المؤلفة قلوبهم!

حديثنا اليوم بإذن الله وعونه هو حول “المؤلفة قلوبهم”, لنرد على الطاعنين في هذا الصنف وفي هذا التشريع, لأنهم يعدون هذا الأمر نوعا من التحفيز على اعتناق مبادئ عن طريق المال, ويقولون: كيف تنتقدون تصرفات وأفعال المنظمات التبشيرية وأنتم لديكم في دينكم تشريعات مماثلة! فعندكم مصرف كامل من مصارف الصدقات لهذا الباب, -يقصدون بذلك قوله تعالى:
إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة : 60]-

وقبل أن نرد على هذه الدعوى لا بد لنا من وقفة مع هذا الصنف, لنحدد أولا ما المراد منه, ثم بعد ذلك نعرض الحكمة في هذا التشريع, والتي ستبين إذا كان لدعواهم مستند, أما أنها منزوعة الأصل.
إذا نحن نظرنا في المقاييس, وجدنا ابن فارس يقول:

“الهمزة واللام والفاء أصل واحد، يدلُّ على انضمام الشيء إلى الشيء، والأشياء الكثيرة أيضاً. قال الخليل:الأَلْفُ معروفٌ، والجمع الآلاف. ……..و كلُّ شيءٍ ضممتَ بعضَه إلى بعضٍ فقد ألّفته تأليفاً. الأصمعيّ: يقال ألِفْتُ الشيءآلَفُه إلْفاًوأنا آلِفٌ، وآلَفْتُه وأنامُؤْلفٌ.قال ذو الرمّة:من المؤْلِفَات الرَّمْلِ أدْماءُ حُرَّةٌ شُعاعُ الضُّحَى في لَوْنها يتوضَّحُ … ” اهـ

إلا أنا نزيد المعنى تحديدا فنقول: هو انضمام الشيء إلى الشيء مع تناسب وتوافق, فلو ضمت الأضداد إلى بعضها ما سمي ذلك تأليفا!

إذا فالمؤلفة قلوبهم –تبعا لمدلول كلمة التأليف- هم قوم ضُمت قلوبهم إلى شيء ما, -لاحظ استعمال صيغة المبني لما لم يُسم فاعله- وهنا لا بد لنا من وقفة,فهذه التسمية تعني أن قلوبهم مؤلفة من قبل أن يُعطوا المال, فليس المال هو الذي ألف قلوبهم, وإنما هم مؤلفة قلوبهم, ولذلك استحقوا أن يأخذوا هذا المال,
كما أن الفقير ليس فقيرا بسبب المال المعطى له, وإنما لكونه فقيرا قبل أن يُعطى المال, استحق أن يأخذ من هذا المال, ولو كان المراد من ذلك التأليف لقال: وفي التأليف, كما قال في الصنف التالي: وفي الرقاب أو الغارمين! لأن المال ينفق من أجل فك الرقاب ورفع الغرامة, أما هؤلاء فمؤلفة أصلا, ثم صُرف لهم المال لذلك!

ولا بد أن نتذكر دوما أن الله يعرفنا أنه هو الذي يؤلف بين القلوب, فيقول:
“وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران : 103]”
فلما ألف بين القلوب زالت العداوات وانقلب الحال, فصار الأعداء إخوانا!
كما يعرفنا الله عزوجل أن المال لا يجدي ولا ينفع في مسألة التأليف بين القلوب, فيقول تعالى:
“وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال : 62-63]”

فالله تعالى يقول في الآية للنبي الكريم أنه لو أنفق ما في الأرض جميعا ما ألف بين قلوب المؤمنين الذين صاروا بنعمة الله إخوانا.

