بل تقطع يد السارق !

لإسلامنا الحنيف نظامه الخاص الذي يتمتع بالأصل الرباني في كل شيء , ومن ضمن ما يتمتع بالأصل الرباني في الإسلام الجزء التشريعي ,

ومما يعجب منه المرء وجود بعض المنتسبين إلى الإسلام الذين يرفضون قبول التشريع الإسلامي بحجة أنه لم يعد صالحا هذه الأيام , وذلك لشمول علمهم وعقلهم , وقصور علم الله – والعياذ بالله – عن الإتيان بتشريع مناسب لكل زمان ومكان .

ومما يأسف له المرء أن يظهر بعض الباحثين المحملين بأفكار مسبقة في التعامل مع كتاب الله تعالى فيلوون أعناق النصوص ليخرجوا منها بما كان في أذهانهم مسبقا مدعين أن هذا ما جاء في كتاب الله تعالى وما أمر به سبحانه !

ومن هؤلاء الذين يزعمون أنه لا يوجد قطع لليد في حالة السرقة ! مدعين أن القرآن لم يأمر بذلك , وبداهة هم يردون كل الأحاديث الواردة في هذه المسألة لكونها مخالفة للقرآن الكريم , – كما يفهمونه هم طبعا –

. ولكن أي إنسان مسلم يعلم أن هناك آية تتحدث صراحة عن حد السرقة فتقول : “والسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [المائدة : 38] “

والآية كما نرى واضحة ولا تحتاج إلى بذل أي مجهود في فهمها , ولكن السادة المنكرين لحد السرقة قالوا : ليس المراد من ” فاقطعوا أيديهمها ” البتر ,وإنما المراد الآتيان بالوسائل التي تؤدي إلى منع السرقة ,

فليس المراد من اليد العضو المعروف وإنما هذا على سبيل المجاز – الذي لا أصل له في القرآن ! – كأن يحبس السارق مثلا أو يوفر له من العمل ما يمنعه من السرقة . ونضيف نحن : بأن نعين لكل لص حارس يحميه ويمنعه من السرقة في نفس الوقت .

والناظر في الآية يعجب مما يقولون , فبغض النظر عن التطبيق النبوي المنقول إلينا بالتواتر المعنوي والذي لا يمكن إنكاره , فإن الآية تكذب دعواهم هذه ,

 فالآية تقول : ” فاقطعوا أيديهما ” والأصل في القطع أن يكون إذا كان متعلقا بعضو أن يكون بمعنى البتر والفصل , كما أن الأصل في الأيدي هو العضو المعروف , إلا إذا قامت قرينة تصرف المعنى عن الأصل المتبادر إلى الذهن , وليس في الآية أي صارف يصرف المعنى عن المدلول الإصلي والصارف موجود فقط في أذهان هؤلاء .


وحتى نؤكد لك عزيزي القارئ أن المراد من القطع هو البتر هنا , نذكر لك آية سابقة لهذه الآية في نفس السورة وفي نفس الربع وفيها يقول الله تعالى “ إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة : 33] “

فجزاء من يحارب الله ورسوله أن يقتل أو يصلب أو تقطع يده ورجله من خلاف وهنا نسأل السادة القائلين بأن المراد من القطع ليس البتر وإنما الحجز والمنع ! كيف تفهمون هذه الآية ؟ بداهة لا بد من الإقرار بما نقول – كما أعتقد !-

إذا فالمراد من القطع هو البتر لا محالة , وننتقل بذلك إلى نقطة أخرى وهي قول القائلين : نعم المراد من القطع هو البتر لا محالة ولكن الأمر في الآية لا يفيد الوجوب وإنما الجواز فيمكننا تخفيف العقوبة فلا تطبق إلا في حالات الضرورة القصوى أو لا تطبق بتاتا أو لا تطبق إلا إذا رأى الحاكم هذا

فنرد عليهم قائلين : الآية لا تتوافق مع دعواكم هذه , بل الأمر في الآية للوجوب كما هو العرف في القرآن كله , ونوضح لم أن الأمر هنا للوجوب وليس للجواز :
بدأ الله تعالى الآية بقوله “ والسارق والسارقة فاقطعوا ” فقدم المعمول ” السارق والسارق ” على العامل وهو ” فاقطعوا ” وتقديم المعمول على العامل يفيد الحصر , فإذا قلنا بالجواز كان لا فائدة من التقديم !

ربط الله العامل ب الفاء في قوله ” فاقطعوا ” أي أن السرقة الناتج الطبيعة للسرقة , فإذا لم يكن الأمر يفيد الوجوب فلا فائدة ! ثم إن الأصل في الأمر للوجوب فما الصارف هنا عن الوجوب .

