فقه الأولويات!

حديثنا اليوم بإذن الله هو عن “فقه الأولويات”, وهذا الاسم يطلق على فرع من فروع الفقه, وليس حديثنا حديثا فقهيا بالدرجة الأولى بقدر ما هو عقلي, حيث نركز على الجانب الذي يهتم بأولويات المسلم, فمتطلبات الحياة كثيرة, والواجبات دوما أكثر من الأوقات, وهناك أمور أهم وأولى من أمور, فماذا يقدم المرء وماذا يؤخر؟

للأسف لا يكاد يجد المرء عند المسلمين أي ميزان للأولويات, فنجدهم يأخذون الأمور على عواهنها بدون تدبر أو نظر في عاقبة الأمور, وفي كثير من الأحايين يجد المرء عند المتدينيين ميزانا مقلوبا تماما لأولوياتهم, فيركزون تمام التركيز على السنن والأمور البسيطة, ويهملون أمورا عظاما وفرائض في كثير من الأحيان! وكل هذا بسبب غياب الميزان الذي يسير على أسسه الإنسان في حياته, فلو عرف هذا الميزان لتغيرت حياته كثيرا.

و يسأل سائل: وما هو الميزان الذي يجب على المسلم أن يقيس عليه حياته؟
نقول: فقه الأولويات المطلوب من المسلم العادي لا يحتاج إلى دراسة الفقه أو أصول الفقه, ليعرف أن درأ المفسدة مقدم على جلب المنفعة أو أن المفسدة الأكبر تدفع بمفسدة أقل, أو أن الأمور تقدر بمقاديرها أو ….., فالأمر أسهل من ذلك, فعليه أن ينظر في القرآن ليخرج بالميزان الذي يقيم عليه حياته.

وللقارىء أن يسأل: وكيف نستخرج هذا الميزان من القرآن؟
نقول: الأمر جد سهل يسير, انظر علاما ركز القرآن فاعلم أن له الأولوية في الحياة, وما ذكر عابرا, فقدر له حجمه.
فمثلا نحن نجد أن القرآن ركز تركيزا شديدا على قضية التوحيد, ففيها أتى القرآن كله كاملا,
فهذه القضية لا بد أن يسعى الإنسان إلى تحقيقها في حياته أمثل تحقيق, بينما نجد مثلا أن الوضوء لم يرد في القرآن إلا في آية واحدة, وكذلك مسائل التطهر من النجاسات لم ترد إلا في آية واحدة, والتيمم لم يرد إلا في آيتين, إحداهما هي آية الوضوء, فهذه أربع آيات من مجموع ما يزيد عن ستة آلاف آية. وعلى الرغم من ذلك نجد المسلمين يقضون ردحا طويلا من أعمارهم في تعلم أحكام الوضوء والتيمم والطهارة من النجاسات,
مع أن تعلم هذه الأمور يجب أن لا يأخذ إلا أقل القليل من شغل المسلم, ولا يظل يشغل ذهنه دوما هل استوفى الوضوء؟! هل ثوبه نجس أم طاهر؟! هل هذه النجاسة مغلظة أم مخففة؟!

ونصدم القارىء بمعلومة اعتقد أنه لم يسبق له أن سمع بها أو خطرت على باله, وهي أن الفقهاء اختلفوا في مسألة النجاسة, فمنهم من رأى أن النجاسة بجميع أنواعها لا تؤثر في صحة الصلاة. ونحن لا نريد أن نؤيد هذا الرأي أو أن ندعو الناس إلى إهمال نظافتهم وتطهرهم, ولكن كل ما نود قوله: إلتفت إلى ما هو أهم ولا تعظم صغائر الأمور.

وأهم أولويات المسلم هي قراءة القرآن وتدبره, على أي مستوى ثقافي كان,
فيجب على المسلم أن يجعل له وردا يوميا من القرآن يقرأه, ويحاول أن يتدبره قدر الإمكان, أما أن يتم هجر القرآن كلية والاتكال على الفقهاء والمشائخ فهذا ما لا يجوز بأي حال, وعلى من يفعل ذلك أن يسأل نفسه أين وجد في شرع أنه يجوز التقليد واتباع الغير في الدين؟!