وتبعا لهذا الفهم, فسيختلف تصور المؤلفة قلوبهم كثيرا, فإذا نحن نظرنا إلى تصوراتهم عند السادة الفقهاء, وجدنا تصورات لا علاقة لها بالمدلول المباشر للكلمة, ونورد هنا ما ذكره الإمام الشوكاني في نيل الأوطار, حيث يقول:
“قد اُختلف في المراد بالمؤلفة الذين هم أحد المستحقين للزكاة فقيل كفار يعطون ترغيبا في الإسلام. وقيل مسلمون لهم أتباع كفار يتألفونهم .
وقيل مسلمون أول ما دخلوا في الإسلام ليتمكن الإسلام من قلوبهم، والمراد بالرجال الذين أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ههنا هم جماعة قد سردأبو الفضل بن طاهرفي المبهمات له أسماءهم فقال : هما أبو سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى وحكيم بن حزام وأبو السنابل بن بعكك وصفوان بن أمية وعبد الرحمن بن يربوع وهؤلاء من قريش.وعيينة بن حصن الفزاري والأقرع بن حابس التميمي وعمرو بن الأهتم التميمي وعباس بن مرداس السلمي ومالك بن عوف النصري والعلاء بن حارثة الثقفي” اهـ

فليست هذه الأصناف هي من المؤلفة قلوبهم, وإنما هم أقوام لا يزالون يحتاجون إلى مزيد دعوة وتعريف بالإسلام واستمالة إليه, والسبب في هذا اللبس هو ما ورد في الروايات, قريبا من هذا الموضوع فأسقطها السادة الفقهاء والمفسرون على هذا الباب, ومن ذلك:

عن أنس قال:
لما فتحت مكة قسم النبي صلى الله عليه وسلم تلك الغنائم في قريش، فقالت الأنصار: إن هذا لهو العجب، إن سيوفنا تقطر من دمائهم، وإن غنائمنا تردعليهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فجمعهم، فقال: ما الذي بلغني عنكم ؟ قالوا : هو الذي بلغك، وكانوا لا يكذبون ، فقال : أما ترضون أن ترجع الناس بالدنيا إلى بيوتهم، وترجعون برسول الله إلى بيوتكم ؟ فقالوا : بلى ، فقال : لو سلك الناس واديا أو شعبا ، وسلكت الأنصار واديا أو شعبا لسلكت وادي الأنصار وشعب الأنصار.وفي رواية قال:قال ناس من الأنصار حين أفاء الله على رسوله ما أفاء من أموال هوازن، فطفق يعطي رجالا المائة من الإبل ، فقالوا : يغفر الله لرسول الله يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم ، فحدث بمقالتهم فجمعهم وقال : إني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال ، وتذهبون بالنبي إلى رحالكم ؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به ، قالوا : يا رسول الله قد رضينا.
فلما وردت كلمة “أتألفهم” في الروايات أسقطوها على المؤلفة قلوبهم! على الرغم من أن هذا كان في الغنائم ولم يكن في الصدقات, والظاهر أن إعطاءهم كان من سهم المصالح من الخمس،
ويحتمل أن يكون نفلا من أربعة أخماس الغنيمة عند من يجيز التنفيل منها .لذلك عندما تكلم الإمام الفخر الرازي في تفسيره على هذا الصنف, علق على من يورد هذه الروايات في هذا الباب قائلا:
“الصنف الرابع : قوله تعالى : { والمؤلفة قُلُوبُهُمْ }
قال ابن عباس : هم قوم أشراف من الأحياء أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين وكانوا خمسة عشر رجلاً ، أبو سفيان ، والأقرع بن حابس ، وعيينة بن حصن ، وحويطب بن عبد العزى ، وسهل بن عمرو من بني عامر ، والحرث بن هشام ، وسهيل بن عمرو الجهني ، وأبو السنابل ، وحكيم بن حزام . ومالك بن عوف ، وصفوان بن أمية ، وعبد الرحمن بن يربوع ، والجد بن قيس ، وعمرو بن مرداس . والعلاء بن الحرث
أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم كل رجل منهم مائة من الإبل ورغبهم في الإسلام ، إلا عبد الرحمن بن يربوع أعطاه خمسين من الإبل وأعطى حكيم بن حزام سبعين من الإبل ، فقال : يا رسول الله ما كنت أرى أن أحداً من الناس أحق بعطائك مني فزاده عشرة ، ثم سأله فزاده عشرة ، وهكذا حتى بلغ مائة ،
ثم قال حكيم : يا رسول الله أعطيتك الأولى التي رغبت عنها خير أم هذه التي قنعت بها؟ فقال عليه الصلاة والسلام : « بل التي رغبت عنها » فقال : والله لا آخذ غيرها : فقيل مات حكيم وهو أكثر قريش مالاً وشق على رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك العطايا لكن ألفهم بذلك .
قال المصنف رحمه الله : هذه العطايا إنما كانت يوم حنين ولا تعلق لها بالصدقات ، ولا أدري لأي سبب ذكر ابن عباس رضي الله عنهما هذه القصة في تفسير هذه الآية ، ولعل المراد بيان أنه لا يمتنع في الجملة صرف الأموال إلى المؤلفة ، فأما أن يجعل ذلك تفسيراً لصرف الزكاة إليهم فلا يليق بابن عباس” اهـ

