سورة الكوثر

القرآن كتاب الله العظيم ورسالته الخاتمة إلى كل البشر في كل زمان ومكان وهو كله وحدة واحدة كله آيات بينات , فالسورة الكبيرة آية بينة على أنه من عند الله تعالى كما أن السورة الصغيرة كذلك

ولما كان هؤلاء المعادين للإسلام من غير أهل اللغة ولا يعرفون لها خُبرا تركوا التشكيك في السور الكبيرة لأنهم غير أهل لذلك ولأنهم من أصحاب الكم , فهذه سور كبيرة لا قوام لهم بها , فتركوها والتمسوا السور الصغيرة يشككون فيها , ويتساءلون في براءة الغيلان ! أين الإعجاز في هذه السور , هذا كلام قصير المبنى قليل المعنى !

ولقد كنا قد ناقشنا سابقا سورة الكافرون , ووضحنا للقارئ أنه على الرغم من قصر السورة وقلة مفردتها أنها تحتوي معان عظيمة كثيرة لا وجه للتكرار فيها , على العكس مما يتخيله كثير من الغير متدبرين في القرآن !

واليوم نتناول بإذن الله تعالى وعونه سورة الكوثر وهي أقصر سورة من سور القرآن , ونبين كيف أنها على الرغم من قصرها الشديد فإنها تحتوي من البينات الداخلية الكثير والكثير الذي يبرهن على أنها وحي من عند الله عزوجل , ونبدأ متوكلين على الله وطالبين منه العون والهداية :

بسم الله الرحمن الرحيم
تقع سورة الكوثر بين سورتي الماعون والكافرون – وكما هو معلوم بداهة إن ترتيب القرآن توقيفي من عند الله تعالى قام به الرسول ذاته ولا تلق بالا للخلاف الموجود في هذه المسألة – فإذا نحن نظرنا إلى مبتدأ السورة ونهايتها وجدنا لها متعلقا مباشرا بالسورة القبلية والبعدية

فالسورة القبلية تتكلم عن العون وكيف أن الإنسان المكذب لا يكون عونا لأخيه فيمنع عنه ما يحتاجه ولو كان من الأشياء البسيطة القليلة وكيف أنه لا يحض على الإطعام و لا يحسن الصلاة ولا يجعلها خالصة لله تعالى فيراءي بها , فإذا نحن نظرنا في سورة الكوثر وجدنا أنها تشتمل معكوس ما ورد في سورة الماعون

فالسورة تبدأ بقوله تعالى ” إنا أعطيناك الكوثر “ ففيها إعطاء بكثرة عجيبة رهيبة متزايدة مستمرة ! وفيها أمر بالصلاة لله تعالى فقط فلا يُراءى فيها , وأمر بالنحر ( وبداهة سيذهب هذا المنحور كطعام إلى المساكين ) .
فإذا نحن نظرنا في آخر السورة وجدنا قوله تعالى ” أن شانئك هو الأبتر ” ثم تبدأ السورة التالية بخطاب الكافرين بقوله تعالى ” قل يا أيها الكافرون ” معلنة لهم حريتهم الدينية !

المنظور العام للسورة :
تدور هذه السورة في فلك ذكر نعم الله عزوجل على نبيه وقربه منه وهي تدور بين الإخبار والمن ثم المطالبة بالشكر في مقابل هذه النعم ثم نبوءة للنبي الكريم تتحقق في طول الزمان !

فالدلائل البينات التي تحمل الصدق الداخلي في هذه السورة يمكن التحقق منها , فالسورة تحتوي خبرا , ومن الممكن لأي إنسان أن يذكر أي خبر ولكن هل تحقق الخبر ؟ العبرة بتحقق الخبر , فهل تحقق ؟

هذا ما سنراه بإذن الله تعالى ! ثم تختم السورة بنبوءة تسري أيضا كدليل لصدق المحتوى الداخلي لهذه السورة , وهذان الخبران الماضي والمستقبلي هما الدليل على كون هذه السورة من عند الرب القدير , ونبدأ بإذن الله وعونه في تناول السورة :

