة صلاة السبت فلم يضيعوها منشغلين بدنياهم, فكما أن صلاة الجمعة صلاة مخصوصة عند المسلمين, وأمروا بترك البيع والسعي إليها, فكذلك صلاة السبت لها نفس الخصوصية عند اليهود-, فأولئك المتقين الممسكين المقيمين من المصلحين ولن يضيع الله أجرهم!

نخرج من هذا بأن الله تعالى عذب هؤلاء العصاة لأنهم خالفوا العهد الذي قطعوه على أنفسهم, فضرب عليهم الذلة والهوان إلى يوم القيامة! وهؤلاء كانوا أمة من بني إسرائيل شُتتت في الأرض أذلاء!
هذا والله أعلى وأعلم!


عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.