الطارق, والحافظ والرجع: نظرة مغايرة!

المنظور العام للسورة:
تدور السورة في فلك حفظ الله التام والشامل المحيط بالبشر وبكل ما يصدر عنهم وكل ما يحتاجون إليه, فيقسم بالسماء وبالنجم الثاقب على أن كل نفس عليها حافظ, يحفظها من الأضرار إلا ما شاء الله له أن يكون فيكون, ويحفظ كذلك كل ما يصدر عنها فيدونه في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها!

ويدعو الله تبارك وتعالى الإنسان إلى النظر في آثار الحفظ في مراحل حياته المختلفة, فحفظ الله عزوجل معه منذ أول لحظة في حياته, يوم أن كان لا يزال حيوانا منويا ينفصل عن أبيه وينطلق ليستقر في رحم أمه, ويوم خرج من بطن أمه جنينا ضعيفا لا يستطيع أن يجلب لنفسه أي نفع أو يدفع عنها أي ضر! ثم يعلمه الله عزوجل أن ذلك الحافظ قادر على إحضار أعماله يوم الحساب يوم تكشف وتعرض أعمال الإنسان أمامه!

فلا يجد الإنسان في نفسه أو في غيره قوة ولا ناصر, -لذا فعليه أن يحفظ نفسه من مثل هذا الموقف بأن يقدم من الأعمال الصالحة ما تنفعه عند الوقوف بين يدي الله عزوجل للحساب فيكون فيه من الفائزين- ثم يقسم الله عزوجل بالسماء ذات المطر الذي يتكرر نزوله ويمر بدورته فيتلاشى ثم يعود مرة أخرى, وبالأرض التي تتصدع وتخرج النبات أن مسألة الحفظ التام قول فصل ليست بالهزل,

فالحفظ للإنسان ولكل ما يصدر عنه حتى أعماله التي سيجدها أمامه يوم الحساب, والكافرون يكيدون لكي يقضوا عليك أيها النبي الكريم ولكي يجهضوا دعوتك ويكيد الله عزوجل كيدا ليحفظك ويبطل كيدهم, وبما أنك محفوظ بحفظ الله فأنت الأقوى والواثق فمهل الكافرين مهما طغوا وتجبروا فالعزة والنصرة والتمكين لك بإذن الله.

بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الطارق من السور المكية وهي من السور التي تعنى بقضايا العقيدة وترسيخها عند الإنسان المسلم كما تعنى بالرد على المخالفين. وقبل أن نبدأ في تناول السورة نعرض الاتصال بين السورة الماضية والسورة الحالية:
إذا نحن نظرنا في هذه السورة الكريمة وجدنا أنها تبدأ بقوله تعالى “والسماء والطارق” وإذا نظرنا في السورة الماضية وجدنا أنها تنتهي بقوله تعالى “في لوح محفوظ” فما العلاقة بين السماء واللوح؟

إذا نحن بحثنا في القرآن نجد أن كلمة “محفوظ” لم ترد في القرآن الكريم كله إلا مرتين فقط إحداهما في الآية الأخيرة من السورة الماضية “فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ [البروج : 22]” والأخرى في قوله تعالى ” َوجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ [الأنبياء : 32]” إذن فالسماء سقف محفوظ واللوح محفوظ وكلاهما محفوظ بقدرة الله تعالى وعونه, واللوح المحفوظ وعاء القرآن المجيد وحافظ له ,والسماء المحفوظة هي وعاء الإنسان المكرم وحافظة له!

إذا وكما لاحظنا فإن السورة تبدأ بالقسم بالسماء والتي هي بنص الكتاب سقف محفوظ, ولكن نلاحظ أن الله تعالى يقسم في هذه السورة بمقسم آخر -في حين قال في السورة الماضية ” وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ [البروج : 1]– فيقول “والسماء والطارق” , والطارق ليس اسما مثل السماء, فلا يوجد شيء معين اسمه الطارق وإنما هو وصف لموصوفات متعددة, ولكن لما كان هذا الوصف بارزا وظاهرا في موصوف بعينه ألحقه القرآن به وأطلقه عليه,

ونلاحظ هذه المسألة في آيات كثر في القرآن الكريم, فهناك الصافات والمرسلات والعاديات إلخ تلك الموصوفات التي ألحق القرآن الكريم بها وصفا وعممه عليها.

وكعادتنا نبدأ في تحديد المدلول اللغوي للفظة “طرق”, على الرغم من أن اللفظة ليست غامضة على الإطلاق, فهي من مشهور الكلام المستعمل, وكما أن الآية الثانية تحملنا على ألا نعيل على اللغة كثيرا ولكن نذكر المداليل المختلفة لمفردة”طرق” لأنها من المفردات التي صعب تحديد معنى جامع شامل لها, حتى إننا نجد ابن فارس يقول عند تناوله لها:

“الطاء والراء والقاف أربعة أصول: أحدها الإتيان مَسَاءً، والثاني الضَّرْب، والثالث جنسٌ من استرخاء الشيء، والرابع خَصْف شيء على شيء.” اهـ

وعلى الرغم من التباين الشديد في المداليل التي ذكرها ابن فارس إلا أن المرء يستطيع أن يخرج بتصور عام للمراد من الطرق, فالطرق يدل على حركة مباغتة معاكسة.

وعلى الرغم من هذا فإن هذا التعريف لن يغني كثيرا في تحديد “الطارق” الذي أراده القرآن, لأنه قال بعد هذه الآية “وما أدراك ما الطارق”, فنفهم من هذا أن اللفظة المذكورة يستعملها القرآن استعمالا مخصوصا يحتاج إلى مزيد توضيح ويأتي هذا التوضيح بعد ذلك, كما أن هذه التركيبة “وما أدراك ما …” تركيبة تفيد عظمة وأهمية المذكور سابقا. إلا أن هذا لا يعني أن “الطارق” غير معروف تماما في اللغة,

فالإمام الألوسي يقول في تفسيره:
“{ والطارق } وهو في الأصل اسم فاعل من الطرق بمعنى الضرب بوقع وشدة يسمع لها صوت ومنه المطرقة والطريق لأن السابلة تطرقها ثم صار في عرف اللغة اسماً لسالك الطريق لتصور أنه يطرقها بقدمه واشتهر فيه حتى صار حقيقة ثم اختص بالآتي ليلاً لأنه في الأكثر يجد الأبواب مغلقة فيطرقها ثم اتسع في كل ما يظهر بالليل كائناً ما كان حتى الصور الخيالية البادية فيه والعرب تصفها بالطروق كما في قوله:
: طرق الخيال ولا كليلة مدلج … سدكا بأرحلنا ولم يتعرج” اهـ

ثم يأتينا التحديد في الآية التالية في قوله تعالى: “النجم الثاقب” إذا فالطارق هو النجم الثاقب, والثقب معروف وهو النفاذ في الشيء, والنجم يثقب الليل بضوئه فينفذ فيه, ولكن ما هو المراد من النجم الثاقب؟ هل المراد نجم بعينه أم أن المراد جنس النجوم الثاقبة؟

اختلف المفسرون في هذه المسألة, وذكر الإمام الفخر اختلافهم فقال:
“المسألة الثالثة : اختلفوا في قوله : { النجم الثاقب } قال بعضهم : أشير به إلى جماعة النحو فقيل الطارق ، كما قيل : { إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ } [ العصر : 2 ] وقال آخرون : إنه نجم بعينه ، ثم قال ابن زيد : إنه الثريا ، وقال الفراء : إنه زحل ، لأنه يثقب بنوره سمك سبع سموات ، وقال آخرون : إنه الشهب التي يرجم بها الشياطين ، لقوله تعالى : { فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ } [ الصافات : 10 ].” اهـ

وقيل غير ذلك فقيل أنه القمر! وقيل أنه كوكب الصباح, وقيل أقوال أخرى والذي يرجحه السياق والنص أن المراد من النجم الثاقب هو نجم بعينه يقسم الله تعالى به, لأنه لا دليل مؤد إلى القول بأن المراد هو جنس النجوم, فما هو هذا النجم؟

قال بعض من رجح أن المراد منه نجم بعينه أنه زحل أو الثريا, ولكن هل ينطبق عليهما الوصف الرباني “النجم الثاقب”؟
الناظر في السماء يجد أن النجم الذي يتطابق معه هذا الوصف بشكل كبير يرجح أن يكون هو المذكور في القرآن, هو نجم “الشعرى”, ذلك النجم الوحيد الذي ذكر بالقرآن بالاسم, والذي قال الله عزوجل في حقه “وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى [النجم : 49]”, وسنوضح للقارئ لم رجحنا أن يكون هذا النجم هو النجم الثاقب:

” الشعرى هو نجم الشعرى اليمانية (سيروس) وهو النجم الوحيد الذي ورد اسمه صريحاً في القرآن الكريم بخلاف الشمس وهو واحد من أقرب وألمع النجوم إلينا.

