حكم الشعر!

حديثنا سيدور حول جانب لطيف من إبداعات الإنسان, وهو الشعر! والشعر تعبير رقيق عما يجيش في نفس الإنسان, يطلقه منسابا محملا بمشاعره! والجانب الذي نود مناقشته في هذا المبحث السريع هو الحكم الفقهي لهذا الأسلوب الأدبي, هل هو مباح أم مكروه أم محرم, ونبدأ وعلى الله التوكل:

الناظر في القرآن يجد أنه لا يوجد نص صريح يحرم الشعر, وإنما وجدت بعض النصوص التي تعطي انطباعا أنها تنفر من الشعر والشعراء, فهل يرفض القرآن الشعر ويدعو إلى تركه؟
أولا: الشعر في أصله مباح ، فهو كلام موزون، والأصل في الكلام الإباحة والجواز، ولكن تجري فيه الأحكام الفقهية الخمسة بحسب موضوعه ومقصوده والغاية منه . ولذلك قال الإمام الشافعي كلمته المشهورة : “الشعر كلام، حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام”.

وقال ابن عبد البر في التمهيد: ليس أحد من كبار الصحابة وأهل العلم موضع القدوة إلا وقد قال الشعر وتمثل به، أو سمعه فرضيه وذلك ما كان حكمة أو مباحاً من القول، ولم يكن فيه فحش ولا خنى ولا لمسلم أذى.

لذا ننظر أولا في الآيات المتعلقة بالشعر, لنشاهد ماذا تقول:
الآية التي يكثر الاستدلال بها في ذم الشعر والشعراء هي قوله تعالى: ” وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ”, فهل هي حقا في التنفير من الشعر والشعراء؟

الناظر في السياق يجد أنها لا تعني بالدرجة الأولى بالتنفير من الشعراء, بقدر ما هي ترمي إلى توضيح الفارق بين الرسول وبين الشاعر, فإذا نحن عرضنا الآيات السابقة والتالية, وجدنا الله تعالى يقول:

“هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ”

وكما رأينا فالآيات تتحدث عن الكهان وعن الشعراء, وكيف أن مسلكهم يختلف تماما عن مسلك الرسول الكريم, لذا فلا تشابه ولا اختلاط. ويعلق الإمام الفخر الرازي على هذه المسألة فيقول:

“ثم إنه سبحانه فرق بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين الكهنة، فذكر ههنا ما يدل على الفرق بينه عليه السلام وبين الشعراء، وذلك هو أن الشعراء يتبعهم الغاوون، أي الضالون، ثم بين تلك الغواية بأمرين: الأول: { أَنَّهُمْ فِى كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ }
والمراد منه الطرق المختلفة كقولك أنا في واد وأنت في واد، وذلك لأنهم قد يمدحون الشيء بعد أن ذموه وبالعكس، وقد يعظمونه بعد أن استحقروه وبالعكس، وذلك يدل على أنهم لا يطلبون بشعرهم الحق ولا الصدق بخلاف أمر محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه من أول أمره إلى آخره بقي على طريق واحد وهو الدعوة إلى الله تعالى والترغيب في الآخرة والإعراض عن الدنيا
الثاني: { أَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ } وذلك أيضاً من علامات الغواة، فإنهم يرغبون في الجود ويرغبون عنه، وينفرون عن البخل ويصرون عليه، ويقدحون في الناس بأدنى شيء صدر عن واحد من أسلافهم، ثم إنهم لا يرتكبون إلا الفواحش، وذلك يدل على الغواية والضلالة. ……. وقيل المراد بهذا الاستثناء عبدالله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن مالك وكعب بن زهير لأنهم كانوا يهجون قريشاً” اه
ـ
إذا فالمراد هو توضيح الفارق بين القرآن والشعر وبين الرسول والشاعر, وهذا ما نجده في قوله تعالى “وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون”

والقرآن يؤكد ويبرز الفارق الكبير بينه وبين الشعر, بقوله: “وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين”, فالله تعالى لم يعلم الرسول الشعر, وما ينبغي له أن يتعلمه وذلك لأن الشعر قائم على المبالغة في الوصف, فيزيد فيه مدحا وهجاءا فلا تخرج منه بصورة حقيقة للواقع, والقرآن ليس كذلك فهو ذكر وقرآن مبين!