السارق والسارقة : اسم جنس عام يشمل جميع أفراد جنسه فكيف نخرج بعض أفراده منه !

الله تعالى وضح أن القطع هو ” جزاء بما كسبا ” فإذا نحن لم نقطع أيديهما فنحن لم نعطهما جزاءهما كما أمر الله تعالى ,
ثم إن الله تعالى يوضح لنا الحكمة من القطع فيقول ” نكالا من الله ” أي أن المراد من القطع هو التنكيل بمن يأت بمثل هذا الأمر فيكون عبرة لمن يعتبر فلا يقدم غيره على الإتيان بهذا الفعل, والتنكيل لا يتفق مع القول بجعل القطع بمعنى المنع من السرقة … فأين التنكيل في العقوبة؟!

ثم إن الله تعالى يختم الآية بقوله ” والله عزيز حكيم “ فيا أيها القائل بعدم ضرورة القطع أو وجوبه أأنت الأحكم أم الله ؟!

الله يقول في نهاية تشريعه أنه حكيم , فإذا نحن لم نطبق أمره نكون قد وصفناه سبحانه بعدم الحكمة وبأنه لا يعلم الأفضل والأمثل لنا وما يقوم أمورنا . تعالى الله عن ذلك .

إذا نخرج من هذا كله بأن السارق تبتر يده ونقول : الآية على عمومها وكل سارق تقطع يده[1] , سرق من حرز أو من غير حرز, و حتى لو كان من بيت المال فهذا أولى في الزجر , حتى لا يتجرأ أحد على سرقة مال المسلمين وهو مطمئن أنه لن تقطع يده ,

ولقد كان بعض العلمانيين يعيب على هذه النقطة قائلا : أتريدون أن تقطعوا يد من سرق جنيهات قلائل و تحبسون من سرق ملايين الجنيهات لأنها من مال المسلمين وبها شبهه .

والمنطق الذي يتكلم به سليم وكانت هذه النقطة تضايقني كثيرا , ولكن بداهة هذا الاعتراض هو على تفسيرهم للآية , فالآية نفسها لم تقل هذا , بل قال به السادة الفقهاء , أما الآية فعامة ويجب أن تظل عامة ,

ولله در ابن حزم فقد ناقش هذه الأقوال و فندها , حتى أتى عليها , ومن يقرأ في كتب الفقه يظن أن على هذه المسألة إجماعا , ولكن الواقع غير ذلك , فمن يتتبع الأقوال في هذه المسألة يرى فيها خلافا عظيما ,

ومن يرد التفصيل فليرجع لتفصيل الإمام ابن حزم في كتابه المحلى عن هذه المسألة , حيث سفه أقوال المخصصين لهذه الآية وأظهر بطلانها و بين أن أدلتهم لا تعدو إلا أن تكون حديثا ضعيفا أو قول لصحابي خالفه فيه صحابة آخرون – هذا إذا كان قول الصحابي حجة أساسا – , فسقط الاستدلال بما يقولون ووجب بقاء الاية على عمومها[2] , وتفهم وتأول كما هي , والله أعلم .


الجزء المضاف
العبرة من العقوبة بالدرجة الأولى هي منع الجريمة وإشاعة جو من الأمن والأمان في المجتمع يأمن به الإنسان على نفسه وهذا يكون بعقوبة رادعة تجعل المنحرف يفكر كثيرا قبل انحرافه.

هناك شروط صارمة معينة لتنفيذ هذه العقوبات فلا تنفذ هكذا على أي شخص.
وتبعا لهذا نقول: ليست العبرة التعذيب وإنما الردع والتنكيل ومن ثم فمن الممكن أن تجرى العملية في تخدير وأربطة …. الخ
ولكن لا بد أن نضع في الاعتبار أن الله تعالى قال:
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40)

فنحد أنه بعد الحديث عن العقوبة تحدث الله عن التوبة والإصلاح وأنه من يتوب يتوب الله عليه, وعلى إثر هذه الآية اختلف الفقهاء في كون التوبة النصوح كافية لإسقاط الحدود أم لا, ولذلك وجدنا رأيا في الشافعية وعند الحنابلة!!! يقول بأن التوبة النصوح المتبوعة بتغير في السلوك كافية لإسقاط الحدود (بما فيها حد السرقة) وهذا هو الرأي الذي آخذ به الآن.

لقد رددت هنا على الذين أخذوا يحاولون فهم القطع بأفهام بعيدة وذلك لأنهم لم يلتفتوا إلى الآية التالية التي تتحدث عن التوبة وتوبة الله على من يتوب وأنه يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء.!