يقع نجم الشعرى في برج الكلب الأعظم في اتجاه الجنوب الشرقي ويأتي استعماله في التقويمِ اليونانيِ وأيضا لَعبَ جزءَا مهماَ في التقويمِ المصريِ لأن تمرّده تَزامنَ بالفيضانِ النيل السنوي ،

ويمكن رؤيته من الأرض ليلاً بشكل واضح وهو من ألمع نجوم السماء ويبدو في حجمه مثل الشمس ،

ويعد من النجوم ذات الأحجام الكبيرة ومقدار النجم الظاهر-1.46 و مقدار المطلق 1.5 ومطلع المستقيم 6 ساعات و45 دقيقة و9 ثوان ونوع الطيفي للنجم A0 وزاوية الانحراف -16 درجة و42 دقيقة و 58 ثانية ، وهو يصدر ضوءا أكثر من الشمس بـ 26 مرة ويبعد عنا 8.6 سنوات ضوئية.

وأناأعلم أن هذا القول سيسبب حساسية عند بعض الأخوة ولكن لا حرج في ذلك, فالله لا يقسم إلا بما هو عظيم وهذا النجم يستحق, ولا يعني أن بعض القدماء قد عظموه أو عبدوه –مثلما فعلت العرب وغيرها- أن يحط من مكانته,

فعلى سبيل المثال: كانت الزراعة في مصر القديمة تعتمد على الري من النيل وكان التنبؤ بميعاد فيضان النيل أهم ما يجب عمله اتقاء لشره إذا كان فيضاناً عارماً وذلك بترميم الجسور وتحسباً له إذا جاء الفيضان خفيفاً غير وافي ؛ لأن ذلك معناه المجاعة بكل أبعادها المخيفة،
ولقد لاحظ قدماء المصريين بأن بداية فيضان النيل مرتبطة بشروق الشمس من اتجاه النجم سيروس (الشعرى اليمانية) وهو مايسمى فلكياً بظاهرة الاحتراق الشروقي للنجم سيروس (الشعرى) وكان هذا يحدث في صيف كل عام.

إذا فنحن نرجح أن يكون المراد من النجم الثاقب هو نجم الشعرى لما ذكرنا, فيكون المقسم به هو السماء ونجم ظاهر مشهور معروف ارتبط به ثقافة الإنسان وحضارته كثيرا, كهداية في السماء وكعلامة لتغير المواسم الزراعية, فإذا انتقلنا إلى الآية التالية وجدنا أن الله تعالى يذكر فيها المقسم عليه وهو قوله: “إن كل نفس لما عليها حافظ”, أي أن كل نفس مخلوقة وموجودة في هذا الكون عليها حافظ يحفظها بأمر الله تعالى,

ونلاحظ أن الله عزوجل استعمل في هذه الآية “لما” ولم يستعمل “إلا”, وذلك أن “لما” تفيد الاستمرار والمداومة, أي أن ذلك الحافظ مستمر مع ذلك الإنسان لا يفارقه ولا يتركه. والآية وإن كانت عامة يدخل فيها كل الأنفس, إلا أن المقصود الأعظم بها هو النفس البشرية

, ويؤيد هذا التخصيص السياق وباقي الآيات في السورة, ونحن نرى أن هذه الآية فيها إشارة –استقيناها واستخرجناها من السورة والسورة الماضية- إلى ثبوت حفظ نفس مخصوصة وهي نفس الرسول الأعظم والنبي الأكرم, فلا يمسه سوء أو ضر أو كيد من الكافرين! واختلف المفسرون في المراد من الحافظ, فقال بعضهم أن ذلك الحافظ هو الله عزوجل, فالله هو الحافظ لكل الأنفس ولكل الكون, فهو ” ... يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ … [فاطر : 41]”,

وقال آخرون أن المراد من ذلك الحافظ هو الملائكة, وهو الرأي الراجح بإذن الله تعالى, حيث تعضده الكثير من الأدلة, فبناء الآية يرجح وجود حافظ لكل نفس, والله عزوجل واحد غير متعدد وهو خير الحافظين ” قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف : 64] “, ,
كما أن آيات القرآن العظيم ناطقة بوجود الحفظة من الملائكة على الإنسان, فنجد أن الله تعالى قد قال:
“وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ [الأنعام : 61] , ويقول:
َوإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ [الإنفطار : 10,11]
لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ
إذا فالله تعالى يقسم على وجود الحفظة من الملائكة على الأنفس البشرية, فما هو دور هؤلاء الحفظة؟

تأتي الإجابة المباشرة من القرآن ومن اللغة, فهم يحفظون النفس بأمر الله عزوجل, أما إذا أراد الله عزوجل بالإنسان أي أمر من سوء أو موت فليس للملائكة أي دور هنا, وكذلك هم يسجلون كل ما يصدر عن النفس من الأعمال فيكتبونها في كتاب أعمالها “كراما كاتبين” بطريقة يعلمها الله عزوجل!

إذا فالله تعالى يقسم على وجود حافظ على الإنسان –من عند الله- وحفظه لكل ما يصدر عنه, وهنا لا بد أن نتوقف لنسأل: ما العلاقة بين المقسم به “السماء والطارق” والمقسم عليه “إن كل نفس لما عليها حافظ”؟ فلا بد من وجود علاقة بينة وأدلة جلية في المقسم به, تجعل السامع يرى في المقسم به نموذجا واقعا مشاهدا على المقسم عليه؟

نقول العلاقة جلية وبديعة تقدم تشبيها عجيبا فالله عزوجل يقدم لنا السماء والطارق كنموذج مشابه للإنسان والحافظ, فالملاك الحافظ للإنسان محيط به ومطلع عليه , وأينما ذهب وولى فالملاك عليه حافظ, وكذلك الطارق في السماء فمهما شرق أو غرب أو تحرك فالسماء محيطة به شاهدة عليه وهو تابع لها وخاضع في عين الوقت,

وكما أن الطارق طارق, قد يظهر ويختفي عن عيوننا –ولكنه يبقى في السماء- فكذلك الإنسان طارق على الملاك الحافظ, فالملاك موجود قبل الإنسان ومعه وعليه, فإذا غاب الإنسان –مات- يظل الملاك كما هو, حافظا لكل ما صدر عن الإنسان. وكذلك النجم في حركة مستمرة في السماء, فيغيب ثم يعود فيطرق دوما وهو هكذا يسبح في فلكه إلى أجل معلوم,

وكذلك الإنسان يكدح ويتحرك في الأرض إلى أن يأتيه الأجل من الله عزوجل فيموت, وكلاهما محفوظ بقدرة الله تعالى. وكما أن الطارق هو النجم الثاقب أظهر نجم في السماء فكذلك الإنسان هو أظهر المخلوقات على وجه الأرض! وهناك علاقة أخرى جلية سنعرض لها عند التعرض لآية لاحقة!

