هل هناك نسخ في القرآن ؟!

بطبيعة الحال لا يعرف كثير من القراء ما هو النسخ[1] ولم هذا الجدال حوله ,
لذا لزام علينا أن نعرفهم بالنسخ وما هو ولم هذا الجدال حوله , ونعرض الأدلة للطرفين قدر الإمكان , ونترك للقارىء الحرية في اختيار أي الفريقين أقوى دليل وأرجح برهان .

نقول النسخ كما يقول السادة الفقهاء هو : رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخ عنه .

فعلى سبيل المثال يعني ذلك أن آمرك بأمر ولا يظهر في الأمر أي علامة على التحديد الزمني بل يبدو أنه مطلق ثم آمرك بعد فترة بأمر يخالف هذا الأمر بأن أالغي هذا الأمر كأن أقول لك ” لن يجوز لك أكل اللحم ” ثم أقول لك بعد فترة ” يجوز لك أكل اللحم ” , فهذان الحكمان متعارضان تمام التعارض .
قد يقول قائل : قد لا يكون النهي في ذهن الناهي مؤبدا , فلعله كان يقصد النهي إلى فترة معينة ثم يرتفع الحكم .

نقول قد يكون ذلك محتملا فعلا , ولكن نقول لذلك الناهي ينقصك الدقة فأنت لم توضح في كلامك ما يظهر أنه مؤقت بل تركته عاما , ولكن بدون الاطلاع على نية الناهي يكون الكلام متعارضا , والعلماء الذين يقولون بالنسخ في كتاب الله لا يقولون بالتعارض ولكنهم يقولون به من باب أن هذا تدرج في التشريع ولا يعتبر تعارضا , فلقد وضح الله حكم الخمر على مراحل فقال أنها إثم كبير ومنافع ثم نهى عن قرب الصلاة والإنسان سكران ثم حرم الخمر , فهذا النسخ ليس من باب التعارض ولكنه من باب التدرج في التشريع .

فإذا أراد الإنسان أن يضع قانونا مؤقتا فلا بد أن يظهر أنه مؤقت حتى لا يؤدي ذلك للفهم الخاطىء للقانون ولربما تعارض بسبب ذلك مع قوانين أخرى , فإذا لم يفعل ذلك عيب عليه عدم الدقة في الكتابة , ونحن نقول معاذ الله أن يشوب كتاب الله شائبة عدم دقة أو شائبة تعارض

, فإذا قلت أن هذا التعارض الظاهري !! من باب التدرج في التشريع سيقول لك غير المسلم : بل هو من باب التناقض , فهذا القرآن من عند محمد ولما لم يستطع أن يأتي بكتاب خال من التناقض اخترعتم أنتم هذه المصطلحات لتبرروا التناقض في كتاب محمد .

وفي الواقع لا تعارض ولا تناقض بل كتاب الله يصدق بعضه بعضا , ولنبدأ الآن بالكلام عن النسخ على عادة الفقهاء ونبدأ بتعريفه :

إذا نحن نظرنا في المعاجم وجدنا أن النسخ كما ورد في المقاييس هو:
يقول ابن فارس : ” النون والسين والخاء أصلٌ واحد، إلاّ أنّه مختلفٌ في قياسِه. قال قوم: قياسُه رفْعُ شيءٍ وإثباتُ غيرِهِ مكانَه. وقال آخرون: قياسُه تحويلُ شيءٍ إلى شيءٍ. قالوا: النَّسْخ: نَسْخ الكِتاب. والنَّسْخ: أمرٌ كان يُعمَل به من قبلُ ثم يُنسَخ بحادثٍ غيرهِ، كالآية ينزل فيها أمرٌ ثم تُنسَخ بآيةٍ أخرى. وكلُّ شيءٍ خلَفَ شيئاً فقد انتَسخَه. وانتسخت الشَّمسُ الظِّلّ، والشّيبُ الشبابَ. وتناسُخُ الورَثةِ: أن يموتَ ورثةٌ بعد ورثةٍ وأصلُ الإرث قائم لم يُقَسَّم. ومنه تناسُخُ الأزمنة والقُرون. قال السجستانيّ النَّسْخ: أن تحوّل ما في الخليَّة من العَسَل والنَّحْل في أُخرى. قال: ومنه نَسْخُ الكتاب.” اهـ

إذا فمعنى النسخ في اللغة يدور على أصلين اثنين الإزالة أو شبه النقل .
والإزالة نوعان: الأول:
إزالة إلى بدل، كقوله تعالى: ” ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها [البقرة : 106] “ ، وكقولهم: نسخت الشمس الظل.,الثاني: إزالة إلى غير بدل، كقولهم: نسخت الريح الأثر.

وما شبه النقل، فمثل قوله تعالى: ” إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون [الجاثية : 29] “ ، وقولهم: نسخت الكتاب أي نقلته.
وقلنا: ( شبه نقل ) ولم نقل ( نقلا ً)، لأن نسخ الكتاب ليس نقلاً كاملاً، إذ لم تذهب الحروف من الكتاب، بل هي باقية، والذي نقل صورتها أو ما يماثلها، وهذا حقيقة ليس نقلاً وإنما هو شبهه.

أما النسخ اصطلاحاً فله عدة تعريفات حسب فهم كل عالم :
فيعرفه الخوئي : ” هو رفع أمر ثابت في الشريعة المقدسة بارتفاع أمده وزمانه ” ( السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي. البيان في تفسير القرآن ) .

ويعرفه الطباطبائي : ” انتهاء زمن اعتبار الحكم المنسوخ ” ( السيد محمد حسين الطباطبائي. القرآن في الإسلام ) ،
ويعرفه السبزواري : ” بيان انتهاء أمد الحكم الثابت سابقا ً” ( السيد عبدالأعلى الموسوي السبزواري. مواهب الرحمن في تفسير القرآن .) .

ويعرفه ناصر مكارم : ” تغيير حكم شرعي وإحلال حكم آخر محله ” ( ناصر مكارم الشيرازي. الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل .)و نذكر هنا التعريف الذي استقر وتعورف عليه : فهو رفع حكم شرعي ثابت بخطاب متقدم، بخطاب متراخ عنه.

فقوله: ( رفع حكم شرعي ) يخرج حكم العقل، فلو أن الرفع كان لحكم غير شرعي لما سمي نسخاً.
ولفظ: ( حكم ) يخرج رفع البراءة الأصلية.
وقوله: ( بخطاب متراخ عنه ) يخرج رفع الحكم بموت أو جنون أو إجماع أو قياس.

ولفظ: ( متراخ عنه ) يخرج ما كان متصلاً به.

إذا فالنسخ بالمعنى الاصطلاحي غير متفق عليه , و لكن نقول المختار أنه رفع حكم شرعي بحكم شرعي آخر, أي أنه أخذ أصلا واحدا من المعنى اللغوي وترك الأصل الآخر , والآن لننظر كيف استعمل القرآن هذه الكلمة طالما أن هناك خلاف حولها هل استعملها بالأصل الأول الرفع أم الثاني شبه النقل :

نجد أن ” نسخ ” ومشتقاتها وردت في القرآن في أربعة مواضع هي :
” مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة : 106] “

و ” وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ [الأعراف : 154] “


و” َمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحج : 52] “


و” هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية : 29] “


هذه هي الآيات التي ذكر فيها ” نسخ ” أو مشتقاتها في القرآن , وبطبيعة الحال يستدل العلماء المثبتون للنسخ على دعواهم بالآية الأولى و بآية واردة في سورة النحل وهي قوله تعالى ” وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ [النحل : 101] ” , وبقوله تعالى ” يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد : 39] “

فيقولون : هذه الآيات بجوار الروايات الواردة في هذا المعنى تثبت أن القرآن به ناسخ ومنسوخ , و هم يرون أن علم الناسخ والمنسوخ من أهم العلوم في التعامل مع القرآن , فقد أقرأ آية واعتقد أنها ملزمة بينما في الواقع نحن غير ملزمين بها , أي أن الآية لا مدلول لها !

و وبطبيعة الحال الروايات المؤيدة لذلك موجودة وكثيرة, فقد رووا عن علي ابن أبي طالب رابع الخلفاء الراشدين : أنه دخل يوما مسجد الجامع بالكوفة ، فرأى فيه رجلاً يُعْرَف بعبد الرحمن بن داب ، وكان صاحباً لأبي موسى الأشعري ، وقد تحلق عليه الناس [أي اجتمعوا حوله في حلقات] يسألونه ، وهو يخلط الأمر بالنهي والإباحة بالحظر ، فقال له علي رضي الله عنه : أتعرف الناسخ والمنسوخ ؟ قال : لا . قال له : هلكت وأهلكت…. وأخذ أذنه وفتلها [أي فرك أذنه] وقال له : لا تقضي في مسجدنا بعد .”

– وهذه الرواية على فرض صحتها يمكن فهمها فهما مغاير لما فهموه تماما .
وإذا كان هناك ناسخ ومنسوخ في القرآن , فما أنواعه ؟
يقسم المثبتون للناسخ والمنسوخ النسخ في القرآن إلى ثلاثة أصناف :
1- ما نسخ حرفه وبقى حكمه .
2- ما نسخ حكمه وبقى حرفه .
3 – ما نُسخ حكمه ونسخ حرفه.

والمقصود بتعبير ما نُسخ : أي ما تغير من القرآن ، أو مُحي أو أُبطل .
والمقصود بحرفه : أي كتابته بالحرف في القرآن .
والمقصود بتلاوته : أي قراءته ، فهو غير موجود في المصحف .
والمقصود بِبَقِيَ حُكمُه : أي بقي العمل به ، بمعنى أن حكم الآية التي نسخت- رفعت- لازال معمولا به ، رغم أنها غير موجودة في القرآن الحالي .

فيكون معنى ما نسخ حرفه أو تلاوته وبقي حكمه هو : أن الآيات التي تغيرت أو محيت من المصحف ، لا زال يعمل بها في الواقع , ومن الأمثلة على ذلك ما رواه الإمام مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت :
” 2634- …. كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخن بخمس معلومات , فتوفي رسول الله ص وهن مما يقرأ من القرآن[2].”

والمقصود بما نسخ حكمه وبقى حرفه أن الآية بقيت كما هي في القرآن ولكن الحكم الموجود في الآية رفع فلم نعد مطالبين به , أي أننا عندما نقرأ قول الله تعالى ” كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة : 180]

و قوله تعالى ” وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
[البقرة : 240] ” 


فيجب أن نفهم أننا ما كتب علينا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف أو المتاع للمتوفى عنها زوجها , فهذه الآيات لا تعني شيئا على الإطلاق , بل معناها مفرغ [3] تقرء بدون أي دلالات في الذهن!! ,

لذا يجب معرفة علم الناسخ والمنسوخ فقد يكون الله لا يريد من هذه الآية شيئا وقد يكون أنزلها امتحانا للناس , فإذا وردت الرواية الصحيحة يجب علينا ترك العمل بالآية أو إذا ورد الفهم الصحيح عن الصحابة بالنسخ وجب القول بالنسخ وترك العمل بالآية !![4] .

والمقصود بما نسخ حكمه ونسخ حرفه هو : أن الله عزوجل ينزل قرآنا فيعمل به ثم يرفع من القلوب ومن نسخ المصاحف , فلم أنزل إذا ؟ الله أعلم .


ويرون على ذلك الروايات , ومن ذلك عن الزهري قوله : ” أخبرني أبو إمامة .. أن رهطا [5] من أصحاب النبي قد أخبروه أن رجلا منهم قام في جوف الليل ، يريد أن يفتتح سورة كان قد وعاها ، فلم يقدر على شيء منها إلا بسم الله الرحمن الرحيم ، فأتى إلى النبي في الصباح ، ليسأل النبي عن ذلك ، وجاء آخرون لنفس الغرض ، ثم أذن النبي فسألوه عن السورة ، فسكت ساعة لا يرجع إليهم شيئا ، ثم قال: نسخت البارحة “

إذا الخلاصة على حد قولهم أنزلت آيات ورفعت ونحن غير مطالبين بها , وأنزلت آيات ورفعت ونحن مطالبين بالعمل بها وأنزلت آيات ولم ترفع ونحن غير مطالبين بالعمل بها .

إذا فهذا العلم العظيم المسمى الناسخ والمنسوخ يدور في نطاق لا يمكن أخذ الفهم من القرآن مباشرة بل لا بد من معرفة إذا ما كان الحكم على أصله أم غير مطالبين به , وألف فيه العديد من الكتب مثل :

1 – ( الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ) لمكي بن أبي طالب.
2 – ( الناسخ والمنسوخ في القرآن ) للنحاس .
3 – ( الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم ) لابن العربي
4 – ( عمدة الراسخ في معرفة المنسوخ والناسخ ) لابن الجوزي .
5 – ( الناسخ والمنسوخ ) لابن حزم .
6 – ( النسخ في القرآن الكريم ) للدكتور مصطفى زيد .
7- ( استحالة وجود النسخ في القرآن ) لإيهاب حسن عبده.
8- ( نظرية النسخ في الشرائع السماوية ) للدكتور شعبان إسماعيل .
9- ( لا نسخ في القرآن …لماذا ؟ ) للدكتورعبد المتعال الجبري .
10- ( الرأي الصواب في منسوخ الكتاب ) لجواد مصطفى عفانة .
11- ( لا نسخ في القرآن ) للدكتور أحمد حجازي السقا .
وغير ذلك من الكتب الكثير .

و لنبدأ بمناقشة الأدلة التي يستدلون بها على وقوع النسخ :
مناقشة الدليل الأول , وهو استدلالهم بقوله تعالى “ َما نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”
فهم يستدلون بهذه الآية على وقوع النسخ في القرآن ولننظر كيف فسروا هذه الآية ؟

نورد هنا من تفسير ابن كثير , حيث قال ما نصه :
” قال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس: { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ } ما نبدل من آية.
وقال ابن جُرَيج، عن مجاهد: { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ } أي: ما نمح من آية.
وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ } قال: نثبت خطها ونبدل حكمها. حَدَّث به عن أصحاب عبد الله بن مسعود.

وقال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي العالية، ومحمد بن كعب القرظي، نحو ذلك.
وقال الضحاك: { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ } ما نُنْسِكَ. وقال عطاء: أما { مَا نَنْسَخْ } فما نترك من القرآن. وقال ابن أبي حاتم: يعني: تُرِكَ فلم ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم.

وقال السدي: { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ } نسخها: قبضها. وقال ابن أبي حاتم: يعني: قبضها: رفعها، مثل قوله: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة. وقوله: “لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثًا “.

وقال ابن جرير: { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ } ما ينقل من حكم آية إلى غيره فنبدله ونغيره، وذلك أن يُحوَّل الحلالُ حرامًا والحرام حلالا والمباح محظورًا، والمحظور مباحًا.!! ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي والحظر والإطلاق والمنع والإباحة.

فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ. وأصل النسخ من نسخ الكتاب، وهو نقله من نسخة أخرى إلى غيرها، فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره،إنما هو تحويله ونقل عبَادَة إلى غيرها. وسواء نسخ حكمها أو خطها، إذ هي في كلتا حالتيها منسوخة. وأما علماء الأصول فاختلفت عباراتهم في حد النسخ، والأمر في ذلك قريب؛ لأن معنى النسخ الشرعي معلوم عند العلماء ولخَّص بعضهم أنه رفع الحكم بدليل شرعي متأخر. فاندرج في ذلك نسخ الأخف بالأثقل، وعكسه، والنسخ لا إلى بدل. وأما تفاصيل أحكام النسخ وذكر أنواعه وشروطه فمبسوط في فَنِّ أصول الفقه.