إذن فهذه الروايات تتحدث عن أمر سنعرض له لاحقا, أما المؤلفة قلوبهم, فهم صنف آخر لا يدخلون في هذا الصنف, لكون قلوبهم قد ألفت أصلا, فمن يكونون هؤلاء؟

أبرز ما يكون ألفة القلوب هو في ميلها إلى دين جديد أو مبادئ جديدة, فإذا كان الحديث هنا عن قوم قد أُلفت قلوبهم –وليس بين قلوبهم-, فيكون المراد بذلك هم من دخلوا حديثا في الإسلام,
وبداهة فإن من يغير دينه يقابل الكثير والكثير من المشاكل والمصاعب, لأنه قد يضطر اضطرارا إلى الانخلاع من بيئته ومجتمعه, وهذه هي العقبة التي تقابل الكثيرين الراغبين في التحول من أي دين إلى آخر, وهي أنه يضطر إلى ترك جل ما بناه وكونه طيلة حياته, لأن هذا كله مرتبط في الغالب بالأهل والأقارب والأصدقاء.
وهنا يأتي الحل في التشريع القرآني, بجعل حظ من الصدقات لهؤلاء, لكي تساعدهم على البدء من جديد في المجتمع, فلا يخشون ضياع وظيفة أو فقدان مكانة.

إذا فليس في الآيات أي ذكر لكافرين ندفع لهم للدخول في الإسلام أو أقوام ضعاف الإيمان, يُثبت إيمانهم بالمال, وإنما هو عن مؤمنين ابتداءا يحتاجون لعون.-

ونتوقف هنا لنناقش الأصناف, التي أسقطها العلماء على المؤلفة قلوبهم, لنوضح أنهم لم يكونوا من المؤلفة قلوبهم بحال:
القول الشهير في المؤلفة قلوبهم هو:
“المؤلفة قلوبهم منهم مسلمون ومنهم كافرون، والمسلمون أقسام أربعة :

القسم الأول – قوم من سادات المسلمين لهم نظراء من الكفار، إذا أعطيناهم من الزكاة يُرجى إسلام نظرائهم، كعدى بن حاتم والزبرقان ابن بدر حيث أعطاهما أبو بكر مع حسن إسلامهما.

القسم الثاني – زعماء ضعفاء الإيمان لكنهم مطاعون فى أقوامهم، ويرجىبإعطائهم من الزكاة تثبيت الإيمان فى قلوبهم، كمن أعطاهم النبى صلى الله عليه وسلم فى غزوة حنين ، وهم مسلمة الفتح، أى الذين دخلوا فى الإسلام حديثا عند فتح مكة التى كانت غزوة حنين عقب الفتح قبل أن يعود النبى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.

القسم الثالث – قوم من المسلمين يخشى أن يستميلهم العدو لمصلحته، وهم العملاء الذين ينشطون حين يرون الفائدة ميسرة لهم.