إذا فالله عزوجل يقدم للإنسان نموذجا على وقوع الحفظ ووجود الحافظ في خارجه وذلك من خلال ذكره للسماء والطارق, ثم ينبهه إلى أن هذه المسألة لا تحتاج إلى النظر في الكون خارج الإنسان, وإنما على الإنسان من باب أولى أن ينظر في نفسه, فيقول الله تعالى له: “فلينظر الإنسان مم خلق”

أي أن على الإنسان الذي يشك في مسألة الحفظ والإحاطة أن ينظر من أي شيء خلق؟ فالأصل الذي منه خلق الإنسان أصل ضعيف يحتاج إلى الحفظ, ولو لم يكن هناك حفظ ورعاية لكان احتمال وجوده ضعيفا جدا! ثم يأتي التفصيل القاطع في الآية التالية في قوله تعالى “خلق من ماء دافق”

وفي هذه الآية إشارة علمية عظيمة على دقة التوصيف القرآني ولكن أضاع المفسرون للأسف هذه الإشارة وغفلوا عنها عندما غفلوا عن قول الله تعالى “دافق”, فبدلا من أن يتوقفوا ويتدبروا في هذه الاستعمال “اسم الفاعل: دافق” صرفوه عن ظاهره وجعلوه على أنه اسم مفعول, فعلى سبيل المثال يقول الإمام الرازي في تفسيره:

“المسألة الأولى : الدفق صب الماء ، يقال : دفقت الماء أي صببته وهو مدفوق أي مصبوب ، ومندفق أي منصب ، ولما كان هذا الماء مدفوقاً اختلفوا في أنه لم وصف بأنه دافق على وجوه الأول : قال الزجاج : معناه ذو اندفاق ، كما يقال : دراع وفارس ونابل ولابن وتامر ، أي درع وفرس ونبل ولبن وتمر ، وذكر الزجاج أن هذا مذهب سيبويه. الثاني : أنهم يسمون المفعول باسم الفاعل . قال الفراء : وأهل الحجاز أفعل لهذا من غيرهم ، يجعلون المفعول فاعلاً إذا كان في مذهب النعت ، كقوله سر كاتم ، وهم ناصب ، وليل نائم ، وكقوله تعالى : { فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } [ القارعة : 7 ] أي مرضية.
الثالث : ذكر الخليل في الكتاب المنسوب إليه دفق الماء دفقاً ودفوقاً إذا انصب بمرة ، واندفق الكوز إذا انصب بمرة ، ويقال في الطيرة عند انصباب الكوز ونحوه : دافق خير، وفي كتاب قطرب : دفق الماء يدفق إذا انصب الرابع : صاحب الماء لما كان دافقاً أطلق ذلك على الماء على سبيل المجاز .” اهـ

وغفر الله للمفسرين فما كانوا يتصورون أن الصفة الكبرى للمني أنه ماء دافق ويتصورونه مدفوقا, فلقد مرت الأيام والقرون وأثبت لنا العلم الحديث أن الحيوانات المنوية تتحرك حركة ذاتية سريعة إلى الإمام , فهي تتدفق في رحم المرأة, وحركة الحيوانات المنوية أكثر أهمية من عددها

ولو لم تكن الحيوانات المنوية دافقة لما حدث أبدا حمل ولا خلق للإنسان! ويظهر الحفظ جليا في تلك الرحلة التي يقطعها الحيوان المنوي الدافق حتى يصل إلى البويضة, فهو يقطع أكبر وأعظم وأخطر رحلة في الكون, رحلة يتسابق فيها مئات الملايين من الحيوانات المنوية , ثم يصل في نهاية المطاف حيوان منوي واحد يقوم بتلقيح البويضة, فلو لم يكن هناك حفظ لما وصل أبدا,

والله عزوجل يذكر الإنسان بأكثر اللحظات ضعفا وقلة حيلة في حياته, وقت أن كان لا يزال حيوانا منويا حقيرا يمكن لأضعف المخلوقات أن يهلكه, ولكن الله عزوجل تكفل له بالحفظ حتى يصل إلى البويضة حيث يكونا سويا الإنسان!
ثم ينتقل الله عزوجل إلى عرض موطن آخر من مواطن الحفظ ,

فبعد أن تحدث عن الحفظ في أول مراحل الخلق, يتحدث عن الحفظ في أول مواطن خروج الإنسان ومواجهتها للحياة وذلك في موطن الولادة فيقول: “يخرج من بين الصلب والترائب“, وأنا أعلم أن هناك خلاف بين المفسرين في عود الضمير, هل يعود على الإنسان أم يعود على الماء الدافق؟

والماء الدافق وإن كان أقرب مذكور إلا أن السياق يرجح أن عود الضمير هو على الإنسان, وأن آية “خلق من ماء دافق” آية اعتراضية أراد الله عزوجل بها التأكيد على انعدام حيلة الإنسان وحاجته إلى الحفظ , عن طريق ذكر مرحلة هي أضعف وأخطر مراحله الحياتية وهي مرحلة الماء الدافق الذي يفارق الجسم ويقوم بأعظم وأخطر الرحلات! فإذا نحن نظرنا في السياق وجدنا أن كل الضمائر التالية تعود على الإنسان ” إنه على رجعه لقادر , فما له من قوة ولا ناصر”

وبداهة هنا الحديث عن الإنسان في موقف من مواقف اليوم الآخر, ولا يمكن أن يكون الحديث هنا عن الحيوانات المنوية, وأما القول بأن الله قادر على رد الماء في الإحليل فغريب مستبعد وليس له علاقة بالحفظ ولا بالقدرة على البعث!.

وعلامة الجملة الاعتراضية أنه يمكن حذفها بدون تغيير للمعنى, فلو قلنا في غير القرآن : “فلينظر الإنسان مم خلق . يخرج من بين الصلب والترائب” لفهم بداهة أن الحديث هنا عن الإنسان نفسه وليس عن المادة التي خلق منها الإنسان!

إذا فالله عزوجل يتحدث عن حفظ الإنسان في مرحلة أخرى وهي حين يخرج من بين ظهر المرأة وما بين صفائح أو عظام صدرها, وهو لا حول له ولا قوة, وهو في هذه الحالة كذلك محفوظ من الله عزوجل.

ثم ننتقل إلى الآية الحاسمة والفاصلة في هذه السورة والتي سنخالف فيها المفسرين تماما, والتي نراها نحن مفتاح هذه السورة, والتي –من وجهة نظرنا وعلى قولنا- تعطي الترابط التام لباقي آيات السورة, وهذه الآية هي قوله تعالى: “إنه على رجعه لقادر”
حيث يرى السادة المفسرون أن عود الضمير في الآية هو على الله وأن المراد من الرجع هو إعادة الإنسان إلى الحياة مرة أخرى في اليوم الآخر! ولنعرض أولا كيف تناول المفسرون –الإمام الفخر نموذجا- هذه الآية ثم نتناولها نحن:
“المسألة الأولى : الضمير في إنه للخالق مع أنه لم يتقدم ذكره ،

والسبب فيه وجهان الأول : دلالة خلق عليه ، والمعنى أن ذلك الذي خلق قادر على رجعه الثاني : أنه وإن لم يتقدم ذكره لفظاً ، ولكن تقدم ذكر ما يدل عليه سبحانه ، وقد تقرر في بدائة العقول أن القادر على هذه التصرفات ، هو الله سبحانه وتعالى ، فلما كان ذلك في غاية الظهور كان كالمذكور …………… 
والكناية في قوله على رجعه إلى أي شيء ترجع؟ فيه وجهان أولهما : وهو الأقرب أنه راجع إلى الإنسان ، والمعنى أن الذي قدر على خلق الإنسان ابتداء وجب أن يقدر بعد موته على رده حياً ، وهو كقوله تعالى : { قُلْ يُحْيِيهَا الذى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ } [ يس : 79 ] وقوله : { وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } [ الروم : 27 ] وثانيهما : أن الضمير غير عائد إلى الإنسان ، ثم قال مجاهد : قادر على أن يرد الماء في الإحليل ، وقال عكرمة والضحاك : على أن يرد الماء في الصلب . وروي أيضاً عن الضحاك أنه قادر على رد الإنسان ماء كما كان قبل ، وقال مقاتل بن حيان : إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب ، ومن الشباب إلى الصبا ، ومن الصبا إلى النطفة ، واعلم أن القول الأول أصح ، ويشهد له قوله : { يَوْمَ تبلى السرائر } أي أنه قادر على بعثه يوم القيامة ” اه

ـ
ونتوقف هنا لنسأل: أيهما أولى أن نعيد الضمير على مذكور أم نعيده على غير مذكور؟
بداهة من الأولى أن يعاد الضمير إلى المذكور, وخاصة إذا كان لا يوجد ما يمنع عقلا من عود الضمير عليه, والعجيب أن المذكور واضح ولكن القارئ يغفل عنه, فما المانع من أن يعاد الضمير إلى “حافظ” المذكور في قوله تعالى “إن كل نفس لما عليها حافظ”؟!
أي أن الحافظ قادر على رجع الإنسان يوم القيامة! وهنا قد يعترض بعض القراء ويقول: كيف ننسب فعل إعادة الإنسان إلى الملك وهو يفترض أن ينسب إلى الله تعالى؟

وهنا يأتي اختلافنا الثاني مع السادة المفسرين فليس المراد من “رجع” في الآية الكريمة إعادة الإنسان في اليوم الآخر وبعثه, وإنما المراد منها –والله أعلم- شيء آخر سنذكره بعد سطور!

