لا حد معين في الشرع لشارب الخمر .

حديثنا اليوم عن عقوبة شارب الخمر
, ما هي عقوبته وهل ورد أي ذكر لعقوبة شارب الخمر في الكتاب العزيز ؟
المشهور والمتعارف عليه بين العوام أن عقوبة شارب الخمر هي الجلد ثمانين جلدة ولكن هل هذه هي العقوبة الواردة في القرآن أو الواردة في السنة المشرفة عن الرسول الكريم ؟ الناظر في كتاب الله تعالى يجد أنه لم يذكر أي إشارة لوجود عقوبة لشارب الخمر وإنما اكتفى بتحريمها ” يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ” والإثم الكبير حرام “ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [الأعراف : 33] “
فإذا كان الإثم حراما فالإثم الكبير حراما بداهة , وكذلك أمر باجتنابها وهو مما يستلزم عدم معاقرتها أو الاتجار بها أو …. إلخ أنواع الاحتكاك بالخمر .
وكذلك اكتفى بالعقوبة الذاتية الموجودة في الخمر وهي قوله تعالى “ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ [المائدة : 91]” فالعداوة والبغضاء سبب كاف لترك الخمر. إذا لا عقوبة محددة في القرآن الكريم لشارب الخمر أو لشربها, 
ونخرج من هذا بأن السنة لا يمكن أن تزيد عما ورد في القرآن فلا يمكن أن تأتي السنة بحكم شرعي زائد في هذا الأمر
,
ولكن من الممكن أن يفعل الرسول أمرا من باب السياسة الشرعية بوصفه حاكما للمسلمين ويكون فعله هذا غير ملزما بل هو فعل للرسول بصفته حاكم المسلمين .

فإذا نحن نظرنا في حكم السنة في شارب الخمر وجدنا أنها أحكام مختلفة تراوحت بين الضرب بالنعال وبالجريد والثياب والجلد والقتل!! ونبدأ بعرض الروايات الواردة في هذا الأمر:


ورد في صحيح البخاري: عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين.

عن عقبة بن الحارث قال: جيء بالنعيمان، أو بابن النعيمان، شارباً، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من كان بالبيت أن يضربوه، قال: فضربوه، فكنت أنا فيمن ضربه بالنعال.

عن أبي هريرة رضي الله عنه: أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب، قال: (اضربوه). قال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف، قال بعض القوم: أخزاك الله، قال: (لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان)

سمعت عمير بن سعيد النخعي قال:سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: ما كنت لأقيم حداً على أحد فيموت، فأجد في نفسي، إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسنَّه.
|
عن السائب بن يزيد قال: كنانؤتى بالشارب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإمرة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر، فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا، حتى كان آخر إمرة عمر، فجلد أربعين، حتى إذا عتوا وفسقوا جلد ثمانين.

عن عمر بن الخطاب: أن رجلاً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد الله، وكان يلقب حماراً، وكان يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جلده في الشراب، فأتي به يوما فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تلعنوه، فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله.

وجاء في ” مصنف عبد الرزاق ” : أنه صلى الله عليه وسلم “جلد في الخمر ثمانين”

وروى أبوداود والنسائي : قال ابن عباس رضي الله عنه لم يوقت فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا .
وقال علي رضي الله عنه “جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر أربعين وأبو بكر أربعين وكملها عمر ثمانين وكل سنة “

جاء في جامع الترمذي أن النبي (ص) قال في شارب الخمر: إذا جاء في المرة الأولى فاجلدوه، ثم إذا جاء في المرة الثانية فاجلدوه ثم إذا جاء في المرة الثالثة فاجلدوه، ثم إذا جاء في المرة الرابعة فاقتلوه.

قال ابن عباس: وشرب رجل فسكر فانطلق به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما حاذى دار العباس انفلت فدخل على العباس فالتزمه فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فضحك ولم يأمر فيه بشيء ” وأخرج الطبري من وجه آخر” عن ابن عباس: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر إلا أخيرا، ولقد غزا تبوك فغشى حجرته من الليل سكران فقالليقم إليه رجل فيأخذ بيده حتى يرده إلى رحله”

و جاء في الجامع لأحكام القرآن : كان الصحابي أبو محجن الثقفي يحب الخمر وجلده عمر الحد سبع مرات ونفاه إلى جزيرة في البحر. ولما عاد أبلى بلاءً حسناً في موقعة القادسية، فقال له سعد لا نجلدنك على الخمر أبداً، فقال له أبو محجن: وأنا لا أشربها بعد اليوم.

وروى الإمام مالك فيقول : إن عمر استشار في الخمر يشربها الرجل? فقال له علي بن أبي طالب: نرى أن تجلده ثمانين ? فإنه إذا شرب سكر ? وإذا سكر هذى ? وإذا هذى افترى? وحد المفتري ثمانين فجلد عمر في الخمر ثمانين

إذا فيمكننا تلخيص الأقوال الواردة في هذا شرب الخمر في عدة نقاط محدودات:
1- هناك من يرى أن الرسول الكريم لم يحدد فيها حدا معينا وإن ما فعله كان من باب التعزير ويستدلون بما ورد عن ابن عباس أن النبي لم يؤقت فيها حدا لذا فكان يأمر الناس بمجرد الضرب بأي شيء كان , وأحيانا لم يكن يأمر بالضرب (كما ورد في رواية الطبري ) وأحيانا كان يجلد ولكن هذا الجلد كان فيما يبدو كعقوبة مغلظة لمن تكرر فعله وفسقه

