آيات الصيام: نظرة تحليلية!

نتناول اليوم بإذن الله وعونه آيات الصيام, تلك الآيات الخمس المذكورات في سورة البقرة, والتي جمع الله عزوجل فيها كل أحكام الصيام, فلم يذكرها مفرقة في أكثر من سورة, كما حدث مع أحكام أخرى!

والحق يقال أني نظرت في هذه الآيات أكثر من مرة –ليس بالجهد الكافي- فلم يكن يظهر لي فيها شيء! إلى أن عقدت العزم هذه المرة على أن أتوقف معها –بمناسبة حلول شهر رمضان الكريم- لأعرف لماذا جاءت هذه الآيات بهذا الشكل! والذي يبدو من الوهلة الأولى أنه يحتوي تكرارا!

وفي هذه المرة ولله الحمد كله وفقني الله إلى أن أرى التقسيم البديع في هذا الآيات, والذي لا يحتوي أي قدر من التكرار! وإنما أحكام تفصيلية شاملة لأحكام الصيام!

والإشكال المتعلق بفهم آيات الصيام لا يتعلق بالدرجة الأولى بطريقة عرضها بقدر ما يتعلق بالروايات التي أتت مصاحبة لهذه الآيات (مفسرة/معسرة) لها! والتي وجهت أفهام المفسرين إلى اتجاهات بعيدة كل البعد عن النص القرآني! مما أدى إلى ظهور أفهام عجيبة للآيات.

لذا سنعرض في أثناء تناولنا هذه الآيات ما قاله المفسرون –ناقلين أقوالهم من تفسير الإمام الفخر الرازي- لنشهد! كيف انحرف الفهم بسبب الروايات, وسنرد على أقوالهم هذه!
ونبدأ بسم الله الرحمن الرحيم

الآيات الخمس التي جمعت أحكام الصيام –وما يرتبط به- هي قوله تعالى:
“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [البقرة : 183-187]”

تبدأ الآيات بقوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ”, وبهذا يظهر لنا أننا أُلزمنا بالصيام بأعلى صيغ التكليف وهي الكتابة! فالصيام ليس مفروضا وإنما مكتوبا!

والمكتوبات كلها (الواردة بصيغة: كُتب عليكم) وردت في سورة البقرة تحديدا, منها اثنتان قبل هذه الآيات مباشرة:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى …..[البقرة : 178]
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة : 180]
والأخيرة بعدها بآيات وهي قوله تعالى:
“كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ …. [البقرة : 216]”

والذي يظهر من الآية الأولى من آيات الصيام هو الإشارة إلى أن هذا الحكم قد يُستثقل, لذلك بيّن الله تعالى أن الصيام لم يُكتب علينا نحن فقط, وإنما كُتب على السابقين كذلك! ثم يبين لنا الرب العليم العلة من كتابة الصيام وهي تحقيق التقوى, وهو مطلب عزيز لكل مسلم.

واختلف المفسرون في كيفية التشابه بين صومنا وصوم من كان قبلنا هل هو في مجرد الكتابة, أي أنه كُتب علينا كما كتب عليهم, أم أنه كان بنفس الشكل وحرفوه!

والذي نراه –والله أعلم- أن التشابه هو في مجرد الكتابة, فكما كُتب عليهم كتب علينا, لأنه لو كان المراد تشابه كيفية الصيام لقيل: “كُتب عليكم الصيام كصيام من قبلكم”, ولما احتيج إلى هذا التفصيل, لأنه من المفترض أن نأخذ الكيفية منهم! أو لفصلت الآيات الكيفية, مبينة أنهم غيروا فيها!

ولكن الآيات لم تعرض لهذا قط, وإنما أخذت تفصل أحكام الصيام مخاطبة المسلمين! فيؤكد هذا أن المراد من التشابه هو التشابه في أصل الكتابة, فكما كتب عليهم كتب علينا!

