النبي الأمي !

كنا قد أخبرنا في موضوع سابق أننا سنفرد موضوعا منفردا للحديث عن كتابة الرسول المصطفى وكيف أنه تعلم القراءة والكتابة وأصبح قارئا كاتبا بعد القرآن وأنه هو الذي كتب القرآن بنفسه !

وعند الحديث عن هذا الأمر يقابل المرء الاعتراض الأكبر وهو وصف النبي الكريم بالأمي في القرآن . ولما كان الناس قد أساءوا فهم كلمة ” الأمي ” فهما ضيقا خرجوا علينا بآراء تؤدي إلى تعارضات بين آيات الكتاب العزيز .

ولكن عند استعمال المنهج التوسعي في فهم كتاب الله تعالى يخرج لنا معنى جديد يبرز عظمة الرسول والقرآن في آن واحد .

ونحن كما وضحنا في كتابنا الكبير ” لماذا فسروا القرآن “ أهمية اتباع المنهج الموسع في فهم كتاب الله . ونقدم للقارئ الكريم في هذا الموضوع فهما موسعا للفظة ” الأمي ” المنعوت بها النبي الكريم . والموضوع للشيخ صلاح الدين إبراهيم أبوعرفة وهو من أروع ما قرأت وهو جد ضروري كمقدمة للحديث عن كتابة الرسول وتعلمه :

” لم ترد “الأمي” وصفاً لرسول لله في القرآن إلا مرتين، ولم يوصف بها نبيًاغير محمد عليه الصلاة والسلام، فوردت مرة في دعوة اليهود والنصارى لوجوب إتباعه على أنه ” الرسول النبي الأمّي “، ثم في الآية التي تليها مباشرة من سورة الأعراف ” قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السموات والأرض، لا إله إلاهو، يحيي ويميت، فآمنوا بالله “ورسوله النبي الأمّي” الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون [الأعراف : 158] “
فبهذه الصفات الثلاث متتالية يوجب الله على الناس جميعاً – بما فيهم أهل الكتاب – أن يتبعوا هذا ” الرسول النبي الأمّي”..

و الشائع عند العلماء أن المراد من ” الأمي ” هو الذي لم يكن من أهل الكتاب أو لا يستطيع القراءة والكتابة , و لكن ما المزية في هذه الصفة التي يجب أن يتفرد بها النبي (ص) حتى أنها تكون ركناً وشرطاً أساساً في وجوب اتباعه من الناس كافة , كرُكني الرسالة والنبوة، يجد المدعو بهذه الآية نفسه طائعاً مقتنعاًبوجوب اتباعه لأنه “الأمّي” والرسول والنبي!. , إذا ماذا؟.

فنقول ” الأمّي” أصلها ” أُمْ ” أضيفت إليها ياءُ النسبة، ك ” مكِّي ” نسبة لمكة، والأم بلسان القرآن العربي: الأصل والأول، فأم الرجل أصله وأوله ومنشأه، كما في سورةالقَصَصْ ” وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في ” أُمِّها ” رسولاً [القصص : 59] “ ، أي في أصولها وجمعها, وآيةآل عمران دليل آخر ” هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب “ بماتحمله الآية من معاني الأصول والجوهر.

فهو بذلك الرسول النبي ” الأصل ” و ” الأول ” بكل ما تعنيه الكلمة من معاني ” الأصل ” في الرسالة والمنشأ, وحتى ” أصل ” اللغة واللسان

فهو بهذا ” أم ” الرسالة والنبوة، لم يرسل رسول ولا نبي، إلا وأُمر باتباع ” الرسول النبي الأمّي “, وأن يأمر قومه باتباعه !

فكان بذلك كل نبي ورسول يرسل الى قومه خاصة وهويعلم أن محمدا رسول الله، ويأمر بها قومه، حتى إذا أدى كل نبي ما عليه في كل الأمم، بُعث الرسول النبي ” الأمّي” عامة لكل الأمم، فكل الرسل والنبيين مقدِّمون ” خاصون “للرسالة العامة ” الأم ” بالرسول النبي ” الأمّي “.

أمية أخرى عظيمة: فهو رسول الله الى الناس جميعاً كونه ” الأمّي “, نسبة الى منشأ الناس الأول، وقريتهم الأم ” أم القرى “، ” لتنذر أم القرى ومن حولها…[الشورى : 7] ” و” إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة …[آل عمران : 96] “،
فمكة ” أم القرى ” وأصل نشأة الناس وانتشارهم ، ليكون بذلك النبي ” الأمّي ” للناس جميعا ً, كونه من ” أم قراهم “، ومن ” بيت ” أبيهم الأول ، وإن تباعدت بهم السبل وتفرقت بهم الأرضون، فهذه أرضهم ” وبيت ” أبيهم آدم من قبل, فهو لهم كافة.

