هل أنت ظاهري؟!

قد يبدو السؤال المطروح مستغربا بالنسبة لموضوع يتعلق بالأخلاق, فما علاقة الظاهرية بالأخلاق؟!
ولكنا إذ نطرح هذا السؤال فإنا لا نقصد بذلك إذا كان القارئ متبعا للمذهب الظاهري أو للطريقة الظاهرية في التعامل مع النصوص,
-فمن المفترض أن هذا من البدهيات- وإنما نرمي إلى السؤال عن كيفية تدين وتخلق الإنسان,
هل هو ظاهري أم باطني أم كلاهما؟

ونزيد توضيحا فنقول:
كثيرٌ هم –ولله الحمد- من يقررون اتباع صراط الله المستقيم وترك طريق الشهوات والظلمات, ويبدأون رحلة التدين والالتزام, ولكن مما يأسف له المرء أنه يجد أن عامة من يلتزمون غالبا ما يركزون أشد التركيز على المظهر, بدون أن يتعدى ذلك إلى المخبر, فنجدهم شديدي الحرص على تغيير الملابس التي كانوا يرتدونها وكذلك طريقة تصفيف الشعر القديمة, وكثير من يطلقون اللحية! حتى أن اللحية صارت رمزا للسنة! فيسمى الإنسان الملتحي عندنا في مصر ب “السني” أو الشيخ, لأنه أطلق لحيته!
ونحن لا نعترض على تغيير المظهر, ونرى حقا أن الهيئة الخارجية للإنسان –إذا لم تكن هي العرف في المجتمع- غالبا ما تدل على طريقة تفكيره,
ولكن أن يبدأ الإنسان طريق التغيير بكل حماس, فيحاول أن يغير نفسه ويتخلق بأخلاق الدين, ثم ينحصر تغيره في نهاية المطاف في تغير المظهر والالتزام بالصلوات الخمس فهذه إشارة واضحة إلى أن هذا الإنسان ظاهري, يهتم أول ما يهتم بالمظهر الخارجي, وهي إشارة إلى أنه إنسان لم يفقه دينه وما عرف دوره في حياة الإنسان, وأن نظرته إلى الدين مقلوبة!

فلم يأت الدين ليرتدي الناس ثيابا معينة أو يتلفظوا ببعض ألفاظ دون أخرى, لأن الألفاظ الأخرى شركية أو بدعية, ثم تظل معاملاتهم الدنيوية مع أنفسهم أو مع إخوانهم بنفس الشكل التي كانت عليه,
بل وربما ازدادت هذه المعاملات غلظة وجفاء, لظن هذا المتدين الظاهري أن حائز للحق والصواب, وأن رأيه هو الصواب الذي لا يحتمل الخطأ ورأي غيره هو الخطأ الذي لا يحتمل الصواب! وأنه هو ومن على شاكلته هم الفرقة الناجية أما الباقون ففي ضلال مبين!


أتى الدين أول ما أتى ليصحح نظرة الناس إلى الكون حولهم وإلى أنفسهم وليعرفهم بربهم, وليصحح لهم طريقهم في الحياة وينظم لهم مسيرهم ويهذب لهم أخلاقهم ونفوسهم! فإذا لم يؤثر الالتزام في متخلقه هذا التأثير فليعلم أن التزامه هذا التزام ظاهري وافق هوى في نفسه, وليس هو التخلق الحقيق النابع عن ترسخ الإيمان في القلب!

وإني لأعجب ممن يدعون الالتزام والتدين بل والالتزام الشديد بالسنة ثم تجدهم ينفعلون أشد الانفعال عند نقاشهم مع غيرهم أو في تعاملاتهم المادية, ولست أدري ما منزلة حديث: “لا تغضب” عندهم؟ لست أدري
هل هذا الحديث أقل منزلة من حديث إطلاق اللحية أم أنهما على نفس المستوى أم أنه من المفترض أن يكون الأخير أكثر أهمية من الأول!

إني لأعجب للهجر الشديد لكم كبير من الأحاديث النبوية, والإقبال الكبير على أحاديث أخر, هل لأن ذلك لأن التغيير الخارجي لا يحتاج إلا لمقاومة النفس مرة واحدة, ثم يصبح الأمر بعد ذلك عادة للإنسان؟
هل لأن التغيير الداخلي مثل الالتزام بالصبر والحلم أمر صعب, أم أن الإنسان لا يرى اتباع هذا الهدي غير ضروري.

لقد علمنا النبي الكريم أن العلم بالتعلم والصبر بالتصبر والحلم بالتحلم, وكل الأخلاق لن تتحصل لدى الإنسان إلا بمقاومة نفسه والاستمرار على هذا النهج, فكلما تسرع الإنسان يعود فيندم على تسرعه ويحاول التمسك بالأخلاق الحميدة التي أمر النبي الأكرم بالتزامها.

أما أن نغير ملابسنا ثم تظل نفوسنا كما هي, تغضب لأتفه الأسباب, ولربما عدنا إلى ما كنا عليه في حالة الغضب فسببنا وشتمنا!
أن تظل نفوسنا كما هي طماعة عجولة, تظن الظن السيء بالآخرين …….
أن تظل نفوسنا كما هي غليظة لا ترق عند معاملة الآخرين ولا عند سماع كتاب الله, وأن تظل وجوهنا مكفهرة عابسة ….
أن تظل نفوسنا ساخطة على ما يحدث لها ولا ترضى بقضاء الله, إلا بلسانها! ..
أن تظل نفوسنا كما هي بدون برد الإيمان وسكينته ولا حكمة القرآن وعلمه, فهذا معناه أننا لم نتخلق بأخلاق الإسلام, وأننا ممن حسبوا الدين مظاهر وأقوال لا جهاد وتعاملات!

جعلنا الله وإياكم من المجاهدين أنفسهم والمتخلقين حق التخلق والمتبعين والمتأدبين بأدب النبي الأكرم.
والسلام عليكم ورحمة الله!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.