ومن ثم حاولوا أن يفهموا القطع بمعنى آخر!
أما نحن فنقول بالقطع نعم ولكن هناك توبة واستقامة كافية لدفع العقوبة عن من لا مبرر له للسرقة, فإن عاد منزوع المبررات إلى السرقة عُلم أن توبته غير صادقة ومن ثم يستحق ما ينزل به!
والله أعلى وأعلم

__________________________

[1]تقطع يديه فقط ولا يتعدى الحد إلى رجله كما قال بعض الفقهاء عند تكرار السرقة .

[2]نذكر كلمة عظيمة للإمام ابن حزم في هذه المسألة للذين يخصصون كتاب الله بالظنون , حيث قال ” ‏ وَجَدْنَا اللَّهَ تعالي يَقُولَ {‏وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنْ اللَّهِ‏}فَوَجَبَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ أَنَّ كُلَّ مَنْ سَرَقَ فَالْقَطْعُ عَلَيْهِ ‏,‏ وَأَنَّ مَنْ اكْتَسَبَ سَرِقَةً فَقَدْ اسْتَحَقَّ بِنَصِّ كَلاَمِ اللَّهِ تَعَالَى جَزَاءً لِكَسْبِهِ ذَلِكَ قَطْعَ يَدِهِ نَكَالاً‏.‏ وَبِالضَّرُورَةِ الْحِسِّيَّةِ ‏,‏ وَبِاللُّغَةِ يَدْرِي كُل ُّأَحَدٍ يَدْرِي اللُّغَةَ أَنَّ مَنْ سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ أَوْ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ فَإِنَّهُ ‏”‏ سَارِقٌ ‏”‏ وَأَنَّهُ قَدْ اكْتَسَبَ سَرِقَةً ‏,‏ لاَ خِلاَفَ فِي ذَلِكَ ‏,‏
فَإِذْ هُوَ سَارِقٌ مُكْتَسِبٌ سَرِقَةً ‏,‏ فَقَطْعُ يَدِهِ وَاجِبٌ‏,‏ بِنَصِّ الْقُرْآنِ ‏,‏وَلاَ يَحِلُّ أَنْ يُخَصَّ الْقُرْآنُ بِالظَّنِّ الْكَاذِبِ ‏,‏وَلاَ بِالدَّعْوَى الْعَارِيَّةِ مِنْ الْبُرْهَانِ‏.‏ فَإِنَّ مَنْ قَالَ ‏:‏إنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَرَادَ فِي هَذِهِ الآيَةِ مَنْ سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ‏,‏ فَإِنَّهُ مُخْبِرٌ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى ‏,‏ وَالْمُخْبِرُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا لَمْ يُخْبِرْ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ ‏,‏ وَلاَ أَخْبَرَ بِهِ عَنْهُ نَبِيُّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ قَالَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى الْكَذِبَ ‏,‏ وَقَالَ مَا لاَ يَعْلَمْ ‏,‏ وَقَفَا مَا لاَ عِلْمَ لَهُ بِهِ وَهَذَا عَظِيمٌ جِدًّا‏.‏ ” اهـــــــ

عن عمرو الشاعر

كاتب، محاضر لغة ألمانية مدير مركز أركادا للغات والثقافة بالمنصورة، إمام وخطيب يحاول أن يفهم النص بالواقع، وأن يصلح الواقع بالنص وبالعقل وبالقلب. نظم -وينظم- العديد من الأنشطة الثقافية وشارك في أخرى سواء أونلاين أو على أرض الواقع. مر بالعديد من التحولات الفكرية، قديما كان ينعت نفسه بالإسلامي، والآن يعتبر نفسه متفكرا غير ذي إيدولوجية.

شاهد أيضاً

مثلث الخرافة III المهدي المنتظر

والعجيب أن أهل السنة يعيبون على الشيعة قولهم بالوحي للأئمة بعد الرسول ويعيبون على الأحمدية نفس الشيء وهم يقولون بشبيهه-- فالناظر في الروايات يجد أن المهدي يصلحه الله في ليلة، أي أنه لم يكن صالحا، ولست أدري هل يُخبر في هذا الإصلاح أنه المهدي أم لا يخبر؟ فإذا أخبر فهو وحي، ولا يحتج أحد بأنه قد يكون في المنام فالمرء يرى في المنام العجب العجاب ولو صدقت أنا –أو غيري- ما أراه في المنام وتحركت على هداه فستكون كوارث كبرى. والظاهر أنه لا يخبر ولا يكون عالما أنه المهدي، وهنا يحق لنا أن نسأل: كيف سيعلم من سيبايعوه أنه هو المهدي إذا كان هو نفسه لا يعلم؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.