Image processed by CodeCarvings Piczard ### FREE Community Edition ### on 2019-05-19 10:35:38Z | |

لا استرقاق في الإسلام!

نتناول اليوم بإذن الله وعونه موضوعا من المواضيع الشائكة والتي يتخذها غير المسلمين دوما مدخلا للطعن في الإسلام! وانطلاقا من إيماننا التام الراسخ أن ما البشرية لن تجد في يوم من الأيام منهجا مثل الإسلام في الكمال والإتقان, نبدأ في عرض موقف الإسلام تجاه قضية من أهم القضايا التي يقابلها الإنسان على مختلف العصور والأزمنة, وهي قضية حرية الإنسان, وكيف رأي الإسلام هذه القضية وتناولها

ونوضح للقارئ بتناولنا لها كيف أن البشرية الجاحدة التي تمردت على وصاية الرب عليها, لم تزد على الإتيان بما قدمه الله عزوجل لها منذ أكثر من ألف عام, فشرقت وغربت وبحثت ومحصت وفحصت ثم أقرت بدون أن تدري بما أمرها الله عزوجل به, ولست أدري لم كان التمرد والعصيان! وبهذه القضية نثبت أن الإسلام دين الفطرة السليمة والإنسانية القويمة!

كنا قد تكلمنا في موضوع سابق عن القتال في الإسلام, وبينا أن القتال لا يكون إلا دفاعا وردا على اعتداء الآخرين أو هجوم استباقيا لمن أظهر عدائه للمسلمين أو نقض العهود, وكذلك دفاعا عن المستضعفين في الأرض المضيعة حقوقهم.

وبينا أن في هذا القتال البغيض للنفس فيه حماية وصون لكرامة الإنسان. ونستكمل اليوم الحديث عن كرامة الإنسان وحريته من خلال حديثنا عن مسألة الرق في الإسلام! والتي يتخذها كثير من الطاعنين كدليل على استحالة كون الدين الإسلامي من عند الله عزوجل, ويقولون

كيف يبيح الرب خالق الإنسان أن يستعبد الإنسان أخاه الإنسان بل وأن يقتله بلا جريرة؟! لو كان الدين من عند الله لما أباح الرق ولأمر بالقضاء عليه!

يعد هذا السؤال من الأسئلة المعلبة والتي رد عليها كثير من العلماء, وقبل أن نذكر بعضا من هذه الردود نقول, أن الإسلام أكد أشد التأكيد على حق الإنسان فى الحرية , وهذا ما عبّر عنه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى مقولته الشهيرة : ” متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ” .

ونسأل: هل الرق نظام ابتدعه الإسلام؟
بداهة لا يستطيع أحد أن يدعي أن الإسلام هو الذي ابتدع الرق, أو أنه كان محرما فأباحه الإسلام! وإنما كان الرق نظام عالمي موجود سائد من قبل ظهور الإسلام –في نسخته الأخيرة على يد محمد بن عبدالله- فأتى الإسلام وهذا النظام متشعب تشعبا كبيرا, وكان للرق مصادر مختلفة توسع دائرته وتنمى تجارته, وأهم هذه المنابع:

أسرى الحروب: وذلك فى الحروب بعد أن ينتصر فريق على آخر فيصبح الأسرى ملكاً لمن أسرهم ويملك عليهم حق البيع والشراء والقتل .

القرصنة والخطف : وذلك أن القوي ذا المنعة كان يستطيع أن يخطف ما يحلو له من الأحرار ثم يبيعهم على أنهم عبيد –لا يزال هذا النظام موجودا حتى أيامنا هذا, حتى في أوروبا وأمريكا, موطن الحرية المزعومة- حيث تختطف الفتيات والنساء وتجبر بالتعذيب والإهانة الشديدة على العمل في بيوت وشبكات الدعارة-

الحكم على مرتكبى بعض الجرائم بالرق, فمن يقترف أيا منها يحكم عليه بالاسترقاق .
الحكم على المدين بالرق لصالح دائنه إذا عجز عن أدائه .

سلطة الآباء على أبنائهم حيث يباح لهم أن يبيعوهم .

سماح المجتمع لمن يكون فى ضائقة مالية شديدة أن يبيع نفسه للخلاص منها.

تناسل الأرقاء . حيث كان ولد الأمة يعتبر رقيقاً ولو كان أبوه حراً .
الهدايا: فكان من الممكن أن يهدي السيد عبدا أو أمة مملوكة له لمن يريد من أصدقائه ولا يملك العبد أو الأمة الاعتراض على ذلك.

إذا وكما رأينا فلقد كانت تجارة الرقيق من أكثر التجارات انتشارا وأكثرها دخلا وأهمية, حتى أن عدد العبيد كان أكثر من عدد الأحرار, وأصبحت الحرية حلما يبحث عنه أكثر سكان الأرض! (ماذا فعل سكان الأرض الآن بحريتهم المزعومة؟ لاشيء, بحثوا لهم عن عبوديات جديدة وجعلوا أنفسهم عبيدا لها باختيارهم, أو بدون إجبار واضح!)

وبعد هذه المقدمة نعود إلى السؤال المطروح,
هل أباح الإسلام الاسترقاق؟

الرأي السائد والمنتشر أن الإسلام –رسالة الله- ضيق روافد الاسترقاق تضييقا شديدا وحث على تحرير العبيد, إلا أنه لم يقض عليه تماما, وفي هذا يقول الدكتور عبدالصبور مرزوق –منقول بتصرف شديد مع إضافات-:

“جاء الإسلام فحرم خمسة من الروافد التى كانت تغذى نظام الرق وأبقى على اثنين منها فقط : هما : رقيق الحرب ( الأسير ) ورقيق الوراثة (ابن الأمة) . وبهذا أغلقت أغلب الروافد التى يتكون بها ” الرق “

تم تعامل الإسلام مع المصدرين الباقيين للرق بما يضيّق عليهما حتى يضمحلا ويقضى عليهما فى زمن غير طويل .