أمية ثالثة كبيرة: ثم هو النبي ” الأمّي ” الوحيد الذي تكلم بلغة الناس ” الأم “، ولعل هذا الفهم الذي نطرحه، ما قد يحل سؤالاً عظيماً, ألا وهو..ما ورد في آية سورة إبراهيم ” وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم : 4] “

, فأرسل نوح بلسان قومه ليبين لهم، وكذا موسى وعيسى، وسائر النبيين، فإذا كان رسول الله محمد رسول الى الناس جميعاً ، وكتابه الوحي رسالة الناس جميعاً, وجب أن يكون لسانه لسان الناس جميعاً , وهذا ما لم يكن فيما يظهر لنا ونراه , فكيف يستقيم هذا ؟

وكيف يعقل أن موسى النبي الخاص لبني اسرائيل يبعث بآية يعقلها كل أهل الأرض, ومثله عيسى ابن مريم, ويرسل محمد رسول الله إلى الناس جميعاً بآية لا يعقلها إلا خاصته وقومه ؟!, هذا إلا أن يكون أمراً آخر وأعظم مما كان يبدو لنا.

فآية إبراهيم تحل مسألة وتفرض فرضاً، نقرأه بالمفهوم اللازم للنص، أنه إن كان كل رسول يرسل بلسان قومه ، فيكون لسان القوم لسان نبيهم , وأرسل محمد عليه الصلاة والسلام الى الناس جميعاً , لزم أن يكون لسان الناس جميعاً , لسان نبي الناس جميعاً , محمد عليه الصلاة والسلام بلسانه العربي “الاُم “, الذي أرسل به وأنزل به كلام الرب الذي خلق الناس جميعا!.

فهو بهذا أرسل بلسانهم ” الأم ” الذي كان عليه الناس أول ما كانوا, ثم تبدلت ألسنتهم واختلفت, فعليهم هم أن يرجعوا إلى لسانهم الأم, لسان نبيهم ” الأم “محمد .

وليس بين كل إنسان مهما كانت لغته وعمرها وأمته وحضارتها, ليس بينه وبين لسان النبي ” الأم ” إلا أم هذا الانسان وأبوه, فإن نشأ الغلام الصيني مثلاً بين العرب تكلم بلسانهم كواحد منهم بلا خلاف, دون أن يكون لخمسة آلاف سنة من حضارة قومه شأن ولا مانع. وفي القرآن شاهد على ما نقول،

فالقرآن لا يُقر إلا ” لسانين ” إما عربي أو أعجمي ، فكل الألسن على اختلافها ما لم تكن عربية فهي أعجمية ،والأعجمي هو الذي لا يُبين ولا يُفصّل. ” والعربي ” لغة : ما أبان وفصّل , وهذا ظاهر نصوص القرآن.

وآية سورة ” فصلت ” تفصل هذا بوضوح ، ” ولو جعلناه قرآناً أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته، أأعجمي وعربي [فصلت : 44] “
، فالأعجمي بنص الآية غير مفصَّل ولا مفصِّل ،إنما هاتان الصفتان للسان” العربي, ” ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر، لسانالذي يلحدون إليه أعجمي ، وهذا لسان عربي مبين [النحل : 103] “،
فالأعجمي لا يبين ، إنما العربي هوالمفصل المبين , ” حم، تنزيل من الرحمن الرحيم، كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون [فصلت : 1- 3] “

ولعل هذا الفهم أيضاً بخصوص الفرق بين العربي والأعجمي , قديحل مشكل آية فصلت ، {ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته، أأعجمي وعربي }.
فكل من ينظر في التفسير يجد خلافاً في التأويل لا يكاد يشفي سائلاً ولا مستفسراً, أما بهذا الفهم فيمكن حل مشكِلها، فالعربي هو المفصل فقط، فلا يكون أعجميا ومفصلاً، لتفهم الآية بعدها هكذا: “ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولافصلت آياته, أأعجمي ” ومفصل ” ؟!, فلا يطلب التفصيل في ما أعجم ؛ إنما العربي هوالمفصل!.

ولسان العرب حجة لما نقول ، فيقال: رجل مُعرِب إذا كان فصيحاًمبيناً , وإن كان عجمي النسب, والإعراب هو الإبانة .
بهذا يصبح ” الرسول النبي الأمّي ” واجب الأتباع بهذه الأركان الثلاثة , أمّية الرسالة والنبيين وإمامتهم ، و” أمّية ” الأرض والمنشأ في أم القرى ،وأمّية اللسان واللغة ، فهو للناس جميعا بلسانهم ” الأم ” وإن تبدلوا بها أي لغة كانت فهذا لسانهم ” الأم ” أولى بهم أن يتعلموه وأن يرجعوا له ، وهذه أرضهم ” الأم ” وبيت أبيهم الأول.
بهذه الثلاث يصبح الرسول النبي ” الأمّي ” ملزم الإتباع واجب القبول.

ولنا اليوم -بهذا الفهم لا بالفهم السابق- أن ندعو أهل الكتابوالناس جميعاً لاتباعه , فهو نبيهم ” الأم ” بكل ما في الكلمة من معاني. ” اهــ

فجزى الله الشيخ صلاح كل الخير على هذا الخير . وفي الموضوع القادم يجد القارئ الإثبات بالأدلة والبراهين من الكتاب والسنة أن الرسول أصبح قارئا وكاتبا .

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.