إن الله بديع الجمال!

كلنا يعرف الحديث النبوي الذي يقول: إن الله جميل يحب الجمال!
ولكن هل سألت نفسك: هل تؤمن حقا أن الله جميل …. أو بديع الجمال؟!
لم ير واحد منا ربه بعين رأسه, فهو سبحانه لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار!

نعم نحن وإن لم نره هو نفسه ولكننا كلنا نرى فعله وخلقه كل يوم في كل مشهد نراه, وفي كل حركة نخطوها!
فكل ما حولنا من خلق الله العليم, حتى ما بنيناه وصنعناه فمادته من خلق الله! فنحن لم ولن نخلق شيئا, وإنما نركب مخلوقات الله!

والسؤال هنا: هل نظرت يوما لهذا الخلق حولك, فأخذتك قشعريرة من الجمال المحيط بك؟ قشعريرة تستولي عليك تدفعك إلى أن تقول:
سبحان الله .. سبحان الخلاق العليم.

هل وجدت ذلك الشعور الذي يدفعك إلى أن تقول: الحمد لله الذي أبدع لنا هذا كله؟!
هل وجدت في نفسك رغبة في أن تسجد لهذا الخلاق الرحيم, الذي أوجد لنا هذا كله؟!
هل خطر ببالك في يوم أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان (بخصوص الخلق)؟!
هل فكرت يوما أن تشكر ربك على أنه أوجدك في هذا العالم, لكي تخوض هذه التجربة؟!
هل قلت في نفسك في يوم من الأيام: ما أبدع نظام الحياة الذي نعيشه, والذي فيه ما فيه من الأفراح والأحزان والآلام والانكسارات والانتصارات, والذي جعل لحياتنا معنى, يدفعنا لأن نستمر فيها بشوق؟!
هل شعرت في يوم من الأيام أنك راض عن الله؟!

لا تستنكر هذا أخي ولا تستغرب ولا تقول من أنا حتي أرضى عن الله, فعجبك هذا راجع إلى أن أكثرنا لا يتفكر في الله ولا يذكرونه, لأنهم لا يربطون بين الخلق وخالقه, وإنما يأخذونه هكذا بطبيعته! ومن ثم لم تجل هذه الخاطرة ببالهم!

إن الله تحدث في كتابه في أكثر من موطن عن الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه. لذا فإني أسأل مجددا: هل أنت راض عن الله, راض بفعل الله وبخلق الله وبسنن الله وبقضاء الله .. وبكتاب الله؟!

اللهم إني أشهد أني راض تمام الرضا, مقرٌ أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان, وأشكرك وأحمدك على أنك خلقتني في هذا العالم, لأخوض غماره, أقوم وأسقط, راجيا أن أكون ممن يصلون إليك في نهاية سعي! وأحمدك حمداً كبيرا كثيرا طويلا على كتابك الهادي!

ولكي يصل الإنسان إلى هذا الرضا لا بد أن ينظر في الخلق حوله ليرى الجمال في كل مكان وفي كل شيء!
لذا فإني أسأل مجددا: هل رأيت جمال فعل الله؟! هل رأيت آياته في خلقه؟

ربنا العليم يقول أن له في خلقه آيات تدل عليه, فهل رأيتها أم أنك تمر عليها مرور الكرام .. أو اللئام؟!

مما آسى له أن كثيراً منا يرى الجمال في صنع الإنسان ولا يراه في خلق الله! يقف أمام لوحة فنان فيتأمل فيها, ويثني على راسمها شديد الثناء!
يقف أمام بناء طريف فيعجب له ويفكر في ذلك المهندس الذي أخرجه على هذا الشكل العجيب!
يقف أمام أشياء بسيطة من صنع الإنسان فيقشعر ويذهل ويتعجب ويتفكر!
بينما أمامه وخلفه وفوقه وتحته –وفي كل مكان- لوحة هي الأصل صورها الرب العليم ولا يلتفت إليها!
حوله وفوقه وتحته بناء عظيم يستحق التفكر والخشوع والذهول, وعلى الرغم من ذلك لا نلقي له بالا! لا نتفكر في ذلك الرب الخالق الذي أبدعه وصوره على هذه الحالة الرائعة المذهلة المدهشة البديعة الجميلة الحية!
لتكرار رؤيتنا لها أصبحنا لا نستشعرها وتبلدت أحاسيسنا تجاهها!!