تبدأ الآية الثانية بقوله تعالى: “أياما معدودات”, وكنت أرى استنادا إلى هاتين الكلمتين, أن الصيام كُتب على من كان قبلنا بنفس الهيئة ولو على الأقل في الأيام, ومن ثم فيكون قول اليهود بوجوب صوم يوم واحد في العام قول باطل (ويتطوع ما يشاء بخلاف ذلك!),
ثم لاحظت أنهما لم يردا في نفس الآية, وإنما وردا منفصلين في آية تالية, فلو كان هناك تشابه في هذه الجزئية لأدرجتا في الآية الأولى! وبما أنه لم يحدث فيكون الخطاب بالأيام المعدودات موجهٌ إلى المسلمين فقط ولا يمكن الاستدلال به على خطاب من كان قبلنا!

ومن هاتين الكلمتين بدء انحراف المفسرين عن النص بسبب الروايات, فنجد أن الإمام الفخر الرازي يحكي الأقوال الواردة فيها:
“اختلفوا في هذه الأيام على قولين: الأول: أنها غير رمضان، وهو قول معاذ وقتادة وعطاء، ورواه عن ابن عباس، ثم اختلف هؤلاء فقيل: ثلاثة أيام من كل شهر، عن عطاء، وقيل: ثلاثة أيام من كل شهر، وصوم يوم عاشوراء، عن قتادة ، ثم اختلفوا أيضاً فقال بعضهم : إنه كان تطوعاً ثم فرض(!!!) ، وقيل : بل كان واجباً واتفق هؤلاء على أنه منسوخ بصوم رمضان،” اهـ

وكعادة الأثريين في اعتماد الروايات المتناقضة!! واستخلاص حكم منها, حدث هذا مع هذه الروايات! فكما يرى القارئ اختلفت الروايات في تحديد الأيام, ولا إشكال! المهم أنها أيام غير رمضان! ما هي تحديدا؟ الله أعلم, ولكن هي غير رمضان! والأعجب أن بعضهم قال أنها كانت تطوعا ثم فرضت!!!

الله عزوجل يقولها بأعلى صيغ الإلزام “كُتب عليكم” ويقول بعضهم أنها كانت تطوعا ثم فُرضت!

والأيام المذكورة كتفسير لهذه الآيات هي أيام, وردت الروايات أن الرسول كان يصومها, فاجتهد هؤلاء في فهم النص, وجعلوها هي الأيام المرادة من الأيام المعدودات!!! ومن ثم اختلفوا في تحديدها! لعدم وجود قول صريح من الرسول بشأن هذه الأيام! وبعد هذا الاختلاف اتفقوا!! على أن هذا الصوم نُسخ برمضان!
ولست أدري من الذي قال أن هذا صوم غير صوم رمضان! وهكذا استنادا إلى أفهام ظنية يقولون بوقوع النسخ في كتاب الله العزيز, الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه!

الإشكالية الكبرى أن المفسرين رأوا الآيات بهذا الشكل “أيّاماً مَعْدودات …. شهرُ رمضانَ الذي ….”, فتساءلوا: هل الأيام هي شهر رمضان أم غيره؟! فجعلوها غيره! وجعلها آخرون رمضان, إلا أن كلا الفريقين غفل عن الحكمة من إفراد هاتين الكلمتين وجعلهما في آية مستقلة, (بغض النظر عن القول بأنها إشارة إلى قلة فترة الصيام وأنها ليست من الأمور المستمرة!) ومن ثم ظهر الأمر كما لو كان مكررا, فالأيام المعدودات هي شهر رمضان! وبهذا أنشأوا أول تكرار وتعقيد في الآيات! على الرغم من عدمه!

والذي نراه والله أعلم أن الله تعالى يخاطب المسلمين بتفصيل أحكام الصيام بقوله أنه مكتوب عليهم “أيام معدوات” أي أن المسلم مُلزم بأن يصوم عدد من الأيام في كل عام, ثم فصل في الآية والآية التالية لها, ما هي هذه الأيام, وكيفية وقوعها أصلا وكيفية وقوعها استثناءاً!

فتكون الأيام المعدودات هي عدد من الأيام يساوي شهرا عربيا, شهر مكتوب على الإنسان صومه, وهو أصلا شهر رمضان, وإن لم يصمه صام شهرا غيره, أو لم يصم بعضه صام هذه الأيام فيما بعد.

إذن فلا تكرار ولا تعقيد, لأن الأيام هي شهر, يُفترض أن يكون رمضان, فإن لم يكن كان غيره أو بعضه وبعض غيره, المهم في النهاية أنها أيام معدودات!!!