القسم الرابع – قوم من المسلمين يحتاج إليهم لجباية الزكاة، لأنهم ذوونفوذ فى أقوامهم، لا تجبى إلا بسلطانهم أو بقتالهم، فيرتكب أخف الضررين ويعطون شيئا من الزكاة بدل أن تضيع كلها.

أما الكافرون من المؤلفة قلوبهم فهم قسمان :
القسم الأول : من يرجى إيمانه، كصفوان بن أمية الذى أعطاه الرسول من غنائم حُنين.
القسم الثانى : من يخشى شره فيعطى من الزكاة ليكف شره عن المسلمين كأبى سفيان، وعيينة بن حصن ، والأقرع بن حابس.
ويقال:
إن هؤلا أسلموا فى فتح مكة قبل أن يعطيهم النبى صلى الله عليه وسلم من حنين ، فهم داخلون فى القسم الثانى من المسلمين. والإمام الشافعى قال : لا تعطى الزكاة إلى المؤلفة قلوبهم إلا إذا كانوامسلمين ، فلا تعطى لكافر، وأما الفاسق فلا مانع من إعطائه.وقال أبو حنيفة وأصحابه : إن سهم المؤلفة قلوبهم قد سقط بانتشار الإسلام، كما فعل عمر رضى الله عنه ، فلا تعطى الزكاة لأحد منهم ، مسلما كانأوكافرا.” اهـ

والناظر في هؤلاء لا يجد أنهم ممن ينطبق عليهم “المؤلفة قلوبهم”,
فتعليل السادة الفقهاء لإدخالهم فيهم عجيب, فمتى يدخل الناس في الدين للمال, وإذا كانوا سيدخلونه طمعا, فدين الله في غنى عنهم. أما إعطاء أبي بكر للمذكورين, فلم يذكر الصديق أنه كان لهذا العلة, ويمكن فهمه على أنه كان من باب المكافأة, و أنهم كانوا من العاملين عليها, فلقد قدم عليه عدي بن حاتم بثلاثمائة فأعطاه ثلاثين, لا أنه كان ينتظر إن فعل كذا أن يدخل غيرهم طمعا في الإسلام!

أما القسم الثاني فتعليلهم عجيب, فالنبي أعطى ما أعطى من الغنائم وليس من أموال الصدقة, وليس المراد من دفع الأموال لهم تثبيت الإيمان, وإنما استمالة القلوب, فلقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها, فإذا فعل النبي ذلك, زالت البغضاء من صدورهم, ولا بد أن نتذكر أن هؤلاء الأقوام قد قُتل منهم في معاركهم أناس, وقد يوجد ذلك في الصدور أشياء, أما مع الإحسان فيطغى الإحسان على الإساءة. وما أعطاه النبي كان من خمس الغنائم الذي كتبه الله له, ويفهم من فعله أنه يمكن لإمام المسلمين أن ينفق إحسانا إلى الناس من أجل رفع كراهة بعض الأمور, لا أنه كان يدفع لهم من أجل تثبيت الإيمان, فالإيمان لا يثبت بالمال.

أما القسم الثالث فليسوا من المؤلفين بحال, والمال الذي يُدفع لهم هو من باب الدفاع عن الثغور الإسلامية, ويدخل تحت باب في سبيل الله, ولست أدري كيف يدخلونها تحت باب المؤلفة قلوبهم, وكيف يكون هؤلاء مؤلفة أصلا؟!
أما القسم الرابع: فيدخل تحت العاملين عليها, ولست أدري لم يدخلونهم تحت المؤلفة قلوبهم!

أما ذكرهم لكافرين في المؤلفة قلوبهم فعجيب, فهؤلاء لم تؤلف قلوبهم إلى الإسلام, فكيف يعطون من أجل شيء لم يتحقق, وإنما إعطاءهم هو من باب الإحسان, وكما قال الشاعر:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم *** فطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ

وبهذا الإحسان يرفع البغضاء والعناد من القلوب, ويبدأ الإنسان في النظر إلى الأمور بنظرة موضوعية, وليس من باب الرفض.