الناظر في سورة الكوثر يجد فيها كوثرا حقيقيا فهي سورة قصيرة المباني عظيمة المداليل والمعاني فإذا نحن نظرنا في أول السورة وجدنا قوله تعالى ” إنا أعطيناك الكوثر ” فتبدأ السورة بصيغة المعظم ” إنا ” لنفسه المشعر بعظمة المعطى , فإذا كان المعطي عظيما فحتما ولزاما كون المعطى على قدر عظمة معطيه ومناسبا لقدر معطاه ! فالله تعالى يذكر النبي الكريم أنه أعطاه الكوثر , فما هو الكوثر ؟

الكوثر كما واضح من مبناه فإنه يدل على الكثرة , ولكنه موجود في صيغة ” فوعل ” فما هو مدلول فوعل ؟ صيغة فوعل صيغة تدل على الأصل والمصدرية ( بالمعنى الطبيعي المواردي وليس اللغوي ) الذي يتفرع عنه وينبع منه ! فلو قال الله تعالى للرسول الكريم ” إنا أعطيناك الكثرة أو الكثير ” لكان هذا لا يدل على أن الرسول هو أكثر من أخذ أو على عظم ما أعطيه الرسول الكريم , بل لا يمنع أن يكون هناك من أعطي أكثر منه , فالكثير كثير وجوده , فقد يكون معك كثير ومعي كثير ولا يوجد ما يمنع هذا .

ولو قيل ” إنا أعطيناك أكثر ” لكان في هذا مقارنة بين النبي الكريم وغيره , وفي هذه الحالة لا يوجد ما يمنع أن يكون هناك من يقاربه ولكن الرسول الكريم زاد عنه في بعض الجوانب ! أما عندما يقول الرب القدير للنبي الرحيم أنه أعطاه الكوثر فكأنه يقول له : إنا أعطيناك ما لم نعط أحدا من البشر فلقد أعطيت الأصل وما عداك فهو آخذ للفرع ! فالله العلي يوضح للنبي مقدار عطائه وفضله عليه فلقد أعطي الأصل وهذا الأصل مستمر لا ينقطع

فمن المعروف أن الأصول تستمر وتثبت , وتزيد بزيادة فروعها , فإذا زادت الفروع عظم الأصل أكثر وإذا ماتت الفروع وانقطعت ظل الأصل كما هو . فالله أعطى النبي الكريم الأصل العظيم الذي لا ينقطع بل هو في تزايد وكثرة إلى يوم القيامة . فما هو الكوثر ؟

اختلف العلماء في المراد من الكوثر وحق لهم أن يختلفوا فهو لفظ عام أصل ! فقيل أن الكوثر هو نهر في الجنة وبداهة سيكون للنبي الكريم بعد موته
وهذا القول مستبعد بعض الشيء لكون النبي الكريم لم يأخذه , فكان من الأولى أن يقال ” إنا وهبناك أو جعلنا لك ” أما أن يقول ” أعطيناك ” مع نهر فبعيدة بعض الشيء , كما أنه يطلب إليه أن يصلي لربه وينحر كرد فعل على هذا العطاء
فعلى الرغم من أن وعد الله متحقق لا محالة وهو أصدق مما يراه الإنسان بعينيه التي في رأسه ولكن الله تعالى أكرم منا كلنا , فلا يعد بعطاء شيئ في الآجل ثم يطلب الشكر عليه في العاجل . كما أن الصيغة الواردة في الآية هي صيغة الماضي فالأولى هو حمل الزمن عليه إلا أن يدل دليل في النص نفسه على أنه في غير ذلك .

إذا فكون الكوثر نهر في الجنة بعيد , وكذلك لنفس الأسباب يبعد ما قاله الشيعة من أن المراد من الكوثر هو الذرية الكثيرة التي جاءت للنبي الكريم عن طريق بنته فاطمة رضي الله تعالى عنها وزوجها , حيث قالوا أن المراد من الكوثر هو الذرية حيث أن هذا يقابل ما جاء في آخر السورة وهو قوله تعالى ” الأبتر “ , فإذا كان شانئ النبي الأكرم أبتر فإنه ذو كوثر !

ولكن هذا أيضا بعيد لكونه لم يتحقق في زمن النبي الكريم كما أنه لم يعطه !