* فمثلا : فى موضوع رقيق الوراثة ( ابن الأمة من سيدها ) حكم الإسلام بالحرية متى اعترف سيدها بأنه ولده .

* وبالنسبة لرقيق الحرب فقد ضيّق الإسلام الطريق أمام استرقاق من يؤسرون فيها بشروط كثيرة لا مجال لتفصيلها . بحيث إذا لم تتوفر الشروط فى هذه الحرب لا يكون من يؤسر رقيقاً .

وحتى إذا توفرت شروط شرعية الحرب فقد فتح الإسلام أمام أسراها سبلا كثيرة لتحريرهم, مثل أن يمنّ عليهم رأس الدولة ( الإمام ) بالحرية كما فعل الرسول e يوم فتح مكة . وقال لأهلها : [ إذهبوا فأنتم الطلقاء ( الأحرار)] .

* أيضًا فتح الإسلام بابا آخر أمام الأسرى ليتحرروا كأن يقوموا بعمل ينتفع به المسلمون مقابل أن يتم تبادلهم بالأسرى المسلمين .

* أقر الإسلام مبدأ أن يحرر الرقيق نفسه مقابل مبلغ من المال يدفعه لسيده وليساعدهم الإسلام على ذلك :

أ ـ أقر نظام المكاتبة : أنشأ الإسلام نظاماً جديدا فى الرق يسمى بالمكاتب وهو أن يتفق العبد مع سيده على أن يدفع ثمن نفسه شيئا فشيئا فإذا أتم الثمن فقد أصبح حرا, بل إن الإسلام جعل من حق العبد أن يدفع نصف ثمنه وهو المعروف بنصف المكاتب وعليه فإنه يعامل كنصف عبد ونصف حر..

ب ـ وأباح للرقيق أن يعمل فى أى عمل يوفر له ما يفتدى به نفسه .

جـ ـ جعل الإسلام من بين مصارف الزكاة ( الركن الثالث للإسلام ) سهمًا لمساعدة الرقيق على التحرير وهو السهم الخامس بين مصارفها الثمانية التى حددها القرآن فى قوله تعالى : ] إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب [.

د ـ باب آخر فتحه الإسلام على مصراعيه لتحرير الرقيق وهو باب الكفارات ( ما يقوم به العاصى لتكفير ذنبه ) .

مثل كفارة القتل الخطأ ، وفيها يقول القرآن : ] ومن قتل مؤمنًا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة [.

ومثل : كفارة الحنث فى اليمين لقوله تعالى : ] لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة [ .

ومثل كفارة الظهار ( أن يقول الرجل لامرأته أنت علىّ كظهر أمى ـ يعنى تحريمها على نفسه كأنها أمه ) . وذلك لقوله تعالى : ] والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا [ .

ـ تحريم استرقاق الحر وذلك أن الحر كان يباع في الدين حتى نزلت [وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة] واستقر الإجماع على المنع.

إيجاب إعتاق الأقرباء وذوي الأرحام: أوجب الإسلام على المالك للرقيق ألا يكون من بينهم أحد أقاربه من ذوي الأرحام وأوجب عليه إعتاقه دون قيد أو شرط, والدليل على ذلك: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [من ملك ذا رحم محرم فهو حر] (المستدرك)

أم الولد: ذلك أن الجارية إذا ولدت من سيدها ولدا فإنها تصبح حرة من وقت الولادة هى وابنها وينسب هذا الابن إلى أبيه ويرثه بعد موته.
وهكذا كان الإسلام فى قضية تحرير الأرقاء حكيمًا ومتوازنًا فى تشريعه ، فبقدر ما ضيّق منافذ الاسترقاق بقدر ما وسّع منافذ التحرير بأسلوب متدرج يناسب الواقع الذى ظهر فيه الإسلام. “اهـ

إذا فتبعا لهذا الرأي السائد, فإن القائلين به يرون أن الإسلام قد أغلق كل منابع الاسترقاق ولكنه أباح مصدرا للاسترقاق, فكيف يرون هذا مع رحمة وعالمية وخاتمية الإسلام؟

يرى القائلون بهذا الرأي أن الإسلام وإن كان قد أجاز الاسترقاق, فإنه قد رد إليهم حقوقهم الإنسانية, وفي هذا يقولون:

” ومع هذا ـ فقد ردّ الإسلام الاعتبار الإنسانى لهؤلاء الأرقاء ـ حتى وهم فى حالة الرق ، فلم يهدر إنسانيتهم ، ولم يشعرهم بالدونية وإنما أمر المسلمين أن يعاملوهم بوصفهم أخوة فى الله وفى الإنسانية لا يقلون عن سادتهم فيها ، فقال e فى أمره للمسلمين : [ اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم ]. ……. بل قرر الإسلام ـ فى مقام حسن معاملة الأرقاء ـ قرر على سادتهم ألا يؤذوهم بالضرب واللطم واعتبر الإسلام إيذاء الرقيق موجبًا لتحريره وفى هذا يقول e : [ من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته عتقه ] (صحيح مسلم )”

ونحن نتفق مع الرأي السابق فيما يقول به, إلا أنا نخالفه في النقطة الأخيرة وهي القول بأن الإسلام أجاز منبعا من منابع الرق, ونرى أن الإسلام لم يجز أي منبع من المنابع, ونتوقف مع ما قالوه, ولن نتوقف لنناقش رقيق الوراثة لأنه كان أمرا مرحليا وكان سينتهي لا محالة مع مرور بضعة أجيال بعد الرسول الأكرم, وإنما نتوقف مع مسألة جواز الاسترقاق عن طريق الحرب؟ ونسأل: هل أجاز الإسلام استرقاق الأسير؟

إذا نحن نظرنا في القرآن الكريم وفي السنة النبوية وجدنا حثا على حسن معاملة الأسير, فوجدنا القرآن يقول:

“وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً [الإنسان : 8]”

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [الأنفال : 70]

وورد عن الرسول الأعظم:

قال صلى الله عليه وسلّم: “استوصوا بالأسارى خيراً” [رواه الطبراني وإسناده حسن]. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: “أحسنوا إلى أسراكم وقيِّلوهم واسقوهم” [إمتاع الأسماع للمقريزي]؛ وقوله “لا تجمعوا عليهم حرّ هذا اليوم وحرّ السلاح” [فتح الباري]. وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى “فكانوا يقدّمونهم على انفسهم عند الغداء” [تفسير ابن كثير].

