الجن …. وعبادة البشر له!

نتناول اليوم بإذن الله وعونه قضية من القضايا التي تحتل حيزا كبيرا في عقول وقلوب المسلمين, وهي: حقيقة الجن!
نتناول هذا الموضوع ليس لنثبت بالدرجة الأولى أن الدين الإسلامي بريء من الخرافات, وإنما لننبه إخواننا إلى أن بعضهم يشرك بالله ويعبد الجن, فنريه الجن الذي تحدث القرآن عنه, والذي وقع عامتنا في شراكه!
وكذلك لننزه الله عن العبث والظلم, فالله هو العدل الحكيم, وتعالى الله أن يظلم أو يعبث!
لهذا نتناول ذلك الموضوع الذي سيجعلنا من المتهمين والمفسَقين عند فريق, ومن المكفَرين عند آخر, ولكنها الأمانة والعلم, الذي لا يجوز كتمه!

بعد أن تناولنا سورة الجن, -باستثناء آيتها الأولى- على هذا الرابط:
سورة الجن … نصرة النبي

وبيّنا أن آياتها تتحدث عن صنف من البشر, لا عن مخلوقات أخرى, نتوقف اليوم مع مفردة “الجن”, لننظر هل فهمناها كما جاءت في الكتاب, أم فهمناها تبعا لفهم مغلوط عند العرب!

إذا سألت أي مسلم: أتؤمن بوجود الجن؟
لقال لك: نعم وكيف لا أومن بوجوده وقد ذكر في القرآن؟!
وبداهة, لا يمكن لأي إنسان مسلم أن ينكر وجود شيء ذكره القرآن!
لذا فالسؤال هنا: ما هو المقصود ب “الجن”؟

الإجابة الجاهزة عند الأكثرية الساحقة من البشر –مسلمين كانوا أو نصارى أو غيرهم-: هو مخلوق من النار, مكلف مثلنا يطيع ويعصى, ولا يظهر لنا, وله قدرات خارقة بالنسبة للبشر, فهو يقدر مثلا على التشكل بهيئة البشر أو الحيوان.

ويدعي أصحاب هذا القول أن الدليل العقلي والمشاهدة والدليل النقلي يؤيدهم فيما يقولون!
ونحن نقولها في أول ردنا عليهم:
لا يوجد مانع عقلا من وجود كائن غير الإنسان, له قدرات تختلف عن قدرات الإنسان, ولكن أن نقول أن هناك الدليل العقلي على تصديقه,
فهذا ما لا دليل عليه! وأن ندعي أن المشاهدة دلت عليه, فليس أقوال المرضى والمخابيل بدليل, وأن ندعي أن الدليل النقلي جاء به, فهذا ما سنناقشه بالتفصيل, ولكن قبل أن نناقشه لا بد أن نتوقف مع بعض المسائل العقلية المتعلقة بالجن, طالما أن هناك من يدعي أن الدليل العقلي يقول بوجوده, 
لنبين أن القول بوجود “عفاريت مكلفة يتنافي مع كمال الله وعدله”:

أول ما نبدأ به هو سؤالنا:
إذا كانت العفاريت مخاطبة بالإسلام, فكيف يطبق الجن شرائع الإسلام ؟ فالجن المكلف -كما يرون- مخلوق من النار, يمكن تشبيهه بالأشباح, يقدر على التجسد, إلا أن أصله كالدخان, فهل سيتوضأ بالماء؟ وإذا سرق كيف نقطع يده؟ وإذا زنى كيف نجلده؟ و كيف نعزره بالحبس؟!
إذا قال القائل: إذا تجسد ينفذ كل هذا, فيمكنه الوضوء ويمكن معاقبته.
نقول: إن معنى هذا القول أن الشريعة غير مناسبة للجن بهيئتها الأصلية, وعليها التجسد لتنفذ الشريعة!
وإذا قبلنا بهذا وقلنا أن الجن سيتجسد لينفذ أحكام الشريعة طائعا, فما الذي سيجبره على التجسد ليُجلد مثلا أو لتقطع يده؟!

ثم لماذا وكيف يحاسبه الله عز وجل على شريعة لم تُجعل له وغير مناسبة له؟ لقد رد الله على مطالب المشركين بإرسال ملك بدلا من النبي, فقال:
قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَّسُولاً [الإسراء : 95]
فالرسول لا بد أن يكون من جنس المرسل إليه, فلأنهم بشر أرسل الله إليهم بشرا رسولا, ولو كانوا ملائكة لأنزل إليهم ملكاً رسولا, فلماذا يكون رسول الجن من غير جنسهم, وعليهم الإيمان به؟!

لقد قال الرب العليم, أن لنا في رسول الله أسوة حسنة, فهل للجن في الرسول الأسوة الحسنة؟ إن قدرات الرسول أقل بكثير من قدرات الجن, كما أن تكوينه مخالف لتكوينهم, فكيف يكون قدوة حسنة لهم!
وبعض الأخوة الطيبين يظنون أنه يمكن للجن تنفيذ بعض الأحكام وما لا يمكنه فهو غير مخاطب به!
وبغض النظر عن أن الله لم يأمرهم بأي أمر في القرآن كله, ولم يبين لهم ما عليهم الالتزام به وما لا يجب عليهم إتباعه, ومن ثم سيحتاجون إلى رسول, حتى لا يكون لديهم حجة بعد الرسل!
بغض النظر عن هذا كله, فإن هذا السؤال تبطله المسألة القادمة!

لماذا خلق الله الجن؟
سؤال قد لا يخطر بذهن أكثر المسلمين, لأنهم يظنون أنه من البدهيات, فلقد خلقهم الله ليعبدوه, كما قال في الذاريات, ونحن نقر أنه سبحانه ما خلق خلقا إلا ليعبده ويسبحه! ولكن السؤال الذي نطرحه:
ما هو الدور الذي يقوم به الجن في حياته؟

لقد خلق الله الإنسان وجعله خليفة الأرض, وطلب إليه أن يعمرها, فلم يخلقه ليصلي ويسبح ويذكره فقط, وإنما يعمر الأرض ويكتشفها, فيعيش الإنسان طالبا للرزق مصلحا للأرض, يعمل أي عمل, فيتاجر هذا ويزرع ذاك, ويخطط آخر, ويعلم غيره …. وهكذا, وعليهم في أثناء عملهم هذا أن يلتزموا شرع الله العليم! فلا يسرقون ولا يغشون ولا يزنون وأن يعدلوا … إلخ

وخلق الملائكة وجعل لها أدوارا في تسيير الكون ومساعدة الإنسان ومساندته, وهم يقومون بهذه الأدوار يعبدون الله!
ولم يخلق الله شياطين, فالله لا يخلق الشر, وإنما يخرج شرا مما خلق, وإنما خلق ملائكة وتمرد بعضهم فأصبحوا شياطين, فلعبوا دورا آخر في الكون!