وبعد أن بيّن الرب العليم أن المسلم ملزم بأن يصوم عدد من الأيام في كل عام, بدأ الله عزوجل في ذكر غير المخاطبين بهذه العبادة! وهكذا نرى أن الله عزوجل ذكر أولا المستثنيين قبل أن يذكر المكلفين! فقال:
“فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ”

فالمريض أو المسافر غير مخاطب بالصوم أصلا, وإنما عليه صوم أيام أخر, (لاحظ أن الله تعالى قال: ف –عليه- عدة من أيام أخر)
وهذا يعني صحة الرأي أن المريض أو المسافر لا يجوز لهما الصيام في وقته الأصلي ابتداءا! لأنهما غير مخاطبين به, وإنما المخاطبون هم من سيذكرهم الله تعالى في الآية القادمة! وهؤلاء يصومون بعد زوال هذا العذر المانع! ولا يكون صومهم هذا قضاءاً وإنما صيام ابتداء, لأنه كان مرفوعا عنهم في رمضان!

وإذا قلنا أن المريض أو المسافر يصوم بعد رمضان (والذي سماه الفقهاء: قضاء) فكيف يكون هذا الصيام؟
حكى الإمام الفخر الرازي هذا الخلاف, فقال:
“إذا أفطر كيف يقضي؟ فمذهب علي وابن عمر والشعبي أنه يقضيه متتابعاً وقال الباقون : التتابع مستحب وإن فرق جاز.
حجة الأولين وجهان: الأول : أن قراءة أبي { فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ } متتابعات, والثاني: أن القضاء نظير الأداء فلما كان الأداء متتابعاً، فكذا القضاء .

حجة الفرقة الثانية : أن قوله : { فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } نكرة في سياق الإثبات ، فيكون ذلك أمراً بصوم أيام على عدد تلك الأيام مطلقاً ، فيكون التقييد بالتتابع مخالفاً لهذا التعميم ، وعن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال: إن الله لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه، إن شئت فواتر وإن شئت ففرق والله أعلم.” اهـ

والذي نراه والله أعلم أنه يجب على المريض والمسافر الصيام بعد رمضان متتابعا, وذلك أن هذا الصيام ليس قضاء وإنما هو فرض هؤلاء, فالشاهدون كتب عليهم صيام أيام متتالية, وكذلك كُتب على من يشهدوا صيام أيام متتالية فيما بعد, والصيام لا يلعب دوره كاملا إلا إذا كان أياما متتالية, تبدأ في التأثير في الإنسان وتغيير حاله, فكذلك يكون الحال مع هؤلاء!

ويبدو أن القائلين بالتفرقة في القضاء –استنادا إلى أنها نكرة في سياق الإثبات- لم يلاحظوا أن الله تعالى لم يقل: “عدة أيام أخر”, وإنما قال: “عدة من أيام أخر”, أي أن الإنسان يأخذ مجموعة من أيام أخرى.

وبعد أن بيّن الله عزوجل الذين لا يخاطبون بالصوم في وقته الأصلي (رمضان) والذين يصومون فيما بعد, لعذر عارض, يذكر المولى سبحانه صنفا آخر لا يُخاطب بالصيام أصلا لأن عذره غير عارض وإنما مستمر, وهم الذين يطيقونه. (وهذا الصنف غير داخل في الصنف الأول –المسافرين والمرضى- لأن الله تعالى ابتدء تكليفهم ب “على” جديدة: وعلى الذين يطيقونه!)
فهؤلاء الذين يطيقونه غير مخاطبين بالصيام وإنما عليهم فدية طعام مسكين!

وذكر الإمام الفخر الرازي عند تناوله لهذه الآية كلاما طيبا, فقال:
“القول الثالث : أنه نزلت هذه الآية في حق الشيخ الهرم, قالوا: وتقريره من وجهين, أحدهما: أن الوسع فوق الطاقة فالوسع اسم لمن كان قادراً على الشيء على وجه السهولة أما الطاقة فهو اسم لمن كان قادراً على الشيء مع الشدة والمشقة فقوله: {وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ} أي وعلى الذين يقدرون على الصوم مع الشدة والمشقة . (……..)