قد يوجد ما يلتبس على المسلم وفي هذه الحالة يسأل أهل الذكر, أما أن يقلدهم من الألف إلى الياء, ولا يعرف مستند أي منهم فيما يقول فخطر عظيم, ولا أصل له في دين الله, فعلى المقلد أن يسأل نفسه: ما دليله على جواز التقليد؟!

فإذا أخذنا نموذجا آخر, والذي يُعد عند كثير من المتدينين من أهم الأمور, ألا وهو غض البصر, وجدنا أن القرآن لم يتعرض لهذه المسألة إلا في آيتين وهما: ” قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [النور : 30]”, “و َلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء : 36] “

ونحن لا ندعو إلى أن يطلق الناس أبصارهم ويتتبعوا العورات, أو يتجسسوا على الناس, فلو جاء الأمر في القرآن مرة واحدة فقط لكان هذا أكثر من كاف لكي نلتزم به, ولكن أن يظل الهاجس الأكبر في حياة المسلم هو بصره فهو اختلال للموازين, فواجب علينا أن نغرس في أولادنا منذ الصغر أخلاق العفة والطهارة, ولكن بشرط ألا يطفح هذا على باقي الاهتمامات.

فإذا انتقلنا إلى مسألة أخرى وهي أولويات المسلم في التربية – وهي تربية نفسه وأولاده–, نجد أن الفرد وبسهولة كبيرة يستطيع أن يستخرج من القرآن كيف يربي أولاده مثلا؟

فنحن نجد أن القرآن ذكر الكثير من القصص, والمستوى الأول في التعامل مع القصص في القرآن هو أخذه كقصة, فيجب أن لا ينسى الإنسان المسلم دور القصة في تربية الصغير وفي تهذيب الكبير,
و نحن نجد أن القرآن جمع الكثير من آداب التربية في سورة النور فليرجع إليها ويلزم أبنائه بها, وكذلك أفرد سورا كاملة في الحديث عن الجهاد و أحكامه مثل سورة التوبة والأنفال,
فيجب على كل إنسان مسلم أن يربي ابناءه على الجهاد الروحي والاستعداد للتضحية في سبيل الله, ويحكي لهم قصص الأبطال, لا أن يربيهم على الخناعة والميوعة وسب هذا وضرب ذاك, ويربي ابنه على “الحلال والحرام” لا على “العيب والذي لا يصح”.

وربط الطفل منذ الصغر بمصطلح الحل والحرمة يورثه اتصالا قويا بالدين, وهكذا يتحرك الفرد باستمرار في استخراج القيم من القرآن, فغض البصر مثلا مع الطفل لا ينبغي أن يقارن بالصدق, فيجب أن نربي أنفسنا وأبنائنا على الصدق,
وتتبع عزيزي القارىء الصدق في القرآن, وانظر عدد المرات التي ذُكر فيها الصدق والصادقين والثناء عليهم, وستجد الفارق كبيرا. و لا يعني هذا أن يُهمل غض البصر, فهو الذي يحفظ من الزنا و الفواحش, ولكن لا نعطي الأمور أكثر من حقها .

فإذا أخذنا نموذجا آخر وهو مسألة الصلاة , نجد أن الصلاة من الأمور التي أكثر القرآن من ذكرها والحث عليها, ومدح المواظبين عليها, وتوعد تاركيها, وعلى الرغم من ذلك نجد أن كثيرا من المسلمين لا يصلون, لم؟

السبب في ذلك إهمال الآباء والأمهات والمجتمع للصلاة وتركيزهم على الصيام مثلا, فنادرا ما يجد المسلمُ شخصا مفطرا في رمضان, ولكنا نجد الكثير من المسلمين لا يصلون!
وهذا راجع إلى اختلال ميزان الأولويات عند المربي, فهو يركز على ما ينقضه المجتمع, وما لا ينقضه المجتمع يُهمل كالصلاة, و يركز على الجوانب المادية من ملبس ومأكل ومشرب, ولكنه يهمل تماما تربية اولاده و هذا ما لا يُقبل.