وقال الطبراني: حدثنا أبو شبيل عبيد الله بن عبد الرحمن بن واقد، حدثنا أبي، حدثنا العباس بن الفضل، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: قرأ رجلان سورة أقرأهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانا يقرآن بها، فقاما ذات ليلة يصليان، فلم يقدرا منها على حرف فأصبحا غاديين على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إنها مما نسخ وأنسي، فالهوا عنها “. فكان الزهري يقرؤها: { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا } بضم النون خفيفة. سليمان بن أرقم ضعيف.( أي أن الرواية ضعيفة – المؤلف – )

وقد روى أبو بكر بن الأنباري، عن أبيه، عن نصر بن داود، عن أبي عبيد، عن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يونس وعبيد وعقيل، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف مثله مرفوعًا، ذكره القرطبي.
وقوله تعالى: { أَوْ نُنْسِهَا } فقرئ على وجهين: ” ننسأها ونُنْسها “. فأما من قرأها: ” نَنسأها ” – بفتح النون والهمزة بعد السين- فمعناه: نؤخرها. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسئهَا } يقول: ما نبدل من آية، أو نتركها لا نبدلها.

وقال مجاهد عن أصحاب ابن مسعود: { أَوْ نُنسِئَهَا } نثبت خطها ونبدل حكمها. وقال عبيد بن عمير، ومجاهد، وعطاء: { أَوْ نُنسِئَهَا } نؤخرها ونرجئها. وقال عطية العوفي: { أَوْ نُنسِئَهَا } نؤخرها فلا ننسخها. وقال السدي مثله أيضا، وكذا [قال] الربيع بن أنس. وقال الضحاك: { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِئَهَا } يعني: الناسخ من المنسوخ …………………

وقوله: { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ } يرشد تعالى بهذا إلى أنه المتصرف في خلقه بما يشاء، فله الخلق والأمر وهو المتصرف، فكما خلقهم كما يشاء، ويسعد من يشاء، ويشقي من يشاء، ويصح من يشاء، ويمرض من يشاء، ويوفق من يشاء، ويخذل من يشاء، كذلك يحكم في عباده بما يشاء، فيحل ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ويبيح ما يشاء، ويحظر ما يشاء، وهو الذي يحكم ما يريد لا معقب لحكمه. ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ويختبر عباده وطاعتهم لرسله بالنسخ، فيأمر بالشيء لما فيه من المصلحة التي يعلمها تعالى، ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى..

فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره واتباع رسله في تصديق ما أخبروا. وامتثال ما أمروا. وترك ما عنه زجروا. وفي هذا المقام رد عظيم وبيان بليغ لكفر اليهود وتزييف شبهتهم – لعنهم الله – في دعوى استحالة النسخ إما عقلا كما زعمه بعضهم جهلا وكفرا , وإما نقلا كما تخرصه آخرون منهم افتراء وإفكا.

قال الإمام أبو جعفر بن جرير، رحمه الله: فتأويل الآية : ألم تعلم يا محمد أن لي ملك السماوات والأرض وسلطانهما دون غيري، أحكم فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وأنهى عما أشاء، وأنسخ وأبدل وأغير من أحكامي التي أحكم بها في عبادي ما أشاء إذا أشاء، وأقر فيهما ما أشاء.

ثم قال: وهذا الخبر وإن كان من الله تعالى خطابا لنبيه صلى الله عليه وسلم على وجه الخبر عن عظمته، فإنه منه تكذيب لليهود الذين أنكروا نَسْخَ أحكام التوراة، وجحدوا نبوة عيسى ومحمد، عليهما الصلاةوالسلام، لمجيئهما بما جاءا به من عند الله بتغير ما غير الله من حكم التوراة. فأخبرهم الله أن له ملك السماوات والأرض وسلطانهما، وأن الخلق أهل مملكته وطاعته وعليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه، وأن له أمرهم بما يشاء، ونهيهم عما يشاء، ونسخ ما يشاء، وإقرار ما يشاء، وإنشاء ما يشاء من إقراره وأمره ونهيه.

[وأمر إبراهيم، عليه السلام، بذبح ولده، ثم نسخه قبل الفعل، وأمر جمهور بنى إسرائيل بقتل من عبد العجل منهم، ثم رفع عنهم القتل كيلا يستأصلهم القتل .

قلت: الذي يحمل اليهود على البحث في مسألة النسخ، إنما هو الكفر والعناد، فإنه ليس في العقل ما يدل على امتناع النسخ في أحكام الله تعالى؛ لأنه يحكم ما يشاء كما أنه يفعل ما يريد، مع أنه قد وقع ذلك في كتبه المتقدمة وشرائعه الماضية، كما أحل لآدم تزويج بناته من بنيه، ثم حرم ذلك، وكما أباح لنوح بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات، ثم نسخ حِلُّ بعضها، وكان نكاح الأختين مباح لإسرائيل وبنيه، وقد حرم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها.


وأشياء كثيرة يطول ذكرها، وهم يعترفون بذلك ويصدفون عنه. وما يجاب به عن هذه الأدلة بأجوبة لفظية، فلا تصرف الدلالة في المعنى، إذ هو المقصود، وكما في كتبهم مشهورا من البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم والأمر باتباعه، فإنه يفيد وجوب متابعته، عليه والسلام، وأنه لا يقبل عمل إلا على شريعته. وسواء قيل إن الشرائع المتقدمة مُغَيَّاة إلى بعثته، عليه السلام، فلا يسمى ذلك نسخًا كقوله: { ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ } [البقرة: 187] ، وقيل: إنها مطلقة، وإن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم نسختها، فعلى كل تقدير فوجوب اتباعه معين لأنه جاء بكتاب هو آخر الكتب عهدا بالله تبارك وتعالى.” اهـ



ونعتذر من القارىء للإطالة في النقل ولكن كان هذا النقل ضروريا لإعطاء صورة مقربة للقارىء عن موقف مثبتي النسخ منه , ونلاحظ هنا في كلام الإمام ابن كثير التالي :

1- يرى أن ” الآية ” في هذه الآية بمعنى الآية من القرآن .
2- الإمام ابن كثير يوافق الإمام ابن جرير في تحويل الحرام حلالا وتحويل الحلال حراما والمحظور مباحا و المباح محظورا .
3- الإمام ابن كثير يرى أن الخطاب و إن كان للنبي ص ولكنه تكذيب لليهود .
4- الإمام ابن كثير لا يفرق بين النسخ بين الشرائع والنسخ في الشريعة ذاتها.
5- الإمام ابن كثير ينقل من التوراة أشياءا على أنها مسلمات ويطالبنا بالتصديق بها .

وموقف الإمام ابن كثير في هذه النقاط يكاد يتفق مع كل القائلين بالنسخ , لذا سنناقش هذه الأدلة التي يستدل بها والمواقف التي اتخذها لنر , هل هذا الموقف سليم وهل هذا الرأي الذي خرج به هو من الصواب أم أنه جانبه الصواب ؟

إذا نظر المرء في القرآن وجد أن كلمة ” آية ” وردت في تسع وسبعين موضعا , لا يمكن أن تفهم في أي موضع من هذه المواضع على أنها الآية من القرآن , بخلاف كلمة “آياتنا ” التي وردت في إحدى و تسعين موضعا يفهم من بعضها أنها آيات القرآن ويفهم منها كذلك أنها آيات الله في كونه أو أنها المعجزات

أما لفظة ” آية ” فلم تأت إلا بمعنى معجزة أو آية كونية أو علامة بينة , ويحتمل أن تفهم في هذين الموضعين الذين يستدلون بهما فهما آخر وهو الآية من القرآن , فعلى أي الوجهين أولى أن تحمل :

أن تحمل على الوجه الذي ورد في كل المواضع أم تخالف المواضع الأخرى ؟
وبطبيعة الحال ليست العبرة بالموافقة والمخالفة , فقد يحتم السياق معنى معين للكلمة , و لكن موافقة أكثر المواضع في القرآن مرجح لا يستهان به , و لننظر ما المعنى الذي يحتمه السياق في هاتين الآيتين ؟

إذا نحن نظرنا في سورة البقرة وجدنا أن الحديث من آية أربعين إلى آية ثلاثة وعشرين ومائة يدور الحديث فيها عن اليهود , وإذا ألقينا نظرة إلى الآية التي تسبقها وجدناها تقول ” مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [البقرة : 105] “

فالآية تقول بكل وضوح أن الذين كفروا من أهل الكتاب ما يودون أن ينزل علينا أي خير وخير الخير الوحي , فهم يودون أن لا ينزل علينا أي خير والله يختص برحمته من يشاء , فأنزل علينا القرآن والله ذو الفضل العظيم , ولقد فهم الإمام ابن كثير من الآية أن المراد من الخير هو الوحي والشريعة حيث قال :

وقوله تعالى: { مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنزلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ } يبين بذلك تعالى شدة عداوة الكافرين من أهل الكتاب والمشركين، الذين حذر تعالى من مشابهتهم للمؤمنين؛ ليقطع المودة بينهم وبينهم. وينبِّه تعالى على ما أنعم به على المؤمنين من الشرع التام الكامل، الذي شرعه لنبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، حيث يقول تعالى: { وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } ” اهـ

فإذا فهمنا أن أحد مدلولات ” الخير ” وأفضلها هو الوحي كان فهمنا للآية التالية بأن المراد من الآية هو التوراة فهما منطقيا حيث أن الله يقول ” ما يود هؤلاء أن ينزل عليكم أي خير والله يختص من يشاء فالله ذو الفضل العظيم فالله لا يغير آية مكان آية مكان آية إلا إذا أتى بخير منها أو مثلها فعندما غير التوراة أتى بالقرآن ولم يرفعها إلى غير شيء , فبهذا الفهم يظهر أن معنى ” آية ” منسجم مع معناها في القرآن الكريم كاملا وهو المعجزة أو العلامة , فها هو السياق يحتم أن تكون ” آية ” هنا بمعنى معجزة


ولو قلنا أن المراد من آية هنا الآية من القرآن لما وجدنا ترابطا جيدا بين الآيات[6] , ولكن إذا فهمنا أن المدلول الأكبر لهذا اللفظ في هذا السياق هو الوحي استقام المعنى . ثم أن الأخوة الذين يقولون بالنسخ فاتهم أن الآية تقول ” أو ننسها ” فما فائدة هذه الكلمة إذا ؟ أليس من مدلولات النسخ عندكم أن ترفع الآية لفظا وحكما ؟ أليس هذا ” إنساء ” , فلم كررت الكلمة, ألا تعد إذا من باب الحشو الذي يجب أن ننزه القرآن عنه ؟

قد يقول قائل ” أنت تتحدث عن فهم الألفاظ القرآنية فهما موسعا , فلم لم تطبق هذا هنا ؟
نقول نحن تكلمنا عن مدلول واحد فقط ولكن يمكن الحديث عن مداليل أخرى , فيمكن فهم الآية هنا بمعنى أن النسخ هنا هو ” شبه النقل “

أول شيء نلاحظه أن الله استعمل في هذه الآية صيغة المضارع ,فقال ” مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير ” ٌ
وهذا يوضح أن هذا الفعل عام ومستمر ولا يصح لنا أن نفهمه على أنه لسبب معين أو لقوم معينين , فالله يرد على اليهود الذين اعترضوا على نسخ التوراة فقال لهم أن التشريع يقوم على هذا المبدأ وأن هذا هو سنته مع خلقه في التشريع ألا وهو ” النسخ والانساء “,.

فهو سبحانه وتعالى لا ينسخ – بالمعنيين أي بالتغيير والنقل – شريعة أو ينسها – بالمعنيين الانساء والتأجيل- إلا و يأت بخير منها أو مثلها :
ولننظر في سير التشريع نجد أن الله بدأ التشريع بشريعة نوح – ” ِإنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ “-

وكان هذا هو المناسب لهذا العصر فكانت خيرا من شريعة موسى ونسأت شريعة موسى لأنها لم تكن مناسبة لهذا العصر , ثم جاءت التوراة فنسخت شريعة نوح – أي أنها أخذت منها وأضافت وحذفت – فكان في النسخ حذف وشبه نقل , فكانت خيرا منها- لهؤلاء القوم ولهذا الزمان – أو مثلها في المناسبة , و أنسأ القرآن لأن آوانه لم يكن قد حان , ثم جاء القرآن الصالح لكل زمان ومكان فنسخ التوراة – اشترك معها في أحكام وهذا ما يشبه النقل وألغى بعض أحكامها وأضاف إليها , وبطبيعة الحال مع كل مجيء لكتاب جديد يحصل تنسية للكتاب القديم .


وبهذا الفهم الذي فتح الله به علينا يمكن أن نفهم ” النسخ والنسي” فهما موسعا لا يلغي أيا من مدلولاتهما بل يسيرهما جنبا إلى جنب والله أعلم .

و نأتي الآن إلى الآية الثانية التي يستدلون بها على وقوع النسخ وهي قوله تعالى ” وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ “

حيث يقولون أن المراد من الآية هنا الآية من القرآن , والمراد هو تبديل آية مكان آية .

و نقول إن السياق لا يعطي هذا المعنى بأي حال من الأحوال , فإذا فهمنا الآيات كما يقولون أن الله إذا بدل آية من القرآن مكان آية قال الكفار إنما أنت مفتر , فكيف نربط هذه الآية بالآية التي تليها فالآية التالية تقول ” قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ”,؟ فكيف يكون نزول القرآن بالحق ليثبت الذين ءامنوا مرتبطا بتبديل الآيات التي تثير شكوك أي إنسان ؟


فإذا كان القرآن من عند الله العليم الحكيم , فلم أنزل آية إذا كان سيرفعها , أما كان يستطيع أن ينزل آيات تكون تشريعا نهائيا وخاصة أن القرآن هو الشريعة الخاتمة ؟

و مسألة التدرج في التشريع لن تقنع المخالف , فسيقول هذا من باب التضاد والتعارض فالقرآن من عند محمد و هو مليء بالتناقضات !! .

ولقد أعجبني رد الشيخ الغزالي رحمه الله على من يستدلون بهذه الآية على وقوع النسخ حيث قال أن هذه السورة مكية ولم تكن الشرائع المفصلة قد نزلت بعد , فماذا نسخ الأخبار أم العقائد ؟! ومعلوم أن هذه الأنواع تعد من باب الخبر الذي لا يمكن نسخه[7] , فما الذي نسخ بالضبط ؟

أما إذا فهمنا ” الآية ” نفس الفهم السابق وأن المراد من الآية هنا الشريعة استقام معنى الجملة وارتباطها بما يليها , فالله يقول وإذا بدلنا شريعة مكان شريعة قال الناس للنبي – عامة كائنا من كان – إنما أنت مفتر , فالناس مع كل الرسل لم ينكروا وجود الله ولكنهم أنكروا أن يكون الله قد أوحى إليه , وقالوا أنت مفتر على الله فالله لم يوح إليك شيء

وهذا ما قاله المشركون واليهود للنبي ص , فأمر بالرد عليهم والقول ” قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين ءامنوا ” , فالقرآن نزل بالحق وأنا لست بمفتر , والدليل على ذلك القرآن نفسه النازل بالحق , فاقرأوه وستعلمون أنه الحق .

ونأتي إلى الآية الثالثة التي يستدلون بها , وهي قوله تعالى “ يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ “
ولننظر كيف فسر الإمام ابن كثير هذه الآية حيث قال ما نصه :
” { لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ } أي : لكل مدة مضروبة كتاب مكتوب بها، وكل شيء عنده بمقدار، { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } [الحج: 70]

وكان الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: { لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ } أي: لكل كتاب أجل يعني لكل كتاب أنزله من السماء مدة مضروبة عند الله ومقدار معين، فلهذا يمحو ما يشاء منها ويثبت، يعني حتى نسخت كلها بالقرآن الذي أنزله الله على رسوله، صلوات الله وسلامه عليه[8] .

وقوله: { يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ } اختلف المفسرون في ذلك، فقال الثوري ووَكِيع وهُشَيْم عن ابن أبي ليلى عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جُبَيْر عن ابن عباس : يدبر أمر السنة فيمحو ما يشاء إلا الشقاء والسعادة والحياة والموت , وفي رواية: { يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ } قال: كل شيء إلا الحياة والموت، والشقاء والسعادة فإنهما قد فرغ منهما.