والسؤال هو: ماذا يفعل الجن؟ هل لهم حضارات؟ هل عندهم تطور وتقدم علمي؟! ما هي وظيفتهم؟ لقد جعل الله الإنسان خليفة في الأرض, فما هو دور الجني؟!
هل خلقهم عاطلين؟!
إن الصورة الموجودة للجن في التراث تقول أنه كائن طفيلي!
ليس له أي عمل ولا دور, إلا أن يؤذي الإنسان ويركبه, وعليه أن يؤمن بالأنبياء والرسل الذين يرسلون إلى الإنسان, وعلى الرغم من أنه من النار فإنه يتغذى بنفس المواد التي يتغذى بها الإنسان, بدلا من أن يكون له مصدر طاقة, ولأنهم عاطلون طفيليون,
ليس لهم أي عمل أو إنتاج فهم يأكلون فضلات الحيوانات والقمامة التي نرميها, وأحيانا يحاول بعضهم أن يرتقي فيأكل شيئا آخر, فنجده مضطرا للسرقة, -كما جاء في الأثر!-

إن مخترعي هذه الخرافات لم يقولوا أن للجن عالما وحضارة خاصة به, كما لنا, وإنما “حشروه” حشرا معنا في عالمنا ودنيانا, يتصرف كما نتصرف, على رغم من اختلاف طبيعته!
ونحن ننزه الله أن يخلق كائنا عاقلا طفيليا, فإذا خلق كائنا مكلفا كرمه وشرفه, كما أعلنها صراحة أنه كرم بني آدم, فلماذا أهان الجن وجعله عاطلا؟!

كيف يمكن وجود جن كافر ويظل كافرا وهو يرى الملائكة ويستمع إليهم ويلمس السماء كما يعتقد الكثير من الناس؟
إن قبول الناس لهذا القول لمن العجب العجاب, ومن العجب أن كثيرا من الناس يقبل بوجود جن نصراني وجن يهودي ومجوسي …. الخ الأديان الأرضية! ولست أدري كيف يصدقون بوجودها, على الرغم من وصولهم السماء ومعرفتهم بالملائكة وأحوالهم!

ولا عجب من وجود الشياطين, فلقد كانوا ملائكة ثم أصبحوا شياطينا –بدون تغيير, فلم يكونوا بيضا فأصبحوا سودا بقرون وشعر كثيف!- ولأنهم صدر عليهم الحكم بالعقاب, فهم يعملون على إدخال أكبر قدر ممكن من البشر معهم في النار, حتى ينتقموا من البشر الذي عوقبوا بسببه!

ومن العجب أن كثيرا يرون أن الشياطين فريق من الجن! وهذا القول يعني أنهم كان لديهم قدرات ما, فرقّاهم الله وجعلهم قادرين على الوسوسة للبشر! أو أن الله خلقهم أصلا قادرين على الوسوسة للإنسان, ولست أدري لماذا يعطي الله خلقاً أشرارا هذه القدرة ابتداءً ولماذا يخلقهم أصلا؟!

وختاما نقول:
إن القول بوجود جن (عفاريت) بهذه القدرات التي يزعمون, يؤدي إلى التشكيك في آيات الأنبياء, و في كل شيء في هذه الدنيا, فربما تشكل جنٌ و قام بفعل هذه الأشياء, وليس البشر! وربما يكون الأنبياء قاموا بهذه الآيات بواسطة الجن.

أما عند القول بوجود ملائكة وشياطين لا تدخل لهم في دنيانا, لأن لهم عالمهم ولنا عالمنا فلا إشكال ولا لبث على الإطلاق!

وبعد هذه المسائل العقلية البسيطة, نبدأ في تناول “الجن” في الأدلة النقلية والتي يرون أن تصدقهم فيما يقولون به!

أول ما نبدأ به هو أن ننظر في اللسان لنخبر, ما معنى الجن:
فإذا نظرنا في معجم لسان العرب ألفينا ابن منظور يقول:
(ولأن ما ذكره ابن منظور تحت الجذر (جنن) كبير, فإننا سنذكر أهم ما ذكر, مبتعدين عن التكرار, والأبيات الشعرية الغريبة)

 

(جنن) جَنَّ الشيءَ يَجُنُّه جَنّاً سَتَره, وكلُّ شيء سُتر عنك فقد جُنَّ عنك وجَنَّه الليلُ يَجُنُّه جَنّاً وجُنوناً وجَنَّ عليه يَجُنُّ بالضم جُنوناً وأَجَنَّه سَتَره (…..) وبه سُمي الجِنُّ لاسْتِتارِهم واخْتِفائهم عن الأبصار ومنه سمي الجَنينُ لاسْتِتارِه في بطنِ أُمِّه وجِنُّ الليل وجُنونُه وجَنانُه شدَّةُ ظُلْمتِه وادْلِهْمامُه وقيل اختلاطُ ظلامِه لأَن ذلك كلَّه ساترٌ (…….) وفي الحديث: الصومُ جُنَّةٌ, أَي يَقي صاحبَه ما يؤذِيه من الشهوات, والجُنَّةُ الوِقايةُ وفي الحديث الإمامُ جُنَّةٌ لأَنه يَقِي المأْمومَ الزَّلَلَ والسَّهْوَ. (……….)

والجِنُّ ولدُ الجانّ. ابن سيده: الجِنُّ نوعٌ من العالَم سمُّوا بذلك لاجْتِنانِهم عن الأَبصار ولأَنهم اسْتَجَنُّوا من الناس فلا يُرَوْن, والجمع جِنانٌ وهم الجِنَّة, وفي التنزيل العزيز: “ولقد عَلِمَت الجِنَّةُ إنهم لَمُحْضَرُون” قالوا: الجِنَّةُ هاهنا الملائكةُ عند قوم من العرب وقال الفراء في قوله تعالى: “وجعلوا بينَه وبين الجِنَّةِ نَسَباً”