إذا عرفت هذا فنقول : القائلون بهذا القول اختلفوا على قولين أحدهما : وهو قول السدي : أنه هو الشيخ الهرم ، فعلى هذا لا تكون الآية منسوخة ، يروى أن أنساً كان قبل موته يفطر ولا يستطيع الصوم ويطعم لكل يوم مسكيناً وقال آخرون: إنها تتناول الشيخ الهرم والحامل والمرضع. ……. واعلم أنهم أجمعوا على أن الشيخ الهرم إذا أفطر فعليه الفدية ، أما الحامل والمرضع إذا أفطرتا فهل عليهما الفدية؟” اهـ

وكما قالوا فالشيخ والعجوز يطيقانه فعليهما فدية طعام مسكين, لأنه لا يتصور أن يزول هذا الظرف عنهما, وكذلك من الممكن أن يدخل تحته أولئك الذين يعملون أعمالا شاقة, ولا يجدون مصدرا للدخل يغنيهم عن العمل في هذه الأيام, أو أن عملهم من الضروريات التي لا يمكن انقطاعها!

وقال الإمام الفخر في تفسيره عند تناوله قوله تعالى: “فَمنْ تَطوّع خَيْرا ….َ”:
“”أما قوله تعالى: { فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ} ففيه ثلاثة أوجه, أحدها: أن يطعم مسكيناً أو أكثر. والثاني: أن يطعم المسكين الواحد أكثر من القدر الواجب والثالث : قال الزهري : من صام مع الفدية فهو خير له.” اهـ

والذي نراه أن المراد من التطوع خيرا هو الإنفاق, فمن أخرج أكثر من ذلك القدر “فهو خيرٌ له” (تذكر معنى: خيرا, في آية الوصية السابقة لآيات الصيام)
“وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ” ثم تعود الآيات إلى مخاطبية المكلفين بالصيام, الذين قيل لهم: “كُتب عليكم” فتبين لهم أن الصيام خير لهم, فتقول: “وأن تصوموا خير لكم إن كنتمتعلمون”, وليس المريض أو المسافر أو الذين يطيقونه مخاطبين بهذا الجزء من الآية, وإلا لقال الله تعالى: وأن يصوموا خير لهم إن كانوا يعلمون!.

وبعد أن عرّفنا المولى أن الصيام خير لنا يبدأ في تعريفنا بالأيام التي كُتب علينا صيامها أصلا وهي شهر رمضان, ذلك الشهر الذي أنزل فيه القرآن, وبهذا يتبين لنا ارتباط الشهر الكريم بالقرآن العظيم:

“شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ”

وأول ما نتوقف معه في هذه الآية هو قوله تعالى: “أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ“, فمن المعلوم أن القرآن نزل مفرقا على الرسول الكريم, فكيف يكون أنزل في رمضان؟ ذكر الإمام الفخر الرازي في تفسيره أقوال العلماء حول هذا الخبر, فقال:
“اختيار الجمهور :
أن الله تعالى أنزل القرآن في رمضان على النبي صلى الله عليه وسلم : ” نزل صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين والإنجيل لثلاث عشر والقرآن لأربع وعشرين ” (……)

القرآن أنزل في ليلة القدر جملة إلى سماء الدنيا، ثم نزل إلى الأرض نجوماً ، وإنما جرت الحال على هذا الوجه لما علمه تعالى من المصلحة على هذا الوجه فإنه لا يبعد أن يكون للملائكة الذين هم سكان سماء الدنيا مصلحة في إنزال ذلك إليهم أو كان في المعلوم أن في ذلك مصلحة للرسول عليه السلام في توقع الوحي من أقرب الجهات ، أو كان فيه مصلحة لجبريل عليه السلام ، لأنه كان هو المأمور بإنزاله وتأديته، (…….)

(عمرو: هذا التعليل هو القول المشتهر, ولقد لاحظ الإمام الفخر الرازي أن لا مبرر منطقي لنزوله إلى السماء الدنيا ثم إنزاله بعد ذلك على الرسول الكريم, فحاول أن يقدم مبررات ولكنها كما نرى أقوال عجيبة تثير الاستغراب!!)