وبداهة هذا لا يعد دليلا على منع جواز الاسترقاق, فقد يكون هذا الأمر من باب الإحسان إليهم لكونهم أناسا, وإنما هذه الآية والأحاديث هي تقديم لأحكام الأسير في الإسلام:

أحكام الأسير:

كنا قد تكلمنا عن مبررات القتال في الإسلام, فإذا حدث واندلع قتال بين المسلمين وبين غير المسلمين –من المتفق عليه أن المسلم إذا أسر مسلما لا يحل له أن يسترقه- فالله يوجه المسلمين إلى المسلك ألأحسم في التعامل وهو أن على المسلمين أن يعملوا على إضعاف شوكة المقاتلين وذلك عن طريق قتل أكبر عدد منهم قبل البدء في أخذ الأسرى, وذلك حتى لا يعودوا لقتال المسلمين مرة أخرى, وفي هذا يقول الله تعالى:

“فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ”

ولقد عاب الله تعالى على النبي والمؤمنين في غزوة بدر مسارعتهم إلى أخذ الأسرى بدلا من أن يعملوا القتل في المشركين حرصا على الغنائم والفداء! وأعلمهم أن القتال هو ضرورة لإضعاف شوكة الكافرين المتجبرين, فإذا أُسر الكثيرون فستظل شوكتهم قوية كما هي, وفي هذا يقول الله تعالى:

مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال : 67]

والإثخان مأخوذ من الثخن, والمراد منه القضاء التام على مقاومة المخالفين, (التقتيل) وهو كما ورد في المقاييس:
“الثاء والخاء والنون يدلُّ على رَزَانة الشيءِ في ثِقَل. تقول ثَخُنَ الشيءُ ثَخَانَةً.
والرّجُل الحليمُ الرّزِين ثَخِين. والثّوْب المكتنز اللُّحْمة والسَّدَى من جَوْدةِ نَسجه ثَخين. وقد أثْخَنْته أي أثْقَلْته، قال الله تعالى: حَتَّى يُثْخِنَ في الأَرْضِ [الأنفال 67] وذلك أنّ القتيلَ قد أُثْقِل حتى لا حَرَاكَ به.” اهـ

إذا فالقتال في الإسلام ليس من أجل الغنائم أو من أجل إذلال المخالفين وإنما من أجل رد عدوان المعتدين, وهذا لا يتحقق إلا بكسر شوكتهم وإضعافهم, فإذا حدث وشعر المسلمين بانكسار قدرة المقاتلين القتالية يمكنهم في هذه الحالة البدء بأخذ الأسرى لأنه لا ضرورة لقتلهم. (ومما أعجب له أن بعض غير المسلمين يرون أن الإسلام دين قسوة لأنه يأمر أتباعه بتقتيل المخالفين في حالة الحرب, كأن هؤلاء ينتظرون أن يأمر القرآن المسلمين بالإحسان إلى المقاتلين أو إعطائهم الورود,

إن الحروب لا يحكمها إلا قانون واحد, وهو: إما أن تقتل أو تُقتل! أو ينتظرون أن يأمر القرآن المسلمين بالانشغال بجمع الأسرى من أول المعركة, أو أن يكتفي المسلمون بتجريد المقاتلين من السلاح ويتركونهم في أرض المعركة سالمين, لينشغلوا بتجريد غيرهم من السلاح, وفي نهاية المعركة يكون قد مات من المسلمين من مات, أما جيش الأعداء فكما هو, يجرده المسلمون من السلاح فيأخذونه مرة أخرى ويستمرون في قتال المسلمين وقتلهم! ولست أدري أي بله وعته أصاب القائلين بهذا الرأي!)

إذا فلقد اندلعت المعركة وأسر المسلمون من أسروا, وعاملوهم المعاملة الإنسانية الحسنة, ماذا يكون حالهم بعد هذا؟
نجد أن الله تعالى يقول:
“فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد : 4]”

إذا فالنص الذي ذكر صراحة في كتاب الله تعالى بخصوص الأسرى هو إما المن, أي أن الإمام أو الحاكم يمن على الأسرى فيطلق سراحهم بدون مقابل, وهذا ثابت من سيرة الرسول الأعظم فقد ثبت أنه منّ على أبي العاص بن الربيع والمطلّب بن حنطب وصيفي بن أبي رفاعة وأبي عزة الجهمي الشاعر وهم من أسرى بدر، كما منّ على ثمامة بن أسال سيد أهل اليمامة (البخاري)، ومنّ على ثمانين أسيراً من المشركين (مسلم)، وعلى أسرى بني المصطلق.

أو الفداء وهو أن يفدي الأسرى أنفسهم بالمال أو العمل أو خلافه كما ثبت في فداءه لأسرى بدر ولغيرهم! ولا يذكر النص القرآني أي حالة ثالثة.

وهنا نتوقف لنسأل:
أين النص الذي أباح استرقاق الأسير أو قتله؟
لا يوجد في القرآن الكريم أي نص يأمر فيه المسلمين باسترقاق إنسان أو قتله لأنه أسير, ولو وُجد نص يأمر بقتل الإنسان لكان هذا من التناقض, إذا كيف يأمر بالإحسان إلى الأسير ثم يأمر بقتله؟

كل ما يوجد في القرآن هو بعض النصوص التي تكلمت –عرضا- عن الرقيق, وهذه النصوص لا تفيد بحال الأمر بالاسترقاق.