نخرج من هذا بأن القرآن يبرز الفارق بينه وبين الشعر, ولكن هذا لا يعني أنه يتقبل الشعر تمام القبول, وإنما يقدم الميزان الشرعي الذي نقيس به الشعر أو الأدب عامة, وهو الصدق والتطابق والنفع! فلقد انتقد على الشعراء أنهم في كل واد يهيمون, فهم يتنقلون بلا هداية من أجل التكسب من الشعر, كما يتنقلون في مواضيعه, فقد يثبتون الشيء وينفونه, وقد يحسنونه ثم يقبحونه! فهم يستغلون مكنتهم اللغوية تبعا لهواهم, فيمدحون فيزيدون الممدوح ولربما نعتوه بما ليس فيه, ويذمون فيبخسون المذموم, ويهجون فيقذعون الهجاء!


والناظر يجد أن الشعر في الغالب مثله مثل الموسيقى, فهو يزيد ما لدى المتلقى, إلا أنه غالبا ما لا يعطيه جديدا, فشعر الرثاء يزيد الإنسان شجنا, وشعر الحب والعشق يزيده حنينا ورقة, ولكن من الصعب أن ينشأ الحالة نفسها في المتلقي, فمن العسير أن يجعل شعر الغزل أو الحب قاسي القلب رقيقه, أو يحزن الفرح! وإنما لا بد من توفر الحالة نفسها عند المتلقي, ومن ثم يلعب الشاعر على أوتارها, فيزيدها ويهيجها.

ونلاحظ أن الله تعالى استثنى, فقال: “إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون”

فاستثنى الله من هؤلاء الشعراء الذين آمنوا وعملوا الصالحات, وذكروا الله كثيرا, ونتوقف مع قوله تعالى: وذكروا الله كثيرا, فلم الحديث هنا عن كثرة ذكر الله تعالى؟

يبدو أن ذلك والله أعلم راجع إلى حال الشعراء النفسي, فالإنسان العادي لا يكتب شعرا, وإنما يكتبه إنسان ذو نفسية مرهفة, ويكتبه إذا جاشت نفسه ببعض المعاني والأحاسيس, ويكون لديه المكنة اللغوية, فيخرج هذه المعاني على هيئة شعر, فالشعر متنفس له, وما هو إلا شعور! قد يكون حقا أو باطلا, لذلك فلا بد من الإكثار من ذكر الله عزوجل, حتى تتطهر نفسه مما قد يعلق في صدره من آثار الشعر.

إذا فالقرآن يوضح لنا الآفة في الشعر والشعراء وهي المبالغة وعدم الثبات ومخالفة القول للفعل, فإذا خلى من هذه الوجوه فلا إشكال فيه, ويصير مثل النثر!

فإذا نظرنا في السنة, لنرى موقف الرسول الكريم من الشعر والشعراء, نجد نفس موقف القرآن, فهو لا يقبله كله ولا يرفضه كله, وإنما يفصل فيه. فلقد استمع الرسول إلى الشعر وقال في حقه, كما ورد في البخاري من حديث أبي بن كعب: “إن من الشعر لحكمة”, وروي عن كعب بن مالك: ” أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: أهجهم، فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من رشق النبل “وكان يقول لحسان بن ثابت ” قل وروح القدس معك “

وقال في شعر لبيد بن ربيعة: أصدق كلمة قالها شاعر: كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل، كما رواه البخاري ومسلم.
وسمع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) النابغة واستحسن شعره، بما جعل له خبراً يرويه أهل الأدب بعامة حتى اليوم، يقول ابن قتيبة: بأن النابغة “أتى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأنشده:

أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى *** ويتلو كتاباً كالمجرة نيّرا

بلغنا السماء مجدنا وجدودنا *** وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا

 


فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: إلى أين أبا ليلى؟ فقال: الى الجنة.
فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: إن شاء الله، وأنشده:

ولا خير في حلم إذا لم تكن له ***بوادر تحمي صفوه أن يكدَّرا

ولا خير في جهل إذا لم يكن له ***حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا

 


فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: لا يفضض الله فاك. قال: فبقي عمره لم تنقض له سن.