الجواب الثاني عن هذا السؤال : أن المراد منه أنه ابتدىء إنزاله ليلة القدر من شهر رمضان, وهو قول محمد بن إسحاق (………)

واعلم أن الجواب الأول لا يحتاج فيه إلى تحمل شيء من المجاز وههنا يحتاج, فإنه لا بد على هذا الجواب من حمل القرآن على بعض أجزائه وأقسامه.
(عمرو: ولا حرج في هذا, فكلمة “القرآن” تُطلق في كتاب الله على كله وعلى بعضه: ….. وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللّهُ عَنْهَا وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ [المائدة : 101], وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف : 204],
فالسورة من القرآن قرآن والقرآن كله قرآن وكله سورة! لذا فلا إشكال في هذه الجملة)
القول الثاني: في تفسير قوله: { أُنزِلَ فِيهِ القرآن } قال سفيان بن عيينة : أنزل فيه القرآن معناه أنزل في فضله القرآن، وهذا اختيار الحسين بن الفضل.” اهـ

وبما أننا نتعرض لهذه الآيات لا بد أن نتوقف مع السؤال الذي يطرح دوما وهو القول: قال الله تعالى في أول السورة أن الكتاب هدى للمتقين, وهنا قال أن القرآن هدى للناس, فهل هو هدى للمتقين أم هدى للناس؟

فنقول: إن الله تعالى يتحدث في أول السورة عن تأثيرمحتوى الكتاب, فذلك الكتاب هو الكتاب لا ريب, لا يحتوي أي ريب, وفيه أو هو نفسه هدى للمتقين, أي أنه سيفلح ويؤثر في هؤلاء!

أما هنا فيتكلم المولى –وهو وحده أعلم- عن هيئة وغاية إنزاله, فالله عزوجل أنزل الكتاب ليهدي الناس! فلم ينزله لطائفة معينة! والإنسان هو الذي يحدد إذا كان ممن سينتفعون بالكتاب أم ممن لن يؤثر فيهم!!

وبعد أن قال المولى سبحانه أن القرآن أنزل هدى للناس, بيّن أنه بينات من الهدى والفرقان, فليس القرآن مجرد هداية قلبية يستشعرها الإنسان, وإنما يقيم الحجة والبرهان, فيعرف الناس طريقهم ويفرق لهم بين الحق والباطل.

ونعود إلى أحكام الصيام, فنجد قوله تعالى: ” فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ” يأتي بعد الحديث عن نزول القرآن! وكأن نزول القرآن في هذا الشهر مبرر كاف لصيامه! وفي هذا لفتة طيبة فالشهر ليس مجرد صيام لمجرد الامتناع عن هذه الشهوات وإنما هو تطهر من الشهوات للتهيؤ لقراءة كلام الله ولمخاطبة الله وتدبره والانتفاع به!

فالقرآن إذا صادف قلبا مشغولا بالشهوات لم يؤثر فيه أما مع تطهر القلب من الشهوات فإن القرآن يلاقي قلبا مستعدا للانتفاع بكلام الله!
ونلاحظ أن سيدنا موسى عندما ذهب للقاء ربه صام ثلاثين يوما! ثم أضيفت عشرة أيام لعلة:
“وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ [الأعراف : 142]”

وقالت التوراة أنه صام هذه الأيام فلم يأكل خبزا ولم يشرب ماء!
فهل يكون في هذا إشارة إلى تأثير الصيام هذه الفترة (ثلاثين يوما) على قلب الإنسان, بحيث ينقيه ويؤهله للاستماع لكلام الله؟ الله أعلم!

ثم يقول الله بعد ذلك: “وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ
وبسبب التناول الغير دقيق للآيات قيل أن ” وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ” تكرار لتأكيد المعنى!

وليس في الآية أي تكرار! ففي الآية السابقة كما قلنا كان هناك حديث عن غير المخاطبين (المستثنيين) بالصيام أصلا, وهنا حديث عن المخاطبين به, وهم أولئك الذين يشهدون الشهر أي يحضرونه (مستقرين في أوطانهم) مدركين إياه, (والشهادة يُشترط فيها الاستقرار والإدراك, فالمار لا يُعد شاهدا: “وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً [الفرقان : 72]”)

وبعد أن تحدث عن المكلفين به عاد فاسثنى من قد يطرأ عليهم العذر الطارئ في أثناء الشهر (المرض أو السفر[1]) فهؤلاء يصومون الأيام التي طرأ عليهم فيها العذر متتابعة في أيام أخر!

