هل حكم اللواط القتل ؟!

حديثنا اليوم عن حكم شرعي قد يسبب بعض الحساسية لكثير من الأخوة وهو حكم الشرع في اللواط والسحاق. والذي دفعنا للحديث عن هذا الموضوع هو الرغبة في تبيين حكم القرآن في هذين الفعلين المشينين , حيث رأينا السادة الفقهاء الذين لا يتحرجون أن يرون أن القرآن ناقص وغير مستوف لأحوال البشر! قالوا أن حكم اللواط والسحاق لم يرد في القرآن وأن ما ورد في تحديده هو في السنة فقط وفي فعل الصحابة !

أما نحن فنقول: معاذ الله أن يغفل عن ذكر حكم شرعي وكما أصلنا وقلنا سابقا فإن السنة تابعة للقرآن , فكيف تأتي السنة بما لا أصل له في القرآن؟!

لذا فنبدأ بالتوضيح للقارئ الكريم ما هو حكم الله تعالى في هذين الفعلين المشينين , ليس من أجل الرد على من يتهمون الإسلام بالوحشية في التعامل مع بعض الأفعال البسيطة ولكن من أجل نفي التقول على الله عزوجل. ولكن قبل ذلك نوضح أقوال السادة الفقهاء في حكم هذين الفعلين ( والتي ليس لها بداهة أي أصل في القرآن بل هي مخالفة له لزاما مما يستوجب بطلانها)

اختلف الفقهاء في حكم اللواط خاصة فقالوا أنه زنا وفيه حد مثل الزنا وقيل أنه يقتل الفاعل والمفعول بهما وسبب هذا القول هو الأحاديث الواردة في هذا الباب , فلقد وردت أحاديث كثيرة كلها لا تصح سندا (ولا متنا لمخالفتها القرآن) مثل ما ورد منسوبا إلى الرسول :

قال ((ما نقض قوم العهد إلا كان القتل بينهم ولا ظهرت الفاحشة في قوم إلا سلط الله عليهم الموت )) رواه الترمذي , وقال (أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط ) رواه ابن ماجه وقال (إذا استحلت أمتي خمساً ، فعليهم الدمار: إذا ظهر التلاعن و شربوا الخمر و لبسوا الحرير واتخذوا القيان واكتفى الرجال بالرجال و اكتفى النساء بالنساء) . ومثل ما ورد منسوبا إلى الصحابة : (اقتلوا المفعول أحصنا أم لم يحصن) , وقال أبوبكر الصديق رضي الله عنه :ـ حد اللائط هو القتل بالسيف ثم يحرق بالنار لبشاعة جريمته .

وهذه الأحاديث عن الرسول كلها لا تصح لذا فإنا نجد أن الشيخ عبدالله بن الجبرين قال عندما سأل عن حكم اللواط في الشرع : ” فاحشة اللواط من أشنع الفواحش والعياذ بالله ، وقد أهلك الله بسببها قوم لوط وعاقبهم عقوبة عظيمة فقلب ديارهم وجعل عاليها سافلها ، وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد ، 
وقد ورد عن الصحابة عقوبة من فعل ذلك أو فعل به بالقتل أو التحريق أو الرجم أو إلقائه من أعلى شاهق ، ثم إتباعه بالحجارة وذلك لما فيها من الفساد في الأخلاق والطباع ومن المخالفة للفطرة ، ومن انصراف أهلها عن الزواج الشرعي وصيرورة المفعول به أقل حالة من الأنثى وغير ذلك.” اهـ

إذا فعلى هذه الأقوال لا أصل لهذا الحكم في الأحاديث الصحيحة ولا أصل لها في القرآن , فمعنى هذا أن الشرع قد غفل عن هذا الجرم كلية!! أما نحن فنرى أنه ذكر في القرآن صراحة ولكن بسبب فهم السادة الفقهاء للآيات من خلال الروايات غفلوا وذهلوا عن معرفتها , وهذا الحكم ورد في قوله تعالى :

” َواللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سبيلا وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً [النساء : 16,15] “

فالآية الأولى توضح حكم السحاق في الشرع وهو أن تحبس المرأة بعد الاستشهاد عليها بأربعة شهود وحكم اللواط هو الإيذاء !
ونلاحظ أن الآية لم تحدد ما هو هذا الإيذاء بل تركته مطلقا للحاكم فيختلف حسب الواقعة ولكن الملاحظ أن الإيذاء لا يطلق أبدا ويراد منه القتل أو الموت وإلا فيكون قد تعدى الإيذاء ,
كما أن الآية نفسها توضح أن هذين المعاقبين لم يموتا بعد الإيذاء وإنما عاشا بطريقة عادية وهما إما أن يتوبا أو لا , فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما . ويفهم من قوله تعالى ” فأعرضوا عنهما ” أنه من الممكن أن يكون الإيذاء بالتشهير والتعريف بهما , فإذا أقلعوا وبان علامات صلاحهما فيعرض عن إيذائهما المسلمون .

إذا فليس عندنا في كتاب الله تعالى أي قتل أو حرق أو هدم جدار على الفاعل والمفعول به إلخ هذه الأحكام .
وبداهة سيسأل القارئ: إذا كان الحكم بهذا الوضوح فلم لم ينتبه إليه الفقهاء ولم يأخذوا به ؟
نقول : هذا بسبب ظنهم أن هذه الآية منسوخة (وكما أثبتنا مسبقا فلا نسخ في القرآن ) وأن هذه الآية هي في حكم الزنا

! وبداهة فإن ألفاظ الآيات لا تحتم النسخ ولا ترجحه ولكن وردت الروايات التي توضح أن هذا الحكم كان في صدر الاسلام وكان في الزنا ثم نسخ بآية النور, حيث روى أصحاب الحديث روايات مثل ما رواه الترمذي “ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُذُوا عَنِّي فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ ثُمَّ الرَّجْمُ وَالْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ ” , فجعلت الرواية آية النور ناسخة لآية النساء. ( هذا إذا غضضنا الطرف عن أن هذه الأحكام لا علاقة لها بسورة النور!)

اذا فهم يرون أن هذه الآية منسوخة , فما هو الناسخ إذا ؟

اختلف المفسرون في القول بالنسخ في هذه الآيات اختلافا شديدا فمنهم من قال : كان الأمر باديء ذي بدء في أول الإسلام إذا زنت المرأة بالإمساك ( أي أنه يفترض أن المرأة تحبس أما الرجل فلا شيء عليه أو ربما كان يحبس هو الآخر ! على الرغم من أن الآية تقول ” واللاتي ” وهي للمؤنث حتما مما يعني أنه لم يكن هناك حكم للرجال في الآية ) ثم نُسخ بالإيذاء ( وهذا يعني أن هذه الآية نزلت بعد فترة طويلة من الأولى ثم أمر الله تعالى أن توضع هذه الآية بعد الأخرى مباشرة !) ثم نسخ بالجلد والرجم ( والرجم لم يرد في القرآن )

فعجبا لهذا الحكم الذي تعددت نواسخه وتغير أكثر من مرة في الشرع , فمرة حبس ثم إيذاء ثم جلد ثم تأتي السنة فتقول : لا وهناك أيضا رجم بتفصيل معين !
ولما لم يكن لهذا الحكم أي أصل أو أساس في التاريخ الإسلامي اختلفوا هل كان ذلك في المحصنين وغير المحصنين ؟ أم كان في المحصنين فقط أم كان في الفتيان قبل أن يتزوجوا ؟
فلما لم يكن هناك أي دليل على دعاويهم المخالفة للكتاب وجدنا منهم من قال بالعكس أي أن العقوبة كانت أولا الإيذاء ثم صارت الحبس , وهذا كله على تفسير الآيتين على أنهما ورادتين في الزنا .


