حب الخلق!

قد يكون مستغربا عند بعض القراء أن يجد موضوعا عن حب الخلق في منتدى يدور موضوعه الرئيس حول حب الله عزوجل
ولكن المدقق والعارف يعلم علم اليقين أن هذا الحب هو من أهم وأكبر بركات حب الله عزوجل, فإذا أحب الإنسان الله عزوجل أحب كل خلقه!
فكما يحب الإنسان كلام وأفعال محبوبه فكذلك نجد نفس هذا الشيء عند من يحب الله عزوجل! فالإنسان الذي أحب الله عزوجل أحبه لأنه رأى فيه كل جمال وكمال وخير وحكمة ! فيرى في خلق الله أثر فعل الله فتحن نفسه إلى الله عزوجل, ويصير الإنسان في ذكر دائم لله عزوجل, فكما يتذكر الإنسان المحبوب بالمرور على داره أو سماع صوته بعد حين من الدهر
فكذلك الإنسان المسلم الذي يرى أثر الله في نفسه وفي كل ما يحيط به! فإذا كان هذا صادر من الحبيب فيحب كل خلقه عزوجل, فتكون هناك محبة للنبات فيرى فيه بديع وجميل صنع الله وينشأ في قلبه حب الحيوان فيرحمه ولا يؤذيه ولا يكلفه ما لا يطيق ويعلم علم اليقين أن الأرض كلها خلق الله فيترك الفساد حتى لا يكون ممن أظهروا الفساد في الأرض بأيديهم فذمهم الله عزوجل في كتابه

والمحب يتجنب كل مذمة من الحبيب! وكذلك يخلو صدره من البغضاء أو الشحناء أو الحقد والحسد تجاه أي إنسان كائنا من كان! بل ولأنهم خلق الله عزوجل فلهم مكانهم في قلبه وعقله فينشغل بهم ولهم! بخلاف ذلك الإنسان الذي لا يحب إلا نفسه فيحقد على هذا ويبغض ذاك ويستثقل أن ينعم الله من فضله على من يشاء! فمن أحب الله عزوجل أحب كل خلقه وكل فعله فلا يسأل لم فعل هذا أو لم لم يعط هذا, وإنما يعلم أن كل فعل الله حكمة وخير فيرضى به ويطمئن قلبه وتقر نفسه!

فإذا نحن نظرنا في حال سيد المحبين وخير البرية أجمعين الحبيب صلى الله عليه وسلم نجد أن حب خلق الله عزوجل وخاصة البشر قد تأصل في قلبه, فأصبح عامة فكرة وفعله لغيره وليس لنفسه! ويجتهد في ذلك اجتهادا شديدا حتى أن الله عزوجل خاطبه في كتابه قائلا له:

فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [الكهف : 6]
لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء : 3]
فالرسول يكاد يهلك نفسه حزنا وأسفا على عدم إيمان بعض المخالفين فيقول الله تعالى له: لعلك باخع نفسك 
ولأن حب خلق الله قد تأصل في نفس الرسول الكريم فلا يستطيع النبي أن يقلل من التفكير في هذه الأنفس فيكرر الله عزوجل له التذكير بذلك في الشعراء!

ولا تزال نفس النبي الكريم تتحسر على بعض المخالفين فيقول الله عزوجل له:
أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [فاطر : 8]
لا تذهب نفسك حسرات على هؤلاء فلو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم, ونرى ذلك الحب جليا في سيرة خير الأنام, فلقد كان الرسول الكريم جالسا ذات مرة مع أصحابه فمرت بهم جنازة ليهودي, فتدمع عين الرسول الكريم, فيقال له: إنه غير مسلم, فيقول الرحمة المهداة: أوليست نفسا تفلتت مني إلى النار!”

فالنبي المصطفى كان حريصا كل الحرص على هداية كل البشرية ويود أن لو دخل كل الناس في الإسلام!
وأعجب ممن يقولون أنه يجب على الإنسان المسلم وجوبا نابعا من أوامر الدين أن يبغض المشركين أو المخالفين! وأسأل: من أين أتوا بهذا الكلام وما أدلتهم على ما يقولون؟

ثمة فارق كبير بين من يقاتلوننا ويحاربوننا في ديننا وأوطاننا مثل اليهود والأمريكان المحتلين وبين إنسان غير مسلم ! فبطبيعة الحال لا بد أن تكن نفسي الكره والضيق من المحتل المحارب الغاصب, أما الإنسان العادي فكيف أكرهه وأتمنى له الهداية في نفس الوقت؟

من المعلوم بداهة أنك إذا كرهت إنسان فلن تسعى أو تتحرك من أجل أن تحقق له أي خير! فإما أن تضره أو تحبس خيرك عنه! أما أن تتحرك من أجل نفعه فهذا ما لا يكون!

لذا فإنا نرى أن الإنسان المسلم يحب كل خلق الله المسالمين ويتمنى لهم الهداية والدخول في الإسلام ويرى أن كل الخلق أخوة, فإذا كان الله عزوجل وصف الرسل بأنهم أخوة أقوامهم, فنجد في آيات عديدة “وإلى ثمود أخاهم صالحا” “وإلى عاد أخاهم هودا” “وإلى مدين أخاهم شعيبا” . إلخ .

فإذا كان الرسل إخوة أقوامهم وهم من المشركين حتما فكذلك المسلم أخ لكل إنسان مسالم يساعده ويرشده ويرجو له الخير! فالعلاقة بين المسلم وغير المسلم هي علاقة ود وتعارف كما قال الله تعالى:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات : 13]
فالعلاقة علاقة تعارف والأفضلية بالتقوى, ونحن بهذا التسامح والتعارف نعطي غير المسلم فرصة حسنة ليتعرف على الإسلام, أما أن ننغلق على أنفسنا ونكتفي بالإدعاء أنهم كفار, فهذا قول عقيم يرد عليه بكلمة واحدة:
ولم لم تدعهم كما فعل سيدنا الرسول خير البشر؟

وأنا أعرف أن الحب والبغض لا يلقنان ولا يعلمان, فالإنسان لا يمكن أن يحب أو يبغض لأن الكتاب الفلاني يقول بوجوب كره المشركين أو حب المسالمين, وإنما يكون هذا البغض ناتجا عن تعامل واحتكاك ومعرفة بأفعال أفراد, وكذلك يكون الحب نابعا من الإحسان , فإذا أحسن الإنسان إلى آخر فمن الصعب أن تبغضه نفسه إلا إذا كان من أصحاب النفوس المريضة!

لذا فإنا نذكرك أخي المسلم بأن هناك الملايين والملايين من النفوس التي تتفلت إلى النار لأننا انشغلنا بأنفسنا! وقلنا أنه يجب علينا بغضهم! فإذا أبغضناهم فمن يقدم الحب في هذا العالم؟ هل نتركه لمن يدعون أن الدين حب وكفى!

لذا فإنا ندعو إخواننا إلى حب الله عزوجل ونعدهم بأنه خير طريق إلى تطهير قلوبهم, فإذا هم أحبوا الله أحبهم الله وأحبوا خلق الله فتحركوا من أجلهم, وتطهر نفوسهم تجاههم فتصير علاقاتنا قائمة على الود والتراحم لا على البغض والتزاحم.

جعلنا الله وإياكم من المحبين له ولخلقه!

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.