وإذا صلى المسلم , فما هي أولوياته في الصلاة؟
للأسف نجد أن أولويات كثير من المسلمين في الصلاة هي وضع الذراع أو وضع الساق, وهل أن ظهره مستو تمام الاستواء أم أنه محني بعض الشيء؟! وهذه كلها أمور ثانوية في الصلاة, فأهم أركان الصلاة هو الخشوع, فلقد مدح الله تعالى الخاشعين؛
فقال: “الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:2]”, فالخشوع هو روح الصلاة والذي يجب على المسلم أن يسعى ليتحصل عليه بأي سبيل, أما أن نشغل أنفسنا بوضع اليد أو القدم الذي قد لا يكون مريحا, فهذا عبث مضيع للصلاة, فالأهم هو المخبر لا المظهر, فأهم عنصر في الصلاة هو ما ذكره الله عزوجل وهو الخشوع, أما الهيئات فتأتي تابعة له.

وكذلك نجد أن القرآن حض على الأمانة وذكرها في أكثر من موضع, مثل:
“فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [البقرة : 283]”, وقوله تعالى: “إنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا [النساء : 58] ” وقوله تعالى: “وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [المعارج : 32]”

فهذه بعض مواضع ذكرت فيها الأمانة وحض عليها, فيجب أن تكون من أولويات المسلم في حياته, والأمانة ليست فقط في الودائع أي أن أرد الوديعة إلى من حفظها عندي, بل الأمانة في كل ما اسئمنت عليه, فإذا كنت موظفا مثلا فلا بد أن أكون أمينا على عملي و أؤديه كما ينبغي, و إذا كنت مدرسا فلا بد أن أكون أمينا على طلابي وأعطيهم ما يستحقون, وهكذا دواليك.

ومن فقه المسلم في أولوياته وضع حواجز بينه وبين الكبائر و الابتعاد عنها قدر الإمكان, والتخويف منها وعدم الاستهانة بها فالله عزوجل حذر وأوعد كثيرا على من يفعل هذه الكبائر.

ولا بد أن ينتبه المرء إلى دور الإعلام في التخفيف من هذه الأمور, فيظهر لنا أن الزنا ليس بهذه الأهمية و أن القيامة لن تقوم عندما يزني أحد, أو يهمش من خطورة شهادة الزور!

فيجب على المسلم أن لا يُجر وراء هذه الدعاوي الفارغة, بل يكون من الكبائر على حذر شديد, فالابتعاد عنها من أولويات المسلم. وكذلك يجب على المسلم أن ينتبه إلى كبائر يقع فيها وهو عنها غافل, مثل سب الدين والإستهزاء بالدين,
فهذا الأمر الذي يفعله الكثيرون على سبيل المزاح جد خطير وفي أمثاله يقول الله تعالى:
“وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ [التوبة : 66,65] “
فحفظ اللسان وصونه مع جناب الدين والرسول أمر جد هام, ولا يحل لنا أن نخوض فيه ولو حتى علي سبيل المزاح, فقد يتكلم المرء منا الكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا فيهوي بها في النار.

ومن أهم أولويات المسلم الاهتمام بالعلم وطلبه بكل الوسائل الممكنة والمتاحة, فلقد أكثر القرآن من التركيز على العلم, والحث على طلبه ومدح العلماء. فلقد ذكر العلم ومشتقاته في القرآن في قرابة الخمسمائة موضع, ونحن لا نقصد العلم الشرعي فقط بل نقصد العلم بكل أنواعه, كالعلوم الطبيعية والاقتصادية وحتى الأدبية.