إذا فالآية الأولى على غير المكلفين به ابتداءا, وهم من كانوا مرضى أو على سفر قبل وعند بداية رمضان, فهؤلاء لا يصومون الشهر أصلا, وعليهم صيام شهر آخر, وأما آيتنا هذه عن المكلفين به وعن من قد يطرأ عليهم العذر من المكلفين, لذا ذكر المريض والمسافر, لأن هذا مما قد يجد على أي إنسان!

وبيّنت هذه الآية متى يلزم الصيام وهو بالشهادة, فإذا شهد المقيم ثم مرض أو سافر فعليه صيام أيام أخر.
ثم يبين الله تعالى أنه يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر, بدليل مراعاته الحالات التي قد تطرأ على الإنسان فتجعل صيامه شاقا أو ضارا فاستثناها, وبهذا لا يكون الصيام موجها إلا لمن يقدر عليه, ومن ثم يستفيد به!

ثم يقول الرب سبحانه: “ولِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ”, وهنا نتوقف لنسأل: علاما عطفت هذه الجُمل الثلاثة؟!

قال المفسرون أنه متعلقة بمحذوف أو بمفهوم! والذي نراه –والله أعلم- أنها معطوفة على قوله تعالى “لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” المذكور في أول آيات الصيام!

أي أن الله تعالى يقول أنه كُتب علينا الصيام كما كُتب على الذين من قبلنا لعلنا نتقي ولنكمل العدة ولعلنا نشكره سبحانه!

وهنا نسأل: ما المراد من: لتكملوا العدة؟!
قال الإمام الفخر الرازي عند تناوله لهذه الجملة:
“إنما قال: { وَلِتُكْمِلُواْ العدة } ولم يقل: ولتكملوا الشهر ، لأنه لما قال : ولتكملوا العدة دخل تحته عدة أيام الشهر وأيام القضاء لتقدم ذكرهما جميعاً ولذلك يجب أن يكون عدد القضاء مثلاً لعدد المقضي ، ولو قال تعالى : ولتكملوا الشهر لدل ذلك على حكم الأداء فقط ولم يدخل حكم القضاء.” اهـ

فكما نرى فلقد فهم الإمام الفخر الرازي أن المراد من إكمال العدة هو إكمال عدد أيام الصيام سواء في رمضان أو بعده, إلا أننا نتساءل:
أليس من الممكن أن يكون المراد من إكمال العدة, إكمال عدة العبادات, أي أن الله تعالى قد ألزم عباده في مختلف الرسالات بعدد من العبادات يحتاجونها في حياتهم, وأُلزمها المسلمون كذلك, وكان آخر هذه الدائرة هو الصيام, لذلك قال الله تعالى: لتكملوا العدة؟!

ثم قال المولى بعد ذلك: “وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ “, والجملة واضحة الدلالة والعجيب هو ما رجحه الإمام الفخر الرازي, حيث قال:

“أما قوله : { وَلِتُكَبّرُواْ الله على مَا هداكم } ففيه وجهان: الأول : أن المراد منه التكبير ليلة الفطر (………) ا

لقول الثاني: في تفسير قوله: {وَلِتُكَبّرُواْ الله} أن المراد منه التعظيم لله شكراً على ما وفق على هذه الطاعة، واعلم أن تمام هذا التكبير إنما يكون بالقول والاعتقاد والعمل أما القول : فالإقرار بصفاته العلي ، وأسمائه الحسنى ، وتنزيهه عما لا يليق به من ند وصاحبة وولد وشبه بالخلق ، وكل ذلك لا يصح إلا بعد صحة الاعتقاد بالقلب وأما العمل: فالتعبد بالطاعات من الصلاة والصيام ، والحج.