قد يقول قائل: نعم, لا يوجد نص يمنع الاسترقاق, ولكن هذا لا يحرمه, أليس الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يقم دليل على الحظر, فما هو الدليل على المنع؟
نقول:
عندما أتى الإسلام كان هناك الكثير والكثير من الرقيق, والحق يقال أنه لم يقم بتحرير الرقيق وإطلاق سراحهم مرة واحدة, وإلا كان هذا سيؤدي إلى انقلابة كبيرة في المجتمعات, وإنما اكتفى الإسلام بالأمر بالإحسان إلى الرقيق, وسد كل منابع المؤدية إلى الرق,

 وبذلك كان من المفترض أن ينتهي الرق تدريجيا في جيلين أو بضعة أجيال على الأكثر, ولكن المشكلة أن الرأي الاستثنائي هو الذي عُمل به, وتوسع المسلمون في أخذ الرقيق حتى ولو كانوا من غير المحاربين, ولست أدري إلى أي نص شرعي استند أولئك الذين استرقوا النساء والأطفال, فهؤلاء ليسوا من المحاربة حتما!

وبما أننا نتكلم عن أسرى الحرب وكيف أنه لايجوز قتلهم, لا بد أن نتوقف مع الروايات الواردة في غزوة بني قريظة, حيث أن كثيرا من غير المسلمين يتخذونها متكئا لهم في دعواهم, ولكن قبل الحديث عنها نقول:
وقائع هذه الروايات كلها كانت قبل نزول سورة محمد(1)
والتي فيها الإلزام بين المن والفداء, لذا فحتى لو صحت كلها, فليس فيها أي مستند, لأن الحكم الشرعي جاء بخلافها, ولا يعقل أن يطبقها الرسول قبل أن يعلم بها وقبل أن تنزل عليه, وعلى أي حال سنناقش الروايات

فنقول:
نذكر بعض هذه الروايات أولا ثم نعلق عليها فيما بعد, وسنذكر الروايات مطولة حتى تتضح الصورة أمام القارئ:ذكر ابن هشام في سيرته:
“فَلَمّا أَصْبَحُوا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – فَتَوَاثَبَتْ الْأَوْسُ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ إنّهُمْ مَوَالِينَا دُونَ الْخَزْرَجِ ، وَقَدْ فَعَلْتَ فِي مَوَالِي إخْوَانِنَا بِالْأَمْسِ مَا قَدْ عَلِمْت – وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – قَبْلَ بَنِي قُرَيْظَةَ قَدْ حَاصَرَ بَنِي قَيْنُقَاعِ وَكَانُوا حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ ، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ فَسَأَلَهُ إيّاهُمْ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ ابْنُ سَلُولَ ، فَوَهَبَهُمْ لَهُ – فَلَمّا كَلّمَتْهُ الْأَوْسُ قَالَ رَسُولُ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – : أَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَوْسِ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْكُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى ؛ قَالَ رَسُولُ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – : فَذَاكَ إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ

وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – قَدْ جَعَلَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي خَيْمَةٍ لِامْرَأَةِ مِنْ أَسْلَمَ ، يُقَالُ لَهَا رُفَيْدَةُ فِي مَسْجِدِهِ كَانَتْ تُدَاوِي الْجَرْحَى ، وَتَحْتَسِبُ بِنَفْسِهَا عَلَى خِدْمَةِ مَنْ كَانَتْ بِهِ ضَيْعَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – قَدْ قَالَ لِقَوْمِهِ حِينَ أَصَابَهُ السّهْمُ بِالْخَنْدَقِ اجْعَلُوهُ فِي خَيْمَةِ رُفَيْدَةَ حَتّى أَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ فَلَمّا حَكّمَهُ رَسُولُ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – فِي بَنِي قُرَيْظَةَ أَتَاهُ قَوْمُهُ فَحَمَلُوهُ عَلَى حِمَارٍ قَدْ وَطّئُوا لَهُ بِوِسَادَةِ مِنْ أَدَمٍ وَكَانَ رَجُلًا جَسِيمًا جَمِيلًا ، ثُمّ أَقْبَلُوا مَعَهُ إلَى رَسُولِ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – وَهُمْ يَقُولُونَ يَا أَبَا عَمْرٍو ، أَحْسِنْ فِي مَوَالِيك ، فَإِنّ رَسُولَ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – إنّمَا وَلّاك ذَلِكَ لِتُحْسِنَ فِيهِمْ فَلَمّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ قَالَ لَقَدْ آنَ لِسَعْدٍ أَنْ لَا تَأْخُذَهُ فِي اللّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ . فَرَجَعَ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ إلَى دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ ، فَنَعَى لَهُمْ رِجَالَ بَنِي قُرَيْظَةَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِمْ سَعْدٌ عَنْ كَلِمَتِهِ الّتِي سَمِعَ مِنْهُ . فَلَمّا انْتَهَى سَعْدٌ إلَى رَسُولِ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – وَالْمُسْلِمِينَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – : قُومُوا إلَى سَيّدِكُمْ فَأَمّا الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَيَقُولُونَ إنّمَا أَرَادَ رَسُولُ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – الْأَنْصَارَ ؛ وَأَمّا الْأَنْصَارُ ، فَيَقُولُونَ قَدْ عَمّ بِهَا رَسُولُ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَامُوا إلَيْهِ فَقَالُوا : يَا أَبَا عَمْرٍو ، إنّ رَسُولَ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – قَدْ وَلّاك أَمْرَ مَوَالِيك لِتَحْكُمَ فِيهِمْ فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ : عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ عَهْدُ اللّهِ وَمِيثَاقُهُ ، أَنّ الْحُكْمَ فِيهِمْ لَمَا حَكَمْتُ ؟ قَالُوا : نَعَمْ وَعَلَى مَنْ هَاهُنَا ؟ فِي النّاحِيَةِ الّتِي فِيهَا رَسُولُ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – وَهُوَ مُعْرِضٌ عَنْ رَسُولِ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – إجْلَالًا لَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – : نَعَمْ قَالَ سَعْدٌ فَإِنّي أَحُكْمُ فِيهِمْ أَنْ تُقْتَلَ الرّجَالُ وَتُقَسّمُ الْأَمْوَالُ وَتُسْبَى الذّرَارِيّ وَالنّسَاءُ .