ونظرا لأن الناس لا يأخذون أولوياتهم من القرآن فقد أهمل العلم أيما إهمال بحجة أن طلب العلم الشرعي أهم, أو بحجة أن الأمر ليس ملزما فالأمر مثلا في قوله تعالى: “اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الحديد : 17] ” ,
فلا يجب علينا أن نبحث في علوم الطبيعة لنعلم و لنطابق الحقيقة بأمر الله!, فإذا لم يكن ما قرب ذكره في عُشر مواضع القرآن مهما , ولا يشغل حيزا كبيرا من حياة المسلم, فماذا يشغل حياته إذا ؟ العلم الشرعي فقط كما يرى بعض الأخوة!! [1]ويسأل سائل: ألا يمكن أن نأخذ أولوياتنا من السنة؟
نقول: نعم ولا في نفس الوقت, فالسنة كما قلنا مؤولة للقرآن ومطبقة له, ولكن المشكلة هي فيما وصلنا منها, فنحن يمكن أن نأخذ أولوياتنا من السنة ولكن ليس بنفس طريقة الأخذ من القرآن؛ أي لا يمكن أن نأخذ بطريقة الاعتماد على الكم, فالقرآن منقول كما هو بلا زيادة أو نقصان أو تكرار, فما ذُكر في القرآن في آية أو آيتين نطبقه ونلتزم به ونوليه عنايتنا واحترامنا,
ولكن لا نعطي كل هذا الاهتمام لما ورد في موضع واحد ونهمل ما ورد فيه عشرات أو مئات المواضع, ما بين أمر ونهي ووصف, فنفهم بداهة أن ما ورد في موضع واحد أقل أهمية بكثير مما ورد في مائة موضع, أو حتى عشرين موضعا.

أما السنة فكانت تعتمد في النقل على المناسبة, فقد تحدث المناسبة الداعية لذكر القول عن الرسول المصطفى, فتأتينا الرواية عن الرسول, وقد لا يجد الصحابي المناسبة لذكر مسألة معينة فلا تصلنا, أو يعلمها الصحابي التابعين, ولكن لا تأتي المناسبة الداعية لذكرها فتضيع الرواية ولا تصلنا,
وقد يروي الصحابة والتابعون الرواية عن النبي المصطفى, ولكن نظرا لأن حاملها كان سيء الحفظ فتُضعف هذه الرواية مع أنها موافقة لما ورد في القرآن! لذا نجد الكم الكبير من الروايات في مسائل معينة من الجوانب الحياتية, وكل هذا لأن هذه المسائل وهذه الجوانب هي التي أثيرت في حياة السلف, ولو وُجد غيرها لوصلتنا روايات أخرى عن النبي الخاتم, متعلقة بهذه المسائل.

[1]ما أثار حنقي أني وجدت بعض الكتب المطبوعة طباعة حديثة جيدة جدا لا تزال تقول هذا الكلام, من أن علم الحساب غير مهم إلا فيما يقيم الحياة من جمع وطرح وما تقسم به الفرائض, وأن العلوم الطبيعية كذا وكذا ولا يجب أن تلهي الإنسان عن العلم الحقيقي, و طبعا العلم الحقيقي هو الكتاب والسنة وأقوال السلف, وما عداه فمضيعة للوقت, فضربت كفا بكف, وانصرفت من المكتبة .

وكما رأينا فالسنة لا يمكن أن تُعامل بنفس الطريقة الكمية في استخراج الأولويات كما نعامل القرآن, بل يجب علينا أن نأخذ من السنة طريقة تطبيق الأولويات القرآنية, فالقرآن يحض مثلا على الصبر ويمدح الصابرين, وذلك في كثير من الآيات,
فيمكننا أن نتبع المنهج النبوي في الصبر, فنفهم أن الصبر من الأولويات التي يجب على المسلم أن يقدمها في حياته, فيكون من الصابرين, ويحاول أن لا يصير من الجزعين, ويحاول أن يصبر عن المعاصي ويصبر على المصائب, ويصبر على زوجه, فيأخذ نماذج الصبر من السنة.