وقيل أن المراد من الكوثر النبوة , وقيل أنها الشفاعة وقيل أنها الاتباع الكثيرون , ولكن كثرة الاتباع مستلزمة للتسبيح بحمدلله والاستغفار كما جاء في سورة النصر , كما أنها لا تنطبق انطباقا مباشرا مع صيغة ” فوعل” وقيل أنه العلم وقيل أنه الحكمة وقيل أنه الرزق وقيل أن المراد من الكوثر المدح المذكور في القرآن للنبي الكريم ولكنها لاتنطبق مع عنصر الأصلية والثبات واللذان ينبغي توفرهما وحصولهما في الكوثر وهذا ما لا يكون فيما ذكروه

كما أن المعاني الغيبية التي ذكروها لا يمكن التحقق من صدقها في الدنيا فلا تكون وجه إثبات , فما المعنى أن يقول الرسول لأهل مكة : إن الله أعطاني نهر في الجنة أو الشفاعة أو …. , فهل رأوا من ذلك شيئا ؟ فإذا لم يتحقق التطابق بني المعاني المذكورة وبين الكوثر

فما هو المراد من الكوثر ؟
الذي نراه والله أعلم أن المراد من الكوثر هو القرآن الكريم , فهو الذي ينطبق عليه وصف الكوثر أيما انطباق فهو أصل الخير وجماعه , كما أنه في استمرار و زيادة إلى يوم القيامة فلا ينقطع ولا يذهب , فهو وإن ثبت مبناه إلا أن معانيه في ظهور وجلاء وزيادة

وكلما مر الزمان اكتشف الناس معان عظيمة لهذا الكتاب الرباني , فإذا حدث وأخطأ بعض الناس في تأويله يظل كما هو بدون تأثر إلى أن يظهر تأويله السليم بإذن الرب العليم .

والناظر يعلم أن أكير نعمة أنعمها الله على رسوله كانت هي كتابه , لذلك كان من الأولى حمله هنا عليه , فكما قال الله تعالى في سورة الضحى ” وأما بنعمة ربك فحدث ” أي فحدث بالقرآن ولا تخف فكذلك هنا يذكره الله تعالى أنه أعطاه الكوثر الذي لا ينضب وهو كما وصفه الرسول الكريم :

” …. كتاب الله، كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم. هو الفصل ليس بالهزل، هو الذي من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، فهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه. وهو الذي لم ينته الجن إذ سمعته أن قالوا: إنا سمعنا قرآنا عجبا، هو الذي من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به اجر، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم، …”
فانظر إلى المحتوى الكوثري في التوصيف النبوي لتعلم أن ما قلناه هو أكثر الوجوه قربا من اللفظة

فالقرآن كان النبي قد أعطيه في الماضي وليس في المستقبل فهو متفق مع زمن الآية ” أعطينا ” , كما أنه كان في زمن النبي الكريم مستمرا في الزيادة فهو لم يعطه مرة واحدة وإنما نزل على مرات متفرقات ليثبت به قلب الرسول الكريم . فبهذا القول نجد أن القرآن أكثر انطباقا مع اللفظة من النبوة , فالنبوة لا تزيد ولا تتكاثر بل هي معنى ثابت !

إذا فالله تعالى يذكر نعمته للرسول الكريم بأنه أعطاه الكوثر , ولقد صدق هذا الخبر حتى وفاة الرسول الكريم , فاستمر الكوثر في الزيادة حتى تم فلم يقدر أحد من العرب على قتل الرسول حتى يضيع القرآن أو ينقص , وفي آخره نزل قوله تعالى ” اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي …. ”

فثبت أن الكوثر أعطي كاملا وكل الناس على ذلك شاهدون , فثبت بالواقع والمشاهدة أن الخبر الأول كان – ولا زال – صادقا في وقته وبعده حتى قيام الساعة .

وبعد أن ذكر الله تعالى لنبيه نعمته يأمره بشكر نعمته التي أعطيها الرسول الكريم فيقول له : ” فصل لربك وانحر ” فيأمره أن يصلي لله تعالى فقط فلا يصلي لأي معبود آخر كما أنه عليه أن يراعي الله عزوجل في صلاته هذه فلا يراءي بها أحدا !

ونلاحظ أن الآية الثانية تحولت من صيغة المتكلم الجمع إلى المفرد المخاطب ” أعطيناك ” ” لربك ” , ففي هذه الآية توضيح لعميق العلاقة وشديد القرب بين الرسول وربه , فبعد أن قال له ” إنا أعطيناك الكوثر ” قال له ” فصل لربك ” أي كما أن العطاء كان منا لك فقط فكذلك يكون الشكر منك لربك فقط !

