كيف تقلع عن الذنوب؟

حديثنا اليوم بإذن الله وعونه سيكون حول هذا الموضوع الخطير, والذي يهم ويشغل بال كثير منا
وهو كيف أقلع عن الذنوب؟
كثير يراودهم هذا الأمل, أن يقلعوا عن الذنوب ويسيروا في طريق علام الغيوب, ولكن نفوسهم تقصر بهم, فلا يصلون إلى مرادهم.

وهذا هو المنتظر من بني الإنسان الضعاف, فلم يحدث ولن يحدث أن يوجد تلك الجماعة من البشر التي تقلع عن الذنوب كلية, وإلا لما كانوا بشرا! فالنبي الكريم يقول في الحديث الذي رواه مسلم, عن أبي هريرة ‏ ‏قال: ‏‏”قال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليهوسلم ‏ ‏والذي نفسي بيده ‏ ‏لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبونفيستغفرون الله فيغفر لهم”

ولا يعارض هذا ما ذكرناه في العنوان, فنحن لم نقل: كيف تمتنع عن كل الذنوب في كل الأحوال؟
وإنما قلنا كيف نقلع عن الذنوب, والإقلاع لا يكون إلا لمن تلبس بها, ويبحث عن تركها, فإذا تركها فلا يعني هذا أنه لن يعود إليها مرة أخرى, أو أنه لن يتلبس بغيرها.

فإذا استطاع المسلم الإقلاع عن الذنب, ثم عاد إليه, فلقد وضع قدمه على أول الطريق, وسيقلع عنه مرة أخرى, وبهذا يكون عامة حياته ترك للذنوب واقتراف لها في لحظات معدودة, يستغفر الله عزوجل عنها, فيغفر الله تعالى له.

إذا فيمكننا تحديد العنوان بأنه كيف تقلع عن الذنوب جزئيا, -لأن تركها كلية لا يكون إلا للمعصومين المبلغين, وهؤلاء قد ولى زمانهم, ونحن لسنا منهم- بحيث يكون هذا الجزء هو الأعم الأغلب والتلبس بها هو القليل النادر.
وهنا نصل إلى لب الموضوع: كيف أقلع عن الذنوب؟

أول خطوة للإقلاع عن الذنوب, هي الرغبة في الإقلاع عن الذنب, فمن لا يرغب في الإقلاع لن يقلع, مهما قدمت له من المبررات العقلية أو الدينية, وإنما سيكتفي بموافقتك بلسانه وهز رأسه وسيخالفك بفعله!

ولا تكون الرغبة في ترك الذنب إلا لمن نظر في حاله, واستشعر سوءه, وآمن أن هناك حال وطريق أفضل, وهذا الطريق هو في الدين العظيم الكريم, فيحاول أن يحسن حاله, أما ذلك الراضي بحاله, على الرغم من عموم سوءه, القانع بالبعد عن كتاب الله, والظان أنه بعقله كاف لتسيير وهداية نفسه, فلن يقلع أبدا عن الذنوب, وسيتقلب فيها من ذنب إلى آخر!

فإذا شعر الإنسان بسوء حاله, ورغب في التغيير, ينتقل إلى الخطوة الثانية وهي مجاهدة نفسه, فهذا الإنسان سيحاول أن يقلع عن الذنب, وسيقلع عن غالب أو جل ما كان يعمل, ولكن نفسه ستظل تراوده, وتزين له الرجوع إلى ما كان عليه, ففي السابق كان يجد لذة في فعله, وهو وإن أقلع الآن

إلا أنه لمّا يجد حلاوة الإيمان بعد, ولا تزال نفسه تتعلق بالمعصية ولذتها. لذا فعليه أن يقاوم نفسه الأمارة بالسوء, من خلال تذكيرها بعاقبة المعصية التي ستأتيها, وبالخير الكثير الذي سيضيع لو أتاها وترك الخير! وبالضنك الذي سيعيش فيه لو أعرض عن ذكر الله عزوجل, وبالراحة والسكينة التي سيجدها عند الالتزام بالطاعة!

وعلى الرغم من ذلك, فإنا نجزم أن ذلك الإنسان سيعود إلى المعصية, على الأقل في أول الطريق, وهنا عليه ألا ييأس ويهجر طريق الإصلاح والإقلاع, وإنما عليه أن يعي جيدا أن هذا طريق طويل, يتعثر فيه الإنسان كثيرا, وكثيرا ما سيسقط, إلا أن هذا ليس مبررا لترك الطريق, فهذا هو الوضع الطبيعي للإنسان

فالمفترض في الإنسان أن يلتزم صراط الله المستقيم, وتعرض له بعض النزوات, فيقاوم بعضها ويسقط في أخرى, والواجب عليه في هذه الحالة أن يتوب إلى الله عزوجل, ويندم على معصيته, وكما روي عن الرسول الكريم: “كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون”.