قال: يقال الجِنَّةُ هاهنا الملائكة, يقول جعلوا بين الله وبين خَلْقِه نَسَباً فقالوا الملائكةُ بناتُ الله ولقد عَلِمَت الجِنَّةُ أَن الذين قالوا هذا القولَ مُحْضَرون في النار (……) قوله ويَحَكِ يا جِنِّيَّ هل بَدا لكِ أَن تَرْجِعِي عَقْلي فقد أَنَى لكِ؟ إنما أَراد امَرْأَة كالجِنِّيَّة إمَّا في جمالها وإما في تلَوُّنِها وابتِدالها ولا تكون الجِنِّيَّة هنا منسوبةً إلى الجِنِّ الذي هو خلاف الإنس حقيقة لأَن هذا الشاعر المتغزِّلَ بها إنْسيٌّ, والإنسيُّ لا يَتعشَّقُ جنِّيَّة وقول بدر بن عامر: ولقد نطَقْتُ قَوافِياً إنْسِيّةً *** ولقد نَطقْتُ قَوافِيَ التَّجْنينِ

أَراد بالإنْسِيَّة التي تقولها الإنْسُ وأَراد بالتَّجْنينِ ما تقولُه الجِنُّ, وقال السكري: أَراد الغريبَ الوَحْشِيّ (…….)
وفي حديث الحسن: 
لو أَصاب ابنُ آدمَ في كلِّ شيء جُنَّ أَي أُعْجِبَ بنفسِه حتى يصير كالمَجْنون من شدَّةِ إِعْجابِه.
وقال القتيبي وأَحْسِبُ قولَ الشَّنْفَرى من هذا فلو جُنَّ إنْسانٌ من الحُسْنِ جُنَّتِ.

 

وفي الحديث: اللهم إني أَعوذ بك من جُنونِ العَمَلِ أَي من الإعْجابِ به ويؤكِّد هذا حديثُه الآخر: أَنه رأَى قوماً مجتمعين على إنسان فقال ما هذا؟ فقالوا: مَجْنونٌ. قال: هذا مُصابٌ, إنما المَجْنونُ الذي يَضْرِبُ بِمَنْكِبَيه وينظرُ في عَطْفَيْه ويتَمَطَّى في مِشْيَتِه.
وكان أَهلُ الجاهليَّة يسمّون الملائكةُ عليهم السلام جِنّاً لاسْتِتارِهم عن العيون, قال الأَعشى يذكر سليمان عليه السلام:
وسَخَّرَ من جِنِّ الملائِكِ تِسعةً قِياماً لَدَيْهِ يَعْمَلونَ بلا أَجْرِ
وقد قيل في قوله عز وجل: “إلا إبليس كان من الجنِّ” إنه عَنى الملائكة.

قال أَبو إسحق: في سِياق الآية دليلٌ على أَن إبليس أُمِرَ بالسجود مع الملائكة. قال وأَكثرُ ما جاء في التفسير أَن إبليس من غير الملائكة, وقد ذكر الله تعالى ذلك فقال: “كان من الجنّ” وقيل أَيضاً إن إبليس من الجنّ بمنزلة آدمَ من الإنس.

وقد قيل إن الجِنّ ضرْبٌ من الملائكة كانوا خُزَّانَ الأَرض وقيل خُزّان الجنان (……) وجِنُّ الشَّبابِ أَوَّلُه وقيل جِدَّتُه ونشاطُه ويقال كان ذلك في جِنِّ صِباه أَي في حَدَاثَتِه وكذلك جِنُّ كلِّ شيء أَوَّلُ شِدّاته وجنُّ المرَحِ كذلك (……)
ويقال خُذ الأَمرَ بجِنِّه واتَّقِ الناقةَ فإِنها بجِنِّ ضِراسِها أَي بحِدْثانِ نتاجِها 
وجِنُّ النَّبْتِ زَهْرُه ونَوْرُه (……)
وقيل: جُنَّ النَّبْتُ جُنوناً غلُظ واكْتَهل, وقال أَبو حنيفة: نخلة مَجْنونة إذا طالت وأَنشد: يا رَبِّ أَرْسِلْ خارِفَ المَساكِينْ عَجاجةً ساطِعَةَ العَثانِينْ تَنْفُضُ ما في السُّحُقِ 
المَجانِينْ اهـ .

وبالإضافة إلى ما ذكره ابن منظور في اللسان, فإنا نُذكر بأن العرب كانت تطلق على كل شاذ وغريب وفائق أنه من صنع الجن! وذلك لظنهم أن البشر لا يمكن أن تأتي بمثله, فينسبونه إلى ذلك الكائن المتوهم!

وكما رأينا فإن مدلول هذه الكلمة يدور حول الستر والشدة والهيمنة ولا يراد به الكائن المسمى: الجن, وعلى الرغم من ذلك يكاد ينحصر مدلول هذه الكلمة عند العوام والعلماء! في المخلوق الناري, 
وعلى الرغم من أنهم يتقبلون وجود شياطين بين البشر, أو بشرٌ شياطين, إلا أنهم لم يتقبلوا وجود: جن بين البشر, أو بشر جن!
ويرجع هذا الرفض إلى أن الآيات تتحدث عن كائنات عاقلة مكلفة وليس عن جمادات, وبما أن العرب كانت تؤمن بوجود مخلوقات عاقلة اسمها الجن –وكذلك عامة الشعوب القديمة والحديثة- وجاء القرآن فتكلم عن الجن وجعلهم مقابلا للإنس, فحتما ولزاما أن يكون التصور الإنساني المقدم لهم تصور صحيح!

وهكذا أصبح على الإنسان المسلم أن يؤمن بوجود الجن (خلق مكلف غير البشر) وإلا فهو خارج عن الملة! وعلى الرغم من أن الله لم يجعل الجن من أسس الإيمان في أي آية, ولم يطلب إلينا الإيمان به مرة واحدة! إلا أن بعض العلماء جعلوا منكر وجود هذا الجن تعنت صريح في فهم الآيات, يخرج من الملة! وذلك لأن الآيات صريحة في هذا المعنى, كما أنه قد ورد العديد من الروايات التي تؤيد هذا الفهم, لذا فلا يمكن العدول عن هذا الفهم إلى أي قول آخر!

ولأن الروايات الواردة عن الجن هي من الكثرة بمكان, فإننا سنتناول أهم هذه الروايات, وهو تلك الروايات المتعلقة بسورة الجن, ليبصر القارئ بأم عينيه كيف حُرفت الروايات وزيد فيها ما أكسبها صبغة خرافية, وكيف أنها دليل لنا فيما نقول, ثم نتناول بعض الروايات الأخرى الغير متعلقة بها, والتي تتناقض معها.

 

وبعد أن نكون قد نسفنا اليقين المتحصل عند أكثر المؤمنين بالجن, ننتقل إلى القرآن, لنتناول كل الآيات التي ورد فيها ذكر للجن, لنبين له كيف خلط المفسرون بين الجن والشياطين, وكيف أنهم لم يستطيعوا أن يجزموا أو يحددوا الفارق أو العلاقة بين الشيطان والجن!