والحق يقال أن هذه الكلمة “رجعه” قد سببت لي إشكالية كبرى في ربط الآيات ببعضها وإظهار الوحدة الموضوعية للسورة, إلى أن ظهر لي أني سقطت في نفس ما سقط فيه المفسرون واللغويون وهو أني فهمت المصادر كلها بمعنى واحد, وبداهة هي ليست كذلك ولا تحمل نفس المداليل,

فإذا نحن نظرنا في لسان العرب وجدنا ابن منظور يقول:
“رَجَع يَرْجِع رَجْعاً ورُجُوعاً ورُجْعَى ورُجْعاناً ومَرْجِعاً ومَرْجِعةً: انصرف.
وفي التنزيل: إِن إِلى ربك الرُّجْعى، أَي الرُّجوعَ والمَرجِعَ، مصدر على فُعْلى؛ وفيه: إِلى الله مَرْجِعُكم جميعاً، أَي رُجُوعكم؛ حكاه سيبويه فيما جاء من المصادر التي من فَعَلَ يَفْعِل على مَفْعِل، بالكسر، ….. والرَّجْع: رَدّ الدابة يديها في السير ونَحْوُه خطوها. والرَّجْع الخطو. ………. ورَجْعُ الجَوابِ ورَجْع الرَّشْقِ في الرَّمْي: ما يَرُدُّ عليه. والرَّواجِعُ: الرِّياح المُخْتلِفَةُ لمَجِيئها وذَهابها.والرَّجْعُ والرُّجْعَى والرُّجْعان والمَرْجُوعَةُ والمَرْجُوعُ: جواب الرسالة؛ قال يصف الدار: سأَلْتُها عن ذاك فاسْتَعْجَمَتْ، لم تَدْرِ ما مَرْجُوعةُ السَّائلِ ورُجْعان الكتاب: جَوابه.” اهـ
فقد وضع ابن منظور كل المصادر في سلة واحدة, ولكن بداهة هناك اختلاف بين الرجوع والرجعى والمرجع والرجعان, فإذا قلنا أن الرجع بمعنى الرجوع فهذا مخالفة للمنطوق,

وإنما علينا أن نفهم الرجع بمعنى الرجع! ونطلب إلى القارئ أن يرجع إلى اللسان فيتتبع كلمة “الرجع” ويسأل نفسه: لماذا وضعت العرب كلمة “الرجع” كمائز لهذه المداليل وليس لغيرها؟ وهل من الممكن أن يضع مكانها كلمة الرجوع؟ فالرجع يأتي –على سبيل المثال لا الحصر- بمعنى الخطو, فهل من الممكن أن نضع مكانه “الرجوع” ويكون بمعنى الخطو؟!

فإذا نحن تتبعنا الرجع في القرآن وجدناه ورد في ثلاثة مواطن فقط, موطنان في السورة, وهما الآية التي نتناولها وقوله تعالى: “وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ” وموطن في سورة ق وهو قوله تعالى ” أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [قـ : 3]”

وبما أن الله تعالى قال “رجع” فعلينا أن نفهمها ك “رجع” وليس كرجوع أو رجعى أو أي كلمة أخرى! ولو أخذنا بقول المفسرين وقلنا أن الرجع بمعنى الرجوع فسيسبب لنا إشكالية كبرى فسيكون معنى الآيات أن الله قادر على إعادة الإنسان في يوم ابتلاء السرائر,

وهنا سيظهر التعارض فالإنسان قد أُحيي وبُعث وبدأ حسابه على يد الله, فكيف يقول الله أنه قادر على إحيائه في هذا الموقف؟!!! ولا يقولن قائل: أن قوله تعالى “يوم تبلى السرائر” إشارة إلى اليوم الآخر كله! فلقد أثبتنا فيما مضى أن اليوم الآخر هو الاسم الجامع لكل المواقف التي ستكون في هذا اليوم ولا توجد مسميات أخرى له,

أما إذا قيل يوم القيامة أو يوم الخروج أو يوم الفصل أو يوم الدين أو …. فهذه أسماء لمواقف مخصوصة في اليوم الآخر ولا يمكن أن تتعدى فتشمل اليوم كله, وإنما يراد بها الموقف الذي يراد وصفه! والذين قالوا بهذا القول هم الذين مكنوا غير المسلمين من القول بوجود تناقض في القرآن, بقولهم إن القرآن ينفي الشيء ويثبته في عين الوقت, ويستدلون على قولهم بآيات واردة في اليوم الآخر, ولكن لا تعارض فهي في مواقف مختلفة, ولكن السادة جعلوها كلها يوما واحدا تاما, ثم حاولوا أن يلغوا التعارض الذي أوجدوه هم!

فعلى قولهم: فإن الله قادر على بعث الإنسان وارجاعه في الوقت الذي يحاسبه فيه ويخبره بما اقترفت يداه! وهذا مخالف لكثير من آيات القرآن والتي تقول أن الرجوع سيكون أولا ثم بعد ذلك يكون ابتلاء السرائر والإنباء, كما جاء في قوله تعالى: “ قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [الأنعام : 164]
وكما جاء في قوله : “وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الأنعام : 60]
وهنا سيتوقف القارئ ليسأل: وما هو رجع الإنسان والذي هو ليس بمعنى إحيائه؟ نقول: نقول: اسمح لي عزيزي القارئ أن أعرض لك كيف فهم المفسرون “الرجع” في آية “والسماء ذات الرجع”, من خلال كتاب تفسير الإمام الفخر الرازي:

أما قوله : { والسماء ذَاتِ الرجع } فنقول : قال الزجاج الرجع المطر لأنه يجيء ويتكرر . واعلم أن كلام الزجاج وسائر أئمة اللغة صريح في أن الرجع ليس اسماً موضوعاً للمطر بل سمي رجعاً على سبيل المجاز ، ولحسن هذا المجاز وجوه أحدها : قال القفال : كأنه من ترجيع الصوت وهو إعادته ووصل الحروف به ، فكذا المطر لكونه عائداً مرة بعد أخرى سمي رجعاً. وثانيها : أن العرب كانوا يزعمون أن السحاب يحمل الماء من بحار الأرض ثم يرجعه إلى الأرض وثالثها : أنهم أرادوا التفاؤل فسموه رجعاً ليرجع ورابعها : أن المطر يرجع في كل عام ، إذا عرفت هذا فنقول للمفسرين أقوال : أحدها : قال ابن عباس : { والسماء ذَاتِ الرجع } أي ذات المطر يرجع لمطر بعد مطر وثانيها : رجع السماء إعطاء الخير الذي يكون من جهتها حالاً بعد حال على مرور الأزمان ترجعه رجعاً ، أي تعطيه مرة بعد مرة وثالثها : قال ابن زيد : هو أنها ترد وترجع شمسها وقمرها بعد مغيبهما ، والقول هو الأول ” اهـ
إذا فلقد فهم المفسرون هنا الرجع على أنه المطر –وهو شيء يصدر عن السماء لا أن السماء نفسها هي التي ترجع- وكذلك قالوه في الصوت وهو شيء ينفصل عن الإنسان ثم يعود إليه إذا كان هناك حائل (صدى الصوت).
ومن خلال هذا استطعنا أن نحدد المراد من رجع الإنسان هو ما يصدر عنه من أفعال وأعمال والتي يسجلها الملك الحافظ كما هي في كتابه. وبهذا يكون المراد من الآية أن الحافظ على الإنسان قادر على وحافظ لكل ما صدر عن الإنسان في حياته, وسيبرزها ويعرضها في يوم تبلى السرائر!

