أصحاب الكهف كانوا !

حديثنا اليوم بإذن الله وعونه عن عدد أصحاب الكهف, ذلك العدد الذي اختلف المفسرون في تحديده, وقالوا أن القرآن لم يقل كم كانوا, وإن كان أكثرهم يرجح أنهم كانوا سبعة!

وقال بعض الباحثين أنهم نوام أفسس السبعة!
إلا أن النص القرآني يتحدث عن قوم يرجمون, ولم يكن الرجم مستعملاً كعقوبة عند الرومان, هذا بالإضافة إلى أن العدد أكبر من هذا بكثير!

والذين قالوا من المفسرين أنهم كاانوا سبعة قالوا به استناداً إلى أن الله تعالى لما ذكر الأقوال التي كانت مطروحة بشأنهم, فقال أن هناك من سيقول –في المستقبل- أنهم ثلاثة رابعهم كلبهم,

وأن هناك من يقول خمسة سادسهم كلبهم, فقال: رجما بالغيب, ولما ذكر سبعة وثمانهم كلبهم لم ينف القول, وقال بعدها: قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراءً ظاهرا.

والحق يقال أني كنت متقبلاً لهذا الرأي الذي يقول أن القرآن لم يحدد عددهم, ثم قرأت مقالا لأخ يسمي نفسه: قذافي, في منتدى: نورماندي, يتكلم عن عدد أصحاب الكهف, لفت انتباهي إلى بعض النقاط, وإن لم يقل في نهاية المطاف كم كان عدد أصحاب الكهف!

فلما نظرت في الآيات وجدت أن الرب العليم قد ذكر عددهم إلا أننا حوّلناه بشكل عجيب, فلم نجعله عددهم!
لقد قال الرب العليم أن عدد الفتية أصحاب الكهف كانوا ثلاثمائة, وبعد فترة من الزمان انضم إليهم تسعة فأصبحوا ثلاثمائة وتسعة فردا, إلا أننا جعلنا هذا العدد في سنين اللبث وليس عددهم!

وننظر في الآية التي ذكر الله العليم هذا, لننظر هل كان يتحدث عن عدد أفراد أم سنين:
“وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا”

إذا دققنا فيما قاله المفسرون! في تفسيرهم!! للآية نجدهم قد فهموها وأفهموا غيرهم أنها تقول:
“ولبثوا في كهفهم ثلاث مئةً سنة وازدادت تسعا”

المشكلة أن الله قال: ثلاثمائة بالتنوين, ونحن جعلناها بدون تنوين! وقال سنين ونحن جعلناها سنة, وقال ازدادوا ونحن فهمناها ازدادت! ونتوقف لنحلل أجزاء الآية:

لا خلاف أن “الواو” في: لبثوا عائدة على أصحاب الكهف, إلا أنهم لم يتحرجوا في أن يجعلوها في “وازدادوا” راجعة إلى السنين! وهذا من العجب, إن جمع المذكر السالم لا يُستعمل إلى مع العاقل, فمن المفترض أن يكون الذين لبثوا هم الذين ازدادوا, ولو كان الحديث عن السنين لقال الله: وازدادت تسعا!

فإذا انتقلنا إلى “ثلاث مئة” وجدنا أن الله تعالى ذكرها منونة, ونسألك عزيزي القارئ: هل يأتي تمييز الأعداد منونا؟! فهل من الممكن أن أقول: سأعطيك ألفاً جنيهاً!

ثم إن المميَز بالعدد يأتي مفرداً بعد العشرة, فنقول:
إحدى عشر رجلا, مائة رجل, ألف سنة, خمسمائة طفل, ولا يقال: ألف سنين, ولا خمسمائة أطفال!!

ولقد جاء في القرآن بهذا الاستعمال:
“أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة : 259]”
فلم يقل: لبثت مئةً أعوام, وإنما قال: مئةَ عام!
وكذلك: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ [العنكبوت : 14]
فلم يقل: ألف سنين إلا خمسين أعواما!

ويكون في العشرة وما قبلها جمعاً, كما يقال: سأظل عشر سنين, وأتى تسعة أطفال, ومعي خمس جنيهات!
فبهذا نفهم أن الله تعالى يقول أن أصحاب الكهف لبثوا ثلاثمائة –ظلوا ثلاثمائة شخص سنين, وازدادوا تسعاً فيما بعد فأصبحوا ثلاثمائة وتسعة!

ونكون قد فهمنا الآية كما أتت ولم نفسرها كحالة استثنائية! ونذكر مثالاً للقارئ:
كان هناك كتيبة من الشجعان, ظلوا خمسمائة سنين وبعد ذلك ازدادوا عشرين!
هل سيفهم من المثال أن العشرين الذين زادوا هم “السنين” أم مقاتلين جدد؟! وهل سيفهم أن المراد من “سنين” هي الفترة التي ظلوا فيها على هذا العدد, أي أنهم ظلوا خمسمائة لعدد من السنين, أم أنهم ظلوا خمسمائة سنة؟!