ولأننا لم نعرض للآية الأولى من سورة الجن عند تناولها, فإننا سنذكر هنا ما قاله الإمام الفخر الرازي بشأنها, ونبين وجوه العجب فيه وتناقضه مع نص القرآن, ثم نثني بما جاء في كتب الأحاديث حولها:
قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً [الجن : 1]
ولأن ما كتبه عند تناوله لهذه الآية نافع لنا فيما نقول, ومفيد للقارئ في معرفة الأقوال حول الجن, فإننا نثبت ما قاله الإمام الفخر الرازي في تفسيره لهذه الآية:

{قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مّنَ الجن} وفيه مسائل:
المسألة الأولى: اختلف الناس قديماً وحديثاً في ثبوت الجن ونفيه، فالنقل الظاهر عن أكثر الفلاسفة إنكاره، (……..) واختلف المثبتون على قولين:
فمنهم من زعم أنها ليست أجساماً ولا حالة في الأجسام بل هي جواهر قائمة بأنفسها،
قالوا: ولا يلزم من هذا أن يقال: إنها تكون مساوية لذات الله لأن كونها ليست أجساماً ولا جسمانية سلوب والمشاركة في السلوب لا تقتضي المساواة في الماهية ،
قالوا: ثم إن هذه الذوات بعد اشتراكها في هذا السلب أنواع مختلفة بالماهية كاختلاف ماهيات الأعراض بعد استوائها في الحاجة إلى المحل فبعضها خيرة، وبعضها شريرة، وبعضها كريمة محبة للخيرات، وبعضها دنيئة خسيسة محبة للشرور والآفات، ولا يعرف عدد أنواعهم وأصنافهم إلا الله،
قالوا : وكونها موجودات مجردة لا يمنع من كونها عالمة بالخبريات قادرة على الأفعال، فهذه الأرواح يمكنها أن تسمع وتبصر وتعلم الأحوال الخبرية وتفعل الأفعال المخصوصة، ولما ذكرنا أن ماهياتها مختلفة لا جرم لم يبعد أن يكون في أنواعها ما يقدر على أفعال شاقة عظيمة تعجز عنها قدر البشر، (……….)

 


ومن الناس من ذكر في الجن طريقة أخرى فقال: هذه الأرواح البشرية والنفوس الناطقة إذا فارقت أبدانها وازدادت قوة وكمالاً بسبب ما في ذلك العالم الروحاني من انكشاف الأسرار الروحانية فإذا اتفق أن حدث بدن آخر مشابه لما كان لتلك النفس المفارقة من البدن،
فسبب تلك المشاكلة يحصل لتلك النفس المفارقة تعلق ما لهذا البدن، وتصير تلك النفس المفارقة كالمعاونة لنفس ذلك البدن في أفعالها وتدبيرها لذلك البدن، فإن الجنسية علة الضم ، فإن اتفقت هذه الحالة في النفوس الخيرة سمي ذلك المعين ملكاً وتلك الإعانة إلهاماً، وإن اتفقت في النفوس الشريرة سمي ذلك المعين شيطاناً وتلك الإعانة وسوسة.

والقول الثاني في الجن: أنهم أجسام ثم القائلون بهذا المذهب اختلفوا على قولين: م
نهم من زعم أن الأجسام مختلفة في ماهياتها، إنما المشترك بينها صفة واحدة، وهي كونها بأسرها حاصلة في الحيز والمكان والجهة وكونها موصوفة بالطول والعرض والعمق، وهذه كلها إشارة إلى الصفات، والاشتراك في الصفات لا يقتضي الاشتراك في تمام الماهية لما ثبت أن الأشياء المختلفة في تمام الماهية لا يمتنع اشتراكها في لازم واحد. (…………………………)

اختلفت الروايات في أنه عليه الصلاة والسلام هل رأى الجن أم لا؟
فالقول الأول: وهو مذهب ابن عباس أنه عليه السلام ما رآهم، قال:
إن الجن كانوا يقصدون السماء في الفترة بين عيسى ومحمد فيستمعون أخبار السماء ويلقونها إلى الكهنة فلما بعث الله محمداً عليه السلام حرست السماء، وحيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت الشهب عليهم فرجعوا إلى إبليس وأخبروه بالقصة فقال:
لا بد لهذا من سبب فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها واطلبوا السبب 
فوصل جمع من أولئك الطالبين إلى تهامة فرأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر.
(وهذا أول عجب في الرواية, فتبعا للرواية فإنه لم يكن هناك شياطين في جزيرة العرب,
أو على الأقل في مكة وما يجاورها, ولذلك خفي عليهم خبر ظهور النبي! –ربما كانوا في الإجازة السنوية أو القرنية, ولذلك لم يعلموا بظهور النبي!!!!!- ولست أدري كيف هذا, إذا كان لكل إنسان شيطان –حتى الرسول نفسه- كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنْ الْجِنِّ قَالُوا وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَإِيَّايَ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ
والدليل القاطع على أن هؤلاء الجن كانوا بشرا متخفين من قبائل أخرى أتوا ليستمعوا النبي قولهم لقومهم: “فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ”
فهم ينتمون إلى قوم يعيشون في الأرض, فهذا دليل على أنهم بشر عاديون وليس جنا يطير ويصعد السماء! ولو كانوا يطيرون في السماء لما كان للكلمة معنى!
والدليل الثاني قولهم: “وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ”
فإذا كان البشر يتولون الجن ويستقوون بهم ويعوذون بهم –كما يدعي أصحاب الفهم التقليدي- فمن يتولاهم الجن؟!

أما نحن فنقول أن هؤلاء ينذرون قومهم أن عليهم الإيمان بالرسول ليغفر الله من ذنوبهم ولكي يجيرهم الله من العذاب في الدنيا فلا يهلكون, (لاحظ أنه قال: عذاب أليم, ولم يقل: العذاب الأليم)

ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض, فمهما فعل وأينما ذهب فسينزل به العذاب في الدنيا, وليس له أولياء ينصرونهم, أو يرفعون عنهم العذاب, ثم يأمر الله النبي بالصبر على قومه ولا يستعجل لهم العذاب, فكأنهم يوم يرون ما يوعدون –وهو العذاب نازلا بهم- لم يلبثوا إلا ساعة من نهار.

فإذا تركنا سورة الأحقاف وانتقلنا إلى سورة الذاريات, وجدنا أن “الجن” ذُكر كذلك في معرض التوعد, فالله تعالى يقول:
فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١) كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)”

فالله تعالى يأمر النبي بالتذكير, وأنه ما خلق الجن والإنس إلا ليعبدوه, فهو لا يريد منهم رزق ولا إطعام, فالله هو الرزاق, وعلى الظالمين ألا يستعجلوا العذاب, فويل لهم من يومهم الذي يوعدون!