وبهذا الفهم يظهر لنا وجه شبه جديد بين السماء والطارق وبين الإنسان والحافظ, فكل ما يصدر عن الإنسان من أعمال مسجل ومجموع ومكتوب لدى الحافظ “كراما كاتبين” وإن كان يبدو للعيان أنه قد انقضى وولى ونسي, وكذلك كل ما يصدر عن النجم من ضوء فإنه وإن كان ظاهرا للعيان أنه قد تشتت وضاع فإنه لن يخرج ويذهب أبدا بعيد عن نطاق السماء وإنما سيظل محصورا ومجموعا فيها!

وآية سورة ق مؤيدة لنا فيما نقول, ففيها يقول الله تعالى ” أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [قـ : 3], فالكافرون لما جاءهم المنذر –بالبعث والعذاب بعد الموت بداهة- قالوا وتساءلوا: هل سيحدث هذا بعد الموت وبعد كوننا تراب؟! إن هذا لرد –على أفعالنا- أو لنتيجة بعيدة الوقوع, فيرد الله عليهم بقوله: ” قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ”, ليس بعيد الوقوع فهو واقع واقع فعلمنا تام وعندنا كتاب حفيظ.

إذا فالرجع هنا في الطارق وهناك في ق يدور في فلك العلم والكتابة والحفظ, وهذا دليل على أن الرجع بمعنى ما يصدر عن الشيء لا أنه بمعنى عودة الشيء مرة أخرى! فيكون المعنى أن الحافظ قادر على رجع الإنسان –ما صدر عنه من الأقوال والأفعال (لاحظ أن الرجع يستعمل أساسا مع الأصوات)- ,

وهذه الآية وغيرها من الآيات تؤكد أن الإنسان سيرى أعماله حاضرة يوم القيامة, فالله تعالى يقول:
“وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [الكهف : 49]
فما عمله الإنسان “رجعه” يجده حاضرا! ويؤكد هذا قوله تعالى:
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ [آل عمران : 30] فهنا يذكره الله تعالى بصيغة المفعول “محضر”, وصاحب السوء يود الابتعاد عنه!

وتأتي آية البقرة فتقضي على كل خلاف ونزاع فتقول: “وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة : 167]
فالله سيريهم أعمالهم –الحاضرة أو المحضرة- حسرات عليهم!

ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى:
“وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً [الفرقان : 23] ف
هذا العمل الذي سيُجعل هباءا منثورا يوم يرون الملائكة هو ما نقصده بالرجع, والذي الحافظ عليه قادر يوم تبلى السرائر! فهو يعرضه ويظهره فلا يتفلت منه شيء أو يُنسى أو يجعله هباءا منثورا, كل بأمر الله وبقدرته!

ولا يتعجب القارئ من تسمية الله عزوجل لما يصدر عن الإنسان “رجع”, فهذا هو التوصيف المثالي له, وستمر السنون ويكتشف الإنسان كم كان هذا الوصف دقيقا! ولا ينسى القارئ أن الله عزوجل سمى عمل الإنسان “طائر” وذلك في قوله تعالى: “وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً [الإسراء : 13]” (ولاحظ هنا ارتباط الطائر بالكتاب وكذلك ارتباط الرجع بالكرام الكاتبين الحافظين).
إذا فالمراد هو التأكيد أن ذلك الحافظ, والذي سيأتي مع الإنسان –” وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ [قـ : 21]”- قادر على أعمال الإنسان, “يوم تبلى السرائر”, والسرائر معروفة وهي جمع سريرة وهي ما يكتمه الإنسان في صدره, ولكن ما هو الابتلاء؟ الابتلاء معروف ولكنا نزيده توضيحا فنقول:
بلو كما جاء في المقاييس:
” الباء واللام والواو والياء، أصلان: أحدهما إخلاق الشيء، والثاني نوعٌ من الاختبار، ويحمل عليه الإخبار أيضاً. فأمّا الأوّل فقال الخليل: بَلِيَ يَبْلى فهو بالٍ.
والبِلَى مَصْدَرُه. ……………. ويكونُ البَلاءُ في الخير والشرّ.
والله تعالى يُبْلِي العَبْدَ بلاءً حسناً وبلاءً سيئاً، وهو يرجع إلى هذا؛ لأن بذلكَ يُختبَر في صَبْرِه وشُكْرِه. ……… أبليتُ فُلاناً عُذْراً، أي أعلمته وَبيَّنْتُه فيما بيني وبينه، فلا لَومَ عليَّ بَعْد.قال أبو عُبيد: أَبلَيْتُه يميناً أي طيَّبْت نفسَه بها. قال أوس:
كأنَّ جديدَ الدار يُبْلِيكَ عنهُم نَقِيُّ اليَمِينِ بَعْدَ عَهدِكَ حَالفُقال ابن الأعرابيّ: يُبْليك يُخْبِرك. يقول العرب: أَبْلِني كذا، أي أخبِرْني؛ فيقول الآخر: لا أُبْلِيْك. ……… ” اهـ

ولنا أن نسأل: كيف تبلى السرائر؟
يجيب الإمام الفخر على هذا السؤال فيقول:
” وفي كيفية الابتلاء والاختبار ههنا أقوال :
الأول : ما ذكره القفال معنى الاختبار ههنا أن أعمال الإنسان يوم القيامة تعرض عليه وينظر أيضاً في الصحيفة التي كتبت الملائكة فيها تفاصيل أعمالهم ليعلم أن المذكور هل هو مطابق للمكتوب ، ولما كانت المحاسبة يوم القيامة واقعة على هذا الوجه جاز أن يسمى هذا المعنى ابتلاء ،

وهذه التسمية غير بعيدة لعباده لأنها ابتلاء وامتحان ، وإن كان عالماً بتفاصيل ما عملوه وما لم يعملوه .

والوجه الثاني : أن الأفعال إنما يستحق عليها الثواب والعقاب لوجوهها ، فرب فعل يكون ظاهره حسناً وباطنه قبيحاً ، وربما كان بالعكس . فاختبارها ما يعتبر بين تلك الوجوه المتعارضة من المعارضة والترجيح ، حتى يظهر أن الوجه الراجح ما هو ، والمرجوح ما هو
.
الثالث : قال أبو مسلم : بلوت يقع على إظهار الشيء ويقع على امتحانه كقوله : { وَنَبْلُوَ أخباركم } [ محمد : 31 ] وقوله : { وَلَنَبْلُوَنَّكُم } [ البقرة : 155 ] ثم قال المفسرون : { السرائر } التي تكون بين الله وبين العبد تختبر يوم القيامة حتى يظهر خبرها من سرها ومؤديها من مضيعها ،
وهذا معنى قول ابن عمر رضي الله عنهما : يبدي الله يوم القيامة كل سر منها ، فيكون ذيناً في الوجوه وشيناً في الوجوه ، يعني من أداها كان وجهه مشرقاً ومن ضيعها كان وجهه أغبر .” اهـ

أما نحن فنرى أن البلو هو بمعناه الرئيس وهو الإخلاق! كما نقول: ثوب بال! أي أنه قد استهلك وصار قديما مهلهلا. ولقد قلنا أن الرجع هو أعمال الإنسان التي صدرت عنه ثم ترجع يوم الحساب فتُعرض كما وقعت,

فلما عُرضت أعمال الإنسان بليت سرائره فلم تعد سريره وإنما صارت مكشوفة معروضة وصار هو نفسه مفضوحا! ويكون بلو السرائر بعد أن يجادل الإنسان ويحلف كذبا ويحاول أن يتبرأ من أفعاله, فيأتيه الرجع وعرض الأعمال فيصمت!

