لا يجوز نكاح غير المسلمة!

حديثنا اليوم بإذن الله وعونه عن حكم من الأحكام, وهو إن كان لا يهم كثيرا من المسلمين, إلا أنه مما يجب على المسلم معرفته, تلبس به أم لم يتلبس, وهو حكم الزواج من غير المسلمة.

والرأي المنتشر بين خاصة المسلمين –السنة- وعوامهم, أنه لا يجوز للمسلمة الزواج من غير المسلم, كتابيا كان أو مشركا أو ملحدا, بينما يجوز للمسلم الزواج من الكتابية: يهودية أو نصرانية بشروط.

ومما يأسف له المرء أننا وجدنا بين بعض أنصار التجديد! القول بجواز زواج المسلمة من الكتابي, إذا أمنت أنه لن يجبرها على ترك دينها وتحويلها إلى دينه! بحجة أنه لا يوجد دليل قاطع يُحرم زواج المسلمة من غير المسلم!

لذا سنبين للقارئ الكريم كيف أن الرأيين قد جانبهما الصواب, وأن الصواب كان مع ذلك الرأي الذي هُمش منذ أول البعثة, والسبب وراء ذلك الانحراف عن الرأي الصحيح, ونبدأ باسم الله الرحمن الرحيم

الناظر في عمدة أدلة القائلين بجواز الزواج من المحصنة الكتابية يجد أنه قوله تعالى: “الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [المائدة : 5]”
ويقولون: لقد أحل الله الزواج من المحصنة الكتابية, وسورة المائدة آخر ما نزل من القرآن, ومن ثم فإن الحكم المذكور فيها حكم قائم لم ينسخه ناسخ, فوجب تقديمه على الآيات الأخرى.

وبغض النظر عن مسألة النسخ المزعومة, والتي لا وجود لها في كتاب الله, نبدأ في عرض أدلتنا على أنه لا يجوز التزاوج إلا بين المسلمين, فالمسلم لا يتزوج إلا مسلمة والمسلمة لا تتزوج إلا مسلم, فنقول:

إن الآية التي يستدلون بها دليلٌ جلي على ما نقول, فالناظر في الآية يجد أنه سبحانه قال: “وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم” هكذا بدون تخصيص بأي شيء, بينما اختلف الوضع عند الحديث عن الزواج, فقال: “وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ”

ولنا أن نسأل:ما فائدة التخصيص ب: “من قبلكم” إذا كان الحكم عاما لكل مسلم في كل زمان ومكان؟! فالمعروف بداهة أن اليهود والنصارى أوتوا الكتاب من قبلنا, فلا فائدة من التخصيص, إلا إذا كان الكلام على المعاصرين في زمن النبي, أي أنه حكم مؤقت.

والذين التفتوا إلى هاتين الكلمتين من الفقهاء قالوا: يجوز للمسلمين الزواج ممن ولدن يهوديات أو نصرنيات قبل البعثة المحمدية لقلة النساء المؤمنات, لأنه قد يدخل الكثير في الإسلام ولا يجد الزوجة المؤمنة, فيجوز له في هذه الحالة الزواج من الكتابية, التي وُلدت قبل البعثة.

والذي نراه نحن أن الآية تتكلم عن وضع موجود فعلا, فمن المعلوم أن المائدة (من) آخر ما نزل في القرآن, والحديث عن ندرة نساء المؤمنين حديث غير منطقي, لأن الناس كانوا قد دخلوا في دين الله أفواجا, فكيف يكون هناك حديثا عن ندرة للمسلمات في ذلك الزمان؟!

كما أن هذا يعني ارتباط الحكم بعلته, فلماذا يُجوّز للمسلمين في ذلك العصر الزواج من الكتابيات ولا يُجوّز لأي مجتمع حديث, دخل بعضه في الدين, ويعاني من نقص النساء المسلمات؟!

بينما على قولنا فالحكم خاص/عام, فالصحابة عندما كان هناك قلة من النساء المؤمنات تزوجوا من الكتابيات, وهناك من كان متزوجا منهن قبل الدخول في الإسلام, وعند دخوله في الإسلام ظل على زواجه منها, فأتت الآية فأثبتت أنكحة هؤلاء, وقالت أن هؤلاء حلٌ, ولاحظ أن الآية لم تتحدث عن إنشاء نكاح, وإنما تكلمت عن حلية نساء من أوتي الكتاب من قبلنا.