فإذا قلنا أن إعطاء النبي كان من باب الإحسان, فهذا يرفع كل الإشكالات الواردة, فليس في هذا أي عيب, فهل يعد إعطاء الوالدين والأقربين في قوله تعالى: “يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ [البقرة : 215]” هو من باب الرشوة أم من باب زيادة الإحسان, فالأقربون أولى بالمعروف, وبذلك تزيد المودة والمحبة بين الأقارب.

ويعلل بعضهم هذا فيقول:
“و هذا قريب جدًا لما يفعله المدرسعندما يسعى لتحبيب التلاميذ في موضوع الدرس بتوزيع حلوى عليهم مثلاً، فبهذهالطريقة يحب التلاميذ الدرس و يكون استعدادهم لفهمه و الانتباه مع المدرس أكبر .

فلا يمكن القول بأن إعطاء حافز لابنك كي يذاكر و ينجح في الامتحانات يعلمهالرشوة و فقدان الضمير أو أن إعطاء مرتبات شهرية للأطباء و الممرضات و هم الذينيعملون في مجال إنساني بالدرجة الأولى يعتبر إفسادًا لسمو رسالة الطب أو رعايةالمريض إن هذا سيكون قصورًا في التفكير و فسادًا في الرأي !

و قد جُبل الإنسان علىحب المال و إنه لحب المال لشديد، …..
وقد اعتاد الإنسان أن يصغي بقلبه و جوارحه لمن يعطيه و يكرمه، فتكون هذه فرصة حتىيصغي غير المسلم للإسلام فيهديه الله إلى طريقه المستقيم.
ولقد روي القاضي عياضفي الشفا ج1 ص114 : حدثنا الفقيه أبو محمد عبد الله بن محمدالخشبي بقراءتي عليه ، حدثنا إمام الحرمين أبو علي الطبري ، حدثنا عبد الغافرالفارسي ، حدثنا أبو أحمد الجلودي ، حدثنا إبراهيم بن سفيان ، حدثنا مسلم بن الحجاج، حدثنا أبو الطاهر ، أنبأنا يونس ، عن ابن شهاب ، قال : غزا رسول الله صلى اللهعليه و سلم غزوة ، و ذكر حنيناً ، قال : فأعطى رسول الله صلى الله عليه و سلم صفوانبن أمية مائة من النعم ، ثم مائة ، ثم مائة .
قال ابن شهاب ، حدثنا سعيد بنالمسيب أن صفوان قال : و الله لقد أعطاني ما أعطاني و إنه لأبغض الخلق إلي، فمازال يعطيني حتى إنه لأحب الخلق إلي .

و روي أن أعرابياً جاءه يطلب منهشيئاً، فأعطاه، ثم قال : أحسنت إليك ؟ . قال الأعرابي : لا ، و لا أجملت .
فغضب المسلمون و قاموا إليه ، فأشار إليهم أن كفوا ، ثم قام و دخل منزله ، وأرسل إليه ، و زاده شيئاً ، ثم قال : أحسنت إليك؟ قال : نعم ، فجزاك الله منأهل و عشيرة خيراً.” اهـ

وهذا الفعل دليل على أن النبي ما كان باحثا عن المال أو الثروة, وإلا لما أعطى هؤلاء من المال بهذا البذخ, وإنما كان كل همه هو دخول الناس في دين الله أفواجا.

إذا نخرج من هذا البحث الطويل, أن المؤلفة قلوبهم هم قوم حديثو العهد بالدين, وهؤلاء يعطون لحاجتهم في الغالب إلى بدء حياة جديدة ولتعويضهم عن خسارتهم المادية لتركهم دينهم, وأما الوارد من فعل النبي الكريم فلقد كان من باب الإحسان ولا حرج عقلا في هذين الأمرين, وليس فيه أي شبهة رشوة أو إغراء بالمال, كما تفعل المنظمات التبشيرية. وأما الأصناف التي أدخلها الفقهاء تحت المؤلفة قلوبهم فعامتها لا تندرج تحتها والله أعلم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.