سورة التكاثر !

نبدأ اليوم في تناول سورة التكاثر لنحاول أن نستخرج منها الصورة العامة الشاملة التي احتوت حياة الإنسان وسلوكه على وجه هذه البسيطة !
لنوضح أن السورة على صغر مبناها فعظيم وجليل هو معناها وجد هام للإنسان , لأن السورة تمثل رسالة تحذير من رب البرية إلى خلقه من البشر ! لذا لنبدأ مع هذه الرسالة لنر ماذا يقول الرب القدير للعبد الغافل :

تبدأ السورة بقوله تعالى ” ألهاكم التكاثر ” ونلاحظ أن الخطاب في هذه الآية أتى بصورة الماضي في صيغة خبرية عامة لم يحدد من المخاطب منها , فيتم تعميم الخطاب إلى البشرية كلها وليس إلى المسلمين فقط وكذلك في كل الأزمنة وليس في زمان واحد !

وهو خبر صادق صدقه ويصدقه وسيصدقه الواقع فما من إنسان إلا وهو مشغول بشكل من أشكال التكاثر لا محالة ! وكلمات هذه السورة كلها معروفة ومفهومة للعوام وللخواص فليس في السورة كلمة واحدة غامضة أو مما قد يغفل عنه الإنسان 

ولكنا على الرغم من ذلك نقوم بالتعرض للكلمة من باب إعطاء القارئ المعنى الجامع للمفردات ,
فنقول :
” لهو ” كما جاء في المقاييس : اللام والهاء والحرف المعتلّ أصلانِ صحيحان: أحدهما يدلُّ على شُغْل عن شَيءٍ بشيء، والآخر على نَبْذِ شيءٍ من اليد . فالأوَّل اللَّهْو، وهو كلُّ شيءٍ شَغَلك عن شيء، فقد ألهاك ……. “اهـ
والكثرة أصل صحيح يدل على خلاف القلة ! ,

والتكاثر صيغة تفاعل من كثر وهي صيغة تدل على الاشتراك والتداخل بين الأطراف في فعل الشيء ! وإذا نحن نظرنا في الآية وجدنا أن التكاثر ورد هكذا مطلقا بدون تحديد فلا ينبغي علينا أن نحدده نحن بل نتركه كما هو مطلقا , فيدخل تحته أي شكل من أشكال التكاثر الدنيوي التي يتحرك من أجلها البشر ! فسواء كان تكاثرا في المال أو العيال , وهذان هما أكثر ما يصدق عليهما التكاثر لاحتياج المكاثر فيهما إلى غيره لا محالة بخلاف أي شكل آخر من أشكال التكاثر والتي قد يستكثر فيها الإنسان بنفسه !

ومما يعجب منه المرء ما أورده المفسرون في تفسيرهم لمعنى التكاثر , فنجد أنهم أوردوا احتمالات لهذا المعنى لا تتناسب مع السياق بأي حال مثلما ذكره الإمام الفخر الرازي في تفسيره حيث قال :
” والتكاثر التباهي بكثرة المال والجاه والمناقب يقال : تكاثر القوم تكاثراً إذا تعادلوا مالهم من كثرة المناقب ، وقال أبو مسلم : التكاثر تفاعل عن الكثرة والتفاعل يقع على أحد وجوه ثلاثة يحتمل أن يكون بين الإثنين فيكون مفاعله ، ويحتمل تكلف الفعل تقول : تكارهت على كذا إذا فعلته وأنت كاره ، وتقول : تباعدت عن الأمر إذا تكلفت العمى عنه وتقول : تغافلت ، ويحتمل أيضاً الفعل بنفسه كما تقول : تباعدت عن الأمر أي بعدت عنه ، ولفظ التكاثر في هذه الآية يحتمل الوجهين الأولين ، فيحتمل التكاثر بمعنى المفاعلة لأنه كم من إثنين يقول كل واحد منهما لصاحبه : { أَنَاْ أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً } [ الكهف : 34 ] ويحتمل تكلف الكثرة فإن الحريص يتكلف جميع عمره تكثير ماله ، واعلم أن التفاخر والتكاثر شيء واحد ونظير هذه الآية قوله تعالى : { وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ } [ الحديد : 20 ] . ” اهـ

أما مسألة أن التكاثر بمعنى الكثرة فقط فمردودة بداهة لأن هناك فارق في المبنى بين الإثنين لذا فلا اعتبار لهذا القول , وأما مسألة أن التفاعل بمعنى التكلف فقول متكلف ! لأن الله تعالى يقول أن التكاثر ألهانا والشيء الذي يلهي يكون موافقا لطبيعة الإنسان حتى أنه يلهيه عن غيره من الأشياء بخلاف الشيء المتكلف !