ثُمّ اسْتَنْزَلُوا ، فَحَبَسَهُمْ رَسُولُ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – بِالْمَدِينَةِ فِي دَارِ بِنْتِ الْحَارِثِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي النّجّارِ ثُمّ خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – إلَى سُوقِ الْمَدِينَةِ ، الّتِي هِيَ سُوقُهَا الْيَوْمَ فَخَنْدَقَ بِهَا خَنَادِقَ ثُمّ بَعَثَ إلَيْهِمْ فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ فِي تِلْكَ الْخَنَادِقِ يُخْرَجُ بِهِمْ إلَيْهِ أَرْسَالًا ، وَفِيهِمْ عَدُوّ اللّهِ حُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ ، وَكَعْبُ بْنُ أَسَدٍ ، رَأْسُ الْقَوْمِ وَهُمْ سِتّ مِئَةٍ أَوْ سَبْعُ مِئَةٍ وَالْمُكْثِرُ لَهُمْ يَقُولُ كَانُوا بَيْنَ الثّمَانِ مِئَةٍ وَالتّسْعِ مِئَةٍ . وَقَدْ قَالُوا لِكَعْبِ بْنِ أَسَدٍ ، وَهُمْ يُذْهَبُ بِهِمْ إلَى رَسُولِ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – أَرْسَالًا : يَا كَعْبُ مَا تَرَاهُ يُصْنَعُ بِنَا ؟ قَالَ أَفِي كُلّ مَوْطِنٍ لَا تَعْقِلُونَ ؟ أَلَا تَرَوْنَ الدّاعِيَ لَا يَنْزِعُ وَأَنّهُ مَنْ ذُهِبَ بِهِ مِنْكُمْ لَا يَرْجِعُ ؟ هُوَ وَاَللّهِ الْقَتْلُ فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ الدّأْبُ حَتّى فَرَغَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ.

وذكر الإمام الواقدي في مغازيه:
” فَأَمَرَ بِالسّبْيِ فَسِيقُوا إلَى دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَالنّسَاءِ وَالذّرّيّةِ إلَى دَارِ ابْنَةِ الْحَارِثِ”,”
وعنده كذلك : “وَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – بِالسّلَاحِ وَالْأَثَاثِ وَالْمَتَاعِ وَالثّيَابِ فَحُمِلَ إلَى دَارِ بِنْتِ الْحَارِثِ.” اهـ


إذا فمختصر الوصف أن اليهود استسلموا ونزلوا كلهم من حصونهم فصاروا كلهم أسرى ثم قتل بعضهم “الرجال المحاربة” وأسر النساء والأولاد!

وفي النفس أشياء تجاه هذه الروايات, فالناظر في سورة الأحزاب يجد أن الله تعالى يقول:
” وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً [الأحزاب : 26]”

أي أن الله هو الذي أنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب –إذا فلقد كان قذف الرعب مع الإنزال أوبعده لأنه ذكر بعده في الآية, أما الرواية فتقول أنه قذف في قلوبهم الرعب فنزلوا, وهذا لا يتفق مع الآية- وكان هذا الرعب سببا في أن قتل المسلمون منهم فريقا وأسروا فريقا! ونلاحظ في الترتيب القرآني أنه قدم القتل ثم ذكر الأسر, وذكر أن الأسر كان لفريق!

أما الرواية فقالت أن الأسر كان للكل وكان هو الأول ثم بعد ذلك كان القتل!
فالنص القرآني يصف معركة حدثت بين المسلمين واليهود فألقى الله الرعب في اليهود فقتل المسلمون منهم فريقا ولما بانت الهزيمة استسلم بعض اليهود فأسر المسلون فريقا!
إذا فالرواية تقول أسروا الكل ثم قتلوا البعض, والآية تقول: قتلوا وأسروا.
فهذا هو العرض القرآني, ومن يقول أن الترتيب القرآني غير ملزم أو مرتب, فمتقول بلا دليل!
_________________

ثم إن الآية التالية دليل دامغ على أن المسلمين لم يقتلوا الرجال ويسبوا الأولاد والنساء ففيها يقول الله تعالى:
وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً [الأحزاب : 27]”

فالله تعالى لم يقل ونساءهم وأولادهم! وهذه الغنائم حتما أنفس وأهم من الأخرى, وهي علامة على استعلاء المسلمين وكسر شوكة اليهود, فعندما أقول أني استعبدت ابنك وزوجك أكثر إذلالا من القول بأني أخذت دارك!

إذا فالمقارنة بين توصيف الروايات للمعركة وبين الوصف القرآني يلقي بكثير من ظلال الشك في الروايات. ونحن لا نرفض الروايات بتاتا ونقول أنهما مجتثة ما لها من جذور, ولكنا نرى أنه دخلها التحريف بالزيادة في أعداد اليهود المقتولين

فلقد كان هناك بعض الأسرى الذين يستحقون القتل, وليس لأنهم أسرى ولكن لارتكابهم جريمة الخيانة العظمي بالتحالف من الأعداء في وقت الحرب, وليست أي حرب, فلقد كانت حرب استئصال, من الممكن أن يباد فيها المسلمون قاطبة! إذا فالذين قتلهم الرسول كانوا من الخونة المستحقين للقتل, وليس لمجرد أنهم أسرى عاديون!