لذلك “فما له من قوة ولا ناصر” أي أن الإنسان لما يرى أعماله أمامه ويصير مفضوحا لا يجد في نفسه القوة على المجادلة ولا يوجد له ناصر ينصره!

وبعد أن ذكر الله في الآيات الماضيات أن حفظ الله على الإنسان تام, حتى أن الحفظ يشمل أعمال الإنسان التي صدرت عنه فلا يغيب شيء, فإن هذا سيبدو قولا عجيبا بالنسبة للإنسان, لذا بدأ في التأكيد على هذه المسألة وتقديم ما يشير إليها في عين الوقت, فقال: “والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع”

ولقد ذكرنا سابقا للقارئ مدلول الرجع وقلنا أنه بمعنى المطر كما ورد عن ابن عباس, وهناك بعض أنصار التفسير العلمي للقرآن يميلون إلى التوسع في مدلول “رجع السماء” فيقولون: أن للسماء أنواع عديدة من الرجع, فعلى سبيل المثال:
1- تقوم الطبقة الأولى من الغلاف الجوي “التروبوسفير” (Troposphere) بإرجاع بخار الماء إلى الأرض على شكل أمطار، وبإرجاع الحرارة إليها أيضاً في الليل على شكل غاز ثاني أكسيد الكربون CO2.
2- يعتبر الغلاف الجوي للأرض درعاً واقياً عظيماً يحمي كوكب الأرض من الشهب والنيازك والإشعاعات القاتلة للأحياء، وذلك بفضل الطبقة الخامسة من طبقاته وهي الستراتوسفير (Stratosphere) .
3- تعتبر الطبقة الرابعة من طبقات الغلاف الجوي وهي الثيرموسفير (Thermosphere) ذات رجع فهي تعكس موجات الراديو القصيرة والمتوسطة إلى الأرض.
ولكنا نرى أن في هذا مخالف لمدلول “الرجع” فليس رد السماء للنيازك والشهب من باب الرجع بحال!

ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى:
“وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً [الفرقان : 23] فهذا العمل الذي سيُجعل هباءا منثورا يوم يرون الملائكة هو ما نقصده بالرجع, والذي الحافظ عليه قادر يوم تبلى السرائر! فهو يعرضه ويظهره فلا يتفلت منه شيء أو يُنسى أو يجعله هباءا منثورا, كل بأمر الله وبقدرته!

ولا يتعجب القارئ من تسمية الله عزوجل لما يصدر عن الإنسان “رجع”, فهذا هو التوصيف المثالي له, وستمر السنون ويكتشف الإنسان كم كان هذا الوصف دقيقا! ولا ينسى القارئ أن الله عزوجل سمى عمل الإنسان “طائر” وذلك في قوله تعالى: “وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً [الإسراء : 13]” (ولاحظ هنا ارتباط الطائر بالكتاب وكذلك ارتباط الرجع بالكرام الكاتبين الحافظين).
إذا فالمراد هو التأكيد أن ذلك الحافظ, والذي سيأتي مع الإنسان –” وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِ
قٌ وَشَهِيدٌ [قـ : 21]”- قادر على أعمال الإنسان, “يوم تبلى السرائر”, والسرائر معروفة وهي جمع سريرة وهي ما يكتمه الإنسان في صدره, ولكن ما هو الابتلاء؟ الابتلاء معروف ولكنا نزيده توضيحا فنقول:

بلو كما جاء في المقاييس:
 الباء واللام والواو والياء، أصلان: أحدهما إخلاق الشيء، والثاني نوعٌ من الاختبار، ويحمل عليه الإخبار أيضاً. فأمّا الأوّل فقال الخليل: بَلِيَ يَبْلى فهو بالٍ.
والبِلَى مَصْدَرُه. ……………. ويكونُ البَلاءُ في الخير والشرّ.
والله تعالى يُبْلِي العَبْدَ بلاءً حسناً وبلاءً سيئاً، وهو يرجع إلى هذا؛ لأن بذلكَ يُختبَر في صَبْرِه وشُكْرِه. ……… أبليتُ فُلاناً عُذْراً، أي أعلمته وَبيَّنْتُه فيما بيني وبينه، فلا لَومَ عليَّ بَعْد.قال أبو عُبيد: أَبلَيْتُه يميناً أي طيَّبْت نفسَه بها. قال أوس:
كأنَّ جديدَ الدار يُبْلِيكَ عنهُم نَقِيُّ اليَمِينِ بَعْدَ عَهدِكَ حَالفُقال ابن الأعرابيّ: يُبْليك يُخْبِرك. يقول العرب: أَبْلِني كذا، أي أخبِرْني؛ فيقول الآخر: لا أُبْلِيْك. ……… ” اهـ

ولنا أن نسأل: كيف تبلى السرائر؟
يجيب الإمام الفخر على هذا السؤال فيقول:
” وفي كيفية الابتلاء والاختبار ههنا أقوال :
الأول : ما ذكره القفال معنى الاختبار ههنا أن أعمال الإنسان يوم القيامة تعرض عليه وينظر أيضاً في الصحيفة التي كتبت الملائكة فيها تفاصيل أعمالهم ليعلم أن المذكور هل هو مطابق للمكتوب ، ولما كانت المحاسبة يوم القيامة واقعة على هذا الوجه جاز أن يسمى هذا المعنى ابتلاء ، وهذه التسمية غير بعيدة لعباده لأنها ابتلاء وامتحان ، وإن كان عالماً بتفاصيل ما عملوه وما لم يعملوه .

والوجه الثاني : أن الأفعال إنما يستحق عليها الثواب والعقاب لوجوهها ، فرب فعل يكون ظاهره حسناً وباطنه قبيحاً ، وربما كان بالعكس . فاختبارها ما يعتبر بين تلك الوجوه المتعارضة من المعارضة والترجيح ، حتى يظهر أن الوجه الراجح ما هو ، والمرجوح ما هو .

الثالث : قال أبو مسلم : بلوت يقع على إظهار الشيء ويقع على امتحانه كقوله : { وَنَبْلُوَ أخباركم } [ محمد : 31 ] وقوله : { وَلَنَبْلُوَنَّكُم } [ البقرة : 155 ] ثم قال المفسرون : { السرائر } التي تكون بين الله وبين العبد تختبر يوم القيامة حتى يظهر خبرها من سرها ومؤديها من مضيعها ، وهذا معنى قول ابن عمر رضي الله عنهما : يبدي الله يوم القيامة كل سر منها ، فيكون ذيناً في الوجوه وشيناً في الوجوه ، يعني من أداها كان وجهه مشرقاً ومن ضيعها كان وجهه أغبر .” اهـ

أما نحن فنرى أن البلو هو بمعناه الرئيس وهو الإخلاق! كما نقول: ثوب بال! أي أنه قد استهلك وصار قديما مهلهلا. ولقد قلنا أن الرجع هو أعمال الإنسان التي صدرت عنه ثم ترجع يوم الحساب فتُعرض كما وقعت, فلما عُرضت أعمال الإنسان بليت سرائره فلم تعد سريره وإنما صارت مكشوفة معروضة وصار هو نفسه مفضوحا!

ويكون بلو السرائر بعد أن يجادل الإنسان ويحلف كذبا ويحاول أن يتبرأ من أفعاله, فيأتيه الرجع وعرض الأعمال فيصمت! لذلك “فما له من قوة ولا ناصر” أي أن الإنسان لما يرى أعماله أمامه ويصير مفضوحا لا يجد في نفسه القوة على المجادلة ولا يوجد له ناصر ينصره!