واعلم أن القول الأول أقرب (!!!)، وذلك لأن تكبير الله تعالى بهذا التفسير واجب في جميع الأوقات ، ومع كل الطاعات فتخصيص هذه الطاعة بهذا التكبير يوجب أن يكون هذا التكبير له خصوصية زائدة على التكبير الواجب في كل الأوقات.” اهـ

وترجيح الإمام لهذا الرأي من عجيب القول, فعلى الرغم من أن المسلم مأمور بتكبير الله, إلا أن الإنسان قد يغفل عن ذلك, لذلك جاء الصيام ليحصل الإنسان التقوى وليكبر الله على ما هدى بالقرآن والآيات البينات المنزلة في هذا الشهر! فإذا استشعر الإنسان عظمة الله وكبّره, شكره على نعمة القرآن والصيام!

وبما أن هذا الشهر يلعب ذلك الدور في تطهير قلب الإنسان ويهيأه لمخاطبة ربه, جاء قوله تعالى:

“وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة : 186]”

[1] الإطاقة ليست مما يطرأ على الإنسان, وإنما من الأشياء الملازمة له فهو يعلم من قبل رمضان إذا كان سيستطيع الصوم أو لا يستطيع, لذا لم تُذكر هنا كحالة استثنائية.

فالله تعالى قريب من عباده, وهذا الشهر يعطيهم الفرصة للتقرب منه ولمُناجته, وبسبب الفهم غير الدقيق لأحد كلمات هذه الآية, أنشأ المفسرون إشكالية شهيرة عند تناولهم لهذه الآية, ويعرض هذه الإشكالية المختلقة الإمام الفخر الرازي فيقول:
” في الآية سؤال مشكل مشهور، وهو أنه تعالى قال: {ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [ غافر : 60 ] وقال في هذه الآية : {أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ} وكذلك { أَمَّن يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ} [ النمل : 62 ] ثم إنا نرى الداعي يبالغ في الدعاء والتضرع فلا يجاب (………)

وقال ابن الأنباري: {أُجِيبُ} ههنا بمعنى أسمع لأن بين السماع وبين الإجابة نوع ملازمة، فلهذا السبب يقام كل واحد منهما مقام الآخر، فقولنا سمع الله لمن حمده أي أجاب الله فكذا ههنا قوله: {أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع} أي أسمع تلك الدعوة ، فإذا حملنا قوله تعالى : {ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } على هذا الوجه زال الإشكال.” اهـ

والمشكلة أن السادة المفسرين جعلوا إجابة الدعاء بمعنى تحقيق المطلوب في الدعاء! لذا أظهروا إشكاليات في الآية! وليس هذا معنى الإجابة في اللغة بحال,
فليس المراد من إجابة الدعاء تحقيق ما ورد فيه, وإنما سماع ومعرفة مضمونه والتصرف حسب الصالح والذي قد يكون تحقيق ما فيه بالشكل المتوقع أو بشكل غير متوقع أو حتى عدم تحقيقه لأنه قد يترتب عليها ضر للإنسان … إلخ!! وذلك كما يقال في الدنيا –ولله المثل الأعلى-: استمعنا إلى شواكم وعرفنا بها وسنتخذ الإجراءات اللازمة!
فهذا هو مفهوم الإجابة, والمشكلة أننا نفهمها بما يزيد عن معناها, وليس بما ينطبق معه, ويحتاج الأمر إلى بذل عظيم جهد حتى نغير تصور الناس لمدلول الكلمة!!!

وربما كان سبب هذه الإشكالية أنهم قاسوا استجابة الله لعبادة على استجابة العباد لله, على الرغم من اتساع البون بينهما, فاستجابة العباد لله تكون بسماع ما أمر به واتباعه وتنفيذه, لأن هذا هو معنى التسليم بألوهية الله, أما الله فهو أعلم وأحكم وأخبر لذا فهو يتصرف حسب الصالح.

ونصل إلى آخر آية تتعلق بالصيام وهي قوله تعالى:
“أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [البقرة : 187]”
وبسبب أول كلمة في هذه الآية جاءت روايات عجيبة كتعسير لها!, ذكر الإمام الفخر الرازي مضمونها في تفسيره, فقال:
“ذهب جمهور المفسرين إلى أن في أول شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، كان الصائم إذا أفطر حل له الأكل والشرب والوقاع بشرط أن لا ينام وأن لا يصلي العشاء الأخيرة, فإذا فعل أحدهما حرم عليه هذه الأشياء ، ثم إن الله تعالى نسخ ذلك بهذه الآية. وقال أبو مسلم الأصفهاني هذه الحرمة ما كانت ثابتة في شرعنا ألبتة، بل كانت ثابتة في شرع النصارى، والله تعالى نسخ بهذه الآية ما كان ثابتاً في شرعهم، وجرى فيه على مذهبه من أنه لم يقع في شرعنا نسخ ألبتة” اهـ