إذن فالله تعالى يخبرنا في هذه الآية بجانب نفسي عظيم من جوانب الإنسان وهو أن الاستكثار هو مما جبل عليه الإنسان في طبعه ! ونجد هذا الطبع في الطفل الصغير قبل الرجل الكبير ! فنجد أن الطفل على الرغم من أنه قد يكون في يده لعبة أو لعبتان إلا أنه يريد أن يأخذ اللعب الأخرى الموجودة مع باقي الأطفال أو يريد أن يجمع باقي اللعب الموجودة والمتناثرة في الغرفة لتكون تحت يده ,

فالتكاثر مما فطر الله الناس عليه , لأن الإنسان يشعر في ذاته دوما وأبدأ بالنقص فيحاول أن يجبر هذا النقص لا شعوريا عن طريق الاستكثار مما قد يتملك عله يجبر نقصه وأنى له هذا ! ويدخل تحت هذه الآية كل أشكال وتحركات الإنسان منذ أن وجد على هذه البسيطة ,

فالإنسان يريد أن يتكاثر فيبحث عن المرأة والعيال ويريد أن يزيد ماله فيتجر ويريد أن يصير ذا منعة فيبحث عن الأعوان والأصدقاء والمعارف ويريد أن يزيد قوته وعافيته عن طريق منع أسباب المرض ! ويريد أن يزيد من علمه الدنيوي فنجد أن هذه الآية شملت كل ما يقوم به الإنسان منذ مولده إلى موته لا يخرج عنها قدر أنملة فالإنسان في رحلة تكاثر , وإن لم يكن مكاثرا في أي مجال كان إنسانا خاملا لا غرض له في هذه الحياة !

ونتوقف هنا مع ما ذكره الإمام الفخر الرازي في تفسيره حيث قال : ” الآية دلت على أن التكاثر والتفاخر مذموم والعقل دل على أن التكاثر والتفاخر في السعادات الحقيقية غير مذموم ” اهـ

ولست أدري صراحة أين دلت الآية على أن التكاثر مذموم , الآية تتحدث عن ملهاة التكاثر لنا , لا أن التكاثر في حد ذاته مذموم , فإذا أنت كاثرت كما يحلو لك ولم يلهك ذلك عن الآخرة كان ذلك محمودا بل مأمورا به ! فأين ذم التكاثر في الآية ؟!

وهنا نسأل : عما ألهانا التكاثر ؟ نلاحظ أن القرآن لم يذكر صراحة مفعولا لألهى على الرغم من كونه متعديا , وإنما جعل باقي السورة دليلا جليا على المفعول المتروك , فوضح حال الإنسان وفعله بآيتين ثم رد عليه كيف سيكون حاله وكيف ينبغي أن يكونه بباقي السورة !

إذا فلقد جعلنا التكاثر لاهين غافلين مشغولين , ولكن إلى أي درجة وصلت هذه الغفلة ؟ يوضح القرآن لنا في قوله تعالى ” حتى زرتم المقابر ” أن درجة غفلتنا عن الآخرة وصلت إلى أننا زرنا المقابر !

والمعنى المتبادر إلى الذهن من زيارة المقابر هو زيارة المقابر ! ولكنا نجد أن بعض السادة المفسرين ذكروا أن المراد من زيارة المقابر هو الموت ! وقالوا أن في هذا المعنى إشارة بديعة من القرآن فالإنسان عندما يموت ويدخل القبر لن يستقر فيه ولكنه سيبعث مرة أخرى وسيخرج منه , فيكون على طول استقراره فيه زائرا حتى تقوم الساعة فيكون فيها دار القرار !