ونلاحظ أن الله تعالى جعل الصلاة كرد فعل للعطاء مع أننا نتكلم من أول السورة على الشكر ! لأن الصلاة تشتمل الشكر ومعان أخرى كثيرة لا يحيط بها الشكر , فقد يسدي إلى إنسان خيرا فأشكره , أما الله تعالى عندما يعطي النبي وعندما يأمره بالرد فهو لا ينتطر منه الشكر وإنما ينتظر منه ردا يكون بقدر مقدار النبوة وبمقدار المعطي !

فالنبي بصلاته لربه يعلن خضوعه وعبوديته للرب القدير وأنه لم يخرج عن ذلك النطاق فهو لا يزال ذلك العبد الراجي رحمة ربه العابد له , الباسط يديه له . كما أن في الصلاة إشعار لعدم استغناء الرسول الكريم عن ربه , فلربما يظن ظان أن الرسول الكريم إذا أعطي أصل الخير فشكر أنه ربما يستغني عن ربه – معاذ الله – ولكن بالصلاة يقدم الرسول البراهين على احتياجه لربه ولعبوديته له في كل حال .

وبعد أن يصلي الرسول لربه يقوم فينحر والنحر معروف وهو الذبح لله تعالى , وقيل أن المراد من النحر هو فعل في الصلاة وهذا بعيد , فالمعنى المتبادر للذهن هو المراد وهو النحر .
فالرسول يعلن شكره لربه بشكلين إثنين وهما الصلاة , فهذا فعل بينه وبين ربه وهناك النحر وهذا فعل علني يظهره الرسول للناس ويوضح لهم به مقدار فضل الله تعالى عليه وبذلك يجعلهم هم أيضا يحمدون الله تعالى ويشكرون على نعمه وآلائه على الرسول الكريم .

ونلحظ أن الله تعالى قال ” فصل لربك وانحر “ ولم يقل ” فصل وانحر لربك ” , وليس لهذا الأمر علاقة بالفاصلة أو ما شابه وإنما ارتباط هذا الترتيب بالمعنى المراد , فلما قال الله تعالى ” فصل لربك وانحر ” على أن الصلاة لا تكون إلا لله تعالى , أما النحر فيكون لله تعالى ولكنه يصل إلى الناس , ولو قال ” فصل وانحر لربك ” لكان معنى هذا ألا يصل شيء من الذبائح إلى الناس

وهذا ما لا يريده الله تعالى ولا يرضاه وإنما هو يريد الشكر والتقوى من الناس , لذلك قال الله تعالى ” لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ [الحج : 37] ”

إذا فشكر نعمة الله يكون بالصلاة والتي تشتمل العبادة والدعاء والخضوع والشكر والعبودية والتذلل والرجاء والاتصال وكذلك يكون بالنحر وفيه إعلام بنعمة الله وتحديث بها وحث على شكر الله تعالى وذكره .

ثم يعود الله تعالى إلى ذكر نعمه عليه فيقول له ” إن شانئك هو الأبتر ” ذكر المفسرون في تفسيرهم لهذه الآية أسباب نزول مختلفة لهذه السورة وأشهرها هو ما قالوه كما جاء في تفسير الرازي :
” وروى أيضاً أن العاص بن وائل كان يقول : إن محمداً أبتر لا ابن له يقوم مقامه بعده ، فإذا مات انقطع ذكره واسترحتم منه ” وبغض النظر عن صحة هذا السبب أو غيره من الأسباب التي ذكروها فإن الآية عامة تقدم قانونا عاما في التعامل مع الرسول الكريم ونبوءة صدقها الزمان ولا يزال يصدقها .

الآية تقول للنبي الكريم ” إن شانئك هو الأبتر ” والكلمة الوحيدة التي قد تغيب عن القارئ في هذه السورة هي قوله تعالى ” شانئك ” أما ” الأبتر ” فهي معروفة ولكن القارئ قد يغفل عنها . فما هو الشنآن ؟

إذا نحن نظرنا في المقاييس وجدنا ابن فارس يقول :
” الشين والنون والهمزة أصلٌ يدلُّ على البِغضة والتجنُّب للشيء. من ذلك الشَّنُوءَة، وهي التقزُّز؛ ومنه اشتقاق أَزْدِشَنوءة. ويقال: شَنِئَ فُلانٌ فلاناً إِذا أَبغَضَه. ” اهـ

والشنئأن وارد في كتاب الله تعالى , فهو كما جاء في قوله ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المائدة : 8] “

إذا فالشنآن بمعنى البغض , ولكنه لا يكون إلا في البغض الظاهر المؤيد بالأفعال , أما البغض القلبي فليس لأحد إطلاع عليه إلا ربه , كما أنا لا نحاسب الناس على ما في قلوبهم .