ولم يكن أي شيء من هذا! فالصيام ما فُرض على المسلمين إلا بهذه الآيات, والتي حُفت –متميزة عن غيرها- بكم من التيسيرات والاستثناءات والتعليلات والتبريرات, والتي أتت مبينة لهم كيفيته, فكيف نقول أنه كان هناك صوم قبل هذا الصوم؟!
إن معنى قوله تعالى: “أحل لكم” أي أن هذا أُحل لكم, أما من كان قبلكم فلم يكن هذا مُحلاً لهم, وهذا يبين أن صيامنا حدث فيه اختلافات عن صيام السابقين!

فالله تعالى يبين أنه أُحل لنا ليلة الصيام الرفث إلى نساءنا, والعجيب أن بعض المفسرين جعل الرفث كناية عن الجماع أو هو الجماع وما دونه! على الرغم من أن الرفث باختصار شديد هو الكلام الجنسي مع الزوجة! لذا استعمل حرف الجر “إلى” مع الرفث! أي أننا أحل لنا أن نفضي بذلك الكلام الجنسي إلى الزوجات, فنقول لهن في ليلة الصيام !!!!!

ولا حرج في هذا, فالنساء لباس لنا ونحن لباس لهن, فنحن ستر لهن وهن ستر لنا! (النساء لباس للرجل عامة والرجال لباس للمرأة عامة وليس في العملية الجنسية! لأن كليهما يداري السوءات الموجودة عند الآخر بإيجاد متنفس حلال له يمارس فيه شهوته! وتذكر: لباسا يواري سوءاتكم وريشا!)

ففي تلك المواطن فقط يجوز للإنسان أن يخرج منه ما يتحرج عنه في غيره من المواضع, ولا حرج لأن كليهما ستر للآخر!
ولقد أجاد الإمام الفخر الرازي عند تناوله هذه الجملة فقال:
 َعلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ ” , “{ عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } وأراد به تعالى النظر للمؤمنين بالتخفيف لهم بما لو لم تتبين الرخصة فيه لشددوا وأمسكوا عن هذه الأمور ونقصوا أنفسهم من الشهوة ، ومنعوها من المراد ، وأصل الخيانة النقص ، وخان واختان وتخون بمعنى واحد كقولهم : كسب واكتسب وتكسب ، فالمراد من الآية : علم الله أنه لو لم يتبين لكم إحلال الأكل والشرب والمباشرة طول الليل أنكم كنتم تنقصون أنفسكم شهواتها وتمنعونها لذاتها ومصلحتها بالإمساك عن ذلك بعد النوم كسنة النصارى.” اهـ

ثم يبين الله تعالى حال الصحابة في الالتزام الشديد والمبالغة فيما أمر الله تعالى به, في أنهم قد يتشددون فيما لم يفرض عليهم, فيقول أحل لكم الكلام في الجنس! أي لا تتحرجوا من الكلام ومن الإشارات لظنكم أن الشهر شهر تقوى فتجف العلاقات بين الرجل وزوجه!

ثم يأمرنا الله سبحانه بمباشرة النساء وابتغاء ما كتب الله لنا من الحلال المباح, وأن نأكل ونشرب حتى يتبين لنا الخيط الأبيض من الأسود من الفجر ثم نتم الصيام إلى الليل!

ولقد بيّنا في موضوع سابق متى يفطر الصائم وأنه ليس مع أذان المغرب, ويمكن للقارئ قراءة ما كتبنا على هذا الرابط:
http://www.amrallah.com/ar/showthread.php?p=1395#post1395
وبهذا نكون قد وصلنا إلى نهاية هذه الآيات وبيّنا أنه لا تكرار فيها وبينا التناول البديع لها, وكيف أن الفهم الغير دقيق للكلمات أو الجمل يؤدي إلى إنشاء مشاكل وأفهام ما أنزل الله بها من سلطان!
غفر الله لنا وللمسلمين والسلام عليكم ورحمة الله!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.