كلوا!

حديثنا اليوم بإذن الله وعونه عن موضوع قد يستغرب القارئ الحديث عنه في آيات الأحكام!
وأنا نفسي كنت استغرب وروده في القرآن وهو الأمر بالأكل!

فأثناء قراءتي للقرآن كنت ألاحظ أن الله تعالى يأمرنا بالأكل! فكنت أتساءل:
وهل هذا الأمر يستحق الذكر في القرآن أصلا؟ وما أهميته حتى يُكرر بهذا الشكل في القرآن, فلقد ورد في أكثر من عشرين مرة كأمر عام وأمر مخصوص[1]! فلماذا كل هذا التركيز؟

إن الإنسان لا يحتاج إلى من يأمره ليأكل, وإنما بطبعه الحيواني يحب الأكل ويتفنن لزيادة التلذذ فيه, فلماذا ورود هذا الأمر في كتاب إلهي؟!

ثم ظهر لي بعد ذلك أن هذه المواطن الكثيرة الذكر في كتاب الله هي لحكم بالغة في تنظيم هذه العملية الحيوية للإنسان!
تلك العملية التي لها دور كبير في عبودية الإنسان, لأنها تجعل الإنسان في احتياج دائم, ولو كان الإنسان لا يحتاج إلى طعام لاستغنى ولما تحرك ولما سعى في حياته, ولما عبد ربه!

لذا كان التنظيم لهذه العملية الرئيسة في كثير من الآيات أمرا ونهيا وتوجيها وتصحيحا وتعديلا!

والله تعالى لم يخير الإنسان في الأكل وإنما أمره أمرا, وذلك للقضاء على تلك النزعة الوهمية الشيطانية وهي ترك الملذات والطيبات بدعوى التدين والزهد!

وأنا نفسي كنت أعاني من هذه النزعة في مرحلة الصغر والشباب! –ولا يزال في منها بواقي آثار- فلنشأتي في أسرة متوسطة الحال كنت أدخر كل قرش من أجل شراء القصص والروايات والكتب, وكنت أندم بعد أن أشتري طعاما تشتهيه نفسي وأراني أضعت مالي فيما لا ينفع, وودت لو كنت اشتريت به كتابا!

ثم بعد ذلك مع التزامي الديني تأثرت كثيرا بالشطحات الصوفية فكنت لا أرى في الطعام إلا وقودا للإنسان, ولا يعني ذلك أني لا أحب اللذيذ منه ولكني لا أطلبه ولا أتعب نفسي من أجله, فإن أتى فبها ونعمت وإن لم فلا إشكال!

فلما نظرت في كتاب الله تعالى ووجدته يأمرنا بأكل الطيبات وألا نضيق على أنفسنا بدعوى التدين والزهد!

يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ [البقرة : 168]
وجدت أني أخالف أمر الله فبدأت أقلل من تحرجي من أكل أطايب الطعام, وإن كان لا يزال بداخلي ميل عنها لأني أعدها من التبذير والإسراف!! وأرى أنه يمكني أن اكتفي بأقل من هذا وما زاد أعطيه لغيري! ولكن ما استطيعه لا استطيع أن ألزم به أهلي!!

فالتحرج من أكل طيبات الله معناه أننا نقول لله:
أننا لا نحتاج ما صنعت ونوعت من أجلنا فنحن نكتفي بالقليل منه!
وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل : 14]
فالله سخر لنا البحر لنأكل منه ولنستخرج, فهل نقول: لا نريد, نحن أعلم بما ينفعنا!

إن الله تعالى لم يخلق لنا كل هذا لنرفضه وإنما لنشكره:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [البقرة : 172]

وأمر الله تعالى بالأكل كذلك هو أمر تنظيمي لهذه المسألة, فلم يبح لنا أن نأكل كل ما يقابلنا وإنما يأمرنا أن نأكل مما رزقنا الله حلالا ونتجنب ما حرم علينا:
وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلاً طَيِّباً وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ [المائدة : 88]

وكذلك يأمرنا أن نأكل ما ذُكر اسم الله عليه, وإذا ذُكر فلا يحل لنا أن نتحرج منه! فإن لم يُذكر اسم الله عليه أو ذُكر عليه غيره فهو محرم علينا:

فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ ………. وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [الأنعام : 118-121]
(ولقد بينا في موضوع مستقل المحرمات من المطعومات على صفحات الموقع, فليرجع إليه)

كما يأمرنا الله تعالى أن نأكل المباح في جميع حالاته فلا نحرمه في مرحلة من مراحله, فسواء كان صغيرا أم كبيرا فهو مباح لنا, فلا نتبع من يحرم علينا ما أحله الله تعالى:

وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ [الأنعام : 142]

كذلك لا نحرم أصنافا معينة من الأنعام, فإن نحن فعلنا ذلك فإننا نتبع خطوات الشيطان, فالله تعالى خلق كل هذا وأنزله من أجلنا ومن أجل أنعامنا –التي يعود نفعها لنا في نهاية المطاف-

كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُوْلِي النُّهَى [طه : 54]

إن الأنعام من أكبر النعم التي أنعم الله بها على الإنسان (لاحظ: نعمة وهي اسمها: أنعام!) فلا يقابل الإنسان هذه النعمة العظمى بالرفض, وإنما عليه أن يشكر الله تعالى عليها, والله تعالى جعل لنا الحج لنشكره على هذه النعمة:

“لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوااسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُممِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ………… وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ”
وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الحج : 36]

ولا يعني هذا في عين الوقت أن نأكل بأي قدر كان, وإنما يُشترط في الأكل ألا يكون بدون إسراف:
يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف : 31]

نخرج من هذا كله بأن الأمر بالأكل في القرآن ورد في مواطن عديدة لتنظيم تلك العملية الحيوية الهامة, حتى لا يحدث فيها انحراف سلبا بترك المطعم, كما يحدث من عامة الزاهدين المترهبنين, ولتبيان أن الله لا يريد منهم هذا ولا يتقربون إليه بهذا!

وكذلك حتى لا يحدث فيها إنحراف بالطغيان فيأكل الإنسان ما يزيد عن طاقته وحاجته فيمرض نفسه ويحرم غيره!
ووضع شروطا للمطعم بأن يكون حلالا مذكورا اسم الله عليه, فإذا استوفى الإنسان ما قاله الله في كتابه فلا حرج عليه أن يأكل من الطيبات!

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته!
____________________

[1] ورد “الأكل” في القرآن بغير معنى تناول الطعام في بعض آيات, مثل قوله تعالى:
” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران : 130] فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الأنفال : 69]”

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.