وهنا نتوقف لنرجح أي المعنيين هو المراد في هذه الآية :
أول ما يلحظه المرء في هذه الآية أن الآية استعملت لفظ المقابر بدلا من القبور , وهذا اللفظ لم يستعمل إلا في هذه السورة فقط , فهو لم يرد في القرآن كله إلا مرة واحدة وما عدا ذلك وردت لفظة ” قبور” وهي خمس مرات في القرآن كله :
َ” وأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ [الحج : 7]
وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ [فاطر : 22]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ [الممتحنة : 13]
وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [الإنفطار : 4]
أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ [العاديات : 9] “
إذا مع الأموات استعمل ” قبور ” وهنا استعمل كلمة أخرى فيكون المراد مختلفا ! الله عزوجل نسب الفعل حقيقة إلى فاعله وهو المخاطب وهو بنو الإنسان !
فلم نجعله من باب المجاز فالإنسان الميت لا يزور القبر وإنما يُدخل ويُحمل إليه , ثم كيف ننزع نحن هذه الكلمة من السياق ونقول أن المراد من الخطاب في أول السورة هو كل البشرية أما في هذه الآية فالمراد منها من مات منهم ! فما الدليل على التخصيص ؟
لا دليل على ذلك , بل إن الآية التالية تعود فتخاطب نفس المخاطبين في الآيتين الماضيتين فتقول ” كلا سوف تعلمون ” ,
فهل هذا الخطاب في هذه الآية والآيات التاليات إلى آخر السورة إلى الأموات والأحياء أم أنها إلى الأحياء فقط ؟ بداهة هي للأحياء فقط ! ثم إن السياق العام يوجب أن يكون الفعل المذكور من الإنسان على سبيل المبالغة في اللهو والغفلة هو من فعل الإنسان ,

أي أنكم اي البشر غافلون لدرجة أن المقابر أصبحت مزارات بالنسبة لكم ! أما أن يقال : ألهاكم التكاثر حتى متم كلا سوف تعلمون ! فلا يستقيم المعنى بحال , ثم إن الفعل الوارد في الجملة هو فعل ماض مخبر عما حدث من الإنسان فعلا , فكيف أخاطب الإنسان بفعل لما يحدث له بعد بصيغة الماضي ؟ فيصبح هذا الخطاب مثل قولي لمن لم يدخل الامتحان بعد : ألهاك اللعب حتى أنك رسبت !

إذا فهناك قبور وهناك مقابر , وبداهة الإثنان ليسا واحدا , فليست المقبرة هي القبر حتى تكون المقابر هي القبور , ولم يستعمل القرآن هنا ” مقابر ” بدلا من قبر من أجل ألفاصلة ولكن استعملها من أجل مناسبة المعنى ! فالمقبرة هي مجتمع القبور , أما القبور فقد تكون أي عدد من القبور كثيرا كان أو قليلا !

إذا فالقرآن يخبرنا أن التكاثر ألهانا لدرجة أن المقابر – وهي الأماكن التي يوجد فيها عدد كبير من الأموات – أصبحت مكانا للزيارة وأصبحت تزار ونحن لاهون ! فلم يعد الموت دافعا لنا إلى التفكر في الآخرة وإنما أصبح حالة عادية ! وحدثا مألوفا في حياة الإنسان لا ينشغل به باله , فكل إنسان مشغول بتكاثره ويظن أن الموت لن يأتيه أو أنه سيكون استثناء , ولكن الموت يأتي الجميع فينهي هذا التكاثر وتبدأ مرحلة التفتت والانحلال والإضمحلال !

وبعد أن وضح الله عزوجل جال الإنسان تجاه الآخرة والموت بدأ في التحذير والتنبيه فقال : ” كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون ” , ما هو تعلق ” كلا ” ؟ تعلق ” كلا ” هو بقوله تعالى ” ألهاكم ” ,

فالله تعالى أخبر البشر أنهم لاهون غافلون لدرجة كبيرة ثم يخبرهم معترضا أن هذا اللهو ليس إلى ما لا نهاية وأن هذه الغفلة لن تستمر , فقال لهم : كلا سوف تعلمون ! أي أن هذه الغفلة عن حال الإنسان ووضعه في الدنيا وكذلك الغفلة عن الآخرة لن تستمر بل سترفع وسيعلم الإنسان كيف هو حاله في الدنيا وكيف هي الآخرة !
ثم عاد الرب العليم فكرر وقال ” ثم كلا سوف تعلمون ” فأفادت هذه الآية تكرر حدوث العلم للإنسان , فليس المراد من الآية التأكيد على حدوث العلم , وإنما تفيد أن هذا العلم سيحدث مرة أخرى مفصولا بفاصل زماني عن الحدوث الأول لاستعماله سبحانه وتعالى ” ثم ” إذن فنخرج من هاتين الآيتين أن الله تعالى يخبر البشر أنهم لن يظلوا هكذا ملهين بهذا التكاثر وأنه سيعلمهم بما يكشف عنهم هذا اللهو ,