وهذه المعصية ليست شرا خالصا, فرب معصية أدخلت صاحبها الجنة! ففي المعصية دافع إلى التمسك بالصراط, فالإنسان عندما يشعر أنه مقصر يدفعه ذلك إلى التمسك والالتزام والنشاط في السعي, أما إذا أحس أنه ملتزم, فقد يدخله الغرور بسبب ذلك, وقد يتكاسل, لأنه يرى أنه لا يأتي بمعصية, فقليل العمل يكفي!

لذا فيمكن اعتبار المعصية الطارئة محطات توقف صغيرة للتزود, ليس بالذنوب بداهة, وإنما بشحنات إيمانية لمواصلة المسير.

إذا فسيظل الإنسان يعثر ويقوم والفالح من قل عثره وسقطه! وكثر حسن فعله, واستطاع القضاء على عامة معاصيه! فكلنا نأتي أصنافا مختلفة من المعاصي, فمنا من يغتاب هناك من ينظر وهناك من يصاحب الفتيات, وهناك من يسب وهناك من يعق, وهناك وهناك …….

لذا فعلى الإنسان الراغب في الإقلاع عن الذنب أن يأتي نفسه من أضعف نقاطها, بمعنى أن تعلق نفس الإنسان بالمعاصي مختلفة, فتعلقها بمعصية ما شديدة وبأخرى متوسطة وبغيرهما خفيفة, فيبدأ بهذه المعصية ذات التعلق البسيط, ويجاهد نفسه ليتركها, وسيفلح بإذن الله تعالى

ومن ثم ينتقل إلى غيرها, ويكون ذلك دافعا له لأنه حاول وفلح. أما إذا بدأ بمحاولة الإقلاع عن كل الذنوب مرة واحدة, أو الإقلاع عن أكبر الذنوب تعلقا بالنفس, فسيجد في ذلك عنتا شديدا ومشقة, وكثيرا ما سيعود إليه, وسيتنزف هذا العناد كثير جهده, ولن يتخطاها إلى غيرها, ويظل طيلة عمره محاولا ترك معصية واحدة, فلا هو تركها ولا ترك غيرها, ولربما يقوده ذلك إلى اليأس من إصلاح نفسه في أول الطريق, فيتركه بما فيه!

لذا فليكن أول البدء هو بترك المعاصي التي لا تتعلق بها نفوسنا كثيرا, ومن ثم الانتقال إلى غيرها, بالتدريج حتى يستطيع الإنسان أن يتركها جميعا!

ولكن ليس كل البشر يستطيعون مقاومة أنفسهم, فقد لا يفلح عامتهم في ترك شهوات معينة, فهل هذا مبرر لهجر الطريق؟

نقول: لا بداهة, فلقد قالوا قديما: كفى بالمرء فخرا أن تعد معايبه! فإذا استطاع الإنسان أن يقلع عيوبه وذنوبه إلى درجة أنها يمكن عدها فهذا إنجاز كبير, على الإنسان ألا يتهاون به. وعليه أن يرافق هذا الإنجاز بكثير من العمل الصالح, حتى تذهب هذه الحسنات السيئات, وبذلك تغطي كثرة حسناته على سيئاته!

ولا يعني هذا أننا نرضى أن يظل الإنسان متركبا لمعصية معينة دوما كأنها طاعة أو سنة! بحجة أنه لا يستطيع تركها, فهذا لا يقبل بحال, وعلى هذا الإنسان الذي لا يستطيع تركها كلية أن يقلع عنها جزئيا.

ولا بد من التنبيه أن هذا التدرج في الترك لا يكون إلا في الصغائر, أما مع الكبائر فلا بد من الهجر الفوري لأن الإنسان لا يعرف متى يأتيه الموت وقد يأتيه وهو على كبيرة, فيكون من الهالكين. لذا يسارع في هجر الكبائر مهما كانت وليعلنها تحد لذاته!