ونحن نرى أن الآية محكمة ولا وجه للتعارض أو اللبس فيها ونقول أن الآية الأولى التي فيها ” واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ” هي خاصة بالنساء ومتعلقة بحكم السحاق
والآية الثانية التي نصها ” والللذان يأتيانها منكم ” خاصة بالرجال ومتعلقة بحكم اللواط , وليس هذا قول بدع مستحدث نحن أول من أتينا به حتى لا يقول أحد كيف غفل كل السلف عن هذا القول , فهذا هو اختيار النحاس عن ابن عباس وقول مجاهد, لمن يريد أن يعرف هل قال به أحد من السلف

والدليل الواضح على صحة هذا الرأي هو اللغة , ف ” اللاتي” جمع ” التي ” وهي اسم موصول للمؤنث فيكون المقصود من الآية هو عقوبة السحاق وهو الحبس حتى الموت أو يجعل الله لهن سبيلا أي بالشفاء من هذا المرض أو بالزواج أو بالتوبة ,
والآية الثانية ذكر فيها ” واللذان ” وهو مثنى ” الذي ” وهو اسم موصول للمذكر فيكون في هذه الآية حكم اللواطي وهو الإيذاء ومن الممكن أن يكون الشتم أو التعيير أو غيره ويختلف الإيذاء بحسب المجتمع فقد تركه القرآن مفتوحا تبعا لحالة المجتمع .

والدليل على أن ” الفاحشة ” [1] لا تستخدم حصرا في الزنا هو استعمال القرآن لها مع قوم لوط حيث قال في حقهم “ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون[النمل : 54]
فهنا استعملت في حال اللواط وهذا دليل على جواز استعمالها في السحاق ايضا , وهذا التأويل أولى من غيره حتى لا يؤدي ذلك إلى : مخالفة اللغة , التكرار والقول بالتعارض والنسخ .
وهذا ما يرفضه الجميع حيث نسخت الآيات أكثر من مرة .
أما حديث ” خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر والثيب بالثيب البكر تجلد وتنفى والثيب تجلد وترجم “
فيمكن رده على أساس مخالفته للقرآن , وكما وضحنا فالسنة لا يمكن لها أن تزيد عن القرآن بأي حال في مجال الحدود أو الحرام! و من ناحية أخرى فهو حديث مضطرب فقد روي بدون ” قد جعل الله لهن سبيلا ” , وعلى فرض صحة الحديث فكيف ينسخ الحكم بالإمساك وقد نسخته الآية التالية له وصار الحكم الإيذاء ؟

فيجب القول أن هذا الحديث مفبرك لتعارضه حتى مع باقي الروايات التي جاءت في هذا السياق .

أما الروايات الواردة عن الصحابة فالله أعلم بصحتها وحتى على فرض صحتها فليست حجة فمن الممكن فهمها أنها كانت من باب السياسة الشرعية وفعل الصحابة عامة ليس بحجة إلا إذا كان مستندا إلى دليل من الكتاب أو السنة التابعة أما بدونهما فلا حجة لهما ومن يقل بالحجية فليخرج لنا الدليل الصريح !

نخرج من هذا كله أنه لا قتل ولا رجم ولا هدم ولا حرق في اللواط وإنما هو الإيذاء وفي السحاق هو الحبس والمنع عن النساء , ونخرج بأن الله تعالى لم يغفل عن هذا الحكم بل ذكره صراحة في كتابه ولكن الناس عنه غافلون .

[1]هناك من يرى أن المراد من الفاحشة هنا هو الزنا العادي بين الرجل والمرأة ولكن ذلك الذي لا أو لم يمكن إثباته بأن تدخل البيوت على الرجال أو شوهدت في البيوت ولكنها لم تضبط في وضع الزنا , فهذه لا يقام عليها الحد – الجلد – ولكنها تعاقب على ذلك بالحبس في البيوت حتى يتوفاها الموت أو تتوب وتقلع عن هذه العادة الشنيعة

 

 

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.