إلا أننا نجد إلى جانب هذه النصوص التي تفيد جواز قول الشعر وسماعه، جاءت نصوص تفيد كذلك النهي عنه والتنفير منه،
فقد روى البخاري ومسلم أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:“لأن يَمتلئ جوف رجل قيحًا يَرِيهِ خير من أن يمتلئ شعرًا” ومعنى يريه: يأكل جوفه ويفسده، مأخوذ من الورى، وهو داء يفسد الجوف، وروى البغوي من حديث مالك بن عمير السلمي أنه سأل النبي (صلى الله عليه وسلم) عن الشعر فنهاه عنه. وجاء فيه: “فإنْ رابك منه شيء فأشْبِبْ بامرأتك وامدح راحلتك”.
وفي الأدب المفرد للبخاري حديث ” أن أعظم الناس فرية الشاعر يهجو القبيلة بأسرها”
والواضح أن الرسول الكريم ينفر مما نفر منه القرآن, وهو أن تمتلئ نفس الإنسان بالشعر, فلا يكون فيه قرآن, وهذا مرفوض, فلقد أباح القرآن قول الشعر الصادق, بشرط أن يعمل الإنسان الصالحات ويكثر من ذكر الله, أما ذلك الإنسان الذي امتلأ جوفه شعرا فنفسه ودخيلته غير مستقيمة, لقيامها على المشاعر الكاذبة والتي تسوق صاحبها تبعا لها لا تبعا للحق!

فإذا قصدنا نوعا مخصوصا منه, يتحرج الناس منه, لا لكونهم يقولون شعرا, وإنما لمحتوى الشعر نفسه, وهو شعر الغزل, فما حكمه؟

لا بد أن نفرق بين نوعين من الغزل, الغزل العفيف وهو مقبول, ولقد كان من عادة العرب أن يبدأوا قصائدهم بالغزل, وروَت كتب السيرة أن كعب بن زهير بن أبي سُلْمى لما قدم على النبي (صلى الله عليه وسلم) تائبًا قال قصيدته التي جاء فيها:
بانت سعاد فقلبي اليوم مَتْبُول *** مُتيَّم أثرها لم يفد مكبول
وما سعاد غداةَ البين إذ رحلوا *** إلا أغنُّ غضيض الطرف مكحول
تجلو عوارضَ ذي ظُلَم إذا ابتسمت *** كأنه منْهل بالرَّاح معلول
ويقال: إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أُعجب بها وألبسه بُرْدته. (وإن كان هناك من يضعف هذه الرواية!)
وهناك الغزل الفاحش, وهو مرفوض, ويكون الغزل فاحشا بأمور, هي:

الأول: أن يكون في امرأة بعينها بالإفراط في وصفها وكشف أمرها في الناس، وهذا محرم لما فيه من الأذية للمؤمنة بغير حق، حيث يتداول الناس الشعر فيها، وقد قال الله تعالى-:” والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً”.[الأحزاب:58]
الثانية: ألا يكون في امرأة بعينها ولكنه من الشعر الفاضح المسرف في ذكر أجزاء البدن وتقاطيع الجسم، مما يثير الغرائز ويحرك الشهوات وهذا محرم لما فيه من الإفضاء إلى الفحش والرذيلة وسوقه السفهاء إلى المحرمات الظاهرة من مطالعة النساء وشهوة الزنا ونحو ذلك. وفي نظم هذا الشعر إشاعة للفحشاء والمنكر،
وقد قال الله تعالى :” إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون “.[النور:19].

وهذا الحكم في حق ناظم هذا النوع من الشعر وقارئه والمستمع إليه، ولا يستثنى من ذلك إلا ما تدعو إليه الحاجة كما في بعض أشعار المغازي التي تدعو الحاجة إلى روايتها، وفيها بعض الأشعار التي ينطبق عليها الوصف الماضي. أما إذا كان الإنسان يتغزل في زوجته, فيحل له كل قول أو وصف بشرط ألا ينشره, لأنه يأثم بهذا النشر!

لذلك قال ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين : “غالب التغزل والتشبيب إنما هو في الصور المحرمة ، ومن أندر النادر تغزل الشاعر وتشبيبه فى امرأته وأمَته وأُمُّ ولده ، مع أن هذا واقع ، لكنه كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود ” اهـ.

إذا نخرج من هذا كله بأن الشعر نوع من الأدب, قائم على المبالغة, ولكنه مقبول بشروط وبأحوال معينة, فإذا توفرت هذه الشروط قُبل وإن لم تتوفر فيه يرفض ويكون إثما, والله أعلم.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.