وقال مجاهد: { يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ } إلا الحياة والموت والشقاء والسعادة ، فإنهما لا يتغيران. وقال منصور : سألت مجاهدا فقلت : أرأيت دعاء أحدنا يقول: اللهم إن كان اسمي في السعداء فأثبته فيهم وإن كان في الأشقياء فامحه عنهم واجعله في السعداء. فقال: حسن. ثم لقيته بعد ذلك بحول أو أكثر، فسألته عن ذلك، فقال: { إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } [الدخان: 3، 4] قال: يقضي في ليلة القدر ما يكون في السَّنة من رزق أو مصيبة، ثم يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء،

فأما كتاب الشقاوة والسعادة فهو ثابت لا يُغير. وقال الأعمش، عن أبي وائل شَقِيق بن سلمة: إنه كان يكثر أن يدعو بهذا الدعاء: اللهم، إن كنت كتبتنا أشقياء فامحه واكتبنا سعداء، وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب. رواه ابن جرير.

وقال ابن جرير أيضا: حدثنا عمرو بن علي حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن أبي حكيمة عصمة عن أبي عثمان النَّهْدي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال وهو يطوف بالبيت وهو يبكي : اللهم إن كنت كتبت علي شقوة أو ذنبًا فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب، فاجعله سعادة ومغفرة. وقال حماد عن خالد الحذَّاء عن أبي قلابة عن ابن مسعود أنه كان يدعو بهذا الدعاء أيضا. ورواه شريك عن هلال بن حميد عن عبد الله بن عُكَيْم عن ابن مسعود بمثله . وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا حجاج حدثنا خصاف عن أبي حمزة عن إبراهيم أن كعبا قال لعمر بن الخطاب : يا أمير المؤمنين لولا آية في كتاب الله لأنبأتك بما هو كائن إلى يوم القيامة. قال : وما هي ؟ قال: قول الله تعالى: { يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ }.

ومعنى هذه الأقوال: أن الأقدار ينسخ الله ما يشاء منها ويثبت منها ما يشاء، وقد يستأنس لهذا القول بما رواه الإمام أحمد : حدثنا وَكِيع، حدثنا سفيان، وهو الثوري، عن عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن أبي الجَعْد، عن ثَوْبَان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يُصِيبه، ولا يرد القَدَر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر”. ورواه النسائي وابن ماجه، من حديث سفيان الثوري، به. وثبت في الصحيح أن صلة الرحم تزيد في العمر وفي الحديث الآخر: “إن الدعاء والقضاء ليعتلجان بين السماء والأرض “.

وقال ابن جرير: حدثني محمد بن سهل بن عسكر، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جُرَيْج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: إن لله لوحا محفوظا مسيرة خمسمائة عام، من درة بيضاء لها دَفَّتَان من ياقوت – والدفتان : لوحان – لله، عز وجل [كل يوم ثلاثمائة] وستون لحظة، يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب. ( ما مستند هذا الكلام ؟!! – المؤلف – )
وقال الليث بن سعد، عن زياد بن محمد، عن محمد بن كعب القُرظي، عن فُضَالة بن عُبَيد، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” [ إن الله ] يفتح الذكر في ثلاث ساعات يبقين من الليل في الساعة الأولى منها ينظر في الذكر الذي لا ينظر فيه أحد غيره، فيمحو ما يشاء ويثبت “.

وذكر تمام الحديث. رواه ابن جرير. وقال الكلبي: { يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ } قال: يمحو من الرزق ويزيد فيه، ويمحو من الأجل ويزيد فيه. فقيل له: من حدثك بهذا؟ فقال: أبو صالح، عن جابر بن عبد الله بن رئاب، عن النبي صلى الله عليه وسلم. ثم سئل بعد ذلك عن هذه الآية فقال: يكتب القول كله، حتى إذا كان يوم الخميس، طرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب، مثل قولك: أكلت وشربت، دخلت وخرجت ونحوه من الكلام، وهو صادق، ويثبت ما كان فيه الثواب، وعليه العقاب.

وقال عِكْرِمة، عن ابن عباس : الكتاب كتابان: فكتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب. وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله : { يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ } يقول: هوالرجل يعمل الزمان بطاعة الله، ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلالة، فهو الذي يمحو – والذي يثبت : الرجل يعمل بمعصية الله، وقد كان سبق له خير حتى يموت وهو في طاعة الله، وهو الذي يثبت . وروي عن سعيد بن جُبَير: أنها بمعنى: { فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [البقرة: 284].

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: { يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ } يقول: يبدل ما يشاء فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا يبدله، { وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ } يقول: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب، الناسخ، والمنسوخ، وما يبدل، وما يثبت كل ذلك في كتاب.

وقال قتادة في قوله: { يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ } كقوله { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } [البقرة: 106] وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد في قوله: { يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ } قال : قالت كفار قريش حين أنزلت : { وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ } ما نراك يا محمد تملك من شيء،

ولقد فُرغ من الأمر. فأنزلت هذه الآية تخويفا، ووعيدًا لهم : إنا إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما شئنا، ونحدث في كل رمضان، فنمحو ونثبت ما نشاء من أرزاق الناس ومصائبهم، وما نعطيهم، وما نقسم لهم. وقال الحسن البصري: { يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ } قال: من جاء أجله، فَذَهَب، ويثبت الذي هو حيّ يجري إلى أجله. وقد اختار هذا القول أبو جعفر بن جرير، رحمه الله.

وقوله: { وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ } قال: الحلال والحرام. وقال قتادة : أي جملة الكتاب وأصله. وقال الضحاك: { وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ } قال : كتاب عند رب العالمين . وقال سُنَيد بن داود، حدثني معتمر، عن أبيه، عن سَيَّار، عن ابن عباس؛ أنه سأل كعبًا عن ” أم الكتاب ” ، فقال: عَلِم الله ما هو خالق وما خَلْقُه عاملون، ثم قال لعلمه: ” كن كتابا “. فكان كتابا. وقال ابن جرير، عن ابن عباس: { وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ } قال: الذكر، [ والله أعلم ] اهـ .

ونعتذر للإطالة في النقل ولكن تدبر معي عزيزي القارىء في تفسير ابن كثير لهذه الآية وانظر إلى الكم الذي رواه في تفسيرها فكل الأقوال تتجه إلى أنها لا علاقة لها بالقرآن إلا قول واحد مروي عن قتادة , فهذا يوضح أن الآية لا علاقة لها بموضوع الناسخ والمنسوخ الذي يتحدثون عنه , والسياق يحتم هذا فالآية السابقة تقول ” وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ [الرعد : 38] ,

فالآيات تتحدث عن إرسال الرسل وأنهم بشر عاديون يتزوجون وينجبون وليس لأحدهم أن يأتي بآية أي بمعجزة [9] , من عنده بل هي من عند الله , لكل أجل كتاب , فالله يمحو ما يشاء ويثبت , فالآية فهمها يتفق جزئيا مع ما ذكره الإمام ابن كثير من أقوال الأئمة , أما القول أن المحو والإثبات في القرآن فالسياق يرفضه .

إذا فهذه هي الآيات التي يستدلون بها على وقوع النسخ في القرآن وعند النظر فيها يظهر أن المراد منها لا علاقة له بالنسخ الاصطلاحي , وأن المراد من ” الآية ” ليس الآية القرآنية وهذا هو المفترض , فالآية في الأساس ” العلامة والدليل أو المعجزة ” أما أن نخصصها ب ” آية القرآن ” فلا بد من وجود دليل على التخصيص مثل أن يقال ” وإذا تتلى ” أو أي دليل يوضح أن هذه آية متلوة أو مقروءة وليست آية كونية أو إعجازية , والله أعلم .

ونأتي إلى النقطة الثانية وهي حكاية الإمام ابن كثير عن الإمام الطبري في النسخ أنه ” تحويل الحرام حلالا والحلال حراما والمحظور مباحا والمباح محظورا ”

ونقول هذا الكلام لا يصح بأي حال من الأحوال ولولا أنه صدر من أئمة كبار لأغلظنا القول في الرد , إذ كيف يحول الحرام حلالا – على الأقل – , نعم نحن نقر بوجود نسخ بين الشرائع ووجود بعض التغيرات في الأحكام ولكن نظرا لأننا لا نملك النسخ الأصلية لهذه الشرائع فنحن لا نستطيع أن نضرب أمثلة على سير عملية التشريع , ولكن كل ما نعرفه أن عملية النسخ لم تكن عملية اجتثاث للشرائع السابقة أو تغيير كبير

بل يمكن القول أن الشرائع والأحكام تكاد تتفق مع بعضها , وانظر في قوله تعالى ” شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ [الشورى : 13] ” ,

وانظر في قوله تعالى ” الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف : 157] “
فكيف يقلب الحلال حراما في النسخ طالما أنه من الطيبات , وإذا كان من الخبائث وسكت عنه الشرع فترة ثم حرمه لم يعود فيحلله ؟


هذا لا يقبل بأي حال من الأحوال , والذي أفهمه و أتقبله في موضوع النسخ هذا أن يكون النسخ للشرائع المؤقتة المرتبطة ببيئة معينة أو زمان معين , مثل ما حرم على اليهود بسبب ظلمهم كما جاء في قوله تعالى ” وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ [الأنعام : 146] ,

فلما جاء النبي وضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم , وعند تغيرهما لا بد من تغير التشريع , أما القول بأن نكاح الأخوات مثلا كان حلالا في زمن سيدنا آدم ثم نسخ فهذا ما لا يصح وللأسف هذا مأخوذ من التوراة ,- وطبعا سبب الوقوع في هذا المأزق القول أن آدم عليه السلام كان وحيدا , وهذا القول يخالف القرآن وسنوضح هذا عند الحديث عن خلق الإنسان – ولن أستطيع أن أعطي أمثلة على النسخ كما أسلفت الذكر لعدم المراجع الموثقة , والله أعلم .

أما أن يرى الإمام ابن كثير أن الخطاب للنبي ولكن المراد اليهود فهذا من الفهم المقلوب بل الخطاب أولا لليهود كسابق الآيات ولاحقتها وخاطب جملة النبي ص .

ونود التوضيح في نهاية المطاف أن النسخ في الشرائع السماوية كان بين الشرائع وبعضها وليس في داخل الشريعة نفسها [10]
 .

ولنتابع مع السادة العلماء لنر كيف قسموا النسخ في القرآن :
ويقسم النسخ باعتبار البديل إلى :

الأول : النسخ ببدل ، أي نسخ الحكم الثابت بحكم آخر بديلاً عنه , أي أن الآية تنسخ بآية أخرى أو حديث أي ثمة ناسخ للمنسوخ .

الثاني : النسخ بلا بدل ، أي نسخ الحكم الثابت دون أن يحل محله حكم بديل آخر ، أي أن يرفع الحكم فقط ولا يعوض بأي شيء وكلا القسمين جائز الوقوع عقلاً وشرعاً ( كما يزعمون ) .

وعلى الرغم من أن الآية العمدة في استدلالهم على وقوع النسخ هي قوله تعالى ” مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة : 106] ” , فهي على فهمهم للنسخ توجب النسخ إلى بدل ولكنهم قالوا لا يشترط هذا , فهذا من قبيل الغالب !!!

والدليل على ذلك وقوع النسخ فعلا إلى غير بدل مثل قوله تعالى ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [المجادلة : 12]

” فقد نسخت – على قولهم – إلى غير بدل فقد قال الله بعدها ” أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ[المجادلة : 13]

فكان النسخ هنا مجرد رفع حكم إلى غير بدل , فهذا دليل على أن القول هنا على سبيل الغالب . وطبعا هذا القول قمة في التناقض , وسنبين هذا عند الحديث على الآيات التي قالوا فيها بالنسخ , وكيف أنها محكمة كلها .

ومن العلماء من قال أن السنة تنسخ القرآن , وأكثرهم رفضوا هذا القول استنادا إلى قوله تعالى ” نأت بخير منها أو مثلها ” والسنة ليست مثل القرآن بله أن تكون خيرا منه .
ويقسمون النسخ باعتبار شدة الحكم إلى : [11]

الأول : نسخ الحكم الثابت بحكم أخف منه على نفس المكلف .

الثاني : نسخ الحكم الثابت بحكم أشد وأثقل منه على نفس المكلف .

الثالث : نسخ الحكم الثابت بحكم مساوٍ له على نفس المكلف .

يعنى هذا أنهم يرون أن الله يمكن أن ينسخ الحكم الشرعي إلى حكم أخف منه أو أثقل أو مساو له , ونسألهم ما الحكمة في ذلك ؟

يقولون : المراد من ذلك التدرج في التشريع وتعويد النفس على الطاعة والتربية وما إلى خلافه .
ويقسمون النسخ باعتبار السورة إلى :

الأول : السورة التي فيها ناسخ وليس فيها منسوخ .
الثاني : السورة التي فيها منسوخ وليس فيها ناسخ .الثالث : السورة التي فيها ناسخ ومنسوخ .
الرابع : السورة التي ليس فيها ناسخ ولا منسوخ .

السور التي فيها ناسخ وليس فيها منسوخ على قولهم ست سور ,هي :
الفتح ـ الحشر ـ المنافقون ـ التغابن ـ الطلاق ـ الأعلى .

والسور التي فيها ناسخ ومنسوخ خمس وعشرون سورة , هي :
البقرة ـ آل عمران ـ النساء ـ المائدة ـ الأنفال ـ التوبة ـ إبراهيم ـ الكهف ـ مريم
ـ الأنبياء ـ الحج ـ النور ـ الفرقان ـ الشعراء ـ الأحزاب ـ سبأ ـ غافر ـ الشورى ـ الذاريات ـ الطور ـ الواقعة ـ المجادلة ـ المزمل ـ الكوثر ـ العصر .


أما السور التي فيها منسوخ وليس فيها ناسخ فأربعون سورة , هي :
الأنعام ـ الأعراف ـ يونس ـ هود ـ الرعد ـ الحِجْرـ النحل ـ الإسراء ـ الكهف ـ طه ـ المؤمنون ـ النمل ـ القصص ـ العنكبوت ـ الروم ـ لقمان ـ السجدة ـ الملائكة ـ الصافات ـ ص ـ الزمرـ الزخرف ـ الدخان ـ الجاثية – الأحقاف ـ محمد ـ ق ـ النجم ـ القمر ـ الامتحان ـ نون ـ المعارج ـ المدثر ـ القيامة ـ الإنسان ـ عبس ـ الطارق ـ الغاشية ـ التين ـ الكافرون .
السور الباقية التي ليس فيها ناسخ ولا منسوخ (43 سورة) من مجمل سور القرآن 114 سورة .

ولنا هنا أن نسأل : هل اتفق العلماء في عدد الآيات المنسوخة ؟
نقول : لا بالطبع فقد اختلفوا فيها اختلافا شنيعا , فمن قائل [12] أن المنسوخ في القرآن أكثر من مائتي آية – تصور أخي في الله آيات الأحكام عند الفقهاء حوالي خمسمائة آية جعل أحد العلماء قرابة نصفهن ملغي

أما عندنا فآيات الأحكام قرابة الخمسة آلاف – ومنهم من جعلها فوق المائة مثل النحاس الذي جعلها مائة وأربعة وعشرين قضية منسوخة , ومنهم من جعلها عشرينا وهو السيوطي ومنهم من جعلها أربعة ومن العلماء من لم ير أي ناسخ ومنسوخ ومنهم من رأى استحالة النسخ في القرآن .

انظر أخي في الله في المثبتين أنفسهم الفارق أكبر من مائتي آية , وإذا سألت أيا منهم : ما رأيك في ما قاله فلان في عدد الآيات المنسوخة ؟

لقال بكل ثقة : سامحه الله لقد غالى فيها كثيرا , فلا يمكن أن يكون العدد المنسوخ بهذا الشكل , وصاحب المائة المنسوخة يرى أن المئتين كارثة , ورب العشرين يرى أن المائة طامة , وذو الأربعة يرى أن العشرين قصر نظر , والذي لا يقول بالنسخ يرى أن هذا كله مرجعه إلى التقليد .

إذا فالمسألة مسألة إمعان نظر في القرآن ليس أكثر , والحمد لله لم يأتنا حديث صحيح عن النبي ص يقول أن هذه الآية منسوخة أو خلافه , إذ لو كان هناك نسخ لكان حتما ولزاما أن يوضحه القرآن و الرسول لا أن يتركه لعلماء الأمة فيوضحوه لنا , كي لا نضل باتباعنا القرآن !!