أما على فهمنا نحن فنقول:
يأمرنا الله تعالى بالفرار إليه وألا نجعل معه إلها آخر, (ولأن أكثر الناس يعبدون سادتهم وكبراءهم) يقول الله تعالى لهم أنه ما خلق السادة ولا الأتباع إلا ليعبدوه, فهو لا يريد منهم رزقا, ويذكر الأتباع الذين يعبدون السادة بسبب ظنهم أنهم يرزقونهم, بأن الله هو الرزاق ذو القوة المتين, وأن للذين ظلموا ذنوبا من العذاب مثل ذنوب أصحابهم, فلا يستعجلون نزوله, فويل لهم من يومهم الذي يوعدون.

فإذا انتقلنا إلى سورة الرحمن, وجدنا فيها دليلا قاطعا آخر على أن الإنس والجن هما “إنسان/بشر”, فالله تعالى يخاطب الإنسان في أول السورة, ويأمرهم بإقامة الوزن وعدم تخسير الميزان, ثم يقول لهم بعد ذلك: فبأي آلاء ربكما تكذبان! ولله الحمد فلم يكن هناك أي مذكور يعاد عليه ضمير المثنى من أول السورة إلى الآية الثالثة عشر إلا الإنسان!

فإذا قلنا أن الله تعالى خاطب البشر بصيغة الجمع, ثم عاد وقسمهم إلى قسمين –سيبينهما بعد آيات- فلا إشكال, وهذا هو المنطقي:
الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)

أما أن نقرأ هذه الآيات ثم نقول أن الله تعالى يخاطب البشر وكائنا آخر, فما الدليل على هذا؟ إن هذا الكائن لم يسبق له ذكر, وليس هذا من المفهوم بداهة, مما لا يختلف عليه اثنان!!

وبعد ذلك يقول الله تعالى:
خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦) ……. سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤)

فالله يتحدث عن مادة خلق الإنسان ومادة خلق “الجان” (وليس الجن), ثم يخاطب معشر الجن والإنس –وهذا يعني أنهم قوم يتعاشرون يعيشون مع بعضهم, لا أن هذا يعيش في عالم والآخر في عالم آخر!- بأنهم إن استطاعوا أن ينفذوا …. الخ

فإذا واصلنا قراءة الآيات تأكد أن الإنس والجن جنس واحد, وأن “الجان” غيرهما فالله العليم يقول:
“يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٨) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٠)”
فالإنس والجن يرسل عليهما شواظ من نار ونحاس, وهذا يعني أنهم يعيشون مع بعض, وأن العذاب ينزل بهما سويا!

ونلاحظ أنه عند حديثه عن الآخرة لم يقل: “فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جن”, وإنما قال: “إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ”, وذلك لأن الإنس جنس , والجان جنس آخر.
وفي الآيتين الأخريين اللتين ذكر فيهما الطمث, نجد أن الله تعالى يذكر “الجان” وليس “الجن”, فيقول: “لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ”

وبهذا نكون قد أنهينا كل الآيات القرآنية التي ورد فيها ذكر “الجن”, وكما رأينا فالآيات تتحدث عن صنف من البشر, وليس عن صنف آخر!

أما الآيات التي تتحدث عن “الجان” و”الجنة” فهي تتحدث عن صنف آخر غير البشر, ف: “الجان” مقابل “الإنسان”, و: “الجنة” مقابل “الناس”.

فإذا نظرنا في الآيات السبعة التي ذُكر فيها “الجان” في القرآن وجدنا الله يقول:
“وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ [الحجر: 27]”
فبعد أن ذكر أن الإنسان مخلوق من صلصال من حمأ مسنون, يعرفنا بمادة خلق الجان وأنه خُلق من نار السموم.
وكذلك في سورة الرحمن, فبعد أن ذكر أن الإنسان مخلوق من صلصال كالفخار يقول أن الجان مخلوق من مارج من نار:
وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ [الرحمن : 15]

وفي سورة النمل والقصص يقول أن سيدنا موسى لما رأى العصا تهتز كأنها جان (ثعبان كبير كما قال المفسرون) ولى مدبرا ولم يعقب:

وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ [النمل : 10]
وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ [القصص : 31]

والثلاث آيات الباقيات ذُكرت في سورة الرحمن:
فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ [الرحمن : 39]
فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ [الرحمن : 56]
لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ [الرحمن : 74]

والناظر في القرآن يجد أن الله عز وجل لم يذكر “الجن” مع “الناس” قط, فلم يقل: “الجن والناس” ولو قالها مرة واحدة, لكان معنى هذا أن الجن غير الناس, وإنما يذكره مع ال “إنس”, فيقول: “الجن والإنس”, وكذلك قال “إنس وجان” أما مع “الناس” فيذكر “الجنة”. وذلك لأن الجان مفرد الجنة, كما أن الإنسان مفرد الناس!

ولأن الله تعالى عطف الناس على الجنة “من الجنة والناس”, فلا يمكن أن يكون الجنة من البشر وإنما هم خلق آخر, وهذا الخلق هو الملائكة أو الشياطين (الذين كانوا ملائكة ثم تشيطنوا)

فإذا نظرنا في المواطن التي ذكر الجِنة, وجدنا أنها تتحدث صراحة عن جنس منفصل عن البشر:
والدليل قوله تعالى ” وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [الصافات : 158] “
فالآية تتكلم عن جعل المشركين نسبا بين الله والملائكة, فلقد قالوا أن الملائكة بنات الله: “ وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ [النحل : 57]”
وهو قول فاسد, تعالى الله عما يصفون.

وكذلك قوله تعالى: “إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود : 119]”,
وقوله جل وعلا: “وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة : 13]”
فالآيات تتحدث عن تحقق كلمة الله أنه سيملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين, تلك الكلمة التي قالها الله له في مبتدأ البشرية:
“قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)”
فمن يتبع إبليس من الملائكة (فيصبح شيطانا مثله) ومن يتبعه من الناس, فسيملأ الله عز وجل جهنم منهم أجمعين.

والموطن الأخير الذي جاء فيه ذكر الجنة قوله تعالى:
“مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ [الناس : 6]”
فالإنسان يستعيذ بالله من شر الوسواس الخناس سواء كان من الجنة أم من الناس!