ونحن إذ نرمي هذه الروايات بالزيادة فنحن نركز على مسألة الزيادة في العدد, ونرى أن من قُتلوا لم يتجاوزوا العشرات بأي حال, ولكن الرواة ضاعفوا الأعداد سهوا أو عمدا! ويؤيدنا في ميلنا هذه الروايات التي وردت والتي تقول أن الرسول الكريم أمر بحبسهم في دار بنت الحارث, فأي دار هذه التي تستوعب ستمائة أو تسعمائة رجل؟! لا بد أنها كانت قلعة حصينة وليست دارا؟
كما لا بد من التوقف مع نقطة أخرى وهي عدد المسلمين, فلقد كان عدد المسلمين في هذه الغزوة قرابة الثلاثة آلاف رجل, والروايات تقول أن القتلى من الأسرى بين الستمائة والتسعمائة

ولنا أن نسأل:
هل من الممكن أن يساق تسعمائة رجل إلى القتل كالنعاج من أربعة أضعافهم؟ من الممكن أن يحدث هذا إذا كان الفارق في العدد هائلا, أما أن يكون متقاربا فالطبيعي والبدهي في النفس البشرية أن تحاول الهرب أو الدفاع عن نفسها, وقد يموت الإنسان وهو يفعل هذا ولكنه من العسير أن يقاد كل هذا العدد من الرجال المقاتلين إلى الذبح مثل النعاج بدون أي مقاومة!

والناظر يجد أن رواية البخاري قالت أن سيدنا سعد بن معاذ أشار بقتل المقاتلة منهم وليس قتل الرجال, وهذا فارق كبير في المسألة, وفي هذا يقول البخاري:
” نَزَلَ أَهْلُ قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى سَعْدٍ فَأَتَى عَلَى حِمَارٍ فَلَمَّا دَنَا مِنْ الْمَسْجِدِ قَالَ لِلْأَنْصَارِ قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ أَوْ خَيْرِكُمْ فَقَالَ هَؤُلَاءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ فَقَالَ تَقْتُلُ مُقَاتِلَتَهُمْ وَتَسْبِي ذَرَارِيَّهُمْ قَالَ قَضَيْتَ بِحُكْمِ اللَّهِ وَرُبَّمَا قَالَ بِحُكْمِ الْمَلِكِ” اهـ

ولنا أن نسأل: هل قتل الرسول الرجال عامة أم المقاتلة كما ورد عند الإمام البخاري أم قتل من جرى عليهم الموسى, كما ورد في بعض الروايات الأخرى؟

الرواية الراجحة بداهة هي رواية البخاري, وهي قتل المقاتلة وليس قتل كل الرجال أو من جرى عليهم الموسى, ويؤيد هذا ما ورد عند الإمام الواقدي حيث يروي أن يهود خيبر كانوا يتحسسون خبر يهود بني قريظة، فلما بلغهم خبر حصارهم قالوا (الشر ! قُتِلت مُقاتلة قريظة…)

إذا فالراجح أن الرسول قد قتل المقاتلة وهم الذين شاركوا في الخيانة الفعلية, وأعتقد أن محاكم الحروب تُنصب في كل بلدان العالم بلا معارض, أم أنها محرمة على المسلمين فقط؟
أما باقي ما ورد في الحكم ليس من حكم الرسول وإنما هو من رأي سيدنا معاذ والذي وافق عليه اليهود قبل أن يعلموا ما هو.

وكما قلنا سابقا, في النفس أشياء تجاه هذه الروايات, فالروايات تمدح اليهود وتظهرهم بمظهر المحافظين على الدين الملتتزمين بأحكام التوراة, وتتبع معي أخي في الله الروايات الواردة عند الإمام الواقدي:

“جاء في رواية الواقدي أن أحد رجال اليهود (كعب بن أسد) كان قد دعا يهود قريظة وقد شد عليهم الحصار، وأيقنوا أن الخطر يداهمهم، دعاهم إلى الإيمان بالنبي، خاصة وأن كتبهم أشارت إليه ودلت عليه، فيـأمنون على دمائهم وأبنائهم ونسائهم وأموالهم، ولكن يهود بني قريظة أجابوا بكلمة واحدة (… لا نكون تبعا لغيرنا، نحن أهل الكتاب والنبوة، ونكون تبعا لغيرنا؟… لا نفارق التوراة، ولا ندع ما كنا عليه من أمر موسى…)

الرواية بلا شك تكشف عن تمسك يهودي صلب بالتوراة، في وقت صعب، فما أثبت هؤلاء الجبناء, من أين أتوا بكل هذه الشجاعة والثبات؟!

جاء في رواية الواقدي أيضا أن كعب بن أسد اقترح أن يستغلوا السبت ويهجموا على النبي محمد والمسلمين بغتة ويقتلونهم، ذلك أن النبي ومعه صحبه يكونون في السبت في مأمن من هذا الهجوم باعتباره يوما مقدسا عند اليهود، ولكن كان الجواب “نفسد سبتنا، وقد عرفت ما أصابنا فيه”

الرواية تكشف عن تمسك مذهل بالشريعة، حتى على حساب الدم والعمر والحياة! فخيانة سبت واحد مرفوض تماما، حتى و إن كلفهم ذلك حياتهم، وقد عللوا ذلك بتجربة دينية سابقة! ترى هل كان هناك إخلاص يهودي خالص ليوم السبت، منذ أن شرع إلى هذه اللحظة؟
النص:
“قَالَ فَوَاحِدَةٌ قَدْ بَقِيَتْ مِنْ الرّأْيِ لَمْ يَبْقَ غَيْرُهَا ، فَإِنْ لَمْ تَقْبَلُوهَا فَأَنْتُمْ بَنُو إِسْتِهَا . قَالُوا : مَا هِيَ ؟ قَالَ اللّيْلَةُ السّبْتُ وَبِالْحَرِيّ أَنْ يَكُونَ مُحَمّدٌ وَأَصْحَابُهُ آمِنِينَ لَنَا فِيهَا أَنْ نُقَاتِلَهُ فَنَخْرُجُ فَلَعَلّنَا أَنْ نُصِيبَ مِنْهُ غِرّةً . قَالُوا : نُفْسِدُ سَبْتَنَا ، وَقَدْ عَرَفْت مَا أَصَابَنَا فِيهِ ؟ قَالَ حُيَيّ : قَدْ دَعَوْتُك إلَى هَذَا وَقُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ حُضُورٌ فَأَبَيْت أَنْ نَكْسِرَ السّبْتَ فَإِنْ أَطَاعَتْنِي الْيَهُودُ فَعَلُوا . فَصَاحَتْ الْيَهُودُ : لَا نَكْسِرُ السّبْتَ .