ولننظر كم هي الآيات التي اتفق القائلون بالنسخ على نسخها ؟
نجد أن القائلين بالنسخ لم يتفقوا على القول بالنسخ إلا في آيتين وأما باقي الآيات فما من آية وقال أحدهم لقصر نظره أو تقليده أنها منسوخة إلا وهناك من قال من المثبتين أنفسهم أنها محكمة , و الآيتان اللتان اتفقوا على القول بالنسخ فيهما هما :
” َيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ” [المجادلة : 12
وقوله تعالى ” يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا ” [المزّمِّل : 1-3].

وسنبين بإذن الله عند الحديث عن الآيات التي قالوا فيها بالنسخ أنهما محكمتان ولا نسخ فيهما .
وقبل الحديث عن النسخ لا بد من الحديث عن موقف الصحابة من النسخ , فالقائلون بالنسخ يستندون إلى الروايات الكثيرة الواردة عن الصحابة في هذا الشأن .

نقول على الرغم من كثرة الروايات الواردة عن الصحابة في هذا الشأن فنحن واثقون أن
هذا المعنى لم يكن مقصودا حتما في كلامهم لعدة أسباب أهمها :

1- لم ينقل عن النبي ص أي رواية صحيحة أو ضعيفة تقول أن معنى أو مضمون هذه الآية مرفوع بآية أخرى والسلف الصالح رضوان الله عليهم يستحيل أن يأتوا في دين الله بما لم ينزل , فإما أن يكونوا يقصدون بالنسخ ما أردنا أويكونوا يقصدون شيئا لم يسمعوه من رسول الله وأضافوه من عند أنفسهم , وهذا ما ننزهم عنه أو يكونوا سمعوا الرسول ص يتكلم عن النسخ ولم ينقل أي منهم ذلك عنه وهذا مستحيل أيضا على مجموعهم فوجب الأخذ بما رأيناه .

2- ما ورد في مناقب الشافعي رضي الله عنه من أنه أول من تكلم في النسخ وأول من أدراهم به وما كانوا يعرفونه قبل ذلك , ففي هذا إشارة واضحة لكل ذي عينين أن الشافعي
هو أول من أظهر النسخ بمعناه الأصولي المتأخر وأنه كان يستعمل قبل ذلك بمعنى مختلف و إلا يكون الكلام والإشادة لا فائدة منها .

والذي نراه مرادا عندهم من هذا الأمر هو تقييد المطلق والاستثناء أو تخصيص العام أما أن يكون المعنى المراد عندهم هو رفع الدلالة كاملة فهذا ما لايقبل , ونضرب أمثلة على ذلك بما رواه الإمام الشاطبي عنهم في الموافقات , حيث قال :
” وذلك الذي يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخا وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخا وعلى بيان المبهم والمجمل نسخا كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر نسخا لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد وهو أن النسخ في الاصطلاح المتأخر اقتضى أن الأمر المتقدم غير مراد في التكليف وإنما المراد ما جئ به آخرا فالأول غير معمول به والثاني هو المعمول به وهذا المعنى جار في تقييد المطلق فإن المطلق متروك الظاهر مع مقيده فلا إعمال له في إطلاقه بل المعمل هو المقيد فكأن المطلق لم يفد مع مقيده شيئا فصار مثل الناسخ والمنسوخ وكذلك العام مع الخاص إذ كان ظاهر العام يقتضي شمول الحكم لجميع ما يتناوله اللفظ فلما جاء الخاص أخرج حكم ظاهر العام عن الاعتبار فأشبه الناسخ المنسوخ إلا أن اللفظ العام لم يهمل مدلوله جملة وإنما أهمل منه ما دل عليه الخاص وبقى السائر على الحكم الأول والمبين مع المبهم كالمقيد مع المطلق فلما كان كذلك استسهل إطلاق لفظ النسخ في جملة هذه المعاني لرجوعها إلى شيء واحد

ولا بد من أمثلة تبين المراد فقد روى عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى” من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ” إنه ناسخ لقوله تعالى ” من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها ”
وعلى هذا التحقيق تقييد لمطلق إذا كان قوله نؤته منها مطلقا ومعناه مقيد بالمشيئة وهو قوله في الأخرى لمن نريد وإلا فهو إخبار والأخبار لا يدخلها النسخ وقال في قوله ” والشعراء يتبعهم الغاوون إلى قوله وأنهم يقولون ما لا يفعلون ” هو منسوخ بقوله ” إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا ” الآية قال مكي وقد ذكر عن ابن عباس في أشياء كثيرة في القرآن فيها حرف الإستثناء أنه قال منسوخ قال وهو مجاز لا حقيقة لأن المستثنى مرتبط بالمستثنى منه بينه حرف الاستثناء أنه في بعض الأعيان الذين عمهم اللفظ الأول والناسخ منفصل عن المنسوخ رافع لحكمه وهو بغير على أهلها إنه منسوخ بقوله ” ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة ” الآية وليس من الناسخ والمنسوخ في شيء غير أن قوله ليس عليكم جناح يثبت أن البيوت في الآية الأخرى إنما يراد بها المسكونة وقال في قوله ” انفروا خفافا وثقالا ” إنه منسوخ بقوله ” وما كان المؤمنون لينفروا كافة “

والآيتان في معنيين ولكنه نبه على أن الحكم بعد غزوة تبوك أن لا يجب النفير على الجميع , وقال في قوله تعالى ” قل الأنفال لله والرسول ” منسوخ بقوله ” واعلموا أنما غنمتم من شىء فأن لله خمسه ”
وإنما ذلك بيان لمبهم في قوله ” لله والرسول ” , وقال في قوله ” وما على الذين يتقون من حسابهم من شىء ” إنه منسوخ بقوله ” وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ” الآية وآية الأنعام خبر من الأخبار والأخبار لا تنسخ ولا تنسخ

وقال في قوله ” وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه “ الآية , إنه منسوخ بآية المواريث وقال مثله الضحاك والسدى وعكرمة وقال الحسن منسوخ بالزكاة وقال ابن المسيب نسخه الميراث والوصية والجمع بين الآيتين ممكن لاحتمال حمل الآية على الندب والمراد بأولى القربى من لا يرث بدليل قوله وإذا حضر كما ترى الرزق بالحضور فإن المراد غير الوارثين وبين الحسن أن المراد الندب أيضا بدليل آية الوصية والميراث فهو من بيان المجمل والمبهم , وقال هو وابن مسعود في قوله “ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء “ إنه منسوخ بقوله ” لا يكلف الله نفسا إلا وسعها “ بدليل أن ابن عباس فسر الآية بكتمان الشهادة إذ تقدم قوله يحاسبكم به الله الآية فحصل أن ذلك من باب تخصيص العموم أو بيان المجمل وقال في قوله ” ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ” إنه منسوخ بقوله “ والقواعد من النساء ” الآية وليس بنسخ إنما هو تخصيص لما تقدم من العموم وعن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت في قوله تعالى ” وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ” أنه ناسخ لقوله ” ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ”

فإن كان المراد أن طعام أهل الكتاب حلال وإن لم يذكر اسم الله عليه فهو تخصيص للعموم وإن كان المراد أن طعامهم حلال بشرط التسمية فهو أيضا من باب التخصيص لكن آية الأنعام هي آية العموم المخصوص في الوجه الأول وفي الثاني بالعكس وقال عطاء في قوله تعالى ” ومن يولهم يومئذ دبره ” إنه منسوخ بقوله ” إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين إلى آخر الآيتين وإنما هو تخصيص وبيان لقوله ومن يولهم فكأنه على معنى ومن يولهم وكانوا مثلى عدد المؤمنين فلا تعارض ولا نسخ بالإطلاق الأخير

وقال في قوله ” وأحل لكم ما وراء ذلكم ” إنه منسوخ بالنهي عن نكاح المرأة على عمتها أو خالتها وهذا من باب تخصيص العموم , وقال وهب بن منبه في قوله ” ويستغفرون لمن في الأرض ” نسختها الآية التي في غافر ” ويستغفرون للذين آمنوا ” وهذا معناه أن آية غافر مبينة لآية الشورى إذ هو خبر محض والأخبار لا نسخ فيها وقال ابن النحاس هذا لا يقع فيها ناسخ ولا منسوخ لأنه خبر من الله ولكن يجوز أن يكون وهب ابن منبه أراد أن هذه الآية على نسخة تلك الآية لا فرق بينهما يعني أنهما بمعنى واحد وإحداهما تبين الأخرى قال وكذا يجب أن يتأول للعلماء ولا يتأولوا عليهم الخطأ العظيم إذا كان لما قالوه وجه قال والدليل على ما قلناه ما حدثناه أحمد بن محمد ثم أسند عن قتادة فى قوله ” ويستغفرون لمن في الأرض ” قال للمؤمنين منهم , وعن عراك بن مالك وعمر بن عبد العزيز وابن شهاب أن قوله ” والذين يكنزون الذهب والفضة ” الآية منسوخ بقوله ” خذ من أموالهم صدقة ” وإنما هو بيان لما يسمى كنزا , ” فاتقوا الله ما استطعتم “

وقاله الربيع ابن أنس والسدى وابن زيد وهذا من الطراز المذكور لأن الآيتين مدنيتان ولم تنزلا إلا بعد تقرير أن الدين لا حرج فيه وأن التكليف بما لا يستطاع مرفوع فصار معنى قوله : اتقوا الله حق تقاته فيما استطعتم وهو معنى قوله” فاتقوا الله ما استطعتم ” , فإنما أرادوا بالنسخ أن إطلاق سورة آل عمران مقيد بسورة التغابن وقال قتادة أيضا في قوله ” والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ” إنه نسخ من ذلك التي لم يدخل بها بقوله ” فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ” والتي يئست من المحيض والتي لم تحض بعد والحامل بقوله ” واللائى يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر إلى قوله أن يضعن حملهن ”

وقال عبد الملك بن حبيب في قوله ” اعملوا ما شئتم ” وقوله ” فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ” وقوله ” لمن شاء منكم أن يستقيم ” إن ذلك منسوخ بقوله ” وما تشاؤن إلا أن يشاء الله رب العالمين “ وهذه الآية إنما جاءت في معرض التهديد والوعيد وهو معنى لا يصح نسخه فالمراد أن إسناد المشيئة للعباد ليس على ظاهره بل هي مقيدة بمشيئة الله سبحانه , وقال في قوله ” الأعراب أشد كفرا ونفاقا ” وقوله ” ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ” إنه منسوخ بقوله ” ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ” الآية وهذا من الأخبار التي لا يصح نسخها والمقصود أن عموم الأعراب مخصوص بمن كفر دون من آمن , وقال أبو عبيد وغيره إن قوله ” ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون ” منسوخ بقوله ” إلا الذين تابوا من بعد ذلك ” الآية وقد تقدم لابن عباس مثله ,وقيل في قوله ” إن الله يغفر الذنوب جميعا ” منسوخ بقوله” إن الله لا يغفر أن يشرك به ” الآية وهذا من باب تخصيص العموم لا من باب النسخ ,

وفي قوله ” إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم “ إنه منسوخ بقوله ” إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ” وكذلك قوله تعالى ” وإن منكم إلا واردها ” منسوخ بها أيضا وهو إطلاق النسخ في الأخبار وهو غير جائز قال مكي وأيضا فإن هذا لو نسخ لوجب زوال حكم دخول المعبودين من دون الله كلهم النار لأن النسخ إزالة الحكم الأول وحلول الثاني محله ولا يجوز زوال الحكم الأول في هذا بكليته إنما زال بعضه فهو تخصيص وبيان , وفي قوله ” ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات “ الآية إنه منسوخ بقوله ” ذلك لمن خشى العنت منكم ” وإنما هو بيان لشرط نكاح الإماء المؤمنات , والأمثلة هنا كثيرة توضح لك أن مقصود المتقدمين بإطلاق لفظ النسخ بيان ما في تلقي الأحكام من مجرد ظاهره أشكال و إيهام لمعنى غير مقصود للشارع فهو أعم من إطلاق الأصوليين فليفهم هذا وبالله التوفيق ” اهـ .

وعلى الرغم من أننا لا نتفق مع الإمام الشاطبي في بعض التوفيقات بين الآيات ولكن نلاحظ أن كل هذه الأمثلة التي ذكرها من قولهم – الصحابة – بالنسخ لا يعد من باب النسخ بل هو من تقييد المطلق والتخصيص والاستثناء وما شابه , ولقد تعمدت نقل كل هذا الكم , لكي يظهر أن مراد النسخ عندهم غير مراد النسخ عند الأصوليين .

هذا ولا بد من ملاحظة أن كثير من الأقوال المنسوبة للصحابة لا تصح بل هي واهية السند والمتن ولكن العلماء رحمهم الله تساهلوا في الرواية عنهم ثم أخذوا في الاستدلال بأقوالهم وجعلها حجة شرعية , و على الرغم من ذلك نقول : هذا كم رهيب من الأقوال التي يعلم الله صحة نسبتها إليهم ولكن أي منها لا يمكن حمله على النسخ بالمعنى الأصولي , ونكرر :

كثير منها لا يصح سندا , فكيف يمكن الادعاء أن الصحابة مجمعون على النسخ بالمعنى الاصطلاحي للفقهاء , فمن أين أتى هذا الاجماع المزعوم ؟

قد يسأل سائل : ولكن ما السبب في كثرة القول بالنسخ في التراث الإسلامي ؟
نقول : السبب في ذلك هو الخلط بين عدة نقاط :
خلط مفهوم النسخ بمفهوم التقييد والتخصيص والاستثناء ولقد عرضنا لذلك الأمثلة الكثيرة عند الكلام عن موقف الصحابة من النسخ .

إطلاق لفظ النسخ على ما كان إلغاءا للأحكام التي كان عليها الناس قبل نزول الحكم الشرعي , و من ذلك الاعتقاد أن الإسلام نسخ حكم الخمر , وهذا لا يعد من باب النسخ فعندما أنزل القرآن تحريم الخمر لا يعني هذا أن الحكم السابق نسخ , فلم يكن هناك حكم شرعي أساسا لينقل عنه , بل كان هذا من باب المسكوت عنه وعندما نزل الحكم الشرعي ظهر مراد الله من هذا الأمر.
توهم وجود تعارض بين نصين في حين لا تعارض في الواقع . [13]

ونبدأ في عرض وجهة نظرنا في استحالة وجود النسخ في القرآن :
أولا : على الرغم من احترامنا لوجهة النظر القائلة بالتدرج في التشريع , ولكن القول بالنسخ يعني وجود الاختلاف والله عزوجل يقول ” أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً [النساء : 82] “ ,

وكيف أقنع أي إنسان غير مسلم أن هذا من باب التدرج في التشريع وليس من باب التناقض ؟ , فالاختلاف موجود – على قولهم – ولكنا قبلناه من باب أن هذا تدرج تشريعي , إذا لا يصح أن نلوم على غيرنا الاختلافات في كتبهم لأن لهم أن يحتجوا بأي حجة مشابهة , ولكن المنطقي أن يكون كتاب الله محكم كله , يؤيد يعضه بعضا , مع وجود التدرج في التشريع .

ثانيا : يؤدي هذا إلى تعطيل النصوص الشرعية , ونحن نرى أن أقوال العلماء والفقهاء كانت من باب الاجتهاد , والذي يقول على الله أنه ألغى هذا الحكم بدون دليل قاطع يتقول على الله , وحتى بغض النظر عن ذلك , أيهما أولى بالاتباع , القول الذي يعطل النص أم القول الذي يعمله ؟

وما أشد فرحة أعداء الإسلام بتعطيل نصوصه إذا كانوا قد دسوا لنا بعض الروايات وقبلناها , وتركنا العمل بكتاب الله من أجل هذه الروايات .

ثالثا : القول بالنسخ أدى و يؤدي إلى ترك التدبر في كتاب الله , فإذا استعصى على عالم التوفيق بين آيتين من كتاب الله , قال أن هذا من باب الناسخ و المنسوخ .

