النبي ليس أبا للمؤمنين!

حديثنا اليوم بإذن الله وعونه عن فهم لآية من آيات الكتاب الكريم التصق بها, حتى أننا وجدنا من ادعى أن هذا الفهم كان من القرآن!

وبسبب هذه الأكذوبة –ومثلها من الأكاذيب- وجدنا من يطعن في ثبوت النص القرآني أو يرميه بالتناقض أو أن الصحابة زادوا فيه ونقصوا تبعا لأهوائهم!

والآية التي نتحدث عنها اليوم هي قوله تعالى:
النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (6)

والإشكال الذي سببه بعض القدامى هو قولهم أن النبي الكريم هو أب المؤمنين تباعا لأزواجه! فإذا كانت أزواجه أمهات المؤمنين فهو أب لهم!

(ولم يقتصر الأمر على ذلك بل وجدنا من يتحدث عن أخوال المؤمنين! وأشهر من وصف بهذا الوصف هو معاوية بن أبي سفيان! والقارئ اللبيب يعرف لماذا أبرز هذا الوصف لمعاوية تحديدا دون باقي أخوة أمهات المؤمنين! ولست أدري ما الذي يمنع أن يكون حيي بن أخطب جدا للمؤمنين؟!)

وليت الأمر اقتصر على كونه فهم لبعض السلف … إلا أنه تعداه إلى جعله من القرآن! (وبما أنه ليس في القرآن فالقرآن محرف! أو أنه من القراءات الشاذة! ولست أدري كيف يكون هناك شذوذ في القرآن وهو خال من الاختلاف! فبدلا من أن يجعلوا الروايات شاذة ومن ثم يرفضونها! جعلوا القراءات شاذة وتقبلوها وبنوا عليها أحكاما!!!)

فوردت بعض الروايات التي تقول أن النبي (أبٌ لهم, أبوهم) ومن ذلك:
أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور واسحق بن راهويه وابن المنذر والبيهقي عن بجالة قال مرّ عمر بن الخطاب بغلام وهو يقرأ في المصحف ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتـهم وهو أب لهم ) فقال : يا غلام حكها! فقال : هذا مصحف أُبيّ . فذهب إليه فسأله فقال : إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق بالأسواق ! “.

” أخرج ابن مردويه والحاكم والبيهقي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ الآية هكذا: ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتـهم ) “.

وهذا الفهم مخالف لمنطوق القرآن, فكون أزواج النبي أمهات المؤمنين حكم خاص لهن يترتب عليه بعض الأحكام الخاصة بهن من أنه ينظر إليهن المؤمنون نظرة الأولاد إلى الأمهات فلا يفكرن فيهن, ومن ثم لا يُنكحن بعد النبي.
أما أخواتهن فليسوا أخوالا للمسلمين! لأنه ليس لهم أي معاملة خاصة في دين الله وإنما يعاملوا كباقي الناس, وكذلك آبائهن وأمهاتهن ليسوا أجدادا للمؤمنين!

ويدل على ذلك أن الآية لم تقل أن النبي أبو المؤمنين, وإنما قالت: النبي أولى بالمؤمنين, وهو ما نثبته للنبي الكريم! ولو كان النبي الكريم أبا للمؤمنين لما جاز له أن يتزوج منهم! ولحرمت المؤمنات على النبي!

وبما أن النبي كان يتزوج المؤمنات فهن لسن بناته! فبناته هن من وُلدن منه, ولقد قال الله تعالى له:
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً [الأحزاب : 59]
ولو كان النبي الكريم أبا المؤمنين لما كان هناك حاجة لذكر “نساء المؤمنين” فكل نساء وبنات الأمة هن بناته, وبما أنه فصل في الذكر فيدل هذا على أن نساء المؤمنين لسن بنات النبي! وأنه يجوز له نكاحهن!

ثم إن الله عزوجل قد رد على من طعن في زواج النبي من زينب والتي كانت زوج زيد فقال:
مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً [الأحزاب : 40]
فكيف لا يكون أبا أحد من الرجال ثم يكون أبا للمؤمنين كلهم؟!

لذا يمكننا الحكم على الروايات التي تقول أن ابن عباس أو غيره كانوا يقرأون الآية بهذا الشكل, أنها روايات مختلقة مدسوسة ومنسوبة إليهم زورا وبهتانا, وأنها ما وُضعت إلا لتقوي الرأي القائل بهذا الفهم!

ولقد انتبه الإمام الفخر الرازي إلى أن الله تعالى لم يقل: وأزواجه أزواج أبيكم, فقال في تفسيره:
“فإن قال قائل: فلم لم يقل إن النبي أبوكم ويحصل هذا المعنى ، أو لم يقل إن أزواجه أزواج أبيكم فنقول لحكمة ، وهي أن النبي لما بينا أنه إذا أراد زوجة واحد من الأمة وجب عليه تركها ليتزوج بها النبي عليه الصلاة والسلام ، فلو قال أنت أبوهم لحرم عليه زوجات المؤمنين على التأبيد ،

ولأنه لما جعله أولى بهم من أنفسهم والنفس مقدم على الأب لقوله عليه الصلاة والسلام : « ابدأ بنفسك ثم بمن تعول » ولذلك فإن المحتاج إلى القوت لا يجب عليه صرفه إلى الأب ، ويجب عليه صرفه إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، ثم إن أزواجه لهم حكم زوجات الأب حتى لا تحرم أولادهن على المؤمنين ولا أخواتهن ولا أمهاتهن ، وإن كان الكل يحرمن في الأم الحقيقية والرضاعية .” اهـ

ولا يعني بهذا أن النبي الكريم لم يكن أبا (أبوة روحية) للمؤمنين, ولكن هذه الأبوة الروحية لا يترتب عليها أي حكم (متعلق بالأبوة الجسدية) سوى كونه أولى من أنفسهم! والحب … إلخ

نخرج من هذا بأنه ليس للمؤمنين أخوال ولا أعمام, وإنما مُنح أزواج النبي صفات الأمهات, ولم يتعد الأمر إلى النبي أو إلى أي إنسان آخر!
والسلام عليكم ورحمة الله!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.