والحكم ليس خاصا بهؤلاء فقط, أي أنه ليس حكما لجيل الصحابة فقط, وإنما هو حكم عام لأي مجتمع إسلامي جديد ناشىء, فإذا دخل بعض أفراد من مجتمع ما في الإسلام فيجوز لهم الزواج من الكتابيات المحصنات لأنهم أوتوا الكتاب من قبلهم (من قبل هؤلاء الأفراد, فعلى الرغم من أن الكتاب/القرآن, أنزل قبل ما يقرب من الألف وخمسمائة عام إلا أن هؤلاء لم يؤتوا الكتاب/القرآن إلا في أيامنا هذا

والكتابيات مستمرات على دين آبائهن فيكن ممن أوتوا الكتاب من قبل الداخلين الجدد في الإسلام), فإذا كان هناك تدرج في تطبيق/ إنزال الأحكام على المجتمع الإسلامي الأول, -حتى يستطيع التكيف مع الوضع الجديد- فلماذا لا يجوز مع أي مجتمع إسلامي جديد ناشئ؟!

وكذلك إذا كانوا –الداخلون الجدد في الإسلام- متزوجين من كتابيات من قبل إسلامهم, فيحل لهم الإبقاء عليهن في عصمتهم, لأن الله تعالى حلل ذلك, بينما قال هناك: “وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ”.

ونسأل ذلك المقتنع بجواز الزواج من الكتابيات المحصنات: ما فائدة “من قبلكم” في الآية؟ لقد ساوى القائلون بهذا الرأي بين وجودها وعدمه, فجعلوها حشوا, أما نحن فأعملناها ولم نهملها.

كما نقول له: لم يُفرق الفقهاء القائلون بهذا القول بين الذين أوتوا الكتاب وبين اليهود والنصارى, على الرغم من الاختلاف الكبير بينهما, ولأن عامة القراء لا يفرقون بين: أهل الكتاب, والذين أوتوا الكتاب, اليهود والنصارى, الذين قالوا إنا نصارى, الذين هادوا, فلن نُعول كثيرا على هذه النقطة.

ولكنا نُعرفه أن الإمام الشافعي –وبعض الفقهاء- كانوا يرون أن أهل الكتاب هم اليهود والنصارى من أصل إسرائيلي, أما الأمم التي انتحلت الديانة فلا يُطلق عليهم أهل الكتاب.
وهناك من قال أن أهل الكتاب مصطلح خاص باليهود والمسلمين ولا يدخل فيه النصارى بحال, وهو قول له وجاهته!

ولسنا أول من منع الزواج من الكتابيات, فهناك من الصحابة من قال بهذا, وأشهر من قال بهذا هو عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وغيرهم, ومن التابعين محمد بن الحنفية والإمام الهادي من الزيدية, وهناك الكثير من الفقهاء سبقونا إلى القول بهذا القول, مع اختلاف في التفصيل.
وننظر فيما قاله الإمام الفخر الرازي عند تناوله هذه الآية:
“المسألة الأولى: ذهب أكثر الفقهاء إلى أنه يحل التزوج بالذمية من اليهود والنصارى, وتمسكوا فيه بهذه الآية، وكان ابن عمر رضي الله عنهما لا يرى ذلك ويحتج بقوله: {وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ} [ البقرة: 221 ] ويقول: لا أعلم شركاً أعظم من قولها: إن ربها عيسى.
ومن قال بهذا القول (أي حرمة نكاح الكتابيات-عمرو-) أجابوا عن التمسك بقوله تعالى: { والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب} بوجوه:
الأول: أن المراد الذين آمنوا منهم، فإنه كان يحتمل أن يخطر ببال بعضهم أن اليهودية إذا آمنت فهل يجوز للمسلم أن يتزوج بها أم لا؟ فبيّن تعالى بهذه الآية جواز ذلك.

والثاني: روي عن عطاء أنه قال: إنما رخص الله تعالى في التزوج بالكتابية في ذلك الوقت لأنه كان في المسلمات قلة، وأما الآن ففيهن الكثرة العظيمة، فزالت الحاجة فلا جرم زالت الرخصة.

والثالث: الآيات الدالة على وجوب المباعدة عن الكفار، كقوله: {لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء } [ الممتحنة : 1 ] و قوله: {لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُم} [ آل عمران : 118 ] ولأن عند حصول الزوجية ربما قويت المحبة ويصير ذلك سبباً لميل الزوج إلى دينها، وعند حدوث الولد فربما مال الولد إلى دينها، وكل ذلك إلقاء للنفس في الضرر من غير حاجة.