رابعا : فتح باب التقول على الله , فالقول أن الله رفع حكم هذه الآية قول عظيم , والله عزوجل يقول ” قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ [يونس : 59]”

, فهل قول الصحابة أو التابعين كاف لنقول أن الله ألغى حكم هذه الآية ؟ والله لا يكفي قول العالم أجمع .
طبعا سيقول الإخوة السلفيون : ولكن إجماعهم حجة , فما داموا أجمعوا فنأخذ بقولهم ؟

ونسألهم : أين هذا الإجماع المزعوم ؟ , فلم يرو هذا القول بالنسخ عن كل الصحابة , فلا يعني وروده من بعضهم أن الآخرين قالوا به , فإذا جئتم بروايات من كل الصحابة فسنسلم لكم , ولكن أن تدعوا الإجماع من بعض الروايات فنسألكم ألا يعد هذا تقولا ؟

خامسا : القول بأن ثمة خطر في فهم القرآن بذاته وأن فهمه كما هو ضلال كبير و لا بد من معرفة أقوال العلماء في الملغي والمقرر يشبه قول المسيحين تماما في أخذهم أقوال الرجال , فماذا تركنا للمسيحين إذا , ولم نعيب عليهم أخذهم أقوال القساوسة وترك ما هو مكتوب في الأناجيل ؟

سادسا : كثرة الخلافات الفقهية , فهذا يرى أنه منسوخ وذلك يرى أنه محكم .

سابعا : القول بالنسخ يظهر الله في مظهر العاجز عن الإتيان بكتاب محكم لا يناقض بعضه بعضا .

ثامنا : القول بالنسخ يؤدي إلى تشكيك المسلم في دينه , ويؤدي إلى طعن بعض المشككين في الدين للمسلم عن طريق هذه النقطة , والسخرية من ديننا أمام أتباع دينهم والقول بأن المسلمين يتبعون دينا متناقضا وهم يعلمون .

تاسعا : انصراف المسلمين إلى دراسة الروايات التي توضح ! المحكم من الملغي من كتاب الله , بدلا من النظر في كتاب الله ذاته .

هذه بعض الآثار السلبية للقول بالنسخ التي جعلتنا نرفض النسخ جملة وتفصيلا .

بطبيعة الحال الأخوة الأفاضل المثبتون للنسخ يرون فيه بعض الحكم !! , ونسألهم : ما هي الحكمة في النسخ ؟
قالوا أن الحكمة من نسخ الحكم وبقاء التلاوة هي التلاوة والثواب ! , فكما أنزل القرآن ليعرف ويعمل به أنزل ليتلى .
نقول معنى ذلك أن الكلام فاقد الدلالة , وهذا لا يصدر إلا من ….. معاذ الله .

وقالوا أن النسخ غالبا يكون إلى التخفيف , فلذا بقيت الآيات تذكيرا بالنعمة في رفع المشقة على المكلفين .
ونقول ولكنكم تقولون بوجود نسخ إلى أصعب , فلم هذا إذن ؟

ومن المعروف بداهة أن القرآن به الآلاف من الآيات المحكمات التي تتلى ويثاب عليها الإنسان , فما المزية في هذه الخمس أو عشر آيات ؟ وبداهة أن تكون الآيات محكمات أفضل من أن تكون منسوخة .

وقالوا أن الحكمة من نسخ التلاوة وبقاء الحكم هي الاختبار والامتحان , فكما تعبد الله الأمة بالقطعي تعبدهم بالظني ولير هل سيمتثلون أم ؟!
وبطبيعة الحال حاولوا أن يجدوا حكمة في نسخ الآيات مثل ” والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ” , فقال السيوطي تعليقا على ذلك ” الحكمة من نسخ هذه الآية التخفيف على الأمة بعدم اشتهار تلاوتها وكتابتها في المصحف , وإن كان حكمها باقيا لأنها أثقل الأحكام وأشدها وأغلظ الحدود , وفيه الإشارة إلى ندب الستر ” اهـ .

وبطبيعة الحال هذا الكلام إنشائي , فلو كان الحذف من أجل الشدة والاستقباح فلم ذكر فعل قوم لوط ” أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ [الشعراء : 165] ولم ذكر ” َلقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ” ولم ذكر قول اليهود ” عزير ابن الله ” ,فكلها أفعال وأقوال مستقبحة , وأما إذا كان يتكلم عن الشدة , فلا اعتقد أن هذه الآية أشد من قوله تعالى ” إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة : 33[

فهذه الآية غاية في الشدة وعلى الرغم من ذلك ذكرت في القرآن .
وبطبيعة الحال أن تنسخ آية ويبقى حكمها وأن تبقى آية وينسخ حكمها شيء يخالف العقل السليم , وكأزهري درست هذه الأمور صغيرا كنت أتعجب من هذه النقطة وأقول لم نسخت وبقي حكمها , ولم بقيت ونسخ حكمها ؟ ولكن لم أتوقف كثيرا مع هذه النقطة فقد كنت صغيرا و لا أشغل بالي كثيرا بكل شيء , ولكن عندما تعمقت بعد ذلك اكتشفت أن هذا الكلام كله لا أساس له .


وأود الإشارة هنا أن القول أن الله أنزل كلاما ورفعه مثل ” والشيخة والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ” أو أحاديث الرضاع مثل ” خمس رضعات مشبعات يحرمن ” استنادا فقط على أحاديث آحاد يعد من باب التقول على الله عزوجل , فأحاديث الآحاد لا تثبت عقيدة , وكذلك الكلام عن الله لا بد من أن يكون مستندا إلى دليل متواتر , والله أعلم .

ونأتي الآن إلى أهم نقطة في إبطال ما يقولون , وهي النظر في الآيات التي قالوا أنها منسوخة , فهذا هو الدليل الفعلي الذي يبطل كل ما قالوه , وبطبيعة الحال الآيات التي قيل أنها منسوخة كثيرة جدا , لذا سنتكلم هنا عن أشهرها فقط , ونوضح لكل ذي عينين أنها محكمة ولا نسخ فيها بإذن الله :
أول ما نبدأ به في هذا المبحث هو آية النور التي تتحدث عن حد الزنا والتي تقول “ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ [النور : 2] “

لما لهذه الآية من ذكرى معي حيث أنها أول آية تعرضت لها في موضوع النسخ وكان ذلك عندما كنت في الصف الثاني الجامعي حيث كانت هذه الآية تؤرقني كثيرا لأن الفقهاء على بكرة أبيهم تقريبا متفقون على أن هذه الآية منسوخة أو ناسخة لآيتي النساء ” وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً [النساء : 16,15]

, وأن هذه الآية خاصة في حكم الزاني الغير محصن – الذي لم يتزوج- أما الزاني المحصن فله حكم آخر وارد في السنة وهو الرجم .

وأنا كنت أرى أن الآية عامة تشمل المحصن وغير المحصن ولا فرق في العقوبة بين الاثنين , وحقيقة لا أذكر في هذا الوقت على أي أصل فقهي استندت في رد هذا الحكم , هل هو أن السنة لا تؤسس حكما خارجا عن القرآن وهي فقط مؤولة للقرآن أم أنني رأيت هناك تعارضا بين حكم الرجم وآية النساء “ فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب [النساء : 25] ”
حيث أنني كنت في هذا الوقت أطبق التفسير الظاهري فرأيت تعارضا بينهما فبحثت هذا الموضوع وقلبته مرات عديدة حتى فتح الله علي بتوفيق مقبول لهذه الآيات ثم اكتشفت فيما بعد أن هذا أيضا رأي بعض المفكرين والفقهاء , وكنت في هذا الوقت لا زلت آخذا بالتقسيم الفقهي المألوف بأن ” المحصن ” هو المتزوج أو الذي تزوج وأن غير المحصن هو الذي لم يتزوج وكنت لا أرى في الآيات تقسيما بل هي عامة ولكن عندما نظرت في الآيات مرة أخرى وجدت فعلا أن الآيات تفرق فعلا بين المحصن وغير المحصن
ولكن من هو المحصن ؟ هل هو المتزوج كما يرى السادة الفقهاء ؟

أرى أن هذا التقسيم غير صحيح ولكن المراد من الإحصان هو ” التحرر” و المحصن أو المحصنة هو ” الحر أو العفيف أو الحرة العفيفة ” فقط متزوجا أو غير متزوج والغير محصن هو العبد أو الأمة .

وأن المحصن أي الحر عليه عقوبة وهي الجلد مائة جلدة أما الأمة فلا عقوبة عليها حتى تتزوج من حر فإذا أحصنت أي تزوجت وحررت وزنت فعليها نصف ما على الحرائر وهو الجلد خمسين جلدة , وأنا اعتقد أنه ما سبقني أحد إلى هذا التقسيم والرأي , ولكن الذي دفعني إلى القول بهذه الرأي هو تتبع الآيات الوارد فيها كلمة ” المحصنات ” والجمع والتوفيق بين بعضها بعضا بدون إهمال أي منها أو تخصيص أي منها بدون داع أو القول على إحداها أنها لا مفهوم لها كما قال بعض المفسرين الأجلاء , و أبدأ بتوضيح لم قلت بهذا الرأي و لم هناك تعارض بين الآيات والرجم وأنه ليس تخصيصا للآية :

أولا : يرى العلماء أن العبرة في التعامل مع النص القرآني هو عموم اللفظ لا خصوص السبب ولكن على الرغم من ذلك فإن سبب نزول الآية دليل لنا فيما نقول , حيث أن مناسبة نزول الآية والآيات التالية كما نعرف هو حادثة الإفك عندما خاض الناس في أم المؤمنين عائشة وهي بالطبع امرأة متزوجة , فما وجه المناسبة أن تنزل آية تتكلم عن حكم الزاني الغير محصن – على تقسيمهم – وتقول الزاني الغير محصن إذا فعل الفاحشة فعاقبوه بكذا , والواقعة كلها تدور عن امرأة متزوجة ؟

لا وجه للمناسبة أما إذا قلنا أن الآية عامة وتشمل المحصن وغير المحصن – على تقسيمهم – فيكون المعنى مقبولا .
ثانيا : لنتتبع ألفاظ الآيات كلمة كلمة ولنر ماذا تقول وهل تسير على منوال واحد أم أنها تتحرك في نطاقين مختلفين ؟ و طبعا كل هذا من أجل القول المنتشر في فهمها و تفسيرها و إلا فهي أوضح ما تكون ولا حاجة لنا فيها إلى التتبع أو خلافه .

بدأت الآيات بقوله تعالى ” الزانية والزاني” وهما لفظان عامان ولا مبرر لتخصيصهما فيحملان على المحصن وغير المحصن – سنتعرض لأحاديث الرجم فيما بعد – .

” فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ” ثم تأمر بعدم الرأفة بهما , والجلد عقوبة لا تقارن بالرجم ولكن على الرغم من ذلك تراها الآية عقوبة قد تؤدي إلى تساهل الناس ولين قلوبهم فتأمرهم في هذا الموقف بعدم الرأفة بهما .

ثم قالت ” وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ” فالآية عندما تحدثت عن الجلد مائة جلدة وصفته بأنه ” عذاب ” ثم عندما تحدثت عن اللعان قالت ” ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات ” وكلمة العذاب معرفة بالألف واللام وهما هنا للعهد أي ويدرؤا عنها العذاب المذكور أي الجلد مائة جلدة أن تشهد ……..إلخ الآية , فهنا عندما تحدثت الآية عن عقاب المرأة المحصنة ذكرت ” العذاب ” وهو ما استعملته مع الجلد .

ولقد أورد الإمام الفخر الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب رأي الخوارج في الرجم وأنهم ينكرونه وحاول الرد عليهم ولنرى مع من فيهما كان الحق ؟

يقول الإمام الفخر الرازي ما نصه ” المسألة الأولى : الخوارج أنكروا الرجم واحتجوا فيه بوجوه : أحدها : قوله تعالى : { فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات } [ النساء : 25 ]

فلو وجب الرجم على المحصن لوجب نصف الرجم على الرقيق لكن الرجم لا نصف لها وثانيها : أن الله سبحانه ذكر في القرآن أنواع المعاصي من الكفر والقتل والسرقة ، ولم يستقص في أحكامها كما استقصى في بيان أحكام الزنا ، ألا ترى أنه تعالى نهى عن الزنا بقوله : { وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى } [ الإسراء : 32 ]

ثم توعد عليه ثانياً بالنار كما في كل المعاصي ، ثم ذكر الجلد ثالثاً ثم خص الجلد بوجوب إحضار المؤمنين

رابعاً ، ثم خصه بالنهي عن الرأفة عليه بقوله : { وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ الله }

خامساً ، ثم أوجب على من رمى مسلماً بالزنا ثمانين جلدة ،
وسادساً ، لم يجعل ذلك على من رماه بالقتل والكفر وهما أعظم منه ،

ثم قال سابعاً : { وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً } ثم ذكر ثامناً من رمى زوجته بما يوجب التلاعن واستحقاق غضب الله تعالى ثم ذكر تاسعاً أن { الزانية لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ } [ النور : 3 ] ،

ثم ذكر عاشراً أن ثبوت الزنا مخصوص بالشهود الأربعة فمع المبالغة في استقصاء أحكام الزنا قليلاً وكثيراً لا يجوز إهمال ما هو أجل أحكامها وأعظم آثارها ،

ومعلوم أن الرجم لو كان مشروعاً لكان أعظم الآثار فحيث لم يذكره الله تعالى في كتابه دل على أنه غير واجب وثالثها : قوله تعالى : { الزانية والزانى فاجلدوا } يقتضي وجوب الجلد على كل الزناة ، وإيجاب الرجم على البعض بخبر الواحد يقتضي تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد ، وهو غير جائز . لأن الكتاب قاطع في متنه ، وخبر الواحد غير قاطع في متنه ، والمقطوع راجح على المظنون ،

واحتج الجمهور من المجتهدين على وجوب رجم المحصن لما ثبت بالتواتر أنه عليه الصلاة والسلام فعل ذلك ، قال أبو بكر الرازي روى الرجم أبو بكر وعمر وعلي وجابر بن عبدالله وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وبريدة الأسلمي وزيد بن خالد في آخرين من الصحابة وبعض هؤلاء الرواة روى خبر رجم ماعز وبعضهم خبر اللخمية والغامدية وقال عمر رضي الله عنه : لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لأثبته في المصحف .

والجواب : عما احتجوا به أولاً أنه مخصوص بالجلد . فإن قيل فيلزم تخصيص القرآن بخبر الواحد قلنا بل بالخبر المتواتر لما بينا أن الرجم منقول بالتواتر ، وأيضاً فقد بينا في أصول الفقه أن تخصيص القرآن بخبر الواحد جائز والجواب : عن الثاني أنه لا يستبعد تجدد الأحكام الشرعية بحسب تجدد المصالح فلعل المصلحة التي تقضي وجوب الرجم حدثت بعد نزول تلك الآيات والجواب : عن الثالث أنه نقل عن علي عليه السلام أنه كان يجمع بين الجلد والرجم وهو اختيار أحمد وإسحق وداود ” اهـ

ورحم الله الخوارج فما جانبهم الصواب دوما وليست كل أقوالهم خاطئة , فإذا تأملنا أدلة الخوارج ورد الإمام الرازي عليهم لوجدنا أن رده عليهم واه لا يتناسب مع الأدلة الناصعة الكثيرة المأخوذة من النص , فما رد عليهم إلا في مسألة واحدة فقط وهي مسألة تخصيص القرآن بخبر الواحد أو الخبر المتواتر

ونحن نرى أن هذا الخبر غير متواتر بداهة لأنه لو كان متواترا لعرفه الخوارج فهم كانوا قريبي العهد من موت النبي ص ولا يوجد ما ينفي أنه كان منهم نفر من الصحابة وحتى إذا لم يكن منهم فلو كان الخبر مشتهرا لاستدل به عليهم فدل على أن الخبر خبر أحاد وليس متواترا والآحاد لا يخصص القرآن ولا ينسخه , أما قوله أن تخصيص القرآن بخبر الواحد جائز في أصول الفقه فهذا رأيه الذي لا يلزمنا بل ينفيه القرآن .