وبما أننا نتكلم عن الجِنة, فلا بد أن نلفت انتباه القارئ إلى أن المراد من تعبير “به جنة” أو “مجنون” الواردان في القرآن, لا يعنيان أنه مخبول لا يعقل ولا يعي ويتصرف بطيش, وإنما العكس تماما, فالعرب كانت تنسب كل فعل غير مألوف وخارق للعادة وعظيم الإتقان إلى الجن!
وكانوا يسمون صاحبه بأنه “عبقري” نسبة إلى وادي عبقر, والذي كانوا يدعون أن الجن تسكنه, فلما جاءهم الرسول الكريم وقرأ عليهم القرآن, راعهم هذا النص العجيب, فقالوا أن الرسول به جنة, أي يأتيه صاحب من الجن فيملي عليه القرآن:

إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ [المؤمنون : 25]
أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [المؤمنون : 70]
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ [الأعراف : 184]
أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ [سبأ : 8]
قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ [سبأ : 46]

فلم يكن أهل قريش بعظيمي الحمق حتى يقولوا أن من يأتي بمثل هذا القرآن مخبول, فإذا كان من يختلق هذا مخبولا, فما هو حال الباقين؟! وإنما كانوا يريدون التعريض به والقول أنه شاعر عظيم أو معلم شديد التعلم, غريب الأطوار والأقوال, يسجع كما يسجع الكهان! إلا أنهم لم يعنوا أبدا ب “مجنون” أو “به جنة” الاستعمال المتأخر الذي أصبحت الكلمة تستعمل به!

وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ [الصافات : 36]
ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ [الدخان : 14]
فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ [الذاريات : 39]
فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ [الطور : 29]
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ [القمر : 9]

نخرج من هذا المبحث الطويل بأن الناس/البشر يتكونون من “إنس وجن”, وأن الجنة خلق مستقل عن البشر, وهم الملائكة والشياطين.
وإذا فهمنا أن “الجنة” تُطلق على الشياطين, وأن “الجن” يصدق عليهم, وعلى غيرهم من سادات وكبار البشر الذين يعملون في السر والخفاء, فإنه يحل إشكالية كبرى, وهي: أين يذهب الجن الطائع؟

فإذا نحن نظرنا في القرآن وجدنا أنه يذكر الجن أو الجنة – الصنفين- دوما في النار ولم يذكرهم قط في الجنة, فسبّب هذا مشكلة للسادة القائلين بوجود جن طائع, فلماذا لم يذكره الله تعالى في الجنة مع المؤمنين, وإنما يذكره دوما في النار؟

فإذا كان قد كُلف بنفس التكليف الذي كُلفه البشر, فلماذا يثاب البشر بالجنة ولا يدخلونها مثلهم؟!
لو كانوا لا يدخلون الجنة ولا جهنم لقلنا أن هذا قد يكون مقبولا –بدرجة ما- أما أن يُعاقب عاصيهم ولا يثاب مطيعهم, فهذا من العجب العجاب!
ولقد حاول بعض العلماء تفادي هذه الإشكالية, فقالوا أن الجن يكونون في مكان يراهم البشر من حيث لا يرونهم عكس ما كانوا في الدنيا, و أقوال أخرى لا دليل عليها إلا الظن. فاليقين أن الله لم يذكر لهم حال في الجنة!

ولمّا لم يكن لهذا الصنف الرابع (العفاريت) – بعد البشر والشياطين والملائكة– وجود فلم يجر له ذكر في القرآن, أما الشياطين والسادة الكبار أصحاب الأعمال الشريرة فإنهم سيدخلون النار ولا مأوى غيرها لهم, فذكر القرآن حالهم, و ذكر حال المتقين من الإنس في الجنة.

فهذه هي الأدلة التي يستدلون بها على وجود صنف رابع وهي أدلة تؤدي إلى التناقض والتضارب حتى أنهم لم يجدوا مكانا للطائع من جنهم المظنون هذا.

خطاب للإنسان
وبعد أن ناقشنا الآيات التي ورد فيه “الجن”, وبيّنا الفرق بينه وبين الجنة, نبيّن له بالأدلة القاطعة, كيف أن الله لم يخاطب العفاريت في كتابه أبدا, ومن ثم –فحتى على فرض وجودهم بالشكل الخرافي- فإنهم غير مخاطبين بالقرآن:
(وإحقاقا للحق فإن هذه الأدلة مأخوذة عن الجماعة الأحمدية)

1- ما خاطب القرآن إلا الناس, فلم يخاطب الجن قط, فالناظر يجد أن الله عز وجل قال في كتابه: “يا أيها الناس” في عشرين موضعا, و ما قال في موضع واحد “يا أيها الجن”, فلم؟ وقال “يا أيها الإنسان” مرتين, فلماذا لم يقل “يا أيها الجان”؟

2- أنزل الله كل الكتب لتحكم بين الناس, “كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ [البقرة : 213] , فلم لم ينزل الله العليم كتبا لتحكم بين الجن؟

3- خاطب الله بني آدم في القرآن أربع مرات في الدنيا ومرة في الآخرة, ولم نجد أنه خاطب بني الجن أو بني النار قط.

4- يضرب الله الأمثال للناس فقط, “وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النور : 35]”, فلم لا يضرب أمثالاً للجن؟

5- بيّن الله آياته للناس فقط, ” كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [البقرة : 187]” , فلم لم يبينها للجن؟

6- أنزل الله القرآن والكتب نوراً وهدى للناس, “شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ [البقرة : 185], “قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاسِ ….[الأنعام : 91] , فلم لم ينزل كتباً هدى للجن؟

7- الأنبياء والرسل أرسلوا من الناس للناس فقط, “وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى [يوسف : 109] , ” وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً [الفرقان : 20] , فلم لم يرسل الله رسلا إلى الجن؟

8- سيحاسب الله الناس فقط, “اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ [الأنبياء : 1]”, ألن يحاسب الجن؟

9- أين كان هذا الجن المؤمن في مواقف الشدة, التي كان يحتاجه المسلمون فيها؟ ولماذا لم يتدخل الجن الكافر كذلك نصرةً للكافرين؟

نحن لم نجد أي ذكر في هذه المواقف إلا للملائكة أو الشيطان! فمثلا:
ِإذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ …… [الأنفال : 12] “
“وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال : 48]”
فأين هؤلاء الجن المؤمن أو الكافر ؟

10- قوله تعالى: “إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب : 72] “

فهذه الآية تصرح بأن الإنسان هو الذي حمل الأمانة, فلو كان الجن -كما يدعون- خلق مستقل مخاطب بالقرآن, فهذا يعني أنها نست الجن!! أما إذا رأينا أن من البشر من هو جن, فلا تعارض ولا خلاف.