وختاما: فأولويات المسلم هي أولويات القرآن, فما أكثر القرآن من ذكره, فهو حتما وضرورة من الأشياء التي يجب أن نعطيها اهتمامنا ونقدمها على غيرها من الأمور, ونقيس الأهمية بمقدار الذكر في القرآن والحض عليها أو بمقدار النهي عنها, فإذا كان الوعيد جد شديد فارتبط بالشرك مثلا, فيبتعد المسلم عن هذه الأمور ويسد كل أبوابها: “وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً [الفرقان : 68]”,
و إذا كان أخف فيبتعد أيضا ولكن لا يفعل مثلما فعل بعض الحمق, الذي ذهب إلى شيخ وقال له: يا شيخنا لقد زنيت وحملت المرأة من الزنا. فقال له الشيخ: ولما لم تعزل حتى لا تحمل المرأة فتأتي بابن زنا ؟
فقال له: سمعت أن العزل مكروه! .
فانظر إلى هذه الحماقة في التطبيق , يترفع عن الإتيان بالمكروه وهو يفعل الكبائر .

فلا تجاهد في حبس نفسك عن مكروه ما أو صغيرة من الصغائر, وعندما تعرض للكبائر يجدك الشيطان صيدا يسيرا, منهكا فيوقعك فيها, فهذا لا يجوز, و اصبر نفسك على الأمور بقدرها.

فما قدمه القرآن حثا أو أمرا أو نهيا أو ذكرا فهو من الأهمية بمكان, وأهميته في الحياة هي نفس درجة أهميته في القرآن, فإذا أهملنا ما أطال فيه القرآن فلا بد أن تختل حياتنا, وإذا أطلنا فيما قصر فيه القرآن فلا بد أن تعوج حياتنا.

لذا نقول قيسوا القرآن و زنوه , وسيروا على مقياسه وميزانه تفلحوا في حياتكم وبعد مماتكم ولا تأخذوا أولوياتكم من مشايخكم, فيردوكم على أعقابكم إلى دورات مياهكم, فلكل ما يريد أن يركز عليه ويراه من الأهمية بمكان, أما القرآن ففيه فصل المقال و الزمان والمكان والله المستعان, وبه التوفيق ومنه الإحسان .

ولقد كنت انتوي أن أضع للقارىء جدولا يحتوى أهم ما كثُر ذكره في القرآن وحُث عليه, ونِسبة ذكره في القرآن حتى نوضح للناس كم أن مقياس الأولويات عندهم مختل, و أنهم يقدمون أشياءا لا تكاد تُذكر في القرآن ويهملون الخطب الجلل, و بالفعل جمعت المادة المطلوبة, ثم تراجعت عن وضعه في آخر لحظة
فهذه النقطة خاصة يجب على القارىء أن يلاحظها ويدركها بنفسه, وإدراكها جد سهل, فلا يحتاج المرء إلا متابعة مواضيع القرآن وأي جوانب أبرزت وأيها عرضت عرضا بسيطا.

ونرجو من القارىء ألا يلجأ في هذه المسألة إلى المعاجم المفهرسة لمواضيع القرآن, وأن يحاول أن يستشفها بنفسه.
وإدراك هذا الأمر بدون معاجم متخصصة في القرآن كله أمر عسير حتى على المتخصصين, لذا فنحن نطلب إلى القارىء أن يبحث في القرآن فقط عن أولوياته هو في الحياة, هل هي من الأولويات القرآنية أم ليست منها ؟ أم أنها من الممنوعات القرآنية؟!!

وابحث ولا تخش شيئا , وأعلم أن القرآن لم ولن يكون مزلة أقدام, فإن كنت جاهلا لعلوم كثيرة ستفهم القرآن وستستبطنه وتستخرج منه الدرر, فالتعامل مع القرآن من الإنسان العادي لا بد أن يكون على المستويين الكيفي والكمي, فالكيفي في فهم مفرادته و الكمي في قياس آياته و تتبع موضوعاته, وبهذين السبيلين أنت من فقهاء القرآن, والله المستعان. والسلام عليكم ورحمة الله

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.