ولم يرد الإمام الرازي رحمه الله على باقي المسائل والأدلة التي ذكروها بل غض الطرف عنها فلم يجب لم لم يذكر الله هنا عقوبة المحصن إذا كانت الآية خاصة وقد فصل في الآيات التاليات كل الأحكام المتعلقة بالزنا من ملاعنة وقذف إلخ .

والأهم من ذلك أنه لم يقل كيف يقسم العذاب ” الرجم ” على الأمة المحصنة ” المتزوجة ” في قوله تعالى ” فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ” هل سترجم نصف رجمة ؟!!.

ونلاحظ أيضا أن القرآن يتكلم عن المرأة المطلقة التي تزني ولا يذكر أنها تقتل فقد تكون الزانية زوجة مطلقة لا تزال فى فترة العدة ، ومن حق المطلقة فى فترة العدة أن تظل فى بيت الزوجية ، ولكن تفقد هذا الحق إذا وقعت فى الزنا ، وحينئذ يكون من حق زوجها أن يطردها ولكن بشرط أن تكون جريمة الزنا مثبتة حتى لا يتاح لزوجها أن يتجنى عليها بالباطل ، يقول تعالى عن تلك الزوجة المطلقة ﴿ لاَ تُخْرِجُوهُنّ مِن بُيُوتِهِنّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مّبَيّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ ﴾ [الطلاق : 1] .

والقرآن يصف الفاحشة بأنها ” فاحشة مبينة ” أى مثبتة ضماناً لعدم الافتراء بلا دليل.. وعقوبة الطرد هنا تضاف إلى العقوبة الأخرى وهى مائة جلدة , فاكتفى القرآن بالقول أنها تخرج , فكيف يكون التوفيق مع من يقول أن عقوبتها هو الرجم الذي يؤدي إلى الموت ؟

وهناك عقوبة أخرى لتلك الزوجة المطلقة إذا وقعت فى الزنا بعد الطلاق ، وهى أنه من حق الزوج أن يمنعها عن الزواج إلى أن تدفع له بعض ما أعطاه لها فى الصداق أو المؤخر . والشرط أن تكون جريمة الزنا فى حقها مثبتة بالدليل ، يقول تعالى ﴿ يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النّسَآءَ كَرْهاً وَلاَ تَعْضُلُوهُنّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنّ إِلاّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مّبَيّنَةٍ ﴾ [النساء : 19] ،

والعضل هو منع المرأة من الزواج ، والقرآن يحرم العضل إلا فى حالة المطلقة الزانية .. فيجعل من حق الزوج أن يمنعها الزواج إلى أن تعيد له بعض ما دفعه إليها فى المهر .

وفى حالة نساء النبى يقول التشريع القرآنى ﴿ ياَ نِسَآءَ النّبِيّ مَن يَأْتِ مِنكُنّ بِفَاحِشَةٍ مّبَيّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ﴾ [الأحزاب : 30] , . فوصف عقوبة الجلد بأنه ” عذاب ” أى مائتا جلدة .. والقائلون بأن عقوبة المتزوجة هى الرجم كيف يحكمون بمضاعفة الرجم لنفس الشخص ؟ وهل يموت الشخص مرتين ؟

ونوضح لم قلنا أن الإحصان هو التحرر والتعفف و المحصن أو المحصنة هو الحر العفيف أو الحرة العفيفة فقط ولا دخل بالزواج أو عدمه بالإحصان :

لنتتبع الأيات التي ذكر فيها الإحصان في القرآن ولنرى ما يكون مضمونها :
أولا: نبدأ بآية النور الذي اختلف فيها المفسرون كثيرا في تأويلها حيث يظهر ذلك المعنى فيها جليا وذلك في قوله تعالى” وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [النور : 33] “

وقد كانت هذه الآية تسبب اضطرابا عظيما لي في الفهم على التفسير السابق من أن المراد من التحصن ” التعفف ” لأني أرى – و كل مؤمن يرى – أنه لا توجد كلمة زائدة في القرآن لا فائدة منها , فلم ذكر هنا ” إن أردن تحصنا ” والمعنى واضح من قوله ” ولا تكرهوا ” فالإكراه يستلزم الرفض , فيلزم إذا كما قال مفسر جليل أن جملة ” إن أردن تحصنا ” ” لا مفهوم لها ” !

أو أنها نزلت منزل الغالب وهذا ما لا يوجد في القرآن أيضا . ولكن على أي تفسير بهذا المعنى فالجملة يمكن حذفها , و لا علاقة لها بالسابق لها في الآية .

ولكن إذا فهمنا ” التحصن ” بمعنى ” التحرر ” فسيكون المعنى لا زيادة فيه ويتفق مع السياق , ولنوضح كيف هذا :
الآية تقول ” وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وءاتوهم من مال الله الذي ءاتاكم ولا تكرهوا فتياتكم ……إلخ الآية “

الآية تتحدث عن أحكام النكاح من أن الذي لا يجد ما يستطيع به النكاح فليتعفف ومن أراد مكاتبة سيده ليتحرر- ذكرا كان أو أنثى – فليكاتبه وليؤته سيده من مال الله الذي ءاتاه , ثم تتكلم عن الفتيات التي يردن التحرر أيضا فلا يجدن فتأمرالأسياد بألا يستغلوا هذا الموقف ويكرهوهن على البغاء لكي يستطيعوا دفع مبلغ المكاتبة ويتحررن لكي يكسبن من وراءهن شيئا فانيا وهو عرض الحيوة الدنيا , ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم

فالأمة كما قلنا لاعقوبة دنيوية عليها ولكن هذا مما يجب التنزه والبعد عنه فإذا حصل فهو ذنب صغير لها وسيغفر الله , فبهذا التأويل هناك اتفاق في السياق ولا تكرار في المعنى ولا حشو كما يرى المفسرون الآخرون ولا نتحجر أمام النص بعقولنا ونقول : هل يعقل أن لا تحاسب الامة على الزنا ؟

ثانيا: وردت المحصنات بنفس المعنى من العفة والحرية في سورة المائدة حيث جاء في قوله تعالى ” و َالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ……َ [المائدة : 5] ” ,

فهنا أيضا ورد لفظ : ” المحصنات ” بمعنى الحرائر العفيفات مثل ما ذكرنا ولا عبرة بالزواج من غيره وما يقال في ” محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان ” يقال في : ” محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ” عند التعرض لآية النساء .

ثم نذكر الآيات التي وردت في سورة النور , حيث يقول الله عزوجل ” وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [النور : 4] وقوله تعالى ” إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النور : 23] “

ولا يوجد إنسان يستطيع القول أن المراد من المحصنة هنا المرأة المتزوجة وإلا يكون معنى الآيات أن حد القذف مخصوص بمن رمى النساء المتزوجات أما إذا قذفت امرأة غير متزوجة فلا شيء فيه وهذا تعسف لا دليل عليه .
والآيات دليل على أن المؤمنة بشكل عام محصنة ولكنا فهمنا أن المراد من ذلك هو الحرة فقط ولا يدخل فيها الأمة من قوله تعالى في سورة النساء : ” و َمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ[النساء : 25] ”

فهنا المعنى المراد بداهة هو المرأة الحرة بدليل مقابلته بالأمة , ودل التخصيص “بالمؤمنات ” على أن غير المسلمة قد تكون محصنة أي عفيفة , إذا يفهم من الآيات السابقات أن المحصنة هي العفيفة الحرة وحتى الآن لا دخل للزواج بالموضوع .

والعمدة في تفسيرهم ” المحصنة ” بالمتزوجة هو قوله تعالى ” وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ [النساء : 24] ” , فقالوا أن معنى الآية أن المحصنات من النساء أي المتزوجات محرمات علينا كما حرم علينا الأصناف الواردة في الآية السابقة من الأمهات والبنات إلخ الأصناف إلا ما ملكت أيماننا فهذا الصنف يحل لنا وطئه .

ولنا تعليق على هذا التفسير :
لو كان المقصود كما يقولون وهو المرأة المتزوجة لكانت الأمة التي في ملك رجل حل لأن يطأها غير مالكها مع هذا المالك وهذا غير مقبول في أي دين .

روي عن ابن عباس أنه لم يعلم معناها وقال مجاهد ” لو أعلم من يفسر لي هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل ” .
فلو كان المعنى هو العطف على المحرمات السابقات ما تحير فيها ابن عباس ومجاهد ولكان تفسيرها هينا على أي أحد .

أيضا لا بد مراعاة الفواصل بين الآيات , فقد جاء هذا الصنف في آية مستقلة , فلم فصل طالما أنه تبع للأصناف السابقة ؟
ولكن معنى الكلمة هنا أيضا هو الحرة العفيفة والمراد من الآية والله أعلم و الحرائر العفيفات كتب عليكم الزواج منهن ولا يجوز الزواج من غيرهن إلا ما ملكت أيمانكم وتوضح الآية التالية متى يجوز الزواج منهن وهوعدم استطاعة نكاح الحرائر المؤمنات ففي هذه الحالة يستطيع المرأ أن ينكح الأمة ثم تكمل الآية الحديث عن باقي أنواع النكاح وهو النكاح المؤقت المسمى نكاح المتعة وبهذا يكون المعنى متناسبا مع السياق والأحكام الشرعية .

و ورد ايضا في قوله تعالى” وءاتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسفحات ولا متخذات أخدان ” والمعنى واضح في هذه الآية وأعطوهن مهورهن التي تتناسب معهن تبعا للعرف , ولكن إذا أردتم أن تتزوجوا منهن فلا بد أن يكن عفيفات مسلمات ولا تمارسن الفاحشة علانية وتتخذنه حرفة ولا تمارسنه سرا من اتخاذ الخليل .

” فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب “
وكلمة ” أحصن” هنا هي مثار الجدل حيث يرون أن الإحصان هنا المراد منه الزواج وأنا أرى أن المراد منه هو ” التحرير” .
سيقول قائل : ولكن الأصل ” ح ص ن” في اللغة يأتي بمعنى ” المنع والحبس ” .
أقول : هذا صحيح تماما , ولكن إذا تتبعنا الكلمة في أصح أصل لغوي وهو القرآن وجدنا أنه يستعملها بمعنى معاكس تماما وهو التحرير فظهر لي والله أعلم أن هذا الفعل من ” أفعال الأضداد ” التي تأتي بالمعنى وضده مثل ” ظن ” تأتي بمعنى الشك واليقين , ” أخفى ” تأتي بمعنى خبأ واظهر, ” تل ” تأتي بمعنى ارتفع وانخفض , و كثير من الكلمات تستعمل هذا الاستعمال .


ثم أنها إذا استعملت بهذا المعنى فهي أيضا تشتمل على المعنى المراد من الحبس والمنع حيث أن الإنسان الحر له حقوق كاملة التي تمنعه وتحصنه من استغلال الآخرين بخلاف العبد الذي يسقط الكثير من حقوقه ويستغل استغلالا كبيرا فهو غير ممنوع من الاستغلال المادي والمعنوي من الناس وغير محصن منهم .

فإذا رأينا من الاستعمال المطرد للقرآن لهذه الكلمة بهذا المعنى وفهمنا هذه الكلمة بهذا المعنى فلا حرج علينا ونكون ملتزمين بمعنى واحد متفق في القرآن كله , ونحن نعلم أن الإحصان هنا في هذه الآية مرتبط بالزواج و لكن المشكلة هي من اللبس بين الزواج والتحرير

فهي نعم تزوجت ولكن ليس هذا هو الإحصان بل هو ” التحرير” فعند زواجها من حر تعتق – بخلاف الزواج من عبد فلا تعتق – وهذا من ضمن طرق الإسلام في تحرير العبيد فالمؤمن الحر إذا تزوج أمة ودفع أجرها أي مهرها بالمعروف تنتقل من ملك اليمين إلى امرأة حرة – فالزواج يحرر الأمة ولا سلطان لسيدها عليها – وتصير محصنة إذا زنت فعليها نصف ما على الحرائر بداية من العذاب وهو الجلد خمسين جلدة .



ويكون معنى الآية أن الأمة عندما تتزوج- وتحرر- يكون عقوبتها نصف عقوبة المحصنة العادية – وفي هذا إشارة واضحة أن الأمة لا عقوبة عليها إذا زنت ولم تكن متزوجة , وأنا أعلم أن هذا القول يستثقله الناس من أن الأمة العزبة لا شيء عليها إذا زنت ولكن هذا راجع إلى وجهة النظر إلى فلسفة الإسلام في العلاقة بين الرجل والمرأة من زواج و علاقة إلخ وهذا ليس رأي لي فقط بل قال به ابن عباس وطاووس وسعيد ابن جبير وأبو عبيد القاسم بن سلام وداود الظاهري , الذين رأوا أنها تضرب تأديبا فقط ولكن لا عقوبة محددة عليها , قد يقول قائل ما دامت قد تحررت فلم عليها نصف عقوبة الحرة وهي الآن حرة مثلها ؟


نقول أن الحرية هنا حرية منقوصة لا كاملة فهي إذا طلقها زوجها تعود لملك سيدها مرة أخرى ولا تصير امرأة حرة مثل المحصنات الأخريات , فهي حرية معلقة لا دائمة .
إذا يظهر من هذه الآيات كلها أن المراد من المحصنة هي الحرة العفيفة فقط ولا دخل بالزواج في هذا الشأن , والغير محصنة لا عقوبة عليها والمحصنة عليها مائة جلدة .

ونأتي الآن إلى التوفيق بين الآيات الواردة في سورة النور والواردة في سورة النساء فنقول :
نص الآيات الواردة في النساء هي كالتالي ” َواللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سبيلا وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً [النساء : 16,15]

وبداهة ألفاظ الآيات لا تحتم النسخ ولا ترجحه ولكن وردت الروايات التي توضح أن هذا الحكم كان في صدر الاسلام وكان في الزنا ثم نسخ , حيث روى أصحاب الحديث روايات مثل ما رواه الترمذي ” 1354- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُذُوا عَنِّي فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ ثُمَّ الرَّجْمُ وَالْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ ” , فجعلت الرواية آية النورناسخة لآية النساء.

واختلف المفسرون في القول بالنسخ في هذه الآيات اختلافا شديدا فمنهم من قال : كان الأمر باديء ذي بدء بالإمساك ثم نسخ بالإيذاء ثم نسخ بالجلد والرجم ولكن اختلفوا هل كان ذلك في المحصنين وغير المحصنين ؟ أم كان في المحصنين فقط أم كان في الفتيان قبل أن يتزوجوا ؟

ومنهم من قال بالعكس أي أن العقوبة كانت أولا الإيذاء ثم صارت الحبس , وهذا كله على تفسير الآيتين على أنهما ورادتين في الزنا .

ونحن نرى أن الآية محكمة ولا وجه للتعارض أو اللبس فيها ونقول أن الآية الأولى التي فيها ” واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ” هي خاصة بالنساء ومتعلقة بحكم السحاق والآية الثانية التي نصها ” والللذان يأتيانها منكم ” خاصة بالرجال ومتعلقة بحكم اللواط , وهذا هو اختيار النحاس عن ابن عباس وقول مجاهد, لمن يريد أن يعرف هل قال به أحد من السلف

والدليل الواضح على صحة هذا الرأي هو اللغة , ف ” اللاتي” جمع ” التي ” وهي اسم موصول للمؤنث فيكون المقصود من الآية هو عقوبة السحاق وهو الحبس حتى الموت أو يجعل الله لهن سبيلا أي بالشفاء من هذا المرض أو بالزواج أو بالتوبة , والآية الثانية ذكر فيها ” واللذان ” وهو مثنى ” الذي ” وهو اسم موصول للمذكر فيكون في هذه الآية حكم اللواطي وهو الإيذاء ومن الممكن أن يكون الشتم أو التعيير أو غيره ويختلف الإيذاء بحسب المجتمع فقد تركه القرآن مفتوحا تبعا لحالة المجتمع .

والدليل على أن ” الفاحشة ” [14] لا تستخدم حصرا في الزنا هو استعمال القرآن لها مع قوم لوط حيث قال في حقهم “ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون[النمل : 54] “

وهذا دليل على جواز استعمالها في السحاق ايضا , وهذا التأويل أولى من غيره حتى لا يؤدي ذلك إلى : مخالفة اللغة , التكرار والقول بالتعارض والنسخ .