11- قوله تعالى: “فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ [الروم : 30] “
فالله تعالى جعل الدين الفطرة التي فطر الناس عليها, و لم يقل أنه فطر الجن عليها, أفلا يكون من التكليف بما لا يُطاق, أن نطالب الجن بالإيمان بما هو غير مفطور عليه؟

فهذه أدلة كثيرة على أن الجن غير مخاطب بالقرآن , فلا يمكن لأحد – ممن يقول بأن الجن خلق مستقل- أن يدعي أن الله يخاطب الإنس ويعتبر الجن مخاطبا بالجملة, فالإيمان والكفر والأوامر من الله لا توجه إلى الخلق بالإشارة والتضمن والتلميح, بل تكون صريحة لا وجه لأي لبس فيها.

فالسادة العلماء قالوا: هناك خلق مختلف مكلف ومخاطب بالقرآن اسمه الجن, ولكنا لم نجد الله يذكر هذا التكليف أبدا, فالله يخاطبنا نحن ثم نصر على أن هناك خلق آخر داخل معنا في هذا الخطاب, فما دليلنا على هذا الإدعاء؟
العفاريت, كخلق مستقل عن الإنسان!

دخول الجن في الإنسان

وبعد أن أظهرنا كيف أن الله العليم لم يخاطب بكتابه إلا البشر, نتوقف مع المسألة الشهيرة والتي نسمع بها كثيرا, وهي مسألة دخول الجن في الإنسان! وكيف أنه يمكن إخراجه بالقرآن!

وعلى الرغم من أنها مسخرة واستخفاف بعقول الناس, ولم يرد لها أي ذكر في كتاب الله, إلا أن كثير من المسلمين يؤمنون بها, ويتجادل المثبت مع النافي جدالاً عقيماً, ويظل كل منهما على موقفه, وذلك لتقبلهم لوجود العفاريت, كخلق مستقل عن الإنسان!

وعلى الرغم من أننا قد أثبتنا عدم وجود ذلك الصنف المزعوم, فإننا سنذكر الأدلة على استحالة دخول الشياطين, فربما انتقل الجدل إلى الشياطين بعد نفي وجود العفاريت, أو دخول الجن –إذا وجدوا– في الإنسان, ليجد المصدق بما نقول الأدلة الكثيرة, والأدلة على ذلك أظهر ما يكون, وبغض النظر عن الروايات الواردة في هذا الشأن و التي هي كلها ضعيفة[1] , ننظر في القرآن لنر كيف ينفي القرآن هذه الخرافات:

1- يقول الله العليم: “وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُممِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم …… [إبراهيم : 22]”
فإذا كان الشيطان الأكبر ليس له على الإنسان أي سلطان إلا الدعوة, فما بالنا بالشياطين الأخرى, و من باب أولى فلا سلطان للعفاريت المزعومة.

2- يقول الله تعالى: “وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً [الإسراء : 82] ” ,
ويقول “ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ [يونس : 57] ” ,
و يقول ” وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ [الأعراف : 154] “
فالكتب كلها هدى ورحمة وشفاء لما في الصدور, والذي لا يتبعها يكون من الخاسرين, فبالله عليكم كيف يؤذي القرآن الجن؟

وإذا كان القرآن يؤذيه لدرجة أنه قد يحرقه!!, فكيف نطالبه بالإيمان به والاستماع إليه حتى يدخل في الإسلام؟, و كيف استمع الجن المزعوم إلى القرآن أيام الرسول و لم يحترقوا؟

والقرآن كما يقول عن نفسه: ” ….. قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى … [فصلت : 44]”
وهذا معناه أنه لا يجدي معهم ولكن لا يمكن أن يعني أنه يحرقهم!!

3- يقول تعالى: “و َلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً [النساء : 141]

فإذا كان الجن –الكافر طبعا- يركب الإنسان ويسيطر على عقله, فقد سيطر عليه وأسقط عنه التكليف, والله ينفي أن يكون للكافرين على المؤمنين سبيلا, فهل هناك سبيلٌ أقوى من هذا؟

4- القرآن يُتلى في كل مكان في العالم الإسلامي, في البيوت وفي المساجد وفي الطرق وفي وسائل المواصلات, أفلم يسمع الجن الموجود حولنا القرآن؟
بداهةً هو يسمعه شاء أم أبى, ولا يؤثر فيه بتاتا, فلماذا يؤذيه إذا كان فقط من الشيخ الذي سيخرجه؟ (ربما لقبح صوته!)

5- عقلا: لم لا يخرج الجان عند مجيء الشيخ العبقري البركة, ويدعه يضرب المسكين حتى يكاد يهلكه ثم يعود مرة أخرى بعد انصراف الشيخ؟

6- ما الحكم إذا مات المضروب تأثراً بضرب الشيخ؟ هل نطبق على الشيخ حكم القتل العمد, أم نطبقه على أهله أم على كليهما؟ لأنه لا دليل على أن الجن يتأثر بالضرب المادي, الذي ينزل على جسم البشري؟

7- لماذا لا يركب الجن إلا الشرقيين, لم لا يركب الغربيين أم أن الشرقيين لهم مذاق خاص؟

هذه هي أهم الأدلة على أن الشيطان ليس له أي سلطان على الإنسان إلا الدعاء!

الجماعة الأحمدية
بعد أن عرضنا للجن وللأقوال المتعلقة به, بقى أن نتوقف مع ما تقوله الجماعة الأحمدية بهذا الشأن, فهم ينفون الجن الشبحي كذلك, ويقولون أنه لا يوجد إلا الإنسان والملائكة, فهم ينفون وجود الشياطين, ويرون أن الشيطان اسم عام يصدق على أشياء كثيرة, وهو بمعنى البعد والتطرف والطغيان والزيادة, وهو يُستعمل في اللسان مع الإنسان والحيوان ومع كل ما كان الشطط والشطن حاله, إلا أنه لا يوجد خلق مستقل اسمه الشياطين!

فالشياطين كذلك من الناس, و يؤولون الآيات الصريحات الواردة المخالفة لهم, فيقولون في إبليس أنه كان واحد من البشر الذين كانوا مع آدم عليه السلام , ويقولون في قوله تعالى “وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ [الحجر : 27]”

أنه ليس المراد مادة الخلق, ولكن المراد من ذلك الطباع مثل قوله تعالى:
“خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ [الأنبياء : 37]”
فليس المراد من “عجل” مادة الصنع بل هو الطباع[2],
فكذلك ليس المراد من نار السموم, مادة الخلق وإنما الطبع السائد في الشياطين!
ويؤولون الآيات و الأحاديث الواردة في ذكر الشياطين تأويلاً, يجعلها واردة في الإنسان.