العجب أننا نستعمل التركيبة القرآنية حتى في العامية فنستعمل سنين مع العشرة وما قبلها وسنة مع ما بعد ذلك, فلو قلنا المثال السابق سنقول مثلا : “فضلنا خمسمية سنين وبعد فترة زدنا عشرين”

والناظر في الآيات يجد أنها تؤيد أنهم كانوا فريقين, فإذا نظرنا في حوارهم عند استيقاظهم وجدنا الرب العليم يقول:
” وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)”

فنلاحظ أن واحد منهم سأل سؤالا, فأجيب بردين استُعمل فيهما: “قالوا” مرتين, ولو كان القائل فريقاً واحداً لما كان هناك حاجة إلى تكرارها!

ثم إن الردّ الأول يقول: لبثنا يوما, فالذين يردون يستعملون ضمير المتكلم “نا” أي أن السائل والمجيبين فريق واحد.
والرد الآخر قال: ربكم أعلم بما لبثتم, فاستعمل ضمير الخطاب, واستمر في استعماله إلى آخر الآيات, وهذا مشعر إلى أنهم ليس منهم, فالمتكلم يخشى على الآخرين من الرجم ولا يخشى على نفسه!

ثم إن هذا القول ينهي الإشكالية الكبرى وهي إشكالية الذين يحصون سنين لبثهم, فالله تعالى يقول:
” ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢)”

فالمفترض أن هناك حزبين يحصيان مدة لبث هؤلاء الفتية! على الرغم من أن الذين يبحثون عنهم لم يكونوا يعلمون مكان هؤلاء الفتية! فكيف كانوا يحصون مدة لبثهم؟!

وعلى فرض معرفتهم بمكان الفتية, فلماذا يحصون مدة لبثهم, لماذا لم يقتلونهم؟!

وإذا قلنا أن هناك جماعة أخرى رأتهم, فهل يغير هذا من الأمر شيئا؟

فمن المفترض أنهم رأوا فتية نائمين, فكيف يعلمون أنهم حالة استثنائية, وأنهم بشكل من الأشكال سيستيقظون في يوم من الأيام, فأخذوا يحصون كم لبثوا!!

وعلى فرض حدوث كل هذا, فلن يحدث أي اختلاف, فمن المفترض أن كل فريق سيسجل اليوم أو السنة التي وجدوهم فيها –أليست عجيبة من العجائب- وعندما يستيقظون يجروا عملية حسابية فيعرفوا بها كم لبثوا!!

أما على قولنا فالحزبان هم من أصحاب الكهف أنفسهم, المجموعة الأولى الكبيرة, والمجموعة الثانية التي انضمت إليهم, فالله يقول أنه بعثهم ليعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا!

ولهذا وجدنا أن الحزب الأول تسرع في إصدار الحكم فقال يوما أو بعض يوم, أما أفراد الحزب الآخر الذين رأوهم نائمين, ثم ناموا كذلك معهم فلم يجزموا بقول وقالوا: ربكم أعلم بما لبثتم!

والقول بهذا العدد الكبير يتناسب مع قوله تعالى:
” ….. لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا”

فالاطلاع على عدد كبير من الراقدين الذين يقلبون أكثر إثارة للرعب من الإطلاع على عدد بسيط.

والعجيب أن الله تعالى لم ينف أن يكون هناك من يعلم عددهم, إلا أنه نفى معرفة أحد بمدة لبثهم فقال:
” سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢) وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤) وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)”

فالله العليم قال أن هناك قليل يعلمون عددهم, بينما قال بعد: “ولبثوا في كهفهم …. قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض, فله وحده غيب السماوات والأرض, فكيف نقول أن مدة لبثهم قد ذُكرت؟!

ويبدو أن الناس كانوا قد سمعوا عن المجموعة الثانية التي انضمت إليهم والذين كانوا تسعة أفراد, لذلك كان الخلاف حول كونهم خمسة أم سبعة, فظهر أنهم كانوا تسعة!

لقد قال الله تعالى: ” فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً [الكهف : 11]”, فالله يقول أنها سنين, ولم يحدد كم كانت, فهذا من الغيب!!

أنا أعلم أن هذا القول سيستغربه كثيرون, ولكن ندعوه إلى أن يقرأ الآيات مرة أخرى تبعاً لهذا الفهم وسيجد أنه متفقٌ معها, لا يلوي أعناقها ويجعلها على غير ما وُضعت له!

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.