وهذا ما يرفضه الجميع حيث نسخت الآيات أكثر من مرة .
أما حديث ” خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر والثيب بالثيب البكر تجلد وتنفى والثيب تجلد وترجم ” فيمكن رده على أساس مخالفته للقرآن , و من ناحية أخرى فهو حديث مضطرب فقد روي بدون ” قد جعل الله لهن سبيلا ” , وعلى فرض صحة الحديث كيف ينسخ الحكم بالإمساك وقد نسخته الآية التالية له وصار الحكم الإيذاء ؟
فيجب القول أن هذا الحديث مفبرك لتعارضه حتى مع باقي الروايات التي جاءت في هذا السياق .
ونأتي الآن إلى التوفيق بين الآيات والأحاديث الواردة في موضوع الرجم :

و لا بد من الاعتراف بأن هذه الروايات كثيرة ولا يمكن الإدعاء بأنها كلها ليس لها أصل ولكن لا يمكن للسنة في نفس الوقت أن تنسخ القرآن أو تزيد عليه فلا بد من التوفيق بينهما لأن النسخ يفيد التعارض فنقول :
نقر أن الرجم حدث فعلا ولكن هل هناك دليل على أنه كان بعد آية النور؟

لا يوجد دليل على أن الرجم كان بعد آية النور والدليل على ذلك حدوث الشك عند بعض التابعين في حكم الرجم هذا , فيروي لنا البخاري ” 6315- …..عن خالد عن الشيباني قال : سألت عبد الله بن أبي أوفى ” هل رجم رسول الله ص ؟ قال نعم . قال قلت : قبل سورة النور أم بعد ؟ قال : لا أدري ” .

فهذه الرواية تظهر أن الحادثة من الممكن أن تكون قبل آية النور وتكون اجتهادا من الرسول ص أو موافقة منه لأهل الكتاب ثم نزل الوحي بآية النور وهذا لا يسمى نسخا , لأن النسخ لا يكون إلا فيما كان بوحي مسبق وهنا لا دليل على وحي فالأولى والأسلم الحمل على هذا التأويل حتى لا يؤدي إلى القول بوقوع النسخ أو التعارض .

قد يعترض البعض قائلا ولكن جاءت بعض هذه الروايات عن ابن عباس وهو قد وصل المدينة متأخرا فيدل ذلك على أنه كان بعد آية النور .

فنرد قائلين وهل كل ما رواه ابن عباس عن الرسول سمعه منه ؟
لا بطبيعة الحال فقد جاء ابن عباس إلى المدينة قبل وفاة النبي ص بثلاث سنوات وكان صبيا صغيرا وروى عنه أحاديث كثيرة ومعلوم أن أكثرها مأخوذ من الصحابة رضوان الله عليهم بعد وفاة النبي ص , فلا دليل في ذلك .
وردت بعض الروايات التي تقول أن عليا رضي الله عنه جلد ورجم[15] , فما التوفيق ؟

أقول هذه الروايات كانت مصدر قلق عظيم لي جدا فكيف يلغى الحكم ويطبقه على رضوان الله عليه , إلى أن ظهر لي وأنا اقرأ في كتاب ” شرح مشكل الآثار” للإمام الطحاوي أن هذه الروايات دليل لنا لا علينا , فأولا هذه الروايات وردت عن الشعبي وهو مشكوك في رؤيته للإمام علي , فعلى هذا يكون الحديث معتلا , ولكنا لن نأخذ بهذا القول وسنقول أنه رأه وأن هذه الروايات سليمة صحيحة , فماذا تقول هذه الروايات ؟

تقول كما روى الإمام أحمد : ” 1248- …..فَقِيلَ لَهُ لِمَ جَلَدْتَهَا ثُمَّ رَجَمْتَهَا قَالَ جَلَدْتُهَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَرَجَمْتُهَا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “

فهذا القول ينسف الإدعاء أنه كانت هناك آية تتكلم عن الرجم ثم نسخت , فلو كان ذلك لقال ” جلدتها ورجمتها بكتاب الله ” ومعلوم أن الآيات المنسوخة – هذا إذا وجدت – لا تعتبر سنة بل هي من عند الله !! , ويصحح هذا ما ذهبنا إليه من أنه كان اجتهادا من الرسول الأعظم ثم جاءت آية النور والإمام علي لم ير أن الحكم نسخ بل اعتقد أنه مازال ساريا من باب السنة التي يمكن العمل بها بجانب القرآن .

أما الحديث الذي ورد عن عمر والذي رواه الأئمة والنص هنا لأحمد ” 333- ….. وَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ وَلَوْلَا أَنْ يَقُولُوا أَثْبَتَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَيْسَ فِيهِ لَأَثْبَتُّهَا كَمَا أُنْزِلَتْ

و هذا الحديث رواه البخاري أيضا ولكنه من معلقاته وهو معلول , ونحن نرد هذا الحديث ونجل الفاروق عن أن يصدر منه هذا الكلام من أنه يخشى كلام الناس !, ومن يقرأ الخطبة التي فيها هذا الكلام من الفاروق يشعر أنه مدرج عليها فالكلام قبله لا علاقة له به , إذا فالروايات الواردة كلها لا تنفي ما ذهبنا إليه والحمل على ما ذهبنا إليه أولى, والله أعلم

إذا بهذا التوفيق نكون قد أثبتنا أن السنة لم تنسخ القرآن في هذه المسألة , وأن الآيات الواردة في الشأن كلها متفقة ولا تعارض ………………..

ومن تتبع أقوالهم في النسخ في باقي الآيات مثل قولهم وقوع النسخ في تشريع الصيام وأنه كان على الاختيار ثم أصبح فرضا , وقولهم بالنسخ في قوله تعالى ” لِلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة : 284] “

بأنها منسوخة بقوله تعالى ” لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة : 286]

, راجع إلى تركهم لفظ الآية وفهمهم إياها من خلال الروايات الواردة في سبب نزولها , ولو نظروا فيها كنص ما وجدوا فيها أي تعارض , ولكن لن نعرض لهذه الآيات لأنها لا ينبني عليها أي عمل , ولا يظهر فيها أي وجه للتعارض .
و نأتي إلى حكم جديد ألغي بجرة قلم من هؤلاء العلماء الأفاضل وهو الحكم الوارد في قوله تعالى “ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة : 240]

حيث رأى القائلون بالنسخ أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى ” وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [البقرة : 234] “

وأدعوا أيضا أنها نسخت بآية الميراث , وقالوا : لم يكن للمرأة شيء من الميراث إلا النفقة والسكنى سنة وكان الحول عزيمة من التزوج ولكنها كانت مخيرة في أن تعتد بعد الأربعة أشهر والعشرة أيام في بيت الزوج ولكن متى خرجت سقطت النفقة ثم نسخت بالاعتداد أربعة أشهر وعشرا وبحديث ” لا وصية لوارث ” .

و مشكلة السادة المفسرين أنهم يقعدون أصولا تفسيرية عظيمة ولكن عند التفسير يغضون الطرف عن ذلك ولا يرون أمامهم إلا الروايات الواجبة الاتباع وحتى لو خالف ذلك ما أصلوه وأدى إلى نسخ القرآن , ولكن هذه الآية بالذات فيها مشكلة أكبر وهي أن المنسوخ ورد بعد الناسخ تلاوة[16] ,

والأولى إن وجد النسخ أن يكون الناسخ بعد المنسوخ لا العكس ولكن لما أخذوا بالروايات جوزوا ذلك وجعلوا المنسوخ بعد الناسخ فكل شيء جائز عندهم عقلا !! ولا حول ولا قوة بالله .

والتوفيق بين الآيتين يسير فالآيتين في مجالين مختلفين فهذه في المتعة وتلك في العدة فالآية 240 تتحدث عن حق الأرملة في السكنى في بيت زوجها والنفقة من ماله سنة كاملة بعد موته هذا بخلاف النصيب التي تأخذه بشكل طبيعي من الميراث وبإمكانها أن تتخلى عن هذا الحق , والآية 234 تتحدث عن عدة المرأة المتوفى عنها زوجها وتوضح أنها أربعة أشهر وعشرة أيام فلا مجال للقول بالنسخ أو التعارض , و هذا القول وارد أيضا عن مجاهد لمن يريد الاستماع إلى أقوال السلف في المسألة .

ونأتي إلى حكم ما يعتقد أحد أنه مطالب بتنفيذه هذه الأيام سواء فهم أن الآيات محكمة أو منسوخة وهو الحكم الوارد في قوله تعالى :
” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [المجادلة : 12] “

حيث قال المثبتون للنسخ أن الرسول هنا هو محمد ص وأن هذا الحكم كان للوجوب ثم نسخ بالآية التالية وهي ” أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المجادلة : 13]

و هذه الآية من أبرز الآيات التي يستدل بها مدعوا النسخ على دعواهم , وهو استدلال في غير محله , حيث يقولون أن الأمر هنا للوجوب لأن المسلمين كانوا يحبون الإكثار من الحديث مع النبي ص ويرون في ذلك أنسا وشرفا عظيما فنزلت هذه الآية التي تأمرهم بتقديم الصدقة قبل مناجاة الرسول ولكن لم يقدم أحد من المسلمين شيئا إلا الإمام علي رضي الله عنه , ومن ثم نزلت الآية التالية التي تنسخ الحكم .

وهذا القول متهافت جدا , فما الحكمة من النسخ إذا في هذا الحكم ؟
مدعوا النسخ يقولون أن النسخ له حكمة وهو التدرج في التشريع وتربية المسلمين والتعويد والتأديب وهنا نزلت آية فلم يطبقها المسلمون فنسخها الله من أجلهم في اليوم التالي وفي بعض الروايات في أقل من يوم !! , إن هذا لشيء عجاب .

ولقد أورد الإمام الفخر الرازي المنكر للنسخ واقعا و مجوزه تأصيلا , تأويلا لم يعجبني في تأويله لهذه الآية لما فيه من التعسف .

والتوفيق بين الآيتين جد سهل , ولقد توقفت أمام هذه الآية كثيرا إلى أن ظهر لي بفضل الله فيها توفيقان :
الأول : أن الأمر هنا على سبيل التخيير , فالإنسان المسلم يجب عليه أن يقدم الصدقة عند الرغبة في مناجاة الرسول , فإذا أشفق من هذا فعليه تقديم صدقة ولكنها ليست مالية وهي إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله .

الثاني : نزولا على تقسيم الفقهاء الأمر في القرآن إلى واجب ومندوب , فيمكن القول أن الأمر في الآية الأولى ليس للوجوب بل هو للطلب أي هو مندوب بلغة الفقهاء , فإذا قلنا هذا القول فالتوفيق بين الآيتين جد سهل و نوضح وجهة نظر من قال أن الأمر هنا للندب فالأصل فيه أن يكون للوجوب , وهو كالتالي :


ندب الله عزوجل للمسلمين أن يقدموا عند مناجاتهم للرسول صدقة أي صدقة كانت فلم يحدد المقدار ولا النوع ولما شق الأمر على المسلمين حيث حسبوا أن الأمر للوجوب أنزل الله عزوجل الآية التالية التي توضح أن الأمر هنا للندب وهو غير ملزم لهم وأن هذا هو شأن الله عزوجل في التعامل مع الأمة الإسلامية من التخفيف والتيسير وأبرز وبين أهمية الصلاة والزكاة وطاعة الله ورسوله – هذا كله على القول بأن الآيات نزلت منفصلة – .

والدليل على أن الأمر في الآية ليس للوجوب بل هو للندب – كما يفعل الفقهاء دوما – هو :
أنه تعالى قال ” ذلك خير لكم وأطهر ” وهذا أنما يستعمل في الندب لا الوجوب .
أنه لو كان واجبا ما أزيل وجوبه بكلام متصل وهو ” أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات “
قوله تعالى ” فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم ” , حيث وضحت هذه الآية أن معاملة الله عزوجل مبنية على الرحمة والتخفيف بخلاف الأمم السابقة وهذا كله مشعر بأن الأمر للندب وليس للوجوب .
ونحن طبعا نقول أن الأمر للوجوب ولكنه من باب التخيير بين واجبين إما أن تفعل هذا أو ذاك وكل ما قيل لا يكفي لينزل الأمر من الوجوب إلى الندب – في رأينا – .

ونعود الآن إلى القول الذي ذكرته في أول الموضوع وهو أن هذا الحكم ممتد إلى يوم القيامة وغير خاص بالصحابة في زمن الرسول ص ونقول :
المراد من الرسول هو القرآن لأن هذا هو رسول ورسالة الله الحقيقية إلى البشر .
المراد من الصدقة هو الصدقة بوجه عام وليس المال فقط فالصيام صدقة وتبسمك في وجه أخيك صدقة وكل ما تفعله تطوعا هو من باب الصدقة .

ونحن لا ننفي بهذا القول أن الأمر كان مقصودا به ذات الرسول عند نزول الآيات ولكن ما نريد الإشارة إليه هو أن الالفاظ الواردة في القرآن يجب أن تفهم بشكل عام ولا تخصص بأي شكل من الأشكال ولكن طبعا من خلال سياق الجمل .

و إذا قلنا أن المراد من ” الرسول ” هنا هو ” محمد ” ص فقط وأخذنا بالمعنى الخاص للكلمة لأدى ذلك إلى تفريغ الآية من مضمونها وتصبح بالنسبة لنا نص تاريخي لا تعامل لنا معه و قد لا تظهر هذه الإشكالية بشكل واضح في هذه الآية , ولكن إذا استمر استعمال هذا المنهج في التعامل مع القرآن فسيؤدي ذلك إلى تفريغ الآيات من مضمونها ويصبح جزءا كبيرا من القرآن ” نص تاريخي ” نتحرك نحن في عصرنا هذا بخلافه فهو نص لا مدلول له الآن.

ويكون المعنى والله أعلم : من أراد أن يفتح الله عزوجل عليه فتوحات ربانية في التعامل مع القرآن وفي فهمه و تأويله فليقدم قبل ذلك الصدقات من مال وصيام وصلاة ونقاء والتزام بالمنهج الرباني في التعامل مع الله ومع الناس وبذلك يصل إلى مبتغاه , ونجد أن في هذه الآية دليل للإخوة الصوفية الذين يرون أن طهارة المخبر لازمة للوصول ولفهم القرآن والفتوحات الربانية

وما كنت أراها شرطا حتى فتح الله علي فهم هذه الآية فعلمت أن طريق العلم ضروري لا بد منه وهو الخطوة الأولى ولكن الفتوحات أي ” المناجاة ” الربانية في الفهم للنص القرآني لا تأتي إلا بذلك , والله أعلم .

ونختم الحديث عن الآيات التي قالوا فيها بالنسخ بالحديث عن قوله تعالى ” قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص من قليلا ” [المزّمِّل : 3,2]

حيث قالوا أن قيام الليل كان واجبا على المسلمين , ثم نسخ بعد ذلك بقوله تعالى ” إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [المزّمِّل : 20] “


والمرء يتعجب من تعامل هؤلاء العلماء مع القرآن , فأنا وكل إنسان يفهم بداهة أن الأمر في الآية الأولى موجه إلى النبي ص والأمر في القرآن كله إما على الوجوب أو الفرضية أو الكتابة , والأمر هنا على الأقل كان على سبيل الوجوب على النبي ص واستمر بعد ذلك كذلك , ولست أدري كيف قالوا أن الأمر كان واجبا على المسلمين ؟


نعم قد يفهم ويتقبل أن المسلمين قلدوا النبي ص في هذا الأمر فصلوا القيام تطوعا منهم , ولكن الأمر من الأساس لم يكن موجها إليهم , ونحن نقول أنه يجب التوسع في فهم الألفاظ القرآنية ما لم يؤد ذلك إلى تعارضها مع الواقع أو بالأحرى مع آيات قرآنية أخرى , وبداهة أدى توسعهم إلى تعارضها مع آيات أخرى .