أما الأبتر فهو من البتر , وهو معروف , وهو كما جاء في المقاييس :
” الباء والتاء والراء أصلٌ واحد، وهو القطع قبل أن تتمَّه. والسيفُ الباتر القَطَّاع.
ويقال للرجُل الذي لا عقِب له أَبتَر . وكلُّ من انقطع من الخَيْر أثرُه فهو أَبْتَر.

وخطب زيادٌ خطبتَه البتراء لأنّه لم يفتتِحْها بحمدِ الله تعالى والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم . ”

إذا فالله تعالى يقول للنبي الكريم – كما يقول المفسرون – أن مبغضك المظهر للعداوة والبغضاء لك هو أبتر أي أنه مقطوع النسل فلا يبقى له ذكر !
ولكنا نرى أن المعنى أشمل من ذلك , فالإنسان الذي يبغض الرسول الكريم ويُظهر هذا الشنآن فإن الله تعالى يجعله هو الأبتر أي الذي لا نصير له ولا معين و البتر كما جاء في اللغة هو القطع قبل التمام , فلا يحصل لهذا الشانئ تمام نعمة وكمالها أبدا بل تنقطع عنه ولا تستمر أبدا .

وفي هذا التحديد لمعنى البتر الرد على من يقول أن هناك من يشنأ الرسول وهو ليس مقطوعا من الخير .
وهذا الاعتراض هو على قول المفسرين الذين جعلوه ممنوعا من كل خير, أما نحن فنأخذ بالمعنى اللغوي الأصل للكلمة وهو الانقطاع قبل التمام فلا تتم عليه النعمة في حياته بل تبتر

كما أنه هو نفسه يصير أبترا تماما بعد موته فينقطع عن ذكره وأثره أي وجه من وجوه الخير بل ينسى ويهمل في مزابل التاريخ , وهذا هو عين ما حدث مع مشركي مكة فنحن نجد أنهم هم الذين أصبحوا بترا, فأولادهم تبرأوا منهم, وما عاد أحد يفتخر بانتسابه إلى أمية بن خلف أو إلى أبي جهل وإنما يتبرأون منهم ويلعنونهم, وأصبح هؤلاء المذكورين مقطعوين من كل خير! ودخل أولادهم في الإسلام ورضوا بالرسول الكريم لهم أبا! أما الإدعاء أنه لا يحصل له أي خير في حياته فلا شاهد له في الواقع بل الواقع مكذبه !

إذا فالله تعالى يعد النبي الكريم بأن من يشنأه هو الذي سيكون أبترا , وذلك كما قال له في آية آخرى ” إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر : 95] “
والناظر في التاريخ يجد أن هذه النبوءة تحققت ولا تزال تتحقق , فمن كان يضمن للرسول أن لا يموت قبل اكتمال رسالته ومن يضمن للرسول استمرار هذا التحقق بعد موته وعدم اندثار دينه الذي أتى به وذهابه طي النسيان في صفحات التاريخكما ضاع من قبله من ضاع , ليس هناك ضامن بشري لذلك , ولكن إن هذه نبوءة ربانية ولا بد من تحققها كما أخبر بها , وفي هذا التحقق إثبات لصدق السورة وآية على رحمانيتها .

إذا فكما رأينا عزيزي القارئ كان هذا مرورا سريعا على هذه السورة , لم نرتض فيه أن نتوقف مع كل كلمة فيها ومع ارتباطها بما قبلها , وإنما عرجنا فقط على التعرض لوجوه ” الإعجاز ” فيها والتي تثبت أن السورة من عند رب قدير وليست من عند عبد خبير !

فرأينا فيها أخبار صادقة ونعم سابغة ووعود واقعة وأوامر لازمة كل هذا فيما لا يذكر من الكلمات , وسبحان من وسعت كلماته القليلات كثير المقابلات , وحقا فإنها الكوثر كلمات الرحمن .
عصمنا الله من الزلل والخلل .

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.