وهذه السورة مكية والمرء يجزم بدون علم تاريخ نزولها أنها من أول ما نزل من القرآن , فهي تعد بأن الله سيكشف هذا الإلهاء وأن هذا الكشف سيتكرر وهذا ما حدث فعلا , فنزل القرآن وتتابع حتى أتمه الله وعرف به البشر مراد الله عزوجل منهم فكان هذا أول علم ,
وبالنسبة لنا فأول علم يكون ويحدث مع قراءة القرآن أما العلم الآخر الذي سيحدث بعد فترة فهو إما عند الموت أو يوم القيامة ! وبذلك يتحقق العلم ! وقيل أن المراد من ذلك أن الحدوث الأول سيكون عند الموت والثاني يوم القيامة ! ولكن هذا القول بعيد , فلو كان المراد من العلم الأول هو حدوثه عند ساعة الموت فلا فائدة منه ولا من تكراره فإن الإنسان ميت ثم بعد ذلك مبعوث ومحاسب ,

فماذا ينفعه العلم إذا في الارتفاع عن هذا الالتهاء ؟ لا يفيده في شيء , أما مع القول بأن المراد من العلم الأول هو العلم عن طريق القرآن وأن العلم الثاني يكون عند الموت أو البعث فيجده مطابقا للقرآن فيكون هناك فائدة من العلم !
ثم ينتقل الله عزوجل إلى مقطع آخر وهو قوله ” كلا لو تعلمون علم اليقين ” , ما هو متعلق ” كلا ” في هذه الآية ؟

قال المفسرون أن متعلقها هو نفس متعلق ما قبلها , إلا أننا نرى أن متعلق ” كلا ” في هذه الآية هو قوله تعالى ” كلا سوف تعلمون ” الأولى , فكما قلنا أن الله أعلم البشر عن طريق قرآنه حالهم وما ينبغي أن يكونون عليه وكيف هي الآخرة والعقاب والثواب إلخ ما أعلم الله به في القرآن !
فيقول لهم هنا : أن علمكم هذا ليس هو من باب العلم الكامل المتيقن بل هو علم لم يصل إلى مرحلة اليقين بعد , فأنتم علمتم ما في القرآن أو علمتم ما سيكون في القيامة ولكنكم لم تتيقنوا منه بعد ! فلا يزال لديكم بواقي شك في هذه المسائل واليقين هو زوال الشك .

وهنا نتوقف لنسأل : ما المراد من علم اليقين ؟
اختلف السادة المفسرون كالعادة في هذا الأمر , فقالوا كما ورد في تفسير الفخر الرازي :
” وجهان أحدهما : أن معناه علماً يقيناً فأضيف الموصوف إلى الصفة ، كقوله تعالى : { وَلَدَارُ الأخرة } [ يوسف : 109 ] وكما يقال : مسجد الجامع وعام الأول ( وبداهة ليس هذا هو مراد الله عزوجل لأنه لم يقل : علما يقينا ! وإنما قال : علم اليقين ! )
والثاني : أن اليقين ههنا هو الموت والبعث والقيامة ، وقد سمي الموت يقيناً في قوله : { واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين } [ الحجر : 99 ] ولأنهما إذا وقعا جاء اليقين ، وزال الشك فالمعنى لو تعلمون علم الموت وما يلقى الإنسان معه وبعده في القبر وفي الآخرة لم يلهكم التكاثر والتفاخر عن ذكر الله ،
وقد يقول الإنسان : أنا أعلم علم كذا أي أتحققه ، وفلان يعلم علم الطب وعلم الحساب ، لأن العلوم أنواع فيصلح لذلك أن يقال : علمت علم كذا . ( وهذا قول عجيب أعجب من سابقه , ولست أدري كيف يعلم الإنسان علم الموت ! هل هذه جملة ذات معنى مفيد ؟! )” اهـ

نخرج من هذا أن الوجهين الذين ذكرهما الفخر الرازي لا يتفقان مع الآية , فنعود فنسأل : ما المراد من علم اليقين ؟ نقول :
نلاحظ أن الله تعالى أخبر أننا سوف نعلم , وكرر هذا الخبر , ثم عاد فأخبرنا أننا لو علمنا علم اليقين ؟ فهذا يعني أننا لا نعلمه , فما هو هذا العلم اليقيني ؟ علم اليقين هو لا محالة القرآن الكريم ! 
فالناظر يعرف بداهة أن العلم الوحيد الذي يحتوي اليقين من حيث صحته وثبوته وثباته هو القرآن الكريم فكل ما جاء فيه هو من اليقين لذلك فهو علم اليقين !