بالأمس كنت عائداً من عملي ساعة الغروب, يوم عادي فيه نجاح وإخفاق! وبينما أنا أعبر فوق النيل نظرت إلى منظر الأشجار على ضفاف النيل في ساعة الغروب, فرأيت مشهداً بديعا –كثيرا ما تسابق الفنانون لتقليده, فنعجب بالتقليد وننسى الأصل!- فقلت سبحان الله, ما أبدع هذا الجمال, تملكتني قشعريرة استمرت معي طيلة الطريق- أخذت أنظر إلى كل ما حولي فأرى فيه جمالاً بديعا, أحمد الله عليه, أخذت أقول ما أبدع الله الذي أبدع لنا هذا كله!
أخذت أنظر وأتأمل في منظر الأبنية التي صنعها الإنسان وتداخلها مع النباتات والأشجار, فأحمد الله على الذي جعل لنا هذا ومكننا من صنع هذا!

تعجبت وسألت نفسي: كما مرة عدت من هذا الطريق بعد العمل ولم أنتبه إلى هذا الجمال المحيط بي؟!
نعم, في الغالب لا أعود إلى المنزل في وقت الغروب, إلا أن لكل وقت جماله! إلا أن للغروب والشروق جمال وسحر خاص, -وسحر الغروب أكبر- يلقي بظلاله على كل المخلوقات التي تمر به وتتواجد فيه, ففي الليل السحر والجمال في السماء ولن تستطيع أن ترى أثر ذلك الجمال على الأرض, وفي النهار الشمس الشديدة تمنعك من أن تنظر إلى السماء, ومن ثم فلن يكون أمامك إلا الأرض لتنظر فيها, -إذا كان لديك وقت وتهيؤ لذلك, فغالبا ما تكون في عملك, أما هذان الوقتان فتلقي السماء بسحرها على الأرض!

ولما في هذين الوقتين من إضفاء للجمال على ما فيهما من المخلوقات –ولما في الغروب من جمال أكبر- قال الرب الجميل وهو يتحدث عن الأنعام:
وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ [النحل : 6]

فمشهد الأنعام وهي رائحة عائدة ومنظرها وهي ذاهبة منظر بديع يكمل مشهد النباتات والأرض البناء, ولهذا بدء بالحديث عن وقت الغروب عندما تروح الأنعام قبل الحديث عن ذهابها!
لذا فانظر أخي إلى في السماء في ساعة الغروب! انظر إليها وإلى تلونها وإلى اللوحات البديعة الرائعة التي ترسمها أشعة الشمس مع السماء والسحب! سترى تداخلا يهز المشاعر والوجدان!

كثيرا ما أنظر إلى السماء وأنا ذاهب إلى صلاة المغرب أو وأنا عائد منها وأقول سبحان الخلاق العليم! ما هذا الجمال!
إننا نعاني من مشاكل كثيرة في زماننا هذا بسبب بعدنا عن الطبيعة وعدم انتباهنا لها! وأشفق على سكان المدن الذين لم يعودوا يرون إلا أبنية خرسانية وطرق أسفلتية! ولا يكلف واحد منهم نفسه أن يرفع رأسه لينظر إلى السماء!
لو نظرنا إلى الطبيعة حولن لرأينا فيها عجبا, لوجدنا فيها راحة لأعيننا ولأنفسنا, لوجدنا فيها بديع خلق الله .. لوجدنا في كل شيء آية تدل على أنه واحدٌ … جميل!

في الختام أقول:
لقد دعانا الرب العليم لننظر في الطبيعة حولنا, التي خلقها الله لنا, فإذا فعلت وجدت الجمال ورأيت الآيات, فإذا رأيت ووجدت فأعلم أنك في طريقك إلى الله, فلقد رأيت فعله الجميل … ولا يخلق الجمال إلا بديع الجمال!
الله ذو الأسماء الحسنى!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.