وبعد أن ذكر الله في الآيات الماضيات أن حفظ الله على الإنسان تام, حتى أن الحفظ يشمل أعمال الإنسان التي صدرت عنه فلا يغيب شيء, فإن هذا سيبدو قولا عجيبا بالنسبة للإنسان, لذا بدأ في التأكيد على هذه المسألة وتقديم ما يشير إليها في عين الوقت, فقال: “والسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع”

ولقد ذكرنا سابقا للقارئ مدلول الرجع وقلنا أنه بمعنى المطر كما ورد عن ابن عباس, وهناك بعض أنصار التفسير العلمي للقرآن يميلون إلى التوسع في مدلول “رجع السماء” فيقولون: أن للسماء أنواع عديدة من الرجع,

فعلى سبيل المثال:
1- تقوم الطبقة الأولى من الغلاف الجوي “التروبوسفير” (Troposphere) بإرجاع بخار الماء إلى الأرض على شكل أمطار، وبإرجاع الحرارة إليها أيضاً في الليل على شكل غاز ثاني أكسيد الكربون CO2.
2- يعتبر الغلاف الجوي للأرض درعاً واقياً عظيماً يحمي كوكب الأرض من الشهب والنيازك والإشعاعات القاتلة للأحياء، وذلك بفضل الطبقة الخامسة من طبقاته وهي الستراتوسفير (Stratosphere) .
3- تعتبر الطبقة الرابعة من طبقات الغلاف الجوي وهي الثيرموسفير (Thermosphere) ذات رجع فهي تعكس موجات الراديو القصيرة والمتوسطة إلى الأرض.
ولكنا نرى أن في هذا مخالف لمدلول “الرجع” فليس رد السماء للنيازك والشهب من باب الرجع بحال!

إذا فالله تعالى يقسم بالسماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع, فما هو الصدع؟ الصدع معروف, فنحن نقول: تصدع المبنى! وهو كما جاء في اللسان:
الصدع: الصَّدْعُ: الشَّقُّ في الشيءِ الصُّلْبِ كالزُّجاجةِ والحائِطِ وغيرهما، وجمعه صُدُوعٌ؛ …… وتَأْوِيل الصَّدْعِ في الزجاج أَن يَبِينَ بعضُه من بعض.
وصَدَعَ الشيءَ يَصْدَعُه صَدْعاً وصَدَّعَه فانْصَدَعَ وتَصَدَّعَ: شَقّه بنصفين، وقيل: صَدّعه شقّه ولم يفترق. …. ” اهـ
وهو كما جاء في المقاييس:
“الصاد والدال والعين أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على انفراجٍ في الشيء. يقال صَدَعْتُهُ فانصدَعَ وتصدَّعَ. وصَدَعْتُ الفلاةَ: قطعتُها.
ودليلٌ هادٍ مِصدَع.والصَّدْع النَّبات؛ لأنه يَصدَع الأرض، [في] قوله تعالى:وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ [الطارق 12].ومن الباب: صَدَع بالحقِّ، إِذا تكلَّمَ به جهاراً. قال سُبحانَهُ لنبيِّه عليه السلام: فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ [الحجر 94].
ويقال تصدَّعَ القَوْمُ، إِذا تفرّقُوا” اهـ

والسادة المفسرون على أن المراد من الصدع هو النبات, وفي هذا يقول الإمام الفخر الرازي:
” أما قوله تعالى : { والأرض ذَاتِ الصدع } فاعلم أن الصدع هو الشق ومنه قوله تعالى : { يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ } [ الروم : 43 ] أي يتفرقون وللمفسرين أقوال قال ابن عباس : تنشق عن النبات والأشجار ، وقال مجاهد : هو الجبلان بينهما شق وطريق نافذ . كما قال تعالى : { وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً } [ الأنبياء : 31 ] وقال الليث : الصدع نبات الأرض ، لأنه يصدع الأرض فتنصدع به ، وعلى هذا سمي النبات صدعاً لأنه صادع للأرض” اهـ

وبعض دعاة الإعجاز العلمي يذهبون بالصدع مذاهب بعيدة ويقولون أنه صدع واحد يطوق الأرض! ولست أدري ما علاقة هذا الصدع بالسياق أو بالآيات!

أما نحن فنأخذ برأي ابن عباس ونقول أنه تصدع الأرض عن النبات والأشجار, استجابة لرجع السماء, لأنا نفهم أن الصدع هو شق ظاهر ناتج عن استجابة لمؤثر, 
وذلك كما يقول الله تعالى “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج : 5]
–وهنا تظهر يد العناية والحفظ الربانية, فلولا اهتزاز الأرض وربوها لما خرج النبات من الأرض, فكما يقول علماء النبات : لو اصطدم النبات في تلك المرحلة وهو يخرج من التربة بالأرض لانحنى وما خرج أبدا, فانظر إلى الحفظ والإعداد من الله العلي!-
وكذلك قوله “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْإِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [فصلت : 39]”
فهنا يربط الله عزوجل البعث بنزول المطر وإحياء الأرض وخروج النبات, وهو يقدم هذه الصورة في سورة الطارق, فيقسم بالسماء ذات المطر الذي تستجيب له الأرض فتحيا بعد أن كانت موات وتصدع بالنبات, “إنه لقول فصل” أي أن الحفظ التام للإنسان حتى يصل إلى وجود أعماله حاضرة يوم الحساب لقول فصل, والضمير في “إنه” يعود بداهة إلى المذكور سابقا, 

و لكن العجيب أن بعض السادة المفسرين –مثل الإمام الألوسي- جعلوا الضمير في “إنه” عائدا على القرآن على الرغم من أنه لم يسبق له ذكر في السورة كلها! كما فعلوا في الضمير “إنه” في قوله تعالى “إنه على رجعه لقادر” حيث أعادوه على “الله” على الرغم من أنه لم يسبق له ذكر كذلك في السورة!

ولقد حاول الإمام الفخر الرازي أن يتفادى هذه الإشكالية, فوقع في مأزق آخر, ولننظر كيف قال الإمام الفخر:
“{ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ } وفيه مسائل : المسألة الأولى : في هذا الضمير قولان :
الأول : ما قال القفال وهو : أن المعنى أن ما أخبرتكم به من قدرتي على إحيائكم في اليوم الذي تبلى فيه سرائركم قول فصل وحق .
والثاني : أنه عائد إلى القرآن أي القرآن فاصل بين الحق والباطل كما قيل : له فرقان ، والأول أولى لأن عود الضمير إلى المذكور السالف أولى .

{ قَوْلَ فَصْلٌ } أي حكم ينفصل به الحق عن الباطل ، ومنه فصل الخصومات وهو قطعها بالحكم ، ويقال : هذا فصل أي قاطع للمراء والنزاع ، وقال بعض المفسرين : معناه أنه جد حق لقوله : { وَمَا هوَ بالهزل } أي باللعب ، والمعنى أن القرآن أنزل بالجد ، ولم ينزل باللعب ، ثم قال : { وَمَا هوَ بالهزل } والمعنى أن البيان الفصل قد يذكر على سبيل الجد!” اهـ

فكما رأينا فقد اختار الإمام القول القائل بعود الضمير إلى المذكور سالفا, ولكنه عاد بعد ذلك بسطور قلائل فجعل الضمير عائدا على القرآن! ولست أدري كيف يكون عائدا مرة إلى قول وفي الآخرى إلى الآخر!!

أما نحن فنقول أن الضمير عائد على المذكور سابقا وهو الحفظ التام للإنسان حتي يصل الحفظ إلى الأعمال “رجع الإنسان”, وهذا القول يبدو مستغربا وقد يظنه البعض هزلا, فكيف تكون الأعمال حاضرة محضرة يوم تبلى السرائر, لذلك قال الله تعالى “إنه لقول فصل وما هو بالهزل” ,

أما أن نعيد الضمير على القرآن فبعيد ومستغرب, فمتى وأين قال المشركون أن القرآن كتاب هزلي أو فيه هزل؟! وإذا قالوا فقولهم لا يلتفت إليه لأن بناء القرآن واضح الجدة والصرامة! وحتى عود الضمير على البعث فبعيد, فما من قائل أن البعث هزل, نعم ربما يقول قائل أنه غير منطقي أو تنقصه الحجة ولكن أن يقول قائل أنه هزل فبعيد, لأن له من الأدلة والحجج المنطقية التي تخرجه بحال من الهزل وتدخله في منطقة الخلاف المنطقي! إ

ذا فعلى قولنا فهناك مبرر لقول الله تعالى “إنه لقول فصل وما هو بالهزل”, أما على القولين الآخرين فبعيد جدا ولا مبرر عندهم لماذا وصف الله القرآن بهذا الوصف!