بطبيعة الحال هناك من قال على سبيل التوفيق بين الآيتين أن الأمر كان للندب للرسول وللمؤمنين , من باب أن الله لم يحدد لهم الكم الذي يقومونه من نصف أو ثلث .

ونحن نقول أن عدم التحديد لا يعني نزول الأمر إلى الندب بل يعني التخيير , أي عليك أن تفعل هذا أو ذاك , فأنت حر في اختيار أحدهما , ثم أن اللفظ كما قلنا لا يظهر أن الأمر كان عاما بل يظهر خلاف ذلك , ونجد ذلك أيضا في نفس الآية التي قالوا أنها نسخت ” قم الليل ” وهي
” إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [المزّمِّل : 20] “


حيث قالت الآية ” وطائفة من الذين معك ” , وهذا يوضح أن الأمر لم يكن موجها إلى الصحابة رضوان الله عليهم , ولو كان كذلك لما قال ” وطائفة من الذين معك ” , ولقال ” والذين معك ” .

إذا يظهر في نهاية المطاف أن الآية محكمة وأن الأمر الذي كان فيها وهو وجوب القيام على النبي ص استمر كما هو ولم ترفعه آية ” إن ربك يعلم ” , ويعجبني في هذا الشأن توفيق الشيخ الغزالي رحمه الله حيث قال : ” فإذا كان النص مقصورا على النبي ص والأصحاب إنما قاموا بقيام الليل اقتداءا به والتخفيف مقصورا عليهم للأسباب المذكورة في الآية لم يكن النص الأول منسوخا , بل باق حكمه بالنسبه إلى رسول الله ص ” .

وبهذا التوفيق البسيط المأخوذ من الآيات نفسها ومع السير المنطقي في فهم الآيات بلا زيادة أو حذف من عند أنفسنا , يظهر لنا أن الآيات غير منسوخة بل هي محكمة , ولكل منها مكانه التي تعمل فيه , والله أعلى وأعلم .

بطبيعة الحال هذا الموضوع موضوع كبير وألفت فيه الكتب الكاملة ما بين مؤيد ومنكر وكل يعرض أدلته , ويناقش الأمر نقطة نقطة , ولكن الذي أردنا أن نبرزه هنا , هو أن القرآن يمكن أخذه كما هو , ولن يضل المرء إذا عمل بكتاب الله , وأن النسخ لا يقبل بأي حال من الأحوال مع كتاب الله , وكل من قالوا بالنسخ إنما استندوا إلى روايات فهموها فهما يلزمهم , ووفقوا بينها وبين كتاب الله على أنها هي الأساس المتبع وكتاب الله تابع لها , فلذا لم يتحرجوا في نسخ كتاب الله , أما نحن فعكسنا طريقة التعامل – كما يجب أن تكون –

وجعلنا كتاب الله هو المقدم المتبع والروايت تابعة له , وفهمنا الروايات على هذا الأساس وما لم يمكن التوفيق بينه وبين كتاب الله رددناه , وأعتقد أن هذا أهون من تعطيل آيات الله .[17]

أشهر من أنكر النسخ :
أنكر النسخ طوائف من السلمين منذ قديم الزمان النسخ , وخاصة نسخ التلاوة – أي أن ينزل قرآن ثم يرفع لأن القرآن لا يثبت بخبر الآحاد – وللأسف لم نسمع عنهم أي تفصيل سوى أن يذكروا هكذا في جملة واحدة ” وأنكرت طوائف من المنتمين للإسلام المتأخرين جوازه “, لأنهم كانوا يمثلون التيار المعاكس للفكر السائد في هذا الوقت , لكن أبرز من أنكر النسخ واشتهر بذلك هو أبو مسلم الأصفهاني واختلفت الروايات عنه , فقيل أنه أنكر النسخ بين الشرائع وقيل أنكر النسخ في الشريعة الإسلامية فقط – وهذا ما نرجحه – , ثم الإمام الفخر الرازي الذي انتصر للآراء الأصفهاني ورجحها في تفسيره , وفي العصر الحديث انتشر هذا الرأي وهو الذي عليه عامة المفكرين , فقال بإنكار النسخ :
عبد المتعال محمد الجبري , الشيخ محمد الغزالي , شيخ الأزهر السابق حسن الباقوري , عبد الرزاق نوفل , أحمد حجازي السقا , إيهاب حسن عبده , محمد شحرور , سيد القمني , ووزير الأوقاف السابق الدكتور محمد البهي , وغيرهم كثير .

و معظم هؤلاء المنكرين لا يمنعون أن تخصص السنة القرآن بأن تخصص العام وتعمم الخاص , أما نحن فنقول أن السنة تؤول القرآن فقط , فلا تخصص أو تعمم , بل تطابقه فقط , وما بخلاف ذلك فهو إما مختلق على الرسول أو حالات خاصة لها ظروفها ولا تؤخذ كتشريع .

وفي نهاية المطاف وإظهارا للحق نقول :
نحن نرى أن النسخ حصل في هذه الأمة مرة واحدة فقط وكان ذلك على سبيل الامتحان والاختبار , ولم يكن الأمر المنسوخ في القرآن ولكن جاء الناسخ فيه , وهذه الحادثة الشهيرة هي حادثة تحويل القبلة , ولقد تكلم القرآن عن هذه الحادثة مبررا التحويل , فقال ” وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ [البقرة : 143]

فهذه هي الحادثة الوحيدة التي حدث فيها تغيير في الحكم , وانظر أخي كيف عرض القرآن هذا الأمر :
لقد قال أن التحويل اختبار ليعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه , وبطبيعة الحال لم تكن هناك أي صعوبة في التحول إلى بيت الله الحرام فأي عربي كان يتمنى أن يصلي إلى بيت الله الحرام لا إلى بيت المقدس وإذا أمر بذلك كان سيتحول مباشرة , ولكن المشكلة هي في تغيير الأمر الإلهي .

ورأى القرآن أنها كبيرة ” وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ ” , ولأن صدور الأمر ثم تغيره يثير الشكوك في صدر أي إنسان , فالتغير من صفات الإنسان وليس من صفات الرحمن , لذا قال الله عزوجل تعليقا على هذا ” وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ “

وبطبيعة الحال ” إيمانكم ” تعني ” إيمانكم ” وليس صلاتكم كما رووا أن سبب نزول ذلك أن الصحابة سألوا عن الصلاة التي صلوها إلى بيت المقدس , هل ضاعت أم سيثابون عليها ؟ فقال القرآن : وما كان الله ليضيع إيمانكم , فمن المعلوم أن الإيمان هو الإيمان ولا يمكن أن يعني الصلاة , ونحن لا ننكر الواقعة ولكن كما ذكرنا من قبل في الحديث عن أسباب النزول أنها ظنية وأن الصحابي كان يحكي ما يرى أنه سببا للنزول .

وختاما نود أن نوجه كلمة إلى الأخوة القائلين بالنسخ سواء في القرآن أو في السنة :
أنزل القرآن على مدار ثلاثة وعشرين عاما ونقل القرآن عن طريق الصحابة , فمنهم من كان يعيه كاملا ومنهم من كان يعي منه نصفه , ومنهم من كان يعي ربعه وهكذا , وكان الصحابة أناسا عاديين يعملون ويتاجرون ولم يكونوا ملازمين للنبي ص ملازمة دائمة , ونذكر في ذلك بقصة عمر بن الخطاب وصاحبه في التناوب إلى النزول إلى النبي ص يوما بعد يوم فينزل أحدهما ويخبر الآخر بما حدث في هذا اليوم واليوم التالي العكس وهلم جرا .

ونذكر قصة افتراضية في حال وجود النسخ كما يدعي الأخوة المثبتون , وتصوروا معي حال المسلمين مع القرآن :
” عمر يقول لصاحبه : أنزل اليوم آيات جدد وهي كذا وكذا . بعد أسبوع أو شهر أو عام صاحبه يقول له : الآيات التي نزلت في يوم كذا وكذا رفعت فلم تعد قرآنا ولسنا مطالبين بها . وبعد فترة صاحب عمر يقول له : أنزل اليوم آيات جدد وهي كذا وكذا .

وبعد فترة صاحب عمر يقول له : الآيات الفلانية رفع حكمها الآية الفلانية أو الحديث الفلاني , فلم نعد مطالبين بالعمل بها ولكن لفظها موجود .

وبعد فترة عمر يقول لصاحبه : أنزل اليوم آيات جدد .
وبعد فترة يقول لصاحبه : رفعت الآيات لفظا فلم تعد قرآنا وبقي حكمها فنحن مطالبون بالعمل بها وأن ننساها .
عمر يعمل بحكم معين , فيقول له صاحبه : لقد نسخت هذه الآية .
فيقول له عمر : لا يا أخي لقد أخطأت , فهذه الآية نسخت الآية الفلانية .
فيقول له صاحبه : لا يا أخي أنت لم تعرف , فقد أنزلت آية نسخت الآية الناسخة , فدع العمل بها .!!! “
تصوروا مجتمع صغير بدائي الإمكانيات مطالب بحفظ كتاب الله ونقله وتعليمه لمن سيأتي بعده , كيف يكون حاله : آيات أنزلت ورفعت , آيات أنزلت ولم ترفع ولكن لا يعمل بها , آيات أنزلت ورفعت ولكن مطالبين بالعمل بها , آيات تكتب وتمحى , انظروا إلى حجم التشتت الفظيع الذي سيعيشونه .

والمشكلة أن كثير من الأخوة يصورون الصحابة وكأنهم لا عقول لهم , فتنزل الآيات وترفع ولا يفكرون ولا يشكون ولا يشككهم حتى المجاورون لهم من اليهود , ألن يطعن اليهود في القرآن وفي محمد لأنه يأتي بالشيء ويلغيه , ويلغي الآية ويثبت حكمها , و عدم وجود هذه الروايات تدفع المرء للشك في حدوث هذه الأشياء , ويرجح أن مسألة نزول قرآن ورفعه لم تحدث , وأن النسخ عند الصحابة لم يكن بأي حال بنفس المفهوم عند الفقهاء والأصوليين , والله أعلم.

وعلى خلاف المألوف نذكر في ختام هذا المبحث الصغير بعض آيات التي تظهر استحالة القول بالنسخ بالمعنى الأصولي في كتاب الله :

” إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر : 9] “, ولما كانت هذه الآية من أكبر الأدلة على عدم وجود النسخ نجد أن الإمام ابن حزم يجادل فيها حتى لا تكون حجة في نفي القول بالنسخ , ولكن أنى له ذلك فالدليل فيها واضح فالحفظ مخالف للنسخ تماما .

َ” اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً [الكهف : 27] , فكلمات الله لا مبدل لها فكيف نسخت ؟
لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت : 42]
كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود : 1]
َأفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً [النساء : 82]
ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ [البقرة : 2]


ولو كان فيه ناسخ ومنسوخ لأصبح فيه ريب كبير , فهل الآية عاملة أم ملغاة والخلاف في عدد الناسخ والمنسوخ , فهل هناك ريب أكثر من هذا ؟

فهذه بعض آيات من كثيرات ناطقة صراحة بما نقول , ولولا ترك الناس للمعقول و الظاهر من كتاب الله واتباعهم أفهامهم في ما ورد عن الصحابة وبعض الموضوعات المختلقة من الروايات لما قال أحد بالنسخ , والله المستعان .

[1]النسخ الذي نتكلم عنه هو بالمختصر المفيد أن تنزل آيات وترفع سواء رفعت الآيات نفسها فلا نجد لفظها أو يرفع الحكم فقط فنقرأ الآيات ونحن غير مطالبين بالعمل بأحكامها!! , أو ترفع الآيات ونكون مطالبين بتنفيذ أحكامها !! .

[2]بطبيعةالحال هذا الكلام غير موجود في القرآن , وعلى الرغم من ذلك قبل العلماء الرواية وخرجوها تخريجات عجيبة لأنها وردت في صحيح مسلم , وطبعا الشيعة يسخرون من هذه الرواية ومن قبول أهل السنة لها و معهم حق فيما يقولون .

[3] الحق يقال أن هناك من قال ان الآية بعد نسخها تنتقل من الوجوب مثلا إلى الندب فيجوز- لا يجب – التعبد بتنفيذها , وطبعا قالوا هذا من أجل التهرب من بقاء آيات بلا مدلول في القرآن , و إذا كان كذلك فلم نسخت إذا ؟!!

[4]هناك من لا يرى حرجا في هذا الكلام ويرى أن فهم الصحابة – الذي أسأوا فهمه – حجة واجبة الاتباع .

[5]تصور عزيزي القارىء أن رهط بأكمله يخبر بهذه القصة بدون أن يعرف اسم أي واحد من هذا الرهط , وطبعا قبلت الرواية بدون تحديد الراوي لأن الصحابة كلهم عدول !! 

[6]هناك من يفهم ” آية ” هنا على أنها الآية الكونية ولكنا نرى أن المراد الراجح هنا من السياق هو الوحي , وبطبيعة الحال هناك وجوه يمكن حملها على هذا المعنى ولكننا سنقصر الحديث هنا عن هذا المدلول من دلالات الكلمة .

[7]هذا على رأي الجمهور , فهناك من أجاز من العلماء !! نسخ الأخبار أيضا !, و لست أدري ماذا يكون الكذب إذا و ماذا يبقى صحيحا في القرآن ؟

[8]بداهة كلام الضحاك لا وزن له ولا يقبل لأنه قلب الآية بلا دليل فقدم و أخر !! 

[9]ويمكن حملها أيضا على الآية العادية ولكن الأول أظهرلقوله تعالى وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاء أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ [غافر : 78] .

[10]سمعت عن كتاب ” نظرية النسخ بين الشرائع السماوية ” فسررت به كثيرا , وأخذت في البحث عنه حتى تيسر لي الحصول على نسخة منه ثم اتضح لي أنه كتاب يتكلم عن النسخ بطريقة تقليدية في الشريعة الإسلامية المحمدية وليس بين الشرائع وبعضها .

[11]التشريع القرآني يأتي دوما مطابقا لحال البشر , فالله تعالى يقول ” لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ” , فإذا كان مبتدأ التكليف ب ” الوسع ” فكيف يرتفع إلى ما هو أعلى فيسبب العنت والمشقة , أو ينزل إلى ما هو أقل منه فيصير سهلا جدا فلا يصير تكليفا .

[12]هو أبو عبدالله محمد بن حزم حيث جعل الآيات المنسوخة في القرآن مائتي وأربع عشرة آية !!! , وهو ليس ابن حزم الظاهري , وجعلها ابن الجوزي 247 , وابن سلامة 213 , وابن بركات 210 , ولا حول ولا قوة إلا بالله .

[13]هاني طاهر , تنزيه آي القرآن عن النسخ والنقصان , بتصرف .

[14]هناك من يرى أن المراد من الفاحشة هنا هو الزنا العادي بين الرجل والمرأة ولكن ذلك الذي لا أو لم يمكن إثباته بأن تدخل البيوت على الرجال أو شوهدت في البيوت ولكنها لم تضبط في وضع الزنا , فهذه لا يقام عليها الحد – الجلد – ولكنها تعاقب على ذلك بالحبس في البيوت حتى يتوفاها الموت أو تتوب وتقلع عن هذه العادة الشنيعة .

[15]الشيعة ينكرون هذه الواقعة , فهم ينكرون مسألة الرجم من الأساس وكذلك الزيدية والأباضية لأنهم يرون أن السنة لا تزيد على ما في القرآن .

[16]لا حرج عندهم في ذلك , فإذا كانوا قد قالوا بوجود ناسخ للناسخ , أي أن الآية التي نسخت آية نزلت آية أخرى فنسختها , فلا حرج عندهم من حدوث أي شيء .

[17]للأسف الشديد عند كثير من الأخوة السلفيين الحديث مقدم , ولا بأس من تعطيل الآيات لقول السلف ولأقوال منسوبة إلى الرسول (ص) , أما أن يأتي بعض العلمانيين فيعطلوا أو يطالبوا بتوقيف العمل ببعض الآيات فما لا يقبل , لأنهم يطالبون بإلغاء آيات في كتاب الله , ولعمري الفريقان في هذا الشأن سيان , أما نحن فنرفض تعطيل آيات الله لأي سبب كان.

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.