و الرد على هذا الرأي سهل يسير, فلقد قالوا به لأن الله تعالى لم يخلق إلا الملائكة والبشر, فمن أين أتت الشياطين؟!
وكما قلنا,
فالشياطين لم تُخلق شياطين وإنما خُلقت ملائكة ثم تشيطنت, ولهذا خوطب إبليس بالأمر بالسجود لآدم!
أما أن نقول أن “إبليس” ليس من الملائكة, وأنه من البشر, فقول جد بعيد, فلم يكون مخاطبا بالأمر مع الملائكة؟ ومن أدراه به أصلا؟
فهل أوحى الله به لأحد العصاة المتمردين لكي يرفضه؟!
لقد رفضنا أن يكون إبليس من جنس غير جنس الملائكة ويكون مخاطبا بخطاب الملائكة, فمعاذ الله أن يخاطب جنسا ثم يلوم من هو من غير الجنس على عدم امتثاله له؟!!
فكلام الله ليس فيه من التعميم والمبالغات ما يوجد في لغتنا, بل الكلمة تطابق مدلولها فقط بلا زيادة أو نقصان, فكيف يُخَاطَب البشر بهذا الخطاب؟

فإذا تركنا مسألة إبليس وانتقلنا إلى “نار السموم” وجدنا كذلك أن السياق يحتم أن يكون المراد من “نار السموم” مادة الخلق, فالله عز وجل قال في الآية السابقة “وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ [الحجر : 26]“, ثم كان الحديث بعد ذلك عن الجان, فيحتم هذا أن يكون الحديث عن مادة الخلق.

هذا بالإضافة إلى كم كبير من الآيات و الأحاديث التي تقول بوجود الشياطين بالمدلول المعروف, فنحن نجد في كتاب الله أن الشيطان يتكلم, -كما في آية سورة الحجر مثلا- فهل نوازع النفس السيئة وشهواتها هي التي ستقول للناس هذا الكلام في النار؟ أم أنه الشيطان المعروف هو من سيقول هذا؟!

إن هذا الكم الكبير من الآيات والأحاديث لا يمكن تأويله وحمله على البشر أو على غير عاقل, لذا فيمكننا القول بكل ثقة, أن هذا الرأي جد بعيد عن الدقة والصواب.

نخرج من هذا المبحث الطويل إلى أن القول الذي نقول به هو الوحيد, الذي ألغى جميع الإشكاليات والتعارضات التي ألصقها الآخرون بالنص القرآني! والذي هو وربه منها براء!

وكما رأينا فقد أدى النظر الغير دقيق في كتاب الله وإتباع المنهج الاعتباطي في فهم آياته إلى ظهور خرافة كبيرة أثرت في حياة الكثير من المسلمين تأثيراً كبيرا, فلقد تحكم الجن فيهم, وأصبحوا يعبدونهم وهم لا يشعرون, وهذا أخطر من النقطة الأخرى, والتي هي سيادة الفكر الخرافي وتحكمه في المسلمين وبعدهم عن الفكر العلمي و منهجه.

فلقد سيطر الجن (المترفون/كبار رجال الدين/السياسيون) على مجتمعاتنا, وأصبحوا يتحكمون فيها كما يحلو لهم, يشرعون على خلاف شرع الله, ويسنون القوانين التي تخدم مصالحهم, وأصبح العوام عبيداً لهم, يعبدونهم ويدعونهم ويتوسلون إليهم ويرجون منهم الرزق! ونسوا أن الله هو الذي يرزق, وأنه يرزقهم كما يرزق أسيادهم, فهو الرزاق ذو القوة المتين!

أصبح أكثر العوام عابداً لهم وللشياطين, وهو لا يشعر ولا يدري! ويظن أنه عابدٌ لله! سائر على هداه!!
لذا فإننا ندعو الناس إلى أن يفيقوا وينتبهوا من غفلتهم, وألا يخشوا الجن الخرافي, فليس له وجود ولا تأثير في حياتهم, وإنما كل التأثير من المترفين, الذين يفسدون في الأرض! فمع هؤلاء يجب أن تكون المعركة الحقيقة!

ندعوهم إلى أن يدركوا العالم حولهم, ودورهم فيه! فلقد خلقهم الله بشرا, وجعلهم خلفاء الأرض, وأمدهم بوحيه ليعرفهم طريقه, ولهذه المنزلة العظيمة انحرف عدد من الملائكة, الذي كان يفترض فيهم مساعدتنا في حياتنا, فأصبحوا يغووننا, ولا يتدخل الهداة في دنيانا إلا بقدر بسيط بإذن الله! أما الغواة فلم يأذن الله تعالى لهم في التدخل فيها إلا مرة واحدة –مسخرين لنا كذلك- مع سيدنا سليمان, وما عدا ذلك فالإنسان يشق طريقه معتمدا على نفسه, متبعا لنور الله!

أنا أعلم أن هذا الرأي سيسبب صدمة كبيرة للقارئ, وفي الغالب لن يتقبله .. بسهولة!, ولكني أدعوه إلى أن يقارن بين ما قلنا به وبين ما قاله الآخرون بمنطق العقل, ندعوه أن لا يحمله إلف القديم على رفض الجديد, فليس القديم دوما هو الصواب! ونحن لا نتعجل فما سيرفضه القارئ اليوم سيسلم به غدا بإذن الله .

لقد آن الوقت ليكون عندنا الجرأة والشجاعة لنبذ الخرافة, وإعلان تبرأنا منها, ولفهم معركتنا الحقيقة والاستعداد لها … وأول خطواتها أن نبرأ من كل شرك ونخلص عبادتنا لله …. فلا نعبد … الجن!
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

_________________________________
[1]انظر “الأسطورة التي هوت, علاقة الإنسان بالجان ” لحسان عبد المنان .

[2]يمكن أن يفهم أن “العجل” متعلق بمادة الخلق أيضا, فكلمة “العجل” يمكن فهمها على أنها حالة من حالات الماء, فتكون الآية عن مادة الخلق أيضا.

 

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

3 تعليقات

  1. الرجاء، اصلاح الروابط في هذا المقال وفي غيره كثير، حيث كلها تبدو من الموقع القديم أو من قبل تغيير (الروابط الثابثة permalinks). وشكرا على مقالات رائعة

  2. الرجاء، اصلاح الروابط في هذا المقال وفي غيره كثير، حيث كلها تبدو من الموقع القديم أو من قبل تغيير (الروابط الثابثة). وشكرا على مقالات رائعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.