وتقول رواية الواقدي أن يهود بني قريظة لما جيء بهم للقتل أخذوا يتواصون بالثبات على التوراة وبدراستها, والرواية تكشف عن تمسك مذهل وصلابة عجيبة، وروح مطمئنة من النجاة في يوم آخر! وهي تذكرنا أيضا بالراويات التي تتحدث عن أصحاب الحسين عليه السلام كيف أنهم كان لهم دوي كدوي النحل في ليلة العاشر من المحرم، وذلك بقراءتهم للقرآن الكريم في تلك الليلة.

“وَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – بِأَحْمَالِ التّمْرِ فَنُثِرَتْ عَلَيْهِمْ فَبَاتُوا يَكْدُمُونَهَا كَدْمَ الْحُمُرِ وَجَعَلُوا لَيْلَتَهُمْ يَدْرُسُونَ التّوْرَاةَ ، وَأَمَرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالثّبَاتِ عَلَى دِينِهِ وَلُزُومِ التّوْرَاةِ .”

فانظر أخي في الله إلى هذه الروايات كيف تظهر اليهود بمظهر المحافظ على التعاليم والذي لا يفرط فيها طرفة عين. ولست أدري لم هزموا إذا ما داموا متمسكين بالكتاب.

إذا وكما رأينا فروايات بني قريظة فيها وحولها الكثير والكثير من ظلال الشك التي تجعل المرء يتوقف عن استخراج الحكم الشرعي منها, وحتى على فرض الأخذ بأصحها –رواية البخاري- فلا حرج فيها, وذلك لأن الرسول الأكرم قد قتل الخونة ولا حرج في هذا في أي عرف أو قانون أو دين.

وفي نهاية المطاف نصل إلى خلاصة هذا المبحث الطويل:

1-حكم الله في القرآن في أسرى الحرب -والذين يراهم البعض المصدر الوحيد للاسترقاق- هو المن أو الفداء فقط لا غير.

2- القتل حكم استثنائي خاص, مرتبط ومتعلق بأسباب كانت تحتم القتل قبل الأسر, فلما وقع في الأسر يطبق القتل, فليس الأسر رافعا للجرائم الماضية.


3- مسألة الاسترقاق ليس لها أي دليل في الشرع, وقال بجوازه الفقهاء من باب معاملة الآخرين بالمثل, ولقد كان مسلك الإسلام في التعامل معه هو إغلاق كل روافده حتى ينتهي تدريجيا في غصون أجيال معدودة حتى لا تحدث انتكاسات اجتماعية مفاجئة, ولكن حدث التفاف حول هذا الحكم.

4- انتهى الرق –رسميا- في عصرنا هذا الاتفاقات الدولية وهذا أمر يحمده الإسلام, وهذا ما سعى إلى تنفيذه منذ أكثر من ألف عام ولكنه لم يطبق إلا في زماننا هذا.

ونختم هذا المقال بكلمة:
حرص الإسلام كل الحرص على تحرير نفس الإنسان, ومن أجل هذا قدم, وطلب إليه فقط أن يكون عبدا لله رب العالمين, وقدم له المنهج الذي يحرره من كل العبوديات, فإذا كان هناك دين يأمر بإطلاق سراح الأسير منّا –بدون مقابل- أو بمقابل, فهل يجيز استرقاقه؟ وإذا كان الدين يأمر بالإحسان إلى الأسير في فترة أسره , فهل يجيز استرقاقه؟

لا أعتقد أن عاقل يقول بهذا, فهذان نقيضان لا يجتمعان, أن أمن أو أفدي أو استرق؟
أما قرآننا فكان صريحا حيث قال: من أو افد!

وهي لنا مفخرة أي مفخرة حيث سبقنا كل البشرية بهذا التشريع الرباني الرحيم بقرون, هذا التشريع الذي يتبعه الإنسان مطيعا لأمر الله, فيطبقه بكل خضوع في كل مكان وزمان , فلسنا نحن أصحاب الشعارات المرفوعة أمام كاميرات التلفزة وفي الخفاء ننتهك حقوق الإنسان ونعذبهم –وسجن أبو غريب خير شاهد على أصحاب الشعارات الجوفاء, الذين يعدون أنفسهم فوق البشر-

وإنما نحن المسلمين أرق الناس قلوبا وأرحمهم أفئدة وأكثرهم حرصا على إخواننا في الإنسانية, نمد لهم أيدينا دوما براية الحرية الكبرى: الإسلام! ولكن وللأسف فالبشرية لا تزال ترفض حريتها الكبرى, عبوديتها لربها.

جاء في رواية الواقدي أيضا أن كعب بن أسد اقترح أن يستغلوا السبت ويهجموا على النبي محمد والمسلمين بغتة ويقتلونهم، ذلك أن النبي ومعه صحبه يكونون في السبت في مأمن من هذا الهجوم باعتباره يوما مقدسا عند اليهود، ولكن كان الجواب “نفسد سبتنا، وقد عرفت ما أصابنا فيه”