والإنسان يحتاج في مجاهدة نفسه إلى الجبر والإكراه, وبدونه لن تستجيب النفس لإرادة صاحبها, لذا فعلى الإنسان أن يجبر نفسه بأي وسيلة كانت على ترك هذه المعصية المتعلقة بقلبه لفترات من حياته, ولو كانت يوما أو يومين, فإذا كان من المدخنين يقلع يوما أو بعض يوم!

وإذا كان من المغتابين يمسك عليه لسانه, وإذا كان من تاركي الفجر يترك الترك ويقوم!

وكل إنسان أدرى بنفسه من أين يأتيها, ويعرف كيف يجبرها, فمن الممكن أن يكون هذا الإجبار عن طريق القسم على النفس ألا يدخن مثلا لمدة يوم أو يومين, أو أنه سيقلع عن المعصية الفلانية لمدة أسبوع! وعليه أن يقسم على ما يستطيع تحقيقه, لا أن يبالغ فيه فيسقط قسمه!

ونحن لا نميل إلى مسألة القسم هذه, لأنه من الممكن أن يستهين الإنسان بها إذا أكثر من القسم والحنث, فلا تؤتي الثمار المرجوة معه بعد فترة, ولكن ليكن القسم كل حين من الدهر من باب زيادة التأكيد إذا أخفقت الوسائل الأخرى.

ومن وسائل الإجبار الأخرى معاقبة النفس على إتيان المعصية, ولا بد أن يكون هذا العقاب بسيطا, يلتزمه الإنسان, لأنه لو وضع عقابا كبيرا فلن يطبقه هو على نفسه, وسيترك العقاب والمجاهدة, أما إذا كان العقاب بسيطا, بأن سيخرج مبلغا نقديا بسيطا جدا في كل مرة يأتي فيها المعصية, ومع تكرر دفعه المبلغ سيشعر بحرقة المعصية!
وهناك وسائل إجبار أخرى كثيرة بناءة

فمن الممكن أن يلزم نفسه بعمل خيري كلما أتى معصية, عمل يساعد فيه الناس ويخدمهم, ولأن النفس بطبعها كسولة فستركن إلى ترك المعصية, فهذا أفضل لها من إتيانها وإتيان ما يترتب عليها بعد ذلك! وختاما فكل إنسان أدرى بنفسه وأعلم كيف يجبرها, فليجرب كل إنسان بنفسه حتى يجد الوسيلة التي تفلح معه في الإقلاع عن الذنب لفترة طويلة!

ولا بد للإنسان في هذه المراحل كلها من الاستعانة بالله عزوجل, بأن يدعوه بأن يساعده ويعينه على ترك المعاصي, ويكثر من الدعاء من أجل هذا ولا ييأس.

وختاما فإن نقول:
لا بد للإقلاع عن الذنوب والمعاصي من تقديم البديل, فإذ لم تفعل عادت إلى الذنوب مرة أخرى لا محالة مهما جاهدتها, فالنفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل, فاحرص كل الحرص على أن تشغل نفسك بكثير من وجوه الخير, وبهذا تبعد عن المعاصي

فليكن لك وردا يوميا في تلاوه القرآن ووعيه وتدبره, لتكثر من زيارة الأقارب ومن صلة الأرحام, لتكثر من القراءة فهي تهذب النفس وترقيها, لتمارس الرياضة. المهم ألا تترك لنفسك فسحة من الوقت وإلا ستجرك لا محالة إلى المعصية, أو ستجد عنتا شديدا في مقاومتها.

وبتقديم هذا البديل يتحصل الإنسان على فائدة عظمى بخلاف إلهائه عن الذنوب, وهي تأصيله وتأسيسه لمذهب الحق في حياته, فبهذا البديل سيستشعر حلاوة الإيمان, ورقيا في العقل والجنان, وسيجد نموذجا وطريقة جديدة للحياة, يؤمن معها أنه ليس لديه أي مبرر في العودة إلى ما كان عليه

وأن الحياة على المنهج حياة قويمة سليمة أفضل وأجمل وأيسر من الحياة الأخرى. أما لو ترك نفسه بدون بديل فستعود إلى الأصل العليل.
أعاذنا الله وإياكم من العود إليه, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نطلب إلى القارئ الذي تراوده نفسه ولا يريد أن يقلع عن الذنب قانعا راضيا بما هو فيه, ظانا فيه السعادة, نطلب إليه أن يقرأ قصتنا القصيرة الموجودة في الركن الأدبي, تحت عنوان: الفرح المفقود, ليعلم أن الفرح والسعادة لا يمكن أن تكون بحال في المعصية, وإنما في العمل تبعا لأمر الله.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.