إذا فالله تعالى يخبرنا أننا لو علمنا علم اليقين الذي هو القرآن ” لترون الجحيم ” والعجيب أن السادة المفسرين متفقون أو يكادون على أن جواب ” لو ” محذوف وليس هو ” لترون الجحيم ”
, وهذا مبني على تأصيلهم الفاسد بوجود محذوف في القرآن , وتمحكاتهم من أجل إثبات هذا المحذوفولكنا لا نقول بوجود أي محذوف في القرآن , لذا فإنا نقول أن الجواب هو ” لترون الجحيم ” أي أننا لو علمنا علم اليقين , والعلم هو كما جاء في المقاييس :
” العين واللام والميم أصلٌ صحيح واحد، يدلُّ على أثَرٍ بالشيء يتميَّزُ به عن غيره .من ذلك العَلامة، وهي معروفة. يقال: عَلَّمت على الشيء علامة. ” اه
ـ
أي أن القرآن لو أثر فينا حق التأثير وآمنا به حق الإيمان لرأينا الجحيم ! وهنا نلاحظ أن الله تعالى قال ” لترون الجحيم ” ولم يقل ” لترون الجنة ” مثلا ؟ فلم ؟
هناك من يقول : إن في هذا إشارة إلى أن من علم علم القرآن رأى الدنيا على حقيقتها ورأى فيها جحيما حاجبا للإنسان عن الجنة وعن الله عزوجل وأن النعيم الحقيقي هو في الجنة عند الله عزوجل , لذلك قال : لترون الجحيم !
ولا يعني هذا أن الدنيا شر وإنما لأن الإنسان مهما كان منعما في الدنيا فهو مقارنة بما في الجنة هو في جحيم , فالدنيا مليئة بالمصاعب والمتاعب والمشاق فهي جحيم , لذلك ورد في الحديث ” الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ” فالدنيا جحيم مرفوع يوم القيامة إما إلى الجحيم الحقيقي أو إلى النعيم المدام !

وأنا أرى والله أعلم أنه خص الجحيم بالذكر لأن الإنسان الذي يعلم علم اليقين يرى الجحيم عقلا ( والرؤية صنفان بصرية وعقلية ) ماثلا أمام عينيه في كل فعل يفعله أو قول يتفوهه من خلال وصفها في القرآن الكريم ويعلم كم هي عقاب أليم شديد للغافلين فيكون كل همه هو النجاة منها فيبتعد عن الغفلة واللهو , والناس في حياتهم يطبقون مبدأ ” دفع المفاسد مقدم على جلب المنافع ” بدون أن يشعرون ,

لذلك فإن هم الإنسان عالم علم اليقين أن يبعد عن الجحيم , كما أن الجحيم هي المناسبة للموقف التالي الذي سيذكره الله تعالى لنا في آخر السورة . ثم ينتقل الله عزوجل إلى موقف آخر يوضح لنا فيه أن ما رأيناه عقلا في الدنيا ( إذا علمنا علم اليقين ولم نكن من اللاهين الغافلين ) سنراه في الآخرة حقيقة ماثلة أمام أعيننا , لذلك قال لنا ” ثم لترونها عين اليقين ” ,

وكما قلنا فإن علم اليقين هو ما ورد في القرآن ونحن رأينا الجحيم في القرآن بأوصاف معينة وسنأتي يوم القيامة فنجد الجحيم هي عين اليقين , والمعنى المراد من العين هنا بداهة هو ” نفس ” كما نقول : هو عين الشيء أي نفسه ! أي أننا سنرى الجحيم يوم القيامة هي عين اليقين أي نفس ما ورد في القرآن وكما رأيناها بعقولنا في الوصف القرآني , فلا شك فيها ولا جدال .