الرواية تكشف عن تمسك مذهل بالشريعة، حتى على حساب الدم والعمر والحياة! فخيانة سبت واحد مرفوض تماما، حتى و إن كلفهم ذلك حياتهم، وقد عللوا ذلك بتجربة دينية سابقة! ترى هل كان هناك إخلاص يهودي خالص ليوم السبت، منذ أن شرع إلى هذه اللحظة؟
النص:
“قَالَ فَوَاحِدَةٌ قَدْ بَقِيَتْ مِنْ الرّأْيِ لَمْ يَبْقَ غَيْرُهَا ، فَإِنْ لَمْ تَقْبَلُوهَا فَأَنْتُمْ بَنُو إِسْتِهَا . قَالُوا : مَا هِيَ ؟ قَالَ اللّيْلَةُ السّبْتُ وَبِالْحَرِيّ أَنْ يَكُونَ مُحَمّدٌ وَأَصْحَابُهُ آمِنِينَ لَنَا فِيهَا أَنْ نُقَاتِلَهُ فَنَخْرُجُ فَلَعَلّنَا أَنْ نُصِيبَ مِنْهُ غِرّةً . قَالُوا : نُفْسِدُ سَبْتَنَا ، وَقَدْ عَرَفْت مَا أَصَابَنَا فِيهِ ؟ قَالَ حُيَيّ : قَدْ دَعَوْتُك إلَى هَذَا وَقُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ حُضُورٌ فَأَبَيْت أَنْ نَكْسِرَ السّبْتَ فَإِنْ أَطَاعَتْنِي الْيَهُودُ فَعَلُوا . فَصَاحَتْ الْيَهُودُ : لَا نَكْسِرُ السّبْتَ .

وتقول رواية الواقدي أن يهود بني قريظة لما جيء بهم للقتل أخذوا يتواصون بالثبات على التوراة وبدراستها, والرواية تكشف عن تمسك مذهل وصلابة عجيبة، وروح مطمئنة من النجاة في يوم آخر!

وهي تذكرنا أيضا بالراويات التي تتحدث عن أصحاب الحسين عليه السلام كيف أنهم كان لهم دوي كدوي النحل في ليلة العاشر من المحرم، وذلك بقراءتهم للقرآن الكريم في تلك الليلة.

“وَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ – صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ – بِأَحْمَالِ التّمْرِ فَنُثِرَتْ عَلَيْهِمْ فَبَاتُوا يَكْدُمُونَهَا كَدْمَ الْحُمُرِ وَجَعَلُوا لَيْلَتَهُمْ يَدْرُسُونَ التّوْرَاةَ ، وَأَمَرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالثّبَاتِ عَلَى دِينِهِ وَلُزُومِ التّوْرَاةِ .”

فانظر أخي في الله إلى هذه الروايات كيف تظهر اليهود بمظهر المحافظ على التعاليم والذي لا يفرط فيها طرفة عين. ولست أدري لم هزموا إذا ما داموا متمسكين بالكتاب.

إذا وكما رأينا فروايات بني قريظة فيها وحولها الكثير والكثير من ظلال الشك التي تجعل المرء يتوقف عن استخراج الحكم الشرعي منها, وحتى على فرض الأخذ بأصحها –رواية البخاري- فلا حرج فيها, وذلك لأن الرسول الأكرم قد قتل الخونة ولا حرج في هذا في أي عرف أو قانون أو دين.

وفي نهاية المطاف نصل إلى خلاصة هذا المبحث الطويل:

1-حكم الله في القرآن في أسرى الحرب -والذين يراهم البعض المصدر الوحيد للاسترقاق- هو المن أو الفداء فقط لا غير.

2- القتل حكم استثنائي خاص, مرتبط ومتعلق بأسباب كانت تحتم القتل قبل الأسر, فلما وقع في الأسر يطبق القتل, فليس الأسر رافعا للجرائم الماضية.

3- مسألة الاسترقاق ليس لها أي دليل في الشرع, وقال بجوازه الفقهاء من باب معاملة الآخرين بالمثل, ولقد كان مسلك الإسلام في التعامل معه هو إغلاق كل روافده حتى ينتهي تدريجيا في غصون أجيال معدودة حتى لا تحدث انتكاسات اجتماعية مفاجئة, ولكن حدث التفاف حول هذا الحكم.

4- انتهى الرق –رسميا- في عصرنا هذا الاتفاقات الدولية وهذا أمر يحمده الإسلام, وهذا ما سعى إلى تنفيذه منذ أكثر من ألف عام ولكنه لم يطبق إلا في زماننا هذا.

ونختم هذا المقال بكلمة:
حرص الإسلام كل الحرص على تحرير نفس الإنسان, ومن أجل هذا قدم, وطلب إليه فقط أن يكون عبدا لله رب العالمين, وقدم له المنهج الذي يحرره من كل العبوديات,

فإذا كان هناك دين يأمر بإطلاق سراح الأسير منّا –بدون مقابل- أو بمقابل, فهل يجيز استرقاقه؟ وإذا كان الدين يأمر بالإحسان إلى الأسير في فترة أسره , فهل يجيز استرقاقه؟

لا أعتقد أن عاقل يقول بهذا, فهذان نقيضان لا يجتمعان, أن أمن أو أفدي أو استرق؟
أما قرآننا فكان صريحا حيث قال: من أو افد!
وهي لنا مفخرة أي مفخرة حيث سبقنا كل البشرية بهذا التشريع الرباني الرحيم بقرون, هذا التشريع الذي يتبعه الإنسان مطيعا لأمر الله, فيطبقه بكل خضوع في كل مكان وزمان , فلسنا نحن أصحاب الشعارات المرفوعة أمام كاميرات التلفزة وفي الخفاء ننتهك حقوق الإنسان ونعذبهم

وسجن أبو غريب خير شاهد على أصحاب الشعارات الجوفاء, الذين يعدون أنفسهم فوق البشر-, وإنما نحن المسلمين أرق الناس قلوبا وأرحمهم أفئدة وأكثرهم حرصا على إخواننا في الإنسانية, نمد لهم أيدينا دوما براية الحرية الكبرى: الإسلام! ولكن وللأسف فالبشرية لا تزال ترفض حريتها الكبرى, عبوديتها لربها.

(1) هناك اختلاف في تاريخ نزول سورة محمد, ونحن نأخذ بالرأي القائل أنها كانت بعد صلح الحديبية!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.