2- هناك من يرى أن الرسول حدد لشارب الخمر المتكرر منه شربها عقوبة معينة وهي ما وردت في الترمذي وهي أن يجلد ثم يجلد ثم يجلد ثم يقتل في المرة الرابعة ولكن هناك من قال من الفقهاء أن هذه العقوبة منسوخة , قال ابن حزم : إن جمهور العلماء ذهب إلى أن قتل شارب الخمر منسوخ بحديث معاوية أن النبي جلد ابن النعيمان ثلاثاً في الخمر ثم جئ به الرابعة فجلده النبي في المرة الرابعة فكانت رخصة برفع القتل ،

وقد أحتج من أثبت قتل شارب الخمر بأن إسلام معاوية جاء متأخراً فهو أسلم قبل الفتح أو أثناء الفتح فلا يؤخذ بحديثه. وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقتله في الرابعة أو الخامسة . واختلف الناس في ذلك فقيل هو منسوخ وناسخه لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث وقيل هو محكم ولا تعارض بين الخاص والعام ولا سيما إذا لم يعلم تأخر العام . وقيل ناسخه حديث عبد الله حمار فإنه أتي به مرارا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلده ولم يقتله.


3- هناك من يرى أن الأحاديث تدل على أن الرسول الكريم لم يزد عن الأمر بصفته حاكما للمسلمين بالضرب ثم بدأ الصحابة بعد ذلك في تغليظ العقوبة فكانت بالجلد أربعين في عهد أبي بكر أو عمر ثم أصبحت ثمانين , أما الجلد فلم يكن بأي حال في عهد الرسول الكريم , ويستدلون بالروايات التي وردت في البخاري عن علي أن النبي الكريم لم يسنه وعن أنس أن الضرب كان في زمن الرسول ثم بدأ الجلد في عهد أبي بكر , أما الروايات الواردة بأن الرسول جلد فهي مردودة جملة وتفصيلا لتعارضها البين مع حديث علي الوارد في البخاري:
” ما كنت لأقيم حداً على أحد فيموت، فأجد في نفسي، إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يسنَّه.” فهذا الحديث يوضح لنا أن الرسول ما أتى بمسألة الجلد من بابها .

4- هناك من يحاول التوفيق فيقول أن الرسول الكريم جلد أربعين كما ورد عن علي ثم زاد الصحابة بعد ذلك إلى الثمانين . ويحاولون التوفيق بين هذه الرواية عن الإمام علي وبين روايته هو أيضا عند البخاري والتي قال فيها أن الرسول لم يسنه بقولهم أن الرسول جلد أربعين فقط , أما هم فزادوا .
ويرد عليهم بأن الحديث يتكلم من الأساس عن الحد لا عن كمه , فالإمام علي يقول أنه لا يتحرج مثلا إذا قطع يد سارق فمات , أما إذا حد شارب خمر فمات فإنه سيديه لأن الرسول لم يسنه , وليس في كلامه إشارة إلى الزيادة أو النقصان.


5- هناك من قال أن الرسول جلد ولم يعرض لمسألة القتل هذه بدليل أن الصحابة رضوان الله عليهم ما قتلوا وإنما اكتفوا بالرجم .

والناظر في المسألة يجد أن فيها تخبطا وتعارضا فقط لورود الروايات التي تقول بقتل الشارب بعد عدة مرات من الشرب , ولكن لو رددنا هذه الروايات وقبلنا الروايات الصحيحات الباقيات الواردات في البخاري وغيره لوجدنا أنها كلها مستقيمة المعنى , ولا حرج في قبولها بتاتا .

فالرسول الكريم بصفته حاكم المسلمين كان يأمر أحيانا بعقاب شارب الخمر بالضرب وأحيانا كان يعفو لأن الموقف لا يناسب (في الحرب) وأحيانا كان يغلظ العقوبة لتكرر الأمر من فاعلها ولمجاهرته بالفساد فيجلد ولكن كان الجلد نادر الحديث قليله حتى أن بعض الصحابة لم يعرف به أو يره , ثم لما مات الرسول الكريم رأى أبو بكر أو عمر بصفتهما حاكما المسلمين أن يغلظا العقوبة الواردة فجعلا الجلد , ولما لم يكن الجلد إلا نادر الوقوع في زمن الرسول الكريم ارتأى الصحابة وفهموا وعرفوا أن قولهم بالجلد هو من عند أنفسهم لأنه مخالف لعامة فعل الرسول وهو الضرب ( كما رأينا في تشاور عمر مع الإمام علي ), فلما حددوا الجلد كانوا مترددين وخائفين من المخالفة فجعلوه أربعين ثم ثمانين ثم أربعين ونراهم جلدوا مرات عديدة وصلت إلى سبع مرات ولم نجدهم قتلوا
.
لذا نخرج من هذا كله مطمئنين أن الرسول الكريم ما قتل أحد في الخمر ولا أمر بالقتل وإنما عزر بصفته الحاكم بالضرب ثم عزر الصحابة بوصفهم حكام المسلمين ومن باب السياسة الشرعية بالجلد .

إذا يكون في الأمر سعة ونعلم أن عقوبة الخمر غير محددة وأن مرجعها إلى الحاكم يحددها كيف شاء من حبس أو ضرب أو غرامة أو … أو ….. إلخ أنواع التعزير .

بهذا نكون قد دفعنا التعارض بين كتاب الله تعالى وبين سنة الرسول الكريم ووضحنا الحكم النابع من الكتاب والمؤيد من السنة ولم نقل كما قال هؤلاء القائلين بنقص كتاب الله والذين يرون أن السنة تزيد عن القرآن, هدانا الله لما فيه خير الصواب وجنبنا الخمر وشرورها

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.