الرابع: قوله تعالى في خاتمة هذه الآية: { وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِى الاخرة مِنَ الخاسرين } وهذا من أعظم المنفرات عن التزوج بالكافرة ، فلو كان المراد بقوله تعالى: {والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ } إباحة التزوج بالكتابية لكان ذكر هذه الآية عقيبها كالتناقض وهو غير جائز. (………………..)

المسألة الخامسة : قال الكثير من الفقهاء: إنما يحل نكاح الكتابية التي دانت بالتوراة والإنجيل قبل نزول القرآن، قالوا: والدليل عليه قوله: {والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ} فقوله {مِن قَبْلِكُمْ} يدل على أن من دان الكتاب بعد نزول الفرقان خرج عن حكم الكتاب.” اهـ

وكما رأينا فلسنا أول من قال به, إلا أننا –ولله الحمد- أول من فصّل هذا التفصيل, وبيّن أن الآية حكم عام مستمر إلى يوم الدين وليس حكما خاصا بالصحابة!

وهناك الكثير من الشواهد التاريخية التي تؤيد قولنا هذا, فلقد روى الإمام الطبري في تاريخه:
جاء عن الإمام الحسن البصري أن رجلاً سأله: أيتزوج الرجل المرأة من أهل الكتاب؟ فقال: ما له ولأهل الكتاب؛ وقد أكثر الله المسلمات؟

وجاء في كتاب الأم للإمام الشافعي: عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن نكاح المسلم اليهودية والنصرانية. فقال: تزوجناهن زمان الفتحبالكوفة مع سعد بن أبي وقاص ونحن لا نكاد نجدالمسلمات كثيرا فلما رجعنا طلقناهن” اهـ
فكما رأينا فلقد طبق الصحابة ما قلناه عند حديثنا عن المجتمع الإسلامي الناشئ وعدم وجود المسلمات, وتطليقهن كان خيارا وليس واجبا.
وكما روى الإمام السيوطي في الدر المنثور عن ابن عباس:
نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصناف النساء، إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات، وحرم كل ذات دين غير الإسلام.
وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه, والناظر في هذه المسألة في المذاهب الأخرى يجد ميلا إلى التحريم, فالمشتهر في المذهب الإمامي هو القول بأنه لا يجوز الزواج منهن, وإن كان في المذهب ستة أقوال:
قول بعدم الجواز مطلقاً.
قول بالجواز متعة لا دواماً، وبملك اليمين.
قول بالجواز في حالة الإضطرار وعدم وجود المسلمة.
قول بالجواز مطلقاً على كراهية.
قول بالجواز مطلقاً بدون كراهية.

والإباضية يقولون بالجواز مع شدة الكراهة, وهناك من يقول بأنه لمن كانت قبل نزول القرآن.

وإذا نظرنا في كتاب الله تعالى وجدنا أن كل الآيات الباقية المتعلقة بالنكاح تبيّن أنه من المؤمنات فقط, فلو قالت هذه الآية بالحل لأصبحت كل الآيات في توجه وهذه بمفردها في توجه آخر, ولحصل الاختلاف في كتاب الله تعالى وهو محال, ونبيّن للقارئ الكريم كيف أن باقي الآيات ناطقة بتحريم غير المؤمنات:

“وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ …. [النساء : 25]”

وكما رأينا, فالله تعالى يتكلم في النساء عن تزوج الإماء المؤمنات عند عدم القدرة على تزوج الحرائر المؤمنات, ولم يذكر الكتابيات!
وعند تعرض الإمام الفخر الرازي لهذه المسألة قال:
“المسألة السادسة: من الناس من قال: انه لا يجوز التزوج بالكتابيات ألبتة، واحتجوا بهذه الآيات، فقالوا: إنه تعالى بيّن أن عند العجز عن نكاح الحرة المسلمة يتعين له نكاح الأمة المسلمة، ولو كان التزوج بالحرة الكتابية جائزا، لكان عند العجز عن الحرة المسلمة لم تكن الأمة المسلمة متعينة، وذلك ينفي دلالة الآية.” اهـ

قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً [الأحزاب : 49]”

فإذا كان يجوز نكاح غير المؤمنات فهذا يعني أن الله تعالى لم يُبين لنا ولهن الأحكام المتعلقة بهن! فهل سأجري عليهن أحكام الإسلام وهن لا يدنّ به, ولم يأمرن الله تعالى بهذا؟!