ثم يقول الله تعالى بعد ذلك “إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا” فما هي العلاقة بين هاتين الآيتين والآيات السابقة؟
قبل أن نذكر العلاقة, نذكر أولا ما ذكره الإمام الفخر عند تعرضه للآيتين ثم نذكر العلاقة. قال الإمام الفخر عند حديثه عن كيد الكافرين:
“منها بإلقاء الشبهات كقولهم : { إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا } [ الأنعام : 29 ] { مَن يُحىِ العظام وَهِىَ رَمِيمٌ } [ يس : 78 ] { أَجَعَلَ الآلهة إلها واحدا } [ ص : 5 ] { لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ } [ الزخرف : 31 ] { فَهِيَ تملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } [ الفرقان : 5 ] ومنها بالطعن فيه بكونه ساحراً وشاعراً ومجنوناً ، ومنها بقصد قتله على ما قاله : { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ } [ الأنفال : 30 ] ثم قال : { وَأَكِيدُ كَيْداً } .
واعلم أن الكيد في حق الله تعالى محمول على وجوه : أحدها : دفعه تعالى كيد الكفرة عن محمد عليه الصلاة والسلام ويقابل ذلك الكيد بنصرته وإعلاء دينه تسمية لأحد المتقابلين باسم كقوله تعالى : { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } [ الشورى : 40 ] وقال الشاعر :
ألا لا يجهلن أحد علينا … فنجهل فوق جهل الجاهلينا
وكقوله تعالى : { نَسُواْ الله فأنساهم أَنفُسَهُمْ } [ الحشر : 19 ] { يخادعون الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ } [ النساء : 142 ] وثانيها : أ
ن كيده تعالى بهم هو إمهاله إياهم على كفرهم حتى يأخذهم على غرة ، ثم قال : { فَمَهّلِ الكافرين } أي لا تدع بهلاكهم ولا تستعجل ، ثم إنه تعالى لما أمره بإمهالهم بين أن ذلك الإمهال المأمور به قليل ، فقال : { أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً } فكرر وخالف بين اللفظين لزيادة التسكين من الرسول عليه الصلاة والسلام والتصبر” اهـ

ولقد أجاد الإمام الفخر الرازي فيما قال, ولكنا نميل إلى اختيار قول واحد مناسب لسير السورة وهو أنهم يكيدون كيدا بقصدهم قتل النبي الكريم وإيذاءه وإبطال دعوته, واخترنا هذا بناءا على تأكيد الله تعالى على أن على كل نفس حافظ واستنادا إلى خطابه للنبي الكريم في آخر السورة,

 وهناك قلنا أن فيها زيادة تأكيد على حفظ نفس مخصوصة وهي نفس النبي الكريم, وفي السورة الماضية تحدث الله عن حفظ القرآن المجيد في اللوح المحفوظ, فيناسب هنا كون الحديث عن حفظ النبي الكريم الذي جاء بالقرآن. ويكيد الله تعالى كيدا, وكيد الله بداهة يغلب كيد الكافرين ويحفظ نبيه وضامن لبقاءه واستمرار دعوته,
ولقد حاول الإمام الفخر الرازي –محمودا- أن يبرر أن الله تعالى يكيد! مع أن أصل مدلول الكلمة لا حرج فيه,
فإذا نحن نظرنا في المقاييس وجدنا ابن فارس يقول:
الكاف والياء والدال أصلٌ صحيح يدلُّ على معالجةٍ لشيء بشدّة، ثم يتّسع الباب، وكلّه راجعٌ إلى هذا الأصل. قال أهلُ اللُّغة: الكيد: المعالجة. قالوا: وكلُّ شيءٍ تُعالِجُه فأنت تَكِيدُه. هذا هو الأصل في الباب، ثم يسمُّون المَكر كيداً. قال الله تعالى: أمْ يُرِيدُونَ كَيْداً [الطور 42].
ويقولون: هو يَكيدُ بِنَفسهِ، أي يجودُ بها، كأنَّه يُعالِجها لتخرُج.
والكَيْد صِياح الغراب بجَهْدٍ. والكَيد أن يُخرِج الزّندُ النّار ببطءٍ وشدة، والكَيد: القَيء، وربّما سمَّوا الحَيض كيداً. والكَيد الحرب، يقال: خرجوا ولم يلقَوْا كيداً، أي حرباً. ” اهـ

أي أن هؤلاء يكيدون لإهلاكك وتضييع الدعوة وأنا أكيد كيدا يبطل كيدهم ويضمن حفظك وسلامتك, والعلاقة بين الآيتين والآيات الماضية هي تذكير النبي بحفظ الله تعالى له! ثم يأمر الله عزوجل النبي بقوله: “فمهل الكافرين أمهلهم رويدا” والمهل معروف وهو كما جاء في اللسان:

“المَهْل والمَهَل والمُهْلة، كله: السَّكِينة والتُّؤَدة والرِّفْق.
وأَمْهله أَنظره ورَفَق به ولم يعجل عليه.
ومَهَّله تمْهِيلاً: أَجَّله. والاسْتِمْهال: الاستنظار.
وتَمَهَّل في عمله: اتَّأَدَ. …….. ومنه حديث رُقَيْقة: ما يبلُغ سَعْيُهم مَهَلَه أَي ما يبلُغ إِسراعُهم إِبطاءه؛ وقول أُسامة بن الحرث الهذلي: لَعَمْري لقد أَمْهَلْت في نَهْي خالدٍ عن الشام، إِمّا يَعْصِيَنَّك خالد أَمْهَلْت: بالغت؛ يقول: إِن عصاني فقد بالغت في نهيه.” اهـ

أي لا تعجل, فلهؤلاء الكافرين أجل معلوم سيصلونه لا محالة, وسينزل بهم العذاب لا محالة, سواءا في الدنيا أو في الآخرة, وهذا العذاب ليس عذابا واحدا ولكنه أكثر من عذاب فهناك أدنى وأكبر وهو قريب واقع!
ونلاحظ أن الله عزوجل استعمل في الآية “مهّل” وهي على وزن فعل بتضعيف العين و “أمهل” على وزن أفعل, وهناك فارق في المدلول بين الإثنين, ف:
بناء (فعّل) يفيد التكثير والمبالغة غالبا نحو: (قطّع وكسّر وفتّح وحرّق )، ومن مقتضيات التكثير والمبالغة في الحدث استغراقُ وقت أطول، وأنه يفيد تلبثا ومكثا ، فـ (قطّع) يفيد استغراق وقت أطول من (قطَع)، وفي (علّم) من التلبث وطول الوقت في التعلم ما ليس في (أعلم). تقول (أعلمت محمدا خالدا مسافرا) وتقول: (علمته الحساب)، ولا تقول (أعلمته الحساب).
وليس في الآية أي تكرار لفظي أو معنوي, فالله عزوجل يأمر النبي الكريم بتمهيل الكافرين أي أنه سيصدر عنهم مرات عديدة ما يستوجب تعجل النبي الكريم عليهم, فعليه أن يتمهل عليهم في هذه المرات مهما كثرت ومهما تكررت, ثم يقول له: أمهلهم رويدا أي أن إمهالك لهم هو إمهال قصير عاجل لا طول فيه, فسيأتي النصر من عند الله تعالى سريعا قريبا!

ونلاحظ أن الله عزوجل يأمر النبي الكريم بإمهال الكافرين لا بالصبر عليهم! فالنبي هو الواثق الأكيد ذو المركز الأقوى المحفوظ برعاية الله وهذا يؤكد ما قلناه من أن المراد من كيد الكافرين هو قتل الرسول وإيذاءه, وأن حفظ النفس زائد مع الرسول ” لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ ….. [الرعد : 11]”,

وهو الذي يمهل الكافرين ويعاملهم برفق وتؤدة في مقابل أعمالهم الجاهلة الحاقدة, وهو الأسوة الحسنة لنا ولجميع المسلمين, جعلنا الله وإياكم من السائرين على هديه وهداه وغفر الله لكم ولنا الزلل والخلل والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.