وفي هذا اليوم العظيم بعد أن نرى الجحيم عين اليقين عيانا كما جاءت في القرآن يكون حدث آخر وهو قوله تعالى ” ثم لتسألن يومئذ عن النعيم “ أي أنكم أيها الناس – كل الناس وليس المسلمين أو الكافرين فقط – المسكثرون اللاهون الغافلون مسؤولون يوم القيامة وأنتم ترون الجحيم عن النعيم , وليست في الآية أي إشارة أو ذم للنعيم وإنما كل ما هنالك أن الله تعالى يقول أننا سنسأل عن النعيم ,
فإن كان من حلال فلا حرج وإن كان غير ذلك ففيه كل الحرج ! وفي هذه الآية يشير الله تعالى بقوله ” النعيم ” إلى ” التكاثر ” المذكور في أول السورة و ففي أول السورة أعلمنا أن التكاثر ألهانا وفي آخر السورة يخبرنا أننا مسؤولون عن النعيم , فليكن فعلنا للتكاثر مرتهن بأننا سنسأل عنه يوم القيامة فليس هذا الأمر هكذا متروك وإنما له عاقبة وسؤال وعقاب , فمن عرف العقاب أحسن العمل أما من أمن العقوبة فيسيء الأدب .

التقسيم العام للسورة :
الناظر في السورة يجد أنها ذات فاصلة رائية نونية مكرورة ثم فاصلة نونية ميمية نونية مكرورة في المقطعين الأخيرين للسورة .

سورة التكاثر مبنية من ثمان آيات , وهي أربعة مقاطع وكل مقطع مكون من آيتين إثنتين . فالمقطع الأول ” ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر ” والمقطع الثاني قوله تعالى ” كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون ” والمقطع الثالث قوله تعالى ” كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ” والمقطع الرابع والأخير هو قوله تعالى ” ثم لترونها عين اليقين ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ” .

المنظور العام للسورة :
السورة ذات منظور جد واضح لكل ذي عينين فالناظر يجد أنها رسالة ننبيه من الله عزوجل للبشر فهي تنبههم أن دورهم في الحياة وهو التكاثر قد ألهاهم عن الموت والدار الآخرة حتى أن زيارة المقابر لم تعد ذات تأثير ثم يخبرهم الله عزوجل أن هذا اللهو وهذه الغفلة مرفوعة وسيحدث للإنسان ما يرفع لهوه وسيكون ذلك العلم بالقرآن وعند الموت أو يوم القيامة ثم يخبر القرآن أن الناس لو علموا علم اليقين الخارج من القرآن لرأوا الجحيم رؤية عقلية تجعلهم يوجهون حياتهم توجيها صحيحا مناسب لدورهم في الحياة ,

ولكن هذا لا يحدث للأسف البالغ . لذا فالله تعالى يخبرنا أنه حتى لو لم نرها في الدنيا فسنرها في الآخرة مطابقة لما ورد في القرآن وفي هذا اليوم سنسأل عن النعيم , لذا فليكن تحركنا من أجل النعيم تحركا محكوما بضوابط الله عزوجل وليس من أجل النعيم لنفسه فقط ! فهل انتبه الناس ؟ للأسف لا يزال الناس لاهين , وبهذا يصدق الوصف القرآني إلى قيام الساعة ” ألهاكم التكاثر ” !


الوحدة الموضوعية للسورة :
لا أعتقد أن أحدا يشكك في الوحدة الموضوعية للسورة , فالسورة رسالة تنبيه من أولها إلى آخرها , تنبيه إلى اللهو الغفلة عن الدور الحقيقي للإنسان في الحياة وتنبيه إلى أن الإنسان معرض عن العلم على الرغم من تحقق حدوث هذا العلم وتنبيه إلى أن تحقق العلم مؤدي إلى تغير نظر الإنسان إلى الحياة فيقبل على الآخرة , وفي آخر الرسالة تأكيد على أن ما جاء فيها حق واقع سيراه الإنسان حيث يحاسب على لهوه هذا .
عصمنا الله من الزلل والخلل !

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

حول “الإبصار”

وذلك لأن الإنسان عجول بطبعه, فمنذ الطفولة المبكرة -ربما بعد معرفته أسماء الأشياء وقدرته على تكوين جمل صحيحة, - يظن أنه أصبح بصيراً, يدرك الأمور ومآلاتها وأدوارها كأبويه أو أفضل, ومن ثم يمكنه الحكم بمفرده على الأشياء, هل هي جيدة أم سيئة, مقبولة أم مرفوضة, كيف ينبغي أن يكون رد الفعل للفعل الفلاني, كيف ينبغي التصرف في الموقف الفلاني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.