والملاحظ أن الله تعالى قال “المؤمنات”, ولو كان يجوز نكاح غيرهن لقال: النساء, ولقد انتبه الإمام الفخر الرازي إلى هذه النقطة وحاول أن يوجد لها تبريرا, فقال:

“وقوله: {إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات} التخصيص بالذكر إرشاد إلى أن المؤمن ينبغي أن ينكح المؤمنة فإنها أشد تحصيناً لدينه” اهـ

والمسألة ليست مسألة تخيير وإرشاد إلى الأفضل وإنما هو الحديث عن البدهي المتعارف, فالنكاح لا يكون إلا من المؤمنات لذلك يكون الحديث عن المؤمنات, كما أن الحديث لا يكون إلا من النساء ولا يكون من الأطفال, لذلك كرر المولى سبحانه هذا التأكيد في آيات كثيرة, فقال:
وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاء سَبِيلاً [النساء : 22]
فهل لو كان الأب متزوجا من طفلة يجوز أن أنكحها بعده؟! أم هذا الحديث لأن النكاح لا يكون إلا من امرأة؟!
وهل تكون الآيات القادمة قد قصرت في أحكام الأطفال, فتستثنى منها؟!

وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ …. [البقرة : 231]
وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء …. [البقرة : 235]
وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً … [النساء : 4]
لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ …. [الأحزاب : 52]
أم أنها تؤكد أنه لا يجوز الزواج إلا من النساء فلا يجوز من الأطفال؟!
(ناقشنا هذا الحكم في موضوع: لا يجوز نكاح الصغير أو الصغيرة, ويمكن للقارئ الكريم متابعته على هذا الرابط:
http://www.amrallah.com/ar/showthread.php?t=236)

والآية الفاصلة في الباب هي قوله تعالى:
“وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَـئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [البقرة : 221]”

فلقد نهى الله تعالى فيها عن نكاح المشركات وإنكاح المشركين, وبيّن العلة من هذا النهي, وهو أنهم يدعون إلى النار!
والقائلون بالجواز قالوا أن الله تعالى فرّق بين المشركين وأهل الكتاب, ويعرض الإمام الفخر الرازي اعتراضهم والرد عليه, فيقول:
“واحتج من أباه بأن الله تعالى فصل بين أهل الكتاب وبين المشركين في الذكر، وذلك يدل على أن أهل الكتاب لا يدخلون تحت اسم المشرك، وإنما قلنا أنه تعالى فصل لقوله تعالى:
{إِنَّ الذين ءامَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئين والنصارى والمجوس والذين أَشْرَكُواْ} [ الحج : 17 ] وقال أيضاً: {مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب وَلاَ المشركين} [ البقرة : 105 ] وقال: {لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين} [البينة : 1 ] ففي هذه الآيات فصل بين القسمين وعطف أحدهما على الآخر ، وذلك يوجب التغاير. (…….)

المسألة الرابعة: الذين قالوا: إن اسم المشرك لا يتناول إلا عبدة الأوثان, قالوا: إن قوله تعالى: {وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات} نهى عن نكاح الوثنية، أما الذين قالوا: إن اسم المشرك يتناول جميع الكفار قالوا: ظاهر قوله تعالى: {وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات} يدل على أنه لا يجوز نكاح الكافرة أصلاً، سواء كانت من أهل الكتاب أو لا،
ثم القائلون بهذا القول اختلفوا فالأكثرون من الأئمة قالوا إنه يجوز للرجل أن يتزوج بالكتابية، وعن ابن عمر ومحمد بن الحنفية والهادي وهو أحد الأئمة الزيدية أن ذلك حرام، (……..)

الحجة الثالثة : لهم : حكى محمد بن جرير الطبري في «تفسيره» عن ابن عباس تحريم أصناف النساء إلا المؤمنات، واحتج بقوله تعالى: {وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } [ المائدة : 5 ] وإذا كان كذلك كانت كالمرتدة في أنه لا يجوز إيراد العقد عليها .

الحجة الرابعة: التمسك بأثر عمر: حكي أن طلحة نكح يهودية وحذيفة نصرانية، فغضب عمر رضي الله عنه عليهما غضباً شديداً، فقالا: نحن نطلق يا أمير المؤمنين فلا تغضب، فقال: إن حل طلاقهن فقد حل نكاحهن، ولكن أنتزعهن منكم.” اهـ

فإذا صح الأثر الأخير فيكون عمر بن الخطاب كذلك من المحرمين للزواج من غير المسلمات.
ويستدل القائلون بأن المشرك يُطلق حتى على اليهودي والنصراني بقوله تعالى:
وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة : 30-31]”
فجعل قول وفعل اليهود والنصارى شرك! ومن ثم فلا يجوز نكاحها ولا إنكاحه!

ونظرا لوقوع النزاع في إندراج اليهودي والنصراني تحت اسم المشرك أو لا, قال القائلون بجواز زواج المسلمة من الكتابي, استنادا إلى عدم وجود دليل قاطع في المسألة!

ولهؤلاء نقول: ما فائدة الحديث الدائم عن المؤمنات إذا كان يجوز الزواج من غيرهن, ولماذا لا نجد أي ذكر للأزواج الغير مؤمنين؟!

إذا قلتم بأن هذا من باب الغالب, فهذا يعني أنكم تنفون الدقة عن الله وكتابه! وأنه ينقصه الدقة والتحديد مثل البشر, أو قدر ولم يفعل!!

والمشكلة ترجع إلى عدم وجود حد واضح لمصطلح: “مشرك”, لذلك فإن القائلين بالإباحة يجادلون استنادا إلى هذا, ولهؤلاء نقول: إن آيتي التوبة قاطعتان في ذلك, ولكن لا بد أن يقرأن في سياقهما:

” قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة : 31-29]

إن القرآن صريح في أن المسيحيين الحاليين –المثلثين- كافرون, كما قال تعالى:

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة : 72]
لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [المائدة : 73]
فهل يجوز الزواج من الكافرة؟! ولله در إجابة ابن عمر, وهل هناك شرك أكبر من قولها: عيسى ربي؟!

ونصل إلى آخر آية وهي قوله تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الممتحنة : 10]”

فكما رأينا فالحديث لا يزال عن المؤمنات, ورفع لحكم واقع وهو نكاح الكوافر, فأُبطل هذا النكاح, فمن كان تحته كافرة فعليه أن يطلقها, وأُقر نكاح المحصنات الكتابيات, فمن كان تحته كتابية محصنة فهي حلٌ له, ولكل من يدخل في الإسلام إلى قيام الساعة.

ولست أدري كيف يجوز بعضهم نكاح المسيحيات أو التزوج منهن مع وجود قوله تعالى: “لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ” ؟!

(هناك من الفقهاء من قال أن الله تعالى أحل نكاح النصرنيات الموحدات, فمن المعلوم أن الديانية المسيحية لم تكن قد نشرت شكلها الحالي في زمن الرسول, فكان لا يزال هناك مسيحيون موحدون, وهؤلاء من أباح الله الزواج من نسائهم ومن اليهود.

ولهؤلاء: لم تُعملوا: “من قبلكم”, فما مبرر تركها؟ هل هي حشو؟!

ونقول لمن يقول:
قد يكون رأي ابن عمر صحيحا في شأن المسيحيات, فما ذنب اليهوديات, إنهن موحدات, نعم ليس مثل توحيد الإسلام ولكنهن موحدات؟

لقد قال الله تعالى:
لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الممتحنة : 8-9]
ولقد فعل اليهود كل هذا, فهم يقاتلوننا في الدين وأخرجوا الفلسطينيين وظاهروا على إخراجهم, فهل يجوز الزواج منهن؟!

قد يقول: هناك من اليهود المسالمات والتي تعارض القضية الصهيونية, فكيف أدخلها فيهم؟!
أقول: هؤلاء من الغربيات وهن يهوديات اسما وليس فعلا, وهؤلاء لا يجوز الزواج منهن, فهل نسيت آية التوبة: لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق.
فمن هؤلاء من لا يؤمن باليوم الآخر ولا يحرم ما حرم الله ورسوله ولا يدن دين الحق, فهل أتزوجهن؟!

وختاما نقول: كما رأينا فإن آيات القرآن المتعلقة بالنكاح تدور كلها في فلك الحديث عن المؤمنات والنهي عن نكاح المشركات, والآية الوحيدة المخالفة تتكلم عن حكم استثنائي, وضحت شروطه بقوله: “من قبلكم”, فمن يصر على أنها لا فائدة لها, فإثمه عليه!

ومن يقول أن لها دور في الحكم, فليخرج لها دورا غير ما قلناه ونقول به.
وإذا تنازلنا –جدلا ليس أكثر- عن هذه الآية, فإن باقي الآيات وأحوال اليهود والنصارى في أيامنا هذه أكثر من كافية لتحريم التزوج منهم, لأنهن غير محصنات أو غير مؤمنات بالله وباليوم الآخر, فكيف أتزوجهن؟!

إن المسلمات يعانين أشد المعاناة من العنوسة, وهن ولله الحمد في كل بلاد الأرض, فهل نتركهن ونتزوج